|
|
غلق | | مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار | |
|
خيارات وادوات |
|
|
استغلال المناصب
حين تتحول السلطة إلى غنيمة حزبية يمكن القول إن واحدة من أخطر أزمات الدولة العراقية بعد 2003 لم تكن فقط في ضعف المؤسسات أو هشاشة القوانين، بل في الطريقة التي جرى بها التعامل مع المنصب العام بوصفه ملكًا حزبيًا لا أمانة وطنية، حيث برزت الأحزاب الإسلامية بوصفها اللاعب الأكثر حضورًا في هذا المشهد، لا من حيث الخطاب الديني الذي رفعته، بل من حيث الممارسة السياسية التي مارستها، إذ تحولت الوزارات والهيئات المستقلة والدرجات الخاصة إلى أدوات لتعزيز النفوذ الحزبي، وتمويل التنظيم، وترسيخ الولاءات، بدل أن تكون وسائل لخدمة المواطن وبناء الدولة، فالموقع الوظيفي لم يعد يُمنح على أساس الكفاءة أو الخبرة، بل على أساس القرب العقائدي والانتماء التنظيمي، وأحيانًا على أساس الطاعة العمياء، وهو ما أنتج جهازًا إداريًا مترهلًا، يفتقر إلى المهنية، ويعجز عن اتخاذ القرار المستقل، لأن قراره الحقيقي يأتي من خارج الدولة، من مكتب حزب أو جهة دينية أو زعيم سياسي، وهنا تبدأ الكارثة، إذ تُفرغ الدولة من مضمونها، وتتحول إلى واجهة شكلية تُدار من الخلف، وتُستخدم القوانين فيها بانتقائية، فحين يكون القانون في مصلحة الحزب يُطبّق بحزم، وحين يكون ضده يُعطّل أو يُفسّر أو يُنسى، وفي ظل هذا الواقع جرى استغلال المناصب لتحقيق مكاسب اقتصادية هائلة، من خلال العقود الوهمية، والمشاريع المتلكئة، وتعيينات المحسوبية، والرواتب المزدوجة، والفضائيين، حتى أصبح المال العام موردًا حزبيًا غير معلن، يُصرف على الحملات الانتخابية، وعلى شراء الولاءات، وعلى توسيع الشبكات التابعة، بينما بقي المواطن يواجه الفقر، والبطالة، وانهيار الخدمات، دون أن يجد من يُحاسب أو يُسأل، لأن منظومة الاستغلال هذه محمية سياسيًا ودينيًا، وتُقدَّم دائمًا تحت عناوين “المظلومية” أو “حماية المذهب” أو “الدفاع عن الهوية”، وهي عناوين استُهلكت حتى فقدت معناها، بل تحولت إلى غطاء أخلاقي لتبرير الفشل والفساد، والمفارقة أن هذه الأحزاب التي رفعت شعار الإسلام والأخلاق، ساهمت عمليًا في تشويه صورة الدين في الوعي العام، حين ربطت بين التدين والفساد، وبين الشعارات الدينية وسوء الإدارة، فصار المواطن يرى في الخطاب الديني السياسي أداة للهيمنة لا وسيلة للإصلاح، ومع مرور الوقت تراكم الإحباط الشعبي، وبرزت فجوة عميقة بين السلطة والمجتمع، فجوة غذّتها سياسات الإقصاء، وقمع الأصوات الناقدة، وتكميم الإعلام، واستخدام أجهزة الدولة أحيانًا لحماية الفاسدين بدل ملاحقتهم، وبذلك لم يعد استغلال المنصب حالة فردية أو انحرافًا عابرًا، بل أصبح بنية كاملة، ونمط حكم، وثقافة سياسية، لا يمكن معالجتها بشعارات الإصلاح السريعة، بل بإعادة تعريف المنصب العام بوصفه مسؤولية لا غنيمة، وبفصل الدين عن المصالح الحزبية، وبإحياء مفهوم الدولة التي تقف على مسافة واحدة من الجميع، لأن بقاء الحال على ما هو عليه لا يعني فقط استمرار الفساد، بل يعني تآكل ما تبقى من ثقة المجتمع، وتحويل الدولة إلى كيان هش، يعيش على إدارة الأزمات لا حلّها، وهو ثمن يدفعه العراقيون يوميًا، بينما يتقاسم آخرون السلطة باسم الدين، ويمارسون السياسة بلا أخلاق.
|
|
||||