أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مالك ابوعليا - السوسيولوجيا السيكولوجية على أبواب القرن العشرين















المزيد.....



السوسيولوجيا السيكولوجية على أبواب القرن العشرين


مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)


الحوار المتمدن-العدد: 6545 - 2020 / 4 / 24 - 23:41
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


المقالة للماركسي السوفييتي ايغور سيميونوفيتش كون، الباحث في علم الجنس والسوسيولوجيا وعلم الأخلاق.

ترجمة مالك أبوعليا

الملاحظات والتفسير بعد الحروف الأبجدية بين قوسين (أ)، (ب)... هي من عمل المُترجم.

1- السوسيولوجيا والسيكولوجيا في القرن التاسع عشر
شجعت أزمة النظريات الطبيعانية والحتمية البيولوجية في نهاية القرن التاسع عشر على تعزيز الاتجاه السيكولوجي في علم النفس. بالطبع لم تكن فكرة اختزال الاجتماعي الى النفسي فكرةً جديدة. استشهد لوك وهيوم والتنوير الفرنسي والنفعيين الانجليز بـ"قوانين السيكولوجيا الشاملة" و"خصائص الطبيعة الانسانية". أكد جون ستيوارت ميل في محاججاته ضد كونت أن جميع القوانين الاجتماعية يمكن اختزالها الى "قوانين طبيعة الانسان الفردية".
لا يتحول البشر، عندما يلتئمون في جماعةٍ، الى نوعٍ آخر من الأشياء بخصائص مختلفة:...ان الكائنات الانسانية ليس لديها خصائص سوى تلك المستمدة والمنطلقة من قوانين طبيعة الانسان الفردية(1).
لذلك فان السوسيولوجيا كعلم "لأفعال جموع جماهير البشر والظواهر المتنوعة التي تُشكل الحياة الاجتماعية" تمتلك قاعدتها الخاصة في السيكولوجيا(2).
كما رأينا، خدمت البيولوجيا فقط كنموذجٍ منهجي (المقارنة العضوية، مبدأ التطور، الخ) للعديد من المفاهيم الطبيعانية، وارتكزت مقدماتها ذات المغزى على "السيكولوجيا اليومية". رفعت ولادة السيكولوجيا التجريبية ومأسستها كتخصصٍ مستقلٍ عن كلٍ من الفلسفة والفسيولوجيا، هيبتها الأكاديمية وشجعت انتشار السيكولوجيا في فروع المعرفة الأُخرى. في حين اعتُبِرَت السيكولوجيا تجسيداً بسيطاً للفسلفة في اوائل القرن التاسع عشر، سعى ويلهلم فوندت Wilhelm Wundt 1832-1920 مؤسس السيكولوجيا التجريبية لتغيير هذا الموقف، مُدعياً أن علم النفس الحديث هو فلسفة عصره.
أصبح الاتجاه السكلجي Psychologism، في نهاية القرن التاسع عشر، باعتباره اتجاهاً عاماً نحو الاثبات السيكولوجي للمعرفة العلمية وتفسير الظواهر الأكثر تنوعاً، منتشراً على نطاقٍ واسع. صار الاثبات السيكولوجيا للابستمولوجيا والمنطق وعلم الجمال واللغويات والتاريخ والدراسة الأدبية والتخصصات الأخرى موضةً أكاديميةً. كان الاتجاه السكلجي سمةً مُميزةً لـ"الوضعية الثانية" (الماخية، والنقدية التجريبية)، ولم تسلم السوسيولوجيا ايضاً من هذا الوباء.
لم تأخذ السيكولوجيا في أوائل القرن التاسع عشر باعتبارها اي نوعٍ من العمليات الاجتماعية، بل كانت تخصصاً حصرياً عن الفرد. تغير هذا الموقف في الثلث الأخير من القرن. من ناحية، اكتشف علماء النفس أنه من المستحيل اختزال عملياتٍ نفسيةٍ عُليا الى العمليات الفسيولوجية، وتطلب هذا أخذ عوامل اجتماعيةٍ معقدةٍ في الاعتبار. من ناحيةٍ أُخرى، أبدى علماء الاجتماع، الذين لم يكونوا راضين عن المشابهات البيولوجية والعضوية، اهتماماً متزايداً بمسائل دوافع وآليات السلوك الاجتماعي النفسي. ونتيجةً لذلك، شكّل دمج هاتين الحركتين المتضاربتين ما نسميه تقليدياً الاتجاه السيكولوجي في السوسيولوجيا (الاتجاه النفسي في علم الاجتماع).
