كارل ماركس في العصر الرقمي: من مانهاتن إلى الاغتراب الآلي


مظهر محمد صالح
2025 / 8 / 14 - 00:18     

مقدمة :
شهد القرن التاسع عشر بزوغ الماركسية كتحليل نقدي للرأسمالية الصناعية ، حيث تمحور الصراع حول ملكية وسائل الإنتاج واستغلال قوة العمل البشرية.
لكن في القرن الحادي والعشرين ، ومع صعود الاقتصاد الرقمي بدأت تتشكل ملامح صراع طبقي جديد ، فالرأسمالية لم تعد تقتصر على المصانع والآلات البخارية، بل أصبحت متمركزة حول البيانات والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
و في هذا السياق، يواجه العمال اليوم خصمًا غير بشري: (الخوارزميات والروبوتات)
فلم يعد الاستغلال محصوراً في انتزاع فائض القيمة من قوة العمل ، بل تحوّل إلى إقصاء كامل للإنسان ، من عملية الإنتاج عبر الأتمتة الشاملة.
هذا التحول يخلق نوعًا جديدًا من الاغتراب ، حيث يشعر الإنسان بأنه غريب عن سوق العمل ذاته ، في ظل رأسمالية رقمية لا تعرف حدودًا جغرافية ولا سقفًا للطموح الربحي.
من هنا، يصبح السؤال الماركسي المعاصر: كيف يُعاد تعريف الطبقة العاملة حين تُزاحمها الآلات في كل مجال ، من القيادة إلى البرمجة، ومن الخدمات إلى الإبداع؟
فعلى رصيف مدينة نيويورك قبل عقد من الزمن ، تزاحمت في متاهات ذاكرتي الاقتصادية اسئلة في عالم الماركسية الجديدة .
ففي إحدى الرحلات إلى مدينة نيويورك، قلب المال العالمي، كنتُ برفقة شخصية قانونية من بلدي، عمل لسنوات في مانهاتن ، مركز المال والأعمال، حيث تتجاور الثروات الطائلة مع مشاهد الفقر في تناقض مذهل.
و بعد جولة بين أبراج الحي، ومنها عمارة ترامب الشاهقة، دعاني صديق لتناول الغداء في مطعم اعتاد ارتياده ، لكن المفاجأة لم تكن في المطعم، بل في وسيلة الوصول إليه ، على الرصيف المزدحم أخرج صديقي هاتفه وطلب سيارة عبر تطبيق رقمي جديد آنذاك يُدعى “أوبر”.
دقائق معدودة، ووصلت سيارة تقودها شابة من قرغيزيا، تعمل في نيويورك منذ أشهر قليلة ، بدت شجاعتها لافتة في مدينة لا ترحم من يتوقف عن العمل ، حدثتنا عن تجربتها وكيف ترى في التكنولوجيا الرقمية فرصة للبقاء والكفاح، بل وتوقعت أن يأتي يوم تعمل فيه سيارات الأجرة بلا سائقين.
لاحقًا وفي طريقي إلى المطار، كان السائق رجلًا ستينيًا من بولندا يعمل لدى شركة سيارات أجرة تقليدية ، وحين سألني عما أدهشني في نيويورك، أجبت فورًا: “نظام أوبر”. لكنه رد بابتسامة مُرة: “سيأتي يوم تختفي فيه حتى أوبر مع ظهور السيارات بلا سائق… لحسن الحظ سأكون في التقاعد قبلها.” ضحكنا، لكن خلف الضحك كان هناك إدراك مشترك بأن سوق العمل يخوض صراعًا جديدًا، ليس فقط بين البشر مع بعضهم ، بل بين البشر والآلات
(قراءة ماركسية للمشهد الرقمي) :
بدا لي أن كارل ماركس لو عاش زمننا، لكان قد أعاد صياغة تحليله للصراع الطبقي. ففي القرن التاسع عشر، كان الصراع بين البرجوازية المالكة لوسائل الإنتاج والبروليتاريا التي تبيع قوة عملها. أما اليوم، فإن الرأسمالية الرقمية تخلق طبقة جديدة من المنافسين: الروبوتات والأنظمة المؤتمتة. لم يعد العامل يغترب فقط عن نتاج عمله، بل يُقصى بالكامل من العملية الإنتاجية.
الظاهرة الرقمية تحمل تناقضات حادة: فهي توسّع إمكانات الوصول إلى العمل عالميًا، لكنها في الوقت نفسه تُسرّع وتيرة إلغاء الوظائف التقليدية.
“أوبر” مثال حيّ: فرصة لسائقة من قرغيزيا كي تشق طريقها في نيويورك، وتهديد لسائق بولندي يترقب نهاية مهنته. وفي الأفق، تلوح مفارقة ساخرة: ربما تنشأ في المستقبل “نقابات للروبوتات” تدافع عن حقوقها في وجه جشع الرأسمالية ذاتها.
خاتمة:
إننا أمام شكل جديد من الاغتراب الماركسي، حيث لا يُستغل الإنسان فحسب، بل يُستغنى عنه. وفي ظل هذا التحول يبقى السؤال مفتوحًا : هل ستستطيع سفينة الإنسانية الإبحار في بحر الثورة الرقمية من دون أن تغرق في هوة اللامساواة والبطالة البنيوية؟