إشكاليَّةُ الهُوِيَّةِ والتَّسميةِ عِندَ مَسيحيِّي المَشرِق مُقارَبةٌ تاريخيَّة – عِلميَّة تَوافُقيَّة
اسحق قومي
2026 / 1 / 4 - 15:43
مُقَدِّمَة
تُعَدُّ مسألةُ الهُوِيَّةِ والتَّسميةِ لدى مَسيحيِّي المَشرِق من أكثرِ القضايا إشكاليَّةً وحَساسيَّةً في الخِطابِ الثَّقافيِّ والسِّياسيِّ المُعاصِر. فالانقسامُ القائمُ بين تسمياتٍ مثل: الآشوريين، والسُّريان، والكلدان، والموارنة، لا يُعبِّر بالضَّرورة عن تمايُزاتٍ إثنيَّةٍ صافية، بقدرِ ما يعكسُ تراكُمًا تاريخيًّا ولُغويًّا وكنَسيًّا وسِياسيًّا مُعقَّدًا امتدَّ عبر قرونٍ طويلة.
وقد تحوَّل هذا التعدُّدُ في التَّسميات، نتيجةَ غيابِ قراءةٍ علميَّةٍ منهجيَّة، من عنصرِ غِنى حضاريٍّ إلى عاملِ انقسامٍ داخليٍّ، أضعفَ الوعيَ القوميَّ، وأسهم في تشتيتِ الجهودِ الجماعيَّة في مواجهةِ التحدِّياتِ الوجوديَّة التي تُحدِقُ بهذا المكوِّنِ التاريخيِّ الأصيل في المَشرِق.
أوَّلًا: الإطارُ التاريخيُّ لنشأةِ التَّسميات
تُظهِرُ الدِّراساتُ التاريخيَّةُ واللُّغويَّةُ أنَّ منطقةَ الهلالِ الخصيب، ولا سيَّما بلادَ ما بين النهرين وبلادَ الشام، شهدت تداخلًا عميقًا بين شعوبٍ ساميَّةٍ متقاربةٍ في اللُّغةِ والثقافة. فقد شكَّل الآشوريون كيانًا حضاريًّا–سياسيًّا بارزًا في العصورِ القديمة، في حين دلَّ مصطلحُ (الآراميين) على انتشارٍ لغويٍّ وثقافيٍّ واسعٍ منذ الألفِ الأوَّلِ قبل الميلاد، حين غدت الآراميَّة لغةَ التواصُلِ والإدارةِ في معظمِ مناطقِ الشَّرقِ الأدنى.
ومع انتشارِ المسيحيَّة، تطوَّرت الآراميَّة بلهجاتِها المختلفة إلى ما يُعرَف اصطلاحًا بـ(السُّريانيَّة)، وهي في جوهرِها تطوُّرٌ ثقافيٌّ–دينيٌّ للُّغةِ الآراميَّة، لا قطيعةٌ معها. وبناءً عليه، فإنَّ السُّريانيَّة لا تُشكِّل نقيضًا للآشوريَّة، كما أنَّ الآشوريَّة ليست نفيًا للسُّريانيَّة، بل إنَّ العلاقةَ بينهما علاقةُ تداخُلٍ تاريخيٍّ: آشوريَّةٌ بوصفِها تعبيرًا حضاريًّا–سياسيًّا تاريخيًّا، وسُريانيَّةٌ بوصفِها إطارًا لغويًّا–ثقافيًّا–لاهوتيًّا جامعًا.
ثانيًا: البُعدُ الكَنَسيُّ ودَورُه في تكريسِ التعدُّد
أسهمتِ الانقساماتُ الكَنَسيَّةُ منذ القرونِ الأولى للمسيحيَّة في ترسيخِ تسمياتٍ فرعيَّةٍ ارتبطت بالمؤسَّسةِ الدينيَّة أكثرَ من ارتباطِها بالأصلِ الإثني. فالكلدان، من حيثُ التكوينُ التاريخيُّ، هم جزءٌ من كنيسةِ المشرق الذين دخلوا في شركةٍ كنسيَّةٍ مع روما في القرنِ السادسِ عشر، بينما حافظَ السُّريان بمختلفِ فروعِهم على التراثِ السُّريانيِّ الغربي.
أمَّا الموارنة، فيُمثِّلون في هذا السياق فرعًا سُريانيًّا من حيثُ اللغةُ والتراثُ الليتورجيُّ، وإن كانوا قد طوَّروا، بفعلِ الظروفِ التاريخيَّة والجغرافيَّة، هُوِيَّةً سياسيَّةً خاصَّةً بهم في جبلِ لبنان. ويُؤكِّد هذا الواقع أنَّ التسميةَ في كثيرٍ من الأحيان لم تكن نتاجَ خيارٍ قوميٍّ واعٍ، بل انعكاسًا لمساراتٍ كَنَسيَّةٍ وسياسيَّةٍ تاريخيَّةٍ معقَّدة.