لم تكن السوسيولوجيا السيكولوجية، مثلها مثل الاتجاهات الأخرى في أفكار تلك الفترة، بأي حالٍ من الأحوال وِحدةً واحدةً. ان السمة الوحيدة التي صاغتها كاتجاه، كان السعي، غير الواعي أحياناً، لاختزال ما هو اجتماعي الى نفسي. ولكن تم التعبير عن هذا من قِبَل مؤلفين مختلفين بطرق مختلفة وبقوة غير متساوية، في حين أنهم انجذبوا الى تياراتٍ متنوعة من السيكولوجيا. يمكننا رؤية بعض التشعبات المستقلة بشكلٍ أو بآخر، اعتماداً على المسائل التي يطرحها هذا الاتجاه ومقولاته التفسيرية: التطورية السيكولوجية Psychological Evolutionism، الاتجاه الغرائزي Instinctivism، سيكولوجيا "الشعوب" المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاثنوغرافيا، سيكولوجيا الجماعة، والسيكولوجيا التفاعلية Interactionism والتي جعلت العلاقة الشخصية، وحدةً رئيسيةً للبحث السوسيولوجي.

2- التطورية السيكولوجية
لم يتطلب التفسير النفسي للعمليات الاجتماعية قطعاً مباشراً عن أفكار المدرسة التطورية البيولوجية. في الأصل، كان الأمر يتعلق فقط بـ"استكمال" المخطط التطوري بدراسة الميكانيزمات النفسية لتطور وعمل المجتمع. علاوةً على ذلك، تم التعامل مع هذه الميكانيزمات نفسها بطريقة واسعة وغير متبلورة. اعتبر أنصار التطورية السيكولوجية، السوسيولوجي الأمريكي ليستر وارد Lester Ward 1841-1913 وفرانكلين جيدينز Franklin Giddings 1855-1931، متبعين خُطى سبنسر، اعتبروا تطور Development المجتمع جزءاً من التطور Evolution الكوني، بحيث جمعت كل مرحلة تالية تقدمات المراحل السابقة لها. ولكن في حين اعتبر أنصار الاتجاه البيولوجي، التطور الاجتماعي، استمراراً مباشراً وجزءاً من العضوي، وشددوا على عناصر التلقائية فيه، رأى أنصار التطورية السيكولوجية في الأشكال الاجتماعية الأكثر تعقيداً للحياة الاجتماعية نتيجةً لتطور العنصر الواعي، طارحين على النقيض من مبدأ سبنسر "دعه يعمل دعه يمر"، شعار التطور Evolution الواعي الهادف، أو السيطرة العقلانية على العمليات الاجتماعية.
