|
|
غلق | | مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار | |
|
خيارات وادوات |
|
|
مبدأ النعت وشرف الخصومة
في مرحلة معيّنة يمرّ بها العراق، لم يعد حبّ الوطن فضيلة تُحترم، بل صار تهمة جاهزة تُرمى في وجه كل من يرفع صوته خارج القطيع، فكل من يطالب بدولة، أو قانون، أو كرامة، أو سيادة، يُسارعون إلى نَعته بأقبح المسميات وأسهلها تداولًا، فيقال عنه “بعثي” وكأن الانتماء للوطن لا بد أن يُختزل بتاريخ مظلم، أو يُقال “ابن السفارة” وكأن الوطنية لا تكون إلا ببطاقة ولاء، أو تُرمى عليه مسميات أخرى لا تقل انحطاطًا، تصل أحيانًا إلى حد الإسفاف الأخلاقي حين يُقال له “اعمل تحليل DNA” في إشارة مقصودة إلى التشكيك في نسبه وشرفه، وهي ذروة السقوط في الخصومة، لأن من يعجز عن مجابهة الفكرة، يطعن في الأصل، ومن لا يملك حجة، يبحث عن إهانة، وهنا يظهر بوضوح غياب ما يمكن تسميته بـ”شرف الخصومة”، ذلك المبدأ الذي يفترض أن يكون الخلاف فيه حول الرأي والموقف لا حول النَسَب والهوية والكرامة، فشرف الخصومة يعني أن تختلف مع خصمك دون أن تسقط إنسانيته، وأن تناقش فكرته دون أن تُدنّس عرضه، وأن تواجه موقفه بحجة لا بشتيمة، لكن ما يحدث اليوم هو عكس ذلك تمامًا، إذ تحوّل النعت إلى أداة سياسية رخيصة، تُستخدم لإسكات الأصوات الحرة، ولتشويه كل من يخرج عن السردية الجاهزة، فالوطني يُتهم بالبعثية، والمستقل يُتهم بالعمالة، والناقد يُتهم بأنه مدفوع من الخارج، وكأن حب العراق صار حكرًا على جهة، أو حزب، أو خطاب، وكأن الوطن شركة مسجّلة بأسماء محددة، من لا يحمل ختمها يُعتبر دخيلًا، والأخطر من ذلك أن هذا النعت لا يُستخدم فقط لإقصاء الرأي، بل لتبرير القمع، فحين يُوصم الإنسان بأنه “بعثي” أو “ابن السفارة” يصبح استهدافه مبررًا، ويُرفع عنه غطاء التعاطف، وتُسلب منه شرعية الكلام، وهنا تتحول اللغة من وسيلة تواصل إلى سلاح، ومن أداة نقاش إلى أداة اغتيال معنوي، أما عبارة “اعمل تحليل DNA” فهي ليست مجرد شتيمة عابرة، بل إعلان فاضح عن إفلاس أخلاقي، لأنها تنقل الصراع من السياسة إلى الحضيض، وتكشف أن من يستخدمها لا يؤمن لا بوطن، ولا بقيم، ولا حتى بأبسط قواعد الاحترام، فالذي يشكك في نسب غيره لأنه يختلف معه، هو في الحقيقة يشكك بنفسه وبما يدافع عنه، لأن القضايا العادلة لا تحتاج إلى هذا المستوى من الانحدار للدفاع عنها، إن شرف الخصومة ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة لبقاء المجتمع متماسكًا، فحين تُكسر هذه القاعدة، يصبح الجميع أعداء، ويصير الحوار مستحيلًا، وتتحول السياسة إلى ساحة سباب، والوطن إلى ضحية، لذلك فإن أخطر ما يواجهه العراق اليوم ليس فقط الفساد أو الفشل، بل هذه الثقافة التي تُجرّم الوطنية، وتكافئ النفاق، وتُحوّل النعت إلى بديل عن الفكر، والإهانة إلى بديل عن الحجة، وفي ظل هذا الواقع، يبقى حب الوطن موقفًا شجاعًا، لأن من يحب العراق اليوم، عليه أن يتحمّل أن يُنعت، وأن يُشوَّه، وأن يُشكك في أصله، لكنه في المقابل، يحفظ لنفسه شرف الخصومة، ويترك للتاريخ أن يفرز من كان وطنيًا حقًا، ومن كان مجرد صراخ بلا أخلاق.
|
|
||||