الأرضُ التي لا تُسمّى (الجرحُ هو الدليل في حافّةِ الصمتِ الأخير)


سعد محمد مهدي غلام
2026 / 2 / 19 - 14:03     

1
مَنْ يَحْمِلُ النَّجْمَ
حينَ يَغيبُ الدَّليلُ
وتنطفئُ الجهاتُ كلُّها؟

مَنْ يُوقِظُ الأرضَ
إذا نامَ المسيلُ في عروقها
وصارَ النهرُ ذكرى؟

من زمنٍ بعيدٍ
لم يُكتَب اسمُه بعدُ
قالت الشجرةُ

لا

لن أُعطي ثمرتي
لجائعٍ لا يعرفُ الجذرَ
ولا ينحني ليسمعَ
نبضَ ما تحته

لن أمدَّ ساقي
نحو سحابةٍ
وجهُها قمرٌ مستعار
وجوفُها بلا مطر
2
مَنْ يزرعُ الوردَ
في أرضٍ
لم يعلَق بها المطر؟

مَنْ يسمعُ الصمتَ
حين يصيرُ نشيدَ حربٍ
ويرتفعُ فوق البيوت؟

من زمنٍ
ذابَ كالدخان
قالت الرمالُ

لا

لن أحفظَ خطوَ مسافرٍ
يمشي ولا ينظرُ للنجوم
كأنَّ السماءَ
ليست جهةً.

لن أُخبّئ الماء
في كفٍّ لا ترتجفُ
حين يعطشُ الغيم

أمشي في داخلي
وصوتي يسبقني

ليلُ الأسئلةِ
أثقلُ من صدري،
والفجرُ
ما زال يتعلّم الطريق

كيف نخرجُ
من كونٍ
ضاق حتى على أنفاسه؟
3
أدورُ
في متاهةِ الأيام

وظلّي يتقدّمني
كأنّه يعرفُ الطريقَ أكثرَ مني

ثلجُ السنينِ
ما زال على القلب،
لم يذبْ،
ولم يشتعل

والشمسُ
التي أقولُ إنها ستجيء
ما زلتُ أجهلُ
من أيِّ جهةٍ تولد

أمن الشرق
حيث يبدأ الضوء
رفيفًا كاعتراف؟

أم من الغرب
حيث يتعلّم الرملُ
فنَّ المحو؟

أم من الداخل
حيث لا أُجرؤُ
على النظر في المرآة؟
4
لي في كلِّ فجرٍ
حزنٌ
لم أجد له اسمًا

وفي كلِّ شمسٍ تتأخرُ
لمعةٌ
تأتي خجِلًا

ذكرياتي
إشاراتُ ضوءٍ
تلوّحُ في هواءٍ لا يثبت

أعودُ
كأنني لم أغادر

أضعُ قدمي
على أوّلِ الطريق،
وأرى على الأفق
وهمَ ابتسامةٍ
يختبرُ شفتيّ اليابستين

أسألها

هل تعيدينني إلى برٍّ
كنتُ أظنه ثابتًا؟

أم تمضين بي
إلى ما لا نهاية
صامتةً؟
5
لي في كلِّ خسارةٍ
كتابٌ مغلق

وفي كلِّ وداعٍ
حبرٌ
لم يجفّ

جراحي
ليست على الجلد،
بل في النبض،
في همسةِ الليل
قبل أن تُقال،
في عينِ أمٍّ
ترى ابنها
يمضي
ولا يلتفت

أنا في كلِّ هذا،
وخارجُ كلِّ هذا
6
من يعيدُ الطائرَ
إلى العشِّ
بعد أن اختارَ الصياح؟

من يرجعُ الماءَ
إلى النبع
بعد أن تعلّم الجريان؟

من زمنٍ
لم يولد بعد
قالت الريح :

لا

لن أحملَ البشارةَ
إلى قلبٍ
أغلق نوافذه
في وجه المطر.

لن أرسلَ الرسالةَ
إلى حجرٍ
لا يسمعُ النداء
ولا ينتظرُ المعجزة.
7
لكن

في عينيكِ
شيءٌ
كالنجمةِ في ليلةٍ بلا قمر،
كالنسغِ
في شجرةٍ
ظنَّها العابرون يبابًا

ككلمةِ حبٍّ
ضاعت
في ضجيج الحرب
ولم تفقد معناها

فأقولُ لكِ
وأنا أعرفُ
أن الكلام
لا يعيدُ ما مضى

ربما
في البحرِ
مرفأٌ
لم نره

وربما
في الدمعِ
بصيرةٌ
تتعلم أن ترى

وربما
في القلبِ
بقيةُ نورٍ
نسينا اسمه
8
ناديتُ نفسي
في الممرِّ الطويل

فعاد الصدى
غريبًا

قال:
لستَ وحيدًا،
لكن صوتكَ
ليس أنت

متى صرتَ
هذا الغريب
الذي تسكنه؟
9
أنظرُ إلى وجهي
في زجاجٍ
لا يعكسني تمامًا

رجلٌ
يحملُ مفتاحًا
ولا يتذكّر
أيَّ بابٍ يقصده

رجلٌ
يبحثُ عن اسمه
في جيوبه،
كأنّ البيت
احترق
قبل أن يعود
10
أسألكِ

أهذا الجرحُ
يتنكّرُ في زيِّ شفاء؟

أهذا السؤالُ
يخشى ظلَّه؟

أنتِ في داخلي
وأنا فيكِ

نبحثُ عن عذرٍ
للمسافة
11
قلتِ:
الحبُّ
ليس طريقًا مستقيمًا

هو متاهة
ندخلها
فتسقطُ أسماؤنا

نضيعُ
فنرى
12
فصرتُ أسمعكِ
في همسةِ الريح،
في الصمتِ
قبل أن يتحرّك الماء،
في المسافةِ
بين نبضتين

هناك
يتحوّل كلُّ شيء

قلتُ:
إذا ضِعنا معًا،
عدنا
13
ما اسمُ هذه الأرض
التي نمشي عليها
ولا تسجّلها الخرائط؟

أرضٌ
لا حدودَ لها،
ولا شمسَ
تعرفُ متى تغيب
14
سألتُ الطريقَ:
إلى أين؟

فصمتَ طويلًا،
ثم قال:
لا تسألني عن الوجهة

أنا
لستُ طريقًا،
أنا
جرحٌ
في جسدِ الزمن
15
النهرُ هنا
لا يجري،
يتساقطُ
كدمعٍ بارد

يحملُ ورقةً
عليها اسمٌ
لم يُنادَ به منذ سنين

هل كان اسمي؟
أم اسمكِ؟
أم حلمٌ
تأخّر في الرحيل؟
16
رأيتُ شجرةً
على تلٍّ بعيد

لا ماءَ.
لا عصفورَ

ومع ذلك
تزهر
17
قلتُ لها:
كيف تزهرين؟

هزّت الأغصان
وسكتت

لم تنتظر
أحدًا

أزهرت
18
وقفتُ طويلًا
أصغي
إلى الأرض
التي لا تُسمّى

الأشياء
بلا أسماء
ومع ذلك
تقول:

أنا هنا
أنا موجود
رغم كلِّ شيء
أنا هنا

كودا

(نشيد الحضور)

أمشي

في قلبي
مفتاحٌ
لأبوابٍ
نسيتُها

أكتبُ على التراب:
سأبقى

ما دام في اللفظِ
نَفَس

ما دام في الصمت
باب

أقولُ للأرض
التي لا تُسمّى:

لستِ خاتمة

أنتِ
البداية