كان ليستر وارد عالم جيولوجي وعالم حفريات قديم من حيث المهنة، والذي تحول الى علم الاجتماع في سنوات نضوجه. كانت أعماله الرئيسية (السوسيولوجيا الديناميكية) Dynamic Sociology 1883، (العوامل النفسية للحضارة Psychic Factors of Civilization 1893، (الخطوط العريضة للسوسيولوجيا Outlines of Sociology 1898، (السوسيولوجيا الصرف) Pure Sociology 1903، (السوسيولوجيا التطبيقية) Applied Sociology 1906، (دفتر السوسيولوجيا) Textbook of Sociology 1905 بالتعاون مع جيمس ديلي James Dealey. تم انتخابه عام 1906 أول رئيس لجمعية السوسيولوجيا الأمريكية. لم تكن أفكار وارد أصيلة بشكلٍ خاص. اعتبر أنه يجب على مبدأ السبنسرية للتطور الشامل يجب أن يُستكمل فيما يتعلق بالانسان بفكرة التقدم القيّمة. ان المؤسسات الاجتماعية، وليس القوى الحيوية، هي نتيجةً لتطور القوى النفسية. ان القوى الاجتماعية هي القوى النفسية التي تعمل في حالة الجماعية عند البشر(3). تبع من ذلك، أن على السيكولوجيا أن تكون أساساً للسوسيولوجيا، وليس البيولوجيا كما هو الحال عند سبنسر. ان النشوء الاجتماعي هو أعلى درجة على السلم التطوري، هو توليف لجميع القوى الطبيعية التي تشكلت أثناء نشوء الكون ونشوء الحياة والانسان. ان الاختلاف النوعي لهذا النشوء الاجتماعي الجديد هو وجود العاطفة والهدف، غير الموجودة في الأفعال العمياء لقوى الطبيعة. غيّرت هذه العوامل الجديدة العمليات الطبيعية الأصلية التي افتقرت للهدف، الى عملياتٍ ذات طابع غائي Telestic، او غيرت الشيء نفسه، الى عملياتٍ اجتماعية بشكل أفعال الانسان الهادفة. طوّر وارد فكرةً في عمله الرئيسي (السوسيولوجيا الديناميكية) وعدد آخر من أعماله، تقول، بأن القوة الاجتماعية الأساسية هي الرغبات (الجوع والعطش على الخصوص) المرتبطة بالحفاظ على حياة الفرد، والرغبة الجنسية التي تضمن استمرار النوع. ان الرغبات الفكرية والأخلاقية والجمالية الأكثر تعقيداً مبنيةً على أساس الرغبات الأولية، والتي حاول من خلالها تفسير التطور التقدمي للمجتمع و"تحسينه" (مبدأ الميليورية)(أ) Meliorism. وبصرف النظر عن التمظهر النهائي الفردي، اعترف وارد بوجود "الغائية الجماعية" والتي تعمل بشكل الدولة. لقد اقترح بأن الوعي الاجتماعي، لم يتمكن، في ذلك الوقت بعد، من تحييد القوى الضارة عن المجتمع، مثل الاحتكارات الخاصة، التي ساوى نشاطها بالسرقة. لكن على المنافسة والاحتكار أن يُذعنا في المستقبل للتعاون الواعي. أثارت الروح الديمقراطية البرجوازية الصغيرة لوارد وخطاباته ضد الاحتكارات حفيظة الرجعيين مراراً وتكراراً. في الواقع، ومع ذلك، فانه لم يتعدى على اسس الرأسمالية على الاطلاق بدفاعه عن مبدأ القضاء السلمي على اللامساواة الطبقية، وتحقيق التناغم الشامل. كانت أفكاره انتقائيةً بصراحة.
كما اتسمت آراء جيدنغز أول مؤسس لكرسي السوسيولوجيا في جامعة كولومبيا عام 1804، بالانتقائية. كانت أهم أعماله (مبادئ السوسيولوجيا) The Principles of Sociology 1896، كُتيب (عناصر السوسيولوجيا) Elements of Sociology 1898، (السوسيولوجيا الاستقرائية) Inductive Sociology 1901، (دراسات في نظرية المجتمع الانساني) Studies in the Theory of Human Society 1922، و(النظرية العلمية عن المجتمع الانساني) The Scientific Theory of Human Society 1924.
وفقاً له، السوسيولوجيا هي "علم يحاول تصور المجتمع في وحدته، ويحاول ان يفسره حسب السبب والقانون الكوني الشامل"(4). بينما يُجادل حول توازن الطاقة وثبات القوة تماماً بروح سبنسر، ومع ذلك، أكد جيدنز بدقة أن المجتمع لم يكن مجرد عضوية ولكن "تنظيماً" نهض جزئياً كنتاج لـ"التطور اللاواعي، وجزئياً كنتيجة للتخطيط الواعي"(5). لقد كان "عضويةً نفسيةً بالأساس" تبعاً له، "ولكن بأسس فيزيقية"(6). السوسيولوجيا، بالتالي، "يجب أن تجمع التفسيرات الذاتية الموضوعية"(7). أما جيدنز نفسه فقد ركز على الجانب الذاتي، النفسي.
