أكثر من عقدين ونحن معا ... في ذكرى ينار محمد
قاسم علي فنجان
2026 / 3 / 5 - 00:47
لم اصدق يوما أني اكتب عن ينار محمد رثاء او نعي، بسبب انني كنت قريب منها جدا، وعندما تكون قريب من شخص فأنك تستبعد تماما فكرة ان يحصل له مكروه، خصوصا الموت، فلا يمكن ان اصدق انها قتلت، لكن يبدو الامر حقيقيا، صحيح أني لم استوعب الامر بعد اول اتصال، لكن عندما ذهبت الى "الطب العدلي" وتسلمنا الجثمان، وبعدها ذهبنا الى المقبرة لإجراء مراسم الدفن، عند ذاك ايقنت ان ينار رحلت الى الابد.
تعرفت على ينار بعد احداث 2003، عند عودة الحزب الشيوعي العمالي للعمل العلني، سارعت ينار لتأسيس منظمة حرية المرأة مع لفيف من الرفيقات والرفاق، ومنذ ذلك التاريخ رافقت ينار، في جريدة المساواة وفي إذاعة المساواة وفي المظاهرات والوقفات والمسيرات والاحتفالات والمؤتمرات.
لم أكن على وئام او توافق معها طيلة الوقت، فبعضا من سياساتها الإدارية داخل منظمة حرية المرأة لم تكن دقيقة، بل انني انزعجت بشدة عندما وافقت على استلام جائزة حقوق الانسان من السفير الألماني، والجميع يعرف ان السفارة الألمانية في بغداد باركت إقرار المدونة الجعفرية، وان السفير الألماني كان دائم الزيارة للوقف السني، أي انهم منافقين قذرين جدا. حقيقة لم ابين لها مدى انزعاجي من تلك الخطوة، بسبب احترامي الشديد لها.
كانت جريئة جدا، في يوم من أيام انتفاضة أكتوبر-تشرين 2019، وفي ساحة التحرير وسط بغداد القت خطابا هاجمت فيه بشدة الظلامية الإسلامية، كان من الحاضرين من الجمهور افراد من "القبعات الزرق"، هؤلاء اتصلوا بقيادتهم ليأتوا مجموعة كبيرة لاعتقال ينار، لكننا قد نجحنا في تهريبها من ساحة التحرير في اللحظات الأخيرة.
شجاعة جدا، امرأة من عائلة ثرية، تسكن كندا، تأتي الى العراق، تدافع فيه عن النساء المعنفات والهاربات من القتل، تتكلم بالمساواة وسط بيئة إسلامية متخلفة ورجعية حد النخاع، تتحدث عن حرية المرأة في ظل سلطة إسلامية ذكورية الى ابعد الحدود، تؤسس بيوت "مأوى" للهاربات من العنف والقتل، اليست هذه شجاعة.
كنت أتوقع ان يقوم الإسلاميين الاوغاد بمحاولة اغتيالها، لكن كنت أقول مع نفسي انهم سيخيفونها فقط، فلا يمكن ان يجرئوا على قتلها، لكنهم أرسلوا خفافيشهم الظلامية، اثنان يستقلان دراجة، عند الساعة التاسعة صباحا، كانت تتهيأ للذهاب الى المنظمة، نزل أحدهم تسلق الباب الرئيس، دخل الى البيت، يحمل مسدسا كاتما للصوت، اجلس ينار على كرسي، ليطلق عليها النار في الرأس، ويرديها قتيلة، ويلوذ بالفرار.
هكذا، وبكل بساطة عند هؤلاء القتلة، مجرمي الإسلام السياسي الفاشي، تقتل ينار، احدى ايقونات النضال النسوي، كانت قد اوجعتهم، فهي الوحيدة بشكل مطلق وأكيد من خرجت بتظاهرة على الشابة "مهسا اميني"، وهي الوحيدة بشكل اكيد ومطلق من خرجت منذ البدء على القانون الجعفري والمدونة الجعفرية، هي الوحيدة بشكل اكيد ومطلق من اسست جريدة وإذاعة المساواة، فجميع منظمات المجتمع المدني لا تملك جريدة بهذه القوة والجرأة ولا تملك إذاعة مثل المساواة.
(("مضت"! يا لها من كلمة حمقاء. لماذا "مضت"؟ "مضت" و "العدم المحض" هما شيء واحد! أي معنى اذن في هذا الخلق الابدي! ما يخلق مآله الى العدم!
"ها هي ذا مضت" ماذا ينبغي أن يقرأ من هذه العبارة؟ انها كما لم يكن قد وجدت، ومع ذلك فهي تدور دورتها كما لو كانت موجودة))
هكذا يختم غوته ملحمته "فاوست" مع بعض التعديل، فما الذي يعني ان ينار مضت؟
الذكرى العطرة والطيبة لك عزيزتي ينار، لترقدي بسلام في هذا البلد المقبرة
والخزي والعار والشنار لقوى الإسلام السياسي