الجانب الآخر من الأمل: المنفى، البيروقراطية، وأشباح التضامن الطبقي
أحمد الجوهري
2025 / 6 / 2 - 15:06
هناك شيء مفجع بهدوء في مشاهدة فيلم الجانب الآخر من الأمل للمخرج آكي كاوريسماكي، حين يكون حلمك أن تهاجر إلى الأراضي التي يصوّرها الفيلم. فنلندا، السويد—ما يُسمى بـ"الشمال الإنساني"—تمثل للكثيرين منا ليس فقط الأمان، بل الكرامة. مكان يستطيع فيه الإنسان أن يسير منتصباً، لا كمتهم دائم، بل ككائن يُسمح له أخيراً بالتنفس.
لكن كاوريسماكي، بأسلوبه الساخر البسيط وإطاراته الصامتة التي تقول أكثر مما تُقال بالكلمات، يكشف لنا أن حتى في الشمال، يظل اللاجئ سؤالاً لا إجابة له، يظل حالة طارئة، لا شخصاً كاملاً. يتتبع الفيلم رحلة خالد، لاجئ سوري يصل إلى فنلندا طالباً اللجوء، فيصطدم بمجتمع محاصر في جمود بيروقراطي لا يقل عن جمود الأنظمة السلطوية—فقط أكثر برودة، وأكثر تهذيباً في طريقة الرفض.
الحرب كتشريد، والرأسمالية كحرمان
رحلة خالد ليست استثناء، بل نتيجة منطقية لبنية عالمية. هو ليس ضحية صدفة، بل ضحية حرب، والحروب ليست عبثاً. إنها الأداة المفضلة للرأسمالية لإعادة تشكيل الأطراف الجغرافية، لتحويل البيوت الآمنة إلى أنقاض، والبشر إلى فائض لا يُراد له مكان.
اللاجئ إذن ليس فقط شخصاً بلا أوراق، بل هو إنسان جُرّد من حقه في الوجود داخل عالم قائم على الملكية، والحدود، والسلطة البيروقراطية. كاوريسماكي لا يبالغ في قول ذلك. لا يحتاج إلى ذلك. نظرة صامتة من خالد، باب مكتب مغلق، ورقة مرفوضة—كلها تقول ما لا يُقال.
البيروقراطية: الوجه البارد للسلطة الحديثة
محاولات خالد لتقنين وضعه القانوني تُقابل بعنف الدولة المحايد. لا دماء، لا ضرب، لكن القسوة كاملة. الأوراق تُرفض، المنطق يُتجاهل، ويُطلب منه العودة إلى الجحيم الذي فرّ منه. هذه هي جوهر السلطة البيروقراطية الحديثة: القدرة على تدمير حياة إنسان دون أن ترفع صوتها.
وفقاً للمنظور الماركسي، هذا ليس خللاً، بل وظيفة. فالدولة في النظام الرأسمالي ليست مصممة لخدمة الفقراء أو اللاجئين. إنها أداة لضمان استمرارية إنتاج الربح، وحين لا يمكن دمج اللاجئ بسهولة في سوق العمل، يُعامل كشوائب لا لزوم لها.
صاحب المطعم: تجسيد للأممية البروليتارية
ثم تأتي لحظة الأمل الحقيقية في الفيلم: صاحب مطعم من الطبقة العاملة يوظف خالد، ويعطيه أوراقاً، ويعامله بكرامة. لا يفعل ذلك بدافع الشفقة أو الشعور بالذنب الليبرالي، بل يفعله لأنه يعرف أن هذا هو الصواب، لأنه يرى في خالد إنساناً مثله، عاملاً مسحوقاً في عالم بلا رحمة.
هذه، بالنسبة لي، اللحظة الأكثر ثورية في الفيلم—not هروب خالد، بل التضامن الفعلي بين شخصين من عوالم مختلفة. إنها تُجسد جوهر الاشتراكية التحررية والنقابية: الخلاص لن يأتي من الدول أو المنظمات، بل من الأسفل—من تضامن المهمّشين، من رفاق يعرفون معنى أن تكون ضحية النظام.
البساطة كأداة سياسية
أسلوب كاوريسماكي البصري ليس تجميلياً، بل أيديولوجي. الإطارات الصامتة، الحوار المختزل، الكاميرا الثابتة—كلها رفض متعمّد لسينما العرض الرأسمالية، تلك السينما التي تمجّد الضجيج والسرعة والمبالغة. شخصياته بالكاد تتكلم، لأن العالم الذي يعيشون فيه قد أفرغ اللغة من معناها. لم يتبقَ سوى الفعل—الفعل الإنساني، البسيط، العميق.
حتى الفكاهة في الفيلم لها طابع سياسي. جافة، صامتة، شبه عبثية—إنها ضحكة البروليتاريا، تلك الضحكة التي تنبع من قاع الألم، من داخل المخيم، من قلب الإضراب. ضحكة تقاوم الانهيار.
حلمي... ومخاوفي
شاهدت الجانب الآخر من الأمل بمزيج من الحنين والرعب. فنلندا أو السويد ليستا يوتوبيا بالنسبة لي. لست غافلاً. لكنني أحلم أن أتنفس في مكان لا يكون فيه وجودي جريمة، حيث لا تُطلب مني التضحية بكرامتي من أجل البقاء.
ومع ذلك، يذكّرني الفيلم أن الجغرافيا وحدها لا تخلّصنا. ما يُنقذنا هو خيوط التضامن التي نبنيها، والناس الذين يختارون أن يكونوا بشراً في عالم صُمّم لنزع الإنسانية. آمل أن تكون رحلتي أرحم من رحلة خالد، ولكن إن لم تكن، فليكن لي رفاق كصاحب المطعم—أناس يفهمون أن حريتنا واحدة، وأن نجاتنا لا تكون إلا معاً.