اعتبر جيدنز "الحقيقة الأصلية والأولية في المجتمع هي العقل الاجتماعي، أي "حالة الوعي التي يدرك فيها اي كائناتٍ سواءاً الدنيا منها أو العليا على سُلم الحياة، يُدرك فيها وجود كائناً واعياً من نفس النوع"(8). كان "العقل الاجتماعي" عند جيدنز يعني الوحدة الروحية للكائنات العاقلة، والتي جعلت علاقاتها الواعية بين بعضها مُمكنةً، ولكن في نفس الوقت تُحافظ على فردية كل حالة منها. كانت المسألة، في جوهرها، وعياً جمعياً وجماعياً تُمثل نتاجها الرأي العام والتقاليد الثقافية والمزاج الجمعي والقيم الاجتماعية. ومع ذلك، لم يقصر جيدنز محتوى الوعي الاجتماعي وعمليات وميكانيزمات النفسية على تلك التي التي تتحقق من خلال علاقات الأفراد.
قام جيدنز، في أعماله اللاحقة التي كُتبت بعد الحرب العالمية الثانية بمراجعة مواقفه الأصلية. أكد، في محاولته الجمع بينها وبين الاتجاه السلوكي الشائع آنذاك، والتأكيد على الأساليب الكمية في السوسيولوجيا، أن علم الاجتماع هو "علم احصائي بمنهجيته"(9). وهذا يسمح للمؤرخ باعتباره أحد رواد السوسيولوجيا الأمريكية الوضعية الجديدة(10). بشكلٍ عام، كان التأثير الكبير الذي مارسه على علم الاجتماع الأمريكي، يعود بشكلٍ أساسي الى امكانياته الادارية الكبيرة.

3- الاتجاه الغرائزي
لم تترك تطورية وارد وجيدنز السيكولوجية أثراً كبيراً على تاريخ الفكر السوسيولوجي. أثبت الاتجاه الغرائزي أنه أكثر تأثيراً. لم تنشأ مسألة "الغرائز الاجتماعية" في القرن التاسع عشر بالصدفة. سعت السيكولوجيا في القرن التاسع عشر، من خلال تصوير المجتمع بصورة وشكل الفرد، الى ايجاد مُحدد نفسي شخصي أو عدداً من المُحددات التي يُمكنها أن تفسر سلوك الجماعة وسلوك الفرد في نفس الوقت.
لقد اعتمد تقليد عصر التنوير في الغالب على نموذج الانسان "العقلاني" ، واستنتاج سلوكه من حسابٍ عقلاني واعتباراتٍ نفعية. ان عقلانية التنوير، بتفاؤلها الساذج، قد تقوضت عندما تبيّن أن "عالم العقل" الذي نادت اليه يُشبه الى حدٍ كبير "حرب الجميع ضد الجميع" كما يقول هوبز. ازدادت اللاعقلانية بشكلٍ كبير في فلسفة أواخر القرن التاسع عشر، وتصاعد الميل نحو تفسير السلوك الانساني بشكلٍ أساسي بالدوافع اللاعقلانية واللاواعية سواءاً كانت "أنانية" Egoism ماكس شتيرنر أو "ارادة القوة" عند نيتشه. بدا وكأن البيولوجيا بكشفها عن آليات "الأفعال الغريزية" الحيوانية، تُزود هذا الاتجاه اللاعقلاني المذكور بأسس العلوم الطبيعية اللازمة. كشفت الدراسات التجريبية للنفسية الانسانية كذلك، وجود قوة وعملياتٍ وبُنىً لاواعية. وضع الفرنسي تيودوليه ريبو Théodule-Armand Ribot أسس الدراسة التجريبية للعواطف. قدّم علماء النفس في مدرسة فورتسبورغ مفاهيم "الموقف" و"حالة الوعي"، غير المُحددة وغير القابلة للتحليل بسهولة، والتي تتحكم في اختيارات وديناميكيات العمليات الذهنية والانطباعات. أثارت دراسة حالات النوم وعلم النفس المرضي العلماء ايضاً، اهتمامهم بمسألة اللاوعي.
كل ذلك مُجتمعاً، شجع التفسير المستمر للظواهر الاجتماعية في نهاية القرن التاسع عشر بمفاهيم "الغرائز" و"الدوافع" و"المحفزات".
