أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة


مظهر محمد صالح
2026 / 3 / 17 - 00:09     

مرت أربعون عامًا على ميلاد ولدي البكر، وما زلت أذكر ذلك اليوم كما لو كان الأمس. كان يومها ظهيرة شتوية قاسية في أونتاريو، حين هبطت درجات الحرارة حتى اكتست الأرض بطبقات كثيفة من الثلج الأبيض. تراكمت الرقائق فوق بعضها، فبدت تضاريسها في عينيّ القادم من الشرق أشبه بكثبان رملية في صحراء بعيدة.
هناك، في ذلك المشهد المتناقض، التقت ذرات الرمل الدافئة برقاقات الثلج الباردة، لتتشكل لوحة سيريالية من لوحات الطبيعة التي لا يجيد رسمها إلا الخالق.

وقفت أتأمل نجلي اليوم، وقد شاب رأسه قليلًا، وهو يحمل طفله ذو الأشهر القليلة بين ذراعيه. كان الصغير يرسل ابتسامات وديعة، وشعره الأشقر يلمع تحت ضوء الشتاء الخافت.
في تلك اللحظة اختلطت الصور في ذاكرتي ، فلم أعد أميز بين الابن الذي حملته يومًا، والحفيد الذي يحمله اليوم.
وعادت بي الذاكرة إلى ذلك الشتاء البعيد، يوم جاء نجلي إلى الدنيا في أرض الثلج.

كنت يومها طالبًا في الجامعة، وفي صباح اليوم التالي لولادته ذهبت إلى الحرم الجامعي، وما إن وصلت حتى انهالت عليّ التهاني من زملائي. بين هؤلاء كان شاب عربي من بلادنا الجميلة، يدرس لنيل الدكتوراه في علم الرياضيات. جلس إلى جانبي وأخذ يحدثني بحماسة عن تقاليد استقبال المولود في بلادنا، وعن أهمية العقيقة التي يُنذر بها المولود الجديد شكرًا لله على نعمته. شرح لي بعقل رياضي منظم أن من تقاليدنا أن تُذبح الأضحية قبل أن ينقضي اليوم السابع من ميلاد الطفل.

كنت أستمع إليه وأفكاري تسافر بعيدًا إلى بلادي حيث كان أداء هذه التقاليد أمرًا يسيرًا وبسيطًا. تذكرت العم غفوري، قصاب مدينتنا الطيب، الذي كان يحضر الذبائح من سوق الماشية ويهيئها للنذور والأضاحي. ثم عدت بنظري إلى زميلي وأنا أتساءل في سري: كيف يمكن أن تُقام هذه العادة الشرقية في مجتمع تحكمه ضوابط مؤسساتية دقيقة وأطر قانونية صارمة؟

ابتسم الرجل ابتسامة واسعة وقال:

ما عليك إلا أن تحضر معك بضعة دولارات، ونذهب غدًا إلى ريف أونتاريو لنعد عقيقة ولدك البكر.
أليس جديرًا بولي العهد أن نتمم تقاليدنا المباركة بقدومه؟

في اليوم التالي انطلقت بنا حافلة صغيرة تشق طريقها بين كثبان الثلج نحو إحدى المزارع الكبيرة في ريف هاملتون. وما إن اقتربنا من المزرعة حتى استقبلتنا نباحات الكلاب ، الحارس الأمين لتلك الحقول العامرة بالثروة الحيوانية.

خرج إلينا صاحب المزرعة، رجل ممشوق القامة يرتدي قبعة رعاة البقر ، كان على اطلاع لا بأس به بعاداتنا. بادرني بالسؤال عن المولود وعن صحة أمه، فأجبته بأنهما بخير. ابتسم وقال بلطف:

يمكنكما اختيار الشاة التي ترغبان فيها.

أشرنا إلى واحدة من القطيع، فهز رأسه موافقًا وقال:

انتظرا لحظات ريثما نستكمل عقيقة ابنكما أيها القادمون من شرق المتوسط.

بدافع الفضول سألته عن أصله، فأجاب مبتسمًا:

إن أجدادي قدموا من أرياف اسكتلندا.

اقتاد الرجل الشاة جانبًا، ثم اقتطع منها قطعة معدنية صغيرة معلقة في جسمها تحمل رقمًا متسلسلًا ورمزًا خاصًا، وسجل الرقم بعناية في سجل أنيق. أثار ذلك دهشتي، إذ تذكرت كيف كانت تباع الماشية في بلادي ببساطة لا تعرف هذه الإجراءات.
سألته عن سبب هذا التسجيل، فأجابني فورًا:

أنا مسؤول أمام الجهاز المركزي الكندي للإحصاء، ويجب أن أسجل أن هذه الشاة خرجت من أصول الثروة الحيوانية وذهبت إلى الاستهلاك.

هنا شد انتباهي أن هذه القطعة المعدنية كانت بمثابة بطاقة هوية للشاة، تحكي تاريخها وتثبت أصالتها. فهي ليست مجرد كائن في حضيرة الماشية، بل وثيقة رسمية تربطها بالسجل الوطني للمواشي. ومن خلالها، يلتقي النظام بدقة الريف الكندي مع تقاليدنا الشرقية، لتصبح العقيقة أكثر من طقس، بل احتفالًا بهوية الشاة وحقها في أن تُعرف قبل أن تُهديَّ للحياة الجديدة للطفل.

شد انتباهي أيضًا وجود غرفة خشبية مهيأة خصيصًا لذبح الشاة، مجهزة بوسائل حديثة ونظافة لافتة. تولى صديقي، الذي يجيد أداء الذبح وفق الطريقة الشرعية، إتمام العقيقة. دفعنا يومها خمسة وسبعين دولارًا ثمن الشاة، وعدنا نحمل معنا لحمها.

أهديت نصف اللحم لعائلة زميلي، أما النصف الآخر فقد حيرني أمر توزيعه في بلد لم أكن أعرف فيه الكثير من الناس.

مضت الأعوام…

و قبل أيام قليلة ذهبت لأشتري شاة من سلالة العواسي العراقية، التي ترعى أعشاب وادي الرافدين وتشتهر بلحمها الزكي الذي لا ينافسه طعم في رأيي. لكن ما لفت نظري في سوق الماشية لوحة تسعير تشير إلى أنواع مختلفة من الأغنام المستوردة، أرخص وأقل مذاقًا.
سألت صاحب الماشية عن الفرق، فأجابني بأن الشِيَاه القادمة من أرض الرافدين تبقى الأعلى سعرًا ، ثم تساءلت:

هل تقتضي الأضحية اليوم أن تكون الشاة من سلالات بلادنا حصراً؟

ابتسم الرجل وقال:
اليوم السعر هو الذي يحكم. فالشاة المحلية الغالية يشتريها من يستطيع، أما المستوردة فهي خيار الطبقات المتوسطة.

عندها قلت في نفسي:
إن الأضحية في أصلها نصيب للفقراء والجيران والأهل. فمن حالفه الحظ قد تصلهم هدية من لحم الرافدين الزكي الغالي، ومن كان حظه أقل ربما يصلهم نصيب من شاة مستوردة… وربما، كما حدث يومًا، من شاة جاءت من ريف أونتاريو البعيد.

وفي صمت الثلج الذي يغطي أونتاريو، وبين دفء الذكريات، أدركت أن الأضحية ليست مجرد لحم يُذبح، بل نبض قلوب، وغناء أجيال، وجسر يربط الأمس بالحاضر، والحاضر بالمستقبل. هي فرح متوارث، وشكر لا يذوي، ودفء يبقى حيًّا في أعماقنا مهما طال الزمن، تذكير بأن كل مولود جديد وعد بالحياة، وكل تقليد حي نور يستمر في عروقنا.