دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
مظهر محمد صالح
2026 / 3 / 19 - 02:53
في سنوات الحصار، لم تكن دموع الآباء تُرى بسهولة.
كنا نخفيها خلف ابتسامات متعبة حتى لا يكتشف الأطفال أن الفقر يسكن معنا في البيت.
لكن ذات مساء في شارع عمر بن عبد العزيز في الأعظمية، جعلتني طفلة في الرابعة من عمرها أبكي… دون أن تدري.
كان الحصار الاقتصادي يومها يسير بين بيوت بغداد كضيف ثقيل لا يستأذن أحدًا. تسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى كاد يكسر ظهر المعيشة ويبعثر ما تبقى من تماسك الطبقة الوسطى التي كانت يومًا عماد المجتمع. استلمت راتبي الشهري، ذلك الراتب الذي لم يعد يكفي لإطعام أطفالي الخمسة. كان العوز يشق طريقه في حياتنا بلا خجل، فيما كانت الطبقة الوسطى تتآكل ببطء، وقد سبقتها الطبقة الفقيرة إلى قاع الحاجة.
ومع ذلك، بقيت الأعظمية محافظة على شيء من رونقها القديم، كأنها تقاوم الزمن بذاكرة الجمال التي تسكن شوارعها. وفي مساء هادئ، اصطحبت ابنتي الصغيرة زهراء، ذات السنوات الأربع، لنتمشى في شارع عمر بن عبد العزيز، أحد أجمل شوارع بغداد يومها.
كانت تمسك بيدي بخفة طفولية، تقفز خطوة وتتأمل أخرى، قبل أن تتوقف فجأة أمام محل صغير للأكلات السريعة. رفعت رأسها نحوي وقالت ببراءة:
«أبتي… هذا محل للبرغر… وأنا أحب رائحة الشواء».
اقتربنا قليلًا. كان المطعم شبه خالٍ، فالأيام حينها لم تكن تسمح برفاهية الشراء. سألت عن السعر، فإذا بالسندويچ الواحد يلتهم ما يقارب نصف راتبي الشهري.
ترددت لحظة.
نظرت زهراء إلى وجهي، ثم إلى جيبي، ثم أعادت نظرها إلى واجهة المطعم.
قالت بهدوء يفوق عمرها:
«لا أبتي… لا أريده… إنه غالٍ جدًا… ربما عندما أكبر أشتريه لك أنا».
سكتُّ طويلًا.
تحجرت الدموع في عيني كأنها حجر من ألم.
كبرت زهراء وهي تحمل في روحها حساسية خاصة تجاه الكفاح والاجتهاد. درست بإصرار حتى أنهت المرحلة الإعدادية وكانت السادسة على مدارس بغداد. ثم واصلت الطريق بلا توقف حتى أصبحت طبيبة، وأكملت دراستها العليا في الطب.
تلك الذكرى لم تمحها الأيام، بل حولتها زهراء إلى طاقة للحياة. وهكذا تصنع الشدائد أجيالًا تتعلم أن تتسلق الجبال بدل أن تموت في الحفر.
وقبل أيام قليلة مررت ليلًا في شارع عمر بن عبد العزيز وشارع الضباط المجاور له. لم أزر المكان منذ أكثر من عشرين عامًا.
وقفت مذهولًا…
الشارع الذي عرفته يومًا هادئًا صار عالمًا نابضًا بالحياة. سلاسل المطاعم والكافيتريات تملأ المكان، والشباب من جيل جديد يتجمعون كالنحل في فضاءات الفرح العائلي. أضواء لامعة، وملابس أنيقة، وروائح الطعام تملأ الهواء، وضحكات تتطاير بين الطاولات.
هناك… في المكان نفسه… عاد إليّ صوت زهراء الصغيرة:
«لا أبتي… لا أريده… إنه غالٍ جدًا».
تذكرت دمعتها التي لم تسقط… ودمعتي التي تحجرت يومها.
وقفت طويلًا أراقب أضواء المطاعم وضحكات الشباب في ليل الأعظمية. مرّ طفل صغير يمسك بيد أبيه ويتطلع بشغف إلى واجهة أحد المطاعم. ابتسم الأب واشترى له ما يريد دون تردد.
ابتسمت أنا أيضًا… وتذكرت زهراء.
عندها أدركت أن دموع الحصار القديمة لم تكن دموع هزيمة، بل كانت بذورًا صامتة نبتت في قلوب جيل كامل.
فالأوطان يا زهراء…
قد يجوع أطفالها يومًا،
لكنها لا تموت أبدًا، ما دام فيهم من يحوّل الألم إلى حياة.