تم استخدام مفهوم "الغريزة" بهذا الصدد بمعنىً عام وواسعٍ ويومي بما يدل على كلٍ من الاحتياجات البيولوجية للكائن وبرامج السلوك الموروثة، بل وحتى الرغبات ببساطة. كُتب ايضاً عن الغرائز "الاجتماعية" للمجموعات، وكذلك الغرائز البيولوجية للفرد. نصح جيدنز، على سبيل المثال، بُمعاملة مفهومه عن "العقل الاجتماعي" على أنه شكل متطور من نظرية الغرائز.
يُعتبر وليام ماكدوغال William McDougall 1871-1938 وهو عالم نفس انجليزي عمل في الولايات المتحدة منذ عام 1921، ومؤلف لكتاب الشهير "مقدمة في السيكولوجيا الاجتماعية" Introduction to social Psychology 1908، الرائد الأول للاتجاه الغرائزي. في رأيه، ان "سيكولوجيا الغرائز" هي الأساس النظري للعلوم الاجتماعية. لقد فهم الغريزة على أنها الاستعداد الفطري او الاستعداد النفسي الطبيعي الذي يُجبر الفرد على أن يُدرك أو ينتبه نحو أشياءٍ مُعينة، ويختبر بالتالي تجربة تحفيزٍ عاطفي، ويتصرف بطريقةٍ ما، أو على الأقل، ان يمر بتجربةٍ ليتصرف كذلك فيما يتعلق بذلك الشيء. تبعاً له، تتوافق كل عاطفةٍ محددةٍ مع كل غريزةٍ أولية، وهذه العاطفة، مثل الغريزة نفسها بسيطة وغير قابلة للتجزئة. على سبيل المثال، تتوافق عاطفة الخوف مع غريزة الطيران، وتتوافق عاطفة التساؤل مع غريزة الفضول، وتتوافق عاطفة الغضب مع غريزة العِراك، وعاطفة الحنان مع غريزة الأبوة، وما الى ذلك.
يضع ماكدوغال، بسحب نظريته على المجتمع، كل غريزة أو مجموعة من الغرائز تحت ظاهرةٍ اجتماعيةٍ معنية. لقد فسر الحرب، على سبيل المثال، باستعداد الناس لخوض العراك، وتراكم الثروة الاجتماعية، بالميل نحو التخلص من الفقر والبؤس. استند الدين على مزيجٍ من غرائز الفضول، والاذلال الذاتي، وردود الفعل العاطفية المتأصلة في غريزة الأبوة. وعلّق أهميةً اجتماعيةً كبيرةً على غريزة القطيع التي جعلت الناس يتراصون معاً والتي تقبع في أصل كل المؤسسات الاجتماعية. ان نمو المُدن والطابع الجَمعي للرفاهية الانسانية وتجمعات البشر هي مظاهر مباشرة لغريزة القطيع. حفّز نجاح كتاب ماكدوغال، الذي طُبِع عدة مرات، ظهور عددٍ من الأتباع. أصبح الجراح الانجليزي ويلفريد تروتر Wilfred Trotter 1872-1939 مشهوراً بكتابٍ ادعى فيه أنه يمكن تفسير جميع الظواهر الاجتماعية في نهاية المطاف من خلال "غريزة القطيع". سحب الاشتراكي الفابي الانجليزي جراهام والاس Graham Wallas 1858-1932 التحليل السيكولوجي الى مجال السياسة، مع ايلاء اهتمامٍ خاص لغريزة الولاء والتي ضمنت أداء سلطة الدولة(12). اعتبر النمساوي سيغموند فرويد 1856-1939 الرغبات الجنسية، أو الليبيدو، كمحددٍ شاملٍ لسلوك البشر. وسّعَ فرويد، من خلال دراسته للعُصابات والصراعات الفطرية في نفسية الفرد، مُبتدءاً بكتابه (الطوطم والتابو) 1913 (ب)، نظريته ايضاً الى تاريخ الثقافة. ولاحقاً وعلى اساس معايشته للحرب العالمية الأولى بدأ بالتحدث عن صراع مبدأين في النفسية الانسانية (ايروس) أو غريزة الحياة، و(ثاناتوس) أو غريزة الموت اللاواعية (غريزة الموت او الرغبة بالموت).
كان للاتجاه الغرائزي تأثيراً واضحاً على علم الانسان من خلال لفت الانتباه الى المكونات اللاواعية في النفس وأيضاً بسبب النزاع ضد السلوكية في علم النفس. ولكن ليس من الكافي القول فقط أن أساس الاتجاه الغرائزي غير مُستقر. استبدل هذا الاتجاه، الانتظامات الاجتماعية والتاريخية، بأُخرى فردية ونفسية، وحاول ان يُعطي هذه الأخيرة أساساً بيولوجياً. لم يختلف محتوى الغرائز من مؤلفٍ الى آخر وحسب، بل و اختلف عددها ايضاً. عدد ماكدوغال 11 غريزة في بداية الأمر، ثم صارت 14 وأخيراً 18، والتي أعاد تسميتها لاحقاً بـ"الميول" تحت تأثير انتقادات علماء السلوكية. قدّر ويليام جيمس عددها بـ38، وخفضها فرويد الى اثنتين. عندما قام ليستر بيرنارد Lister Bernard (13) بتحليل معنى هذا المفهوم في الأدب، فقد أحصى 15789 غريزةً مُنفصلةً، والتي كثفها الى 6131 غريزةً لـ"جوهرٍ" مستقل. وُضعت المبادئ والعادات والاحتياجات والتأثيرات والعمليات النفسية كلها تحت مصطلح "الغرائز".
ليس مُفاجئاً ان تأثير الاتجاه الغرائزي تلاشى بسرعة مع تطور السوسيولوجيا والسيكولوجيا. كانت الفرويدية استثناءاً لهذه القاعدة، لكن تأثيرها على علم الاجتماع جاء في وقتٍ لاحق، لذلك لن أُناقشه هنا.

4- سيكولوجيا الشعوب
بحثت كل النظريات التي ذكرتها عن "خلية" بسيطة للسلوك الاجتماعي في نفسية الفرد، وبهذا المعنى كانت مثالية ذاتية. ولكن كان هناك في علوم القرن التاسع عشر ايضاً مُعالجةً مثاليةً موضوعية للوعي الاجتماعي، والتي تمتذ جذورها الايديولوجية في نظرية هيغل عن "الروح الموضوعية"، ومفهوم الرومانسية الألمانية عن "روح الشعب". لم تستند هذه المفاهيم الى حدٍ كبير على السيكولوجيا بقدر ما استندت على تاريخ اللغة والأدب، وخاصةً الفلكلور، الذي أظهر بشكلٍ مُقنع وجود بعض العناصر والبُنى المستقرة والمتكررة العابرة للفرد في تطور الثقافة. ما هي طبيعة هذه "الروح الجماعية" أو "الطابع القومي"؟ فسّرها الرومانسيون بمعنى مثالي موضوعي كذهنية خاصة أو واقع روحي. ولكن اكتسب المفهوم تدريجياً محتوىً آخر ذو خاصيةٍ طبيعانية.
أعلن الألمانيين موريتز لازاروس Moritz Lazarus 1824-1903 وهايمان شتينتال Heymann Steinthal 1823-1899 بعد توليفهما لبياناتٍ لغويةٍ واثنولوجية، بنظرية يوهان هربارت Johann Herbart السيكولوجية في عام 1860، عن انشاء تخصصٍ جديد سُمي بـ"سيكولوجيا الشعوب". وحسب شتينتال، حمل كل أفراد أية أمة، خاصية طبيعتها الخاصة على أجسادهم وعقولهم بسبب وحدة أصلهم ومسكنهم وتأثير الخواص الجسدية على العقل. تُثيرهذه الخواص المشتركة التي يحملها الناس قُدرات وميول واستعدادات وخصائص عقلية تتطابق عندهم جميعاً كنتيجةٍ لامتلاكهم نفس الروح الشعبية. لقد فَهم روح الشعب كتشابهٍ نفسي للأفراد الذين ينتمون الى أمةٍ مُعينة، وفي نفس الوقت ادراكهم لذاتهم. تم الكشف عن روح الشعب من خلال دراسة اللغات والأساطير والأخلاق والثقافة في سياق تاريخ نفسية الشعوب والاثنيات.
على الرغم من أن شتينتال ولازاروس لم يتمكنوا من اكمال هذا البرنامج، الا أن وليهلم فوندت تناول أفكارهما وطورها. في رأيه، لم تستطع السيكولوجيا الفسيولوجية أن تُفسرالمحتوى الحقيقي للوعي الناضج
ان العمليات النفسية العُليا ، التفكير قبل كل شيء، كانت نتيجةً لتطور مجتمع الناس وبالتالي يجب على علمٍ آخر خاص أن يدرسها. لقد اعترض على العلماء الذين سبقوه في مشابهتهم الوعي الفردي بوعي الشعب بأكلمه. وكما أنه لا يمكن اختزال وعي الفرد الى عنصار الاحساس والمشاعر الأولية، بل كان توليفاً خلاقاً لها، فان وعي الشعب هو توليف خلّاق لوعي الأفراد يُنشئ واقعاً جديداً يمكن اكتشافه نتاجات النشاطات العابرة للفرد، اي اللغة والأساطير والأخلاق. كرّس فوندت آخر 20 سنة من حياته لدراستها، تجسدت في المجلدات العشرة من كتابه (علم نفس الشعوب) Völkerspsychologie.
لم يتمكن فوندت، مثل من سبقوه، من اكمال برنامجه. لم تتناسب المواد التاريخية والثقافية والاثنوغرافية مع التخطيطات السيكدولوجية البسيطة، لدرجة أن فوندت الذي أراد أن يُثبت شمولية وعالمية قوانين السيكولوجيا الفسيولوجية، حاول أن يُخضع واقع الشعوب، العابر للأفراد، لتلك القوانين. كتب في احدى أعماله أنه منذ البداية، تم استبعاد ظهور تلك القوانين العالمية في نفسية الشعوب، التي لم تكن مُتضمنةً بالكامل في قوانين الوعي الفردي(14). لقد عالج اشكال الوعي الاجتماعي المنفصلة كظواهر "نفسية" وليس كظواهر "اجتماعية-منطقية"، وبالتالي أظهر قوانين اللغة بمماثلتها بقوانين ارتباط الأفكار، وعالج الأساطير كنتيجة لمعالجة الأفكار بمماثلتها بالعواطف، والأخلاق كنتيجة لادراجها بالارادة كعنصرٍ رئيسيٍ للوعي.
كانت سيكولوجيا الشعوب احدى المحاولات الأولى لمفهمة وبدء الدراسة العيانية لتفاعل الثقافة والوعي الفردي. كان التوجه نحو الجمع بين البحوث السيكولوجية والاثنوغرافية واللغوية والتاريخية والأنثروبولوجية ثميناً بحد ذاته. تجد السيكولوجيا التاريخية، والانثروبولوجيا الثقافية والسيكولوجيا الاثنية وحتى اللغويات الاجتماعية واللغويات النفسية مصادرها الأولى، وليس بدون سبب، في مجلدات فوندت العشرة. ولكن يبدو أن تأثيرها على السوسيولوجيا كان ضئيلاً. ظلت المسألة النظرية حول العلاقة بين الثقافة ووعي الفرد دون حلٍ جوهريٍ فيها، في حين أن المادة الوصفية عنده، لم يكن لديها في الواقع اي شيءٍ مُشترك مع المفاهيم التفسيرية.

5- علم نفس الجماعة ونظرية المُحاكاة Imitation.
أصبح من الواضح بشكلٍ مُتزايد، في نهاية القرن التاسع عشر، أنه لم تتمكن لا سيكولوجيا الفرد ولا "روح الشعب" المُجردة من أن توفر مفتاحاً لفهم الظواهر الاجتماعية. ومن هنا تزايد الاهتمام بظاهرة الجماعة والسلوك الجماهيري والآليات النفسية والاجتماعية التي جعلت من الممكن انتقال المعايير والمعتقدات الاجتماعية، وتكيف الأفراد مع بعضهم البعض.
كان لدى اهتمام السوسيولوجيين بسيكولوجيا الجماهير مصادرة الايديولوجية أيضاً. شهدت الطبقات الحاكمة، التي أرعبتها أعمال العمال الثورية أعوام 1789 و1830 و1848 قوىً مُروعة ومدمرةً عