قراءة نقدية في نص -أقف على حافة الجسر-، للكاتب حميد كشكولي
فاطمة الفلاحي
2025 / 2 / 11 - 16:13
أقف على حافة الجسر،
والريح تعوي كذئب جائع.
أشم رائحة الوقت الهارب من صدور المتعَبين،
وأرى العابرين حفاة، يمرون فوق خواصرهم التي ازرقت اثر زفير الكلاب،
كأشباح لا تحمل من الدنيا إلا ثقل خطاياها.
-يا هذا، أراك واقفا هنا؟
-أنتظر أن تلتقط الطيور بذور التعب على كتفي .
-انثرها في الخمارة بين المقاعد لتنبت أنغاما ترقص عليها حوريات الماء!
يتميز نص الأديب حميد كشكولي برؤية فلسفية ملموسة وكأنه يفكر حين يكتب كما دريدا؛ يفرح إذ تواتيه الكلمة الصحيحة لتعبر عن أفكاره مجتمعة،
ولم يكن قد فكر فيها ولو لثانية واحدة من قبل. فيلتقطها على الفور للانفصال عن معناها الذي لن تستطيع الترجمة إلا فقدانه.
وإن استعمال الأديب لمفرداته استعمال شعري فيه الإلهام، وفيه هذا التوحد بين الدال ومدلوله. يعني أنه ليس أحادي المفهوم بل يفضي إلى قراءات عدة وأفكار مختلفة على تشتتها وتعارضها .
فالذات الكاتبة لا تستطيع السيطرة المطلقة على كلماتها عند كتابتها، لأن كل كتابة تحمل أثرًا من معنى ماضٍ أو قادم، مما يجعلها تقول أكثر مما أراد كاتبها أن يقول.
- فالتشكيل البصري ضرورة شعرية لمسايرة الواقع المعاصر المادي. "فالتشكيل البصري: هو كل ما يمنحه النص للرؤية سواء أكانت الرؤية على مستوى البصر/العين المجردة، أم على مستوى البصيرة/ عين الخيال"*1
- فالنص اتسم بخصائص مميزة حققت التوغل في قالب قصير مكثف قائم على الاقتصاد اللغوي، نص يلتقط اللحظة العابرة، يرسم ويصور ملامح المشهد الإنساني.
-يا هذا، أراك واقفا هنا؟
المشهدية البصرية هنا تساؤلية؛ مصورة مدى الألم والمعاناة، مثل كاميرا يضغط على زر فيها، لإعادة تشغيل مشاهد لقطة بقيت محفورة في الذاكرة، وخصصت لما تحمله من أثر نفسي يحرك الدواخل. وهذا المشهد :
-أنتظر أن تلتقط الطيور بذور التعب على كتفي .
* تتوالد من نسيجه السردي صور مجزئة من تمردية النص، فتبوح بكل أسراره، من الأعاصير ولفح الهجير، وكسوة الواقع المتمرد، فتولد من لحظية سريعة تقتنص اللقطة وتعمل على تحريكها بمؤثرات بصرية،
تمنحك بعض النشوة في عيش كل تفاصيل وحركات ذاك النص، كنثر بذور التعب تلك – في الخمارة بين المقاعد- مفارقة جمالية تثر الدهشة وحاضنة لإيقاعٍ حي يمثل ظاهرة صوتية شمولية كأنغام تراقص حوريات الماء.
-انثرها في الخمارة بين المقاعد لتنبت أنغاما ترقص عليها حوريات الماء!
• وبذا يعبر النص عن تجربة جمالية ورؤية فلسفية تتجاوز حدود التفكير النمطي إلى فضاء يتماهى في خلق نص حداثي متماسك، وذا كثافة اختزالية وتأويلية لتقديم عدة قراءات واحتمالات في ذاك النص.
الهوامش :
1* محمد الصفراني : التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث، المركز الثقافي العربي،ط1، الدار البيضاء، ص18.