ثالثًا: نقدُ الخِطابِ الهُوِيَّاتيِّ المُعاصِر
يُلاحَظ في الأدبيَّاتِ المعاصِرة ميلٌ واضحٌ إلى توظيفِ التاريخِ واللُّغةِ توظيفًا انتقائيًّا يخدمُ انتماءاتٍ حزبيَّةً أو طائفيَّةً أو مناطقيَّة. وغالبًا ما يُصدِرُ بعضُ الكُتَّابِ والباحثين أحكامًا قطعيَّةً حول (التسميةِ الصحيحة)، من دون تقديمِ منهجيَّةٍ علميَّةٍ واضحةٍ تُبيِّن مصادرَهم، وأدواتِهم التحليليَّة، وحدودَ استنتاجاتِهم.
إنَّ البحثَ الأكاديميَّ الرصين لا يقومُ على إطلاقِ النتائجِ فحسب، بل على شرحِ المسارِ المعرفيِّ الذي أدَّى إليها، وفتحِها للنقاشِ والنقدِ العلميِّ الموضوعي.
رابعًا: نحو مُقارَبةٍ توافُقيَّةٍ علميَّة
استنادًا إلى المعطياتِ التاريخيَّةِ واللُّغويَّة، يمكنُ القول إنَّ التسميةَ السُّريانيَّة، بوصفِها إطارًا ثقافيًّا–لغويًّا جامعًا، تمتلكُ قدرةً موضوعيَّةً على استيعابِ البُعدين الآشوريِّ والآراميِّ، من دون إلغاءِ خصوصيَّةِ أيٍّ منهما. غير أنَّ فرضَ هذه الخلاصةِ خارجَ سياقِ الحوارِ العلميِّ سيؤدِّي بالضرورةِ إلى ردودِ فعلٍ رافضةٍ، لا سيَّما لدى الأطرافِ التي ترى في التسميةِ الآشوريَّة أو الكلدانيَّة تعبيرًا عن ذاتِها التاريخيَّة.
وعليه، فإنَّ المقاربةَ الواقعيَّةَ لا تقومُ على فرضِ تسميةٍ واحدةٍ بقرارٍ أيديولوجيٍّ، بل على الاعترافِ بالتعدُّدِ ضمن وحدةِ المصير، والسعي إلى توحيدِ الخِطابِ السِّياسيِّ والحقوقيِّ، مع احترامِ الخصوصيَّاتِ الهُوِيَّاتيَّة.
خامسًا: المؤتمرُ العلميُّ بوصفِه مدخلًا عمليًّا
يُعَدُّ عقدُ مؤتمرٍ علميٍّ عام، يضمُّ مؤرِّخين، ولغويين، وعلماءَ اجتماع، ولاهوتيِّين من مختلفِ الانتماءات، خطوةً أساسيَّةً للخروجِ من دائرةِ السِّجالِ العاطفيِّ العقيم. على أن يُدارَ هذا المؤتمرُ وفقَ معاييرَ أكاديميَّةٍ صارمة، بعيدًا عن الهيمنةِ الحزبيَّة أو الكَنَسيَّة، وأن تُنشَرَ نتائجهُ بشفافيَّةٍ بوصفِها مرجعًا معرفيًّا يُبنى عليه خِطابٌ مشتركٌ تجاه القضايا المصيريَّة.
خاتمة
إنَّ مسألةَ الهُوِيَّةِ والتسمية، إذا لم تُعالَج بعقلٍ علميٍّ نقديٍّ، ستظلُّ عاملَ انقسامٍ يُبدِّد طاقاتِ شعبٍ يواجهُ خطرَ التهميشِ وربما الزوال. أمَّا إذا أُديرت ضمن إطارٍ معرفيٍّ توافُقيٍّ، فإنَّها قادرةٌ على التحوُّل إلى عنصرِ قوَّةٍ يُسهمُ في إعادةِ بناءِ وعيٍ قوميٍّ حديث، يجمعُ بين التعدُّدِ التاريخيِّ ووحدةِ المصيرِ السِّياسيِّ.
الباحث السوري: اسحق قومي
ألمانيا – 4 / 1 / 2026 م
وَفِيمَا يَلِي نُورِدُ بَعْضَ المُقْتَرَحَاتِ الَّتِي نَرَاهَا ضَرُورِيَّةً لِعَقْدِ مُؤْتَمَرٍ يَسْعَى إِلَى تَحْقِيقِ أَهْدَافِ المَضْمُونِ الوَارِدِ فِي النَّصِّ السَّابِقِ، مَعَ الإِقْرَارِ بِأَنَّهَا مُقْتَرَحَاتٌ أَوَّلِيَّةٌ قَابِلَةٌ لِلإِضَافَةِ وَالتَّطْوِيرِ، دُونَ ادِّعَاءِ الاكْتِمَالِ أَو الإِحْكَامِ.
وَالبداية
أوّلًا: وثيقةُ التَّأسيس
المؤتمرُ الأَكاديميُّ الدُّوليُّ حَولَ إِشكاليَّةِ الهُوِيَّةِ والتَّسميةِ عِندَ مَسيحيِّي المَشرِق
مُقارَبةٌ تاريخيَّة – لُغويَّة – اجتماعيَّة
استهلال
اِنطِلاقًا مِنَ المَسؤوليَّةِ العِلميَّةِ والأَخلاقيَّةِ المُلقاةِ على عاتِقِ الباحِثينَ والمُثقَّفينَ مِن أَبناءِ مَسيحيِّي المَشرِق، وإِدراكًا لِما تُعانيهِ هذهِ الجَماعةُ التّاريخيَّةُ مِنِ انقِساماتٍ حادَّةٍ حولَ قضايا الهُوِيَّةِ والتَّسمية، وما يَترتَّبُ على ذلكَ مِن إِضعافٍ للوعيِ الجَمعيِّ وتَشتيتٍ للجُهودِ في مُواجهةِ التَّحدِّياتِ الوجوديَّةِ والسِّياسيَّةِ المُعاصِرة؛
واستِنادًا إلى الحاجَةِ المُلحَّةِ لِقِراءةٍ عِلميَّةٍ رَصينةٍ، نَقديَّةٍ، ومَنهجيَّةٍ، تُعالِجُ هذهِ الإِشكاليَّةَ بَعيدًا عنِ الاصطِفافاتِ الطَّائفيَّةِ والحِزبيَّةِ والأيديولوجيَّة؛
تُؤسَّسُ بمُوجِبِ هذهِ الوَثيقةِ مُبادَرةٌ أَكاديميَّةٌ مُستقلَّةٌ لِعَقدِ مُؤتَمَرٍ عِلميٍّ دُوليٍّ يُعنى بِدِراسةِ نَشأةِ التَّسمياتِ وتَطوُّرِها، وتحليلِ أَبعادِها التّاريخيَّةِ واللُّغويَّةِ والاجتماعيَّةِ، ووَضعِها في سِياقِها العِلميِّ الصَّحيح.
اسمُ المُؤتَمَر
المُؤتَمَرُ الأَكاديميُّ الدُّوليُّ حولَ إِشكاليَّةِ الهُوِيَّةِ والتَّسميةِ عِندَ مَسيحيِّي المَشرِق
طَبيعةُ المُؤتَمَر
1. مُؤتَمَرٌ عِلميٌّ أَكاديميٌّ مُستقلٌّ.
2. غيرُ تابعٍ لأيِّ حِزبٍ سِياسيٍّ أو مُؤسَّسةٍ كَنَسيَّةٍ أو جِهةٍ حُكوميَّةٍ.
3. يَعتمدُ المَنهجَ العِلميَّ النَّقديَّ أَساسًا وحيدًا لِلبحثِ والنِّقاش.
4. لا يَهدفُ إلى إِصدارِ قَراراتٍ إِلزاميَّةٍ هُوِيَّاتيَّةٍ أو سِياسيَّةٍ.
أَهدافُ المُؤتَمَر
يَهدِفُ المُؤتَمَرُ إلى:
1. دِراسةِ الجُذورِ التّاريخيَّةِ لِلتَّسمياتِ المَشرقيَّةِ في سِياقِها الزَّمنيِّ.
2. تحليلِ العَلاقةِ بينَ اللُّغةِ (الآراميَّة / السُّريانيَّة) والهُوِيَّةِ الثَّقافيَّةِ والدِّينيَّةِ.
3. تَفكيكِ دَورِ الانقِساماتِ الكَنَسيَّةِ في تَكريسِ التعدُّدِ التَّسمياتيِّ.
4. نَقدِ الخِطابِ الهُوِيَّاتيِّ المُعاصِرِ نَقدًا مَنهجيًّا.
5. الإِسهامِ في بِنَاءِ أَرضيَّةٍ مَعرفيَّةٍ مُشتَرَكةٍ تُساعِدُ على تَوحيدِ الخِطابِ العامِّ.
مَكانُ الانعِقاد
يُعقَدُ المُؤتَمَرُ في إِحدى الدُّوَلِ الأُوروبيَّةِ التي تَضمنُ:حُرِّيَّةَ البحثِ الأَكاديميِّ
سُهولةَ المُشارَكةِ الدُّوليَّةِ -الحِيادَ السِّياسيَّ والمؤسَّسيَّ
الباحثُ السُّوريّ: إِسحق قومي
أَلمانيا – ٤ / ١ / ٢٠٢٦ م