المصير الأخروي للوجودية اللادينية - الجاثية
طلعت خيري
2025 / 9 / 24 - 09:57
قلنا سابقا ، يفقد المجتمع ثقافة الأنبياء والرسل والكتب المنزلة تدريجيا ، حتى يستقر فكريا وثقافيا وتراثيا على اعتقادات ، إما وثنية ، وإما دين سياسي ، يرافقه انحدار بمستوى الوعي يصل الى الدوغمائية بسب تأثير خرافات وأساطير الاعتقادات والدين السياسي ، ان السعي وراء الملذات والشهوات دون الخوف من العواقب الدنيوية والأخروية يغلق أفق الوعي لدى الفرد ، وهذا ما لاحظناه في إصرار الوجودية اللادينية على رفض الإيمان بالله واليوم الأخر ، فمن باب التوعية المصيرية دعاها التنزيل الى الأعمال الصالحة للتخلص من انشغال الفكر في اشباع الغرائز والملذات ، واغتنام فرصة التفكير بما هو مصيري ،عرضا عليها واقع حال مشهد الساعة ، ودور العمل الصالح في النجاة من العذاب الأخروي ، قال الله ، فأما الذين امنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك الفوز المبين ، كما عرض أيضا المصير الأخروي على الرافضين للآيات الدالة على البعث والنشور ، فقال وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ{30} وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ{31}
قلنا سابقا ، ظهرت الوجودية اللادينية في المجتمع الإسرائيلي في القرن السادس الميلادي ، كفكر سياسي بعد غياب الإيمان بالله واليوم الأخر عن الوعي المجتمعي ، غيبه الدين السياسي مبلورا البراغماتية اللادينية لرفض نظرية النص الديني ، إلا بمشاهدة النتائج العملية على ارض الواقع ، فمن أفكارها السياسية التي جابهت بها الدعوة القرآنية في تلك الفترة عدمية الماضي وعدمية الوجود ، فأي عمل دنيوي سواء ان كان سلبي أو ايجابي له انعكاسات على المصير الأخروي ، ولما كذبت البراغماتية اللادينية بالساعة وبالبعث والنشور أخضعت للاستجواب الأخروي ، لافتا الانتباه الى ان مشهد الساعة لا يغادر قولا ولا عملا إلا وأتى به ، قال الله وإذا قيل ان وعد الله حق والساعة لا ريب فيها ، قلتم ما ندري ما الساعة ان نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ{32}
برز على ساحة الحوار العقائدي مصطلح جديد يحمل اسم العبادة الوجودية ، وهي عبادة تتخذ من ملذاتها وأهوائها الدنيوية آلهة لها ، من جملة أفكارها عدمية الوجود ، وتعقد ان كل ما يحصل عليه الفرد ماديا أو معنويا مصيره الى العدم ، كمصير الحياة الى الفناء ، ذلك مما دفع بها الى التكالب على الملذات والشهوات الدنيوية بكل قواها العقلية وقدراتها المادية والجسدية ، متصدين للتنزيل بأشد عبارات الاستكبار والاستهزاء ، الى درجة أنهم نسوا الآيات الدالة على البعث والنشور، قال الله وبدا لهم سيئات ما عملوا أي انعكست عليهم أعمالهم السيئة ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ، ان نسيان لقاء الله والساعة انعكس على الوجودية اللادينية أخرويا ، قال الله وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون{33} وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ{34}
قلنا سابقا ، ان الوجودية اللادينية ليس لها أدلة مادية ميدانية على العبادة ، لأنها تتخذ من أهوائها وملذاتها وشهواتها آلهة لها ، وهي اخطر أنواع الاعتقادات لأنها تتميز بالغموض وعدم الاستقرار، ويعتمد نشاطها الفكري والسياسي على إثارة الخلافات التاريخية والتراثية بين الأديان السياسية والاعتقادات الوثنية ، لاستقطاب الأفراد الى ما يسمى بالتنوير والحداثة ، فتراها أكثر تفاعلا مع الملذات الشخصية والأهواء الرغبوية دون غيرها من الاعتقادات ، فلم تعطي لنفسها فرصة التفكير بمصيرها الأخروي ، وبالرغم من كل ما قُدَّم لها من أدلة مادية على البعث والنشور كالظواهر المتجددة في الطبيعة ، إلا أنها استهزأت وغرتها الحياة الدنيا ، قال الله ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا ، فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون
ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ{35}
ان جمع السماوات والأرض والناس على ارض الحشر، يدل على عائدية كل شيء للمالك الأصلي وحده ، حينئذ يضع الله الآلهة التي كانوا يعبدونها من دونه في خانة اللاوجود ، عندما يكون هو موجود ، حينها تندثر الرأسمالية والأديان السياسية والوثنية والظنية الاعتقادية والوجودية اللادينية ، وتكون الغلبة لله وحده ، قال الله فلله الحمد رب السماوات والأرض رب العالمين ، وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{36} وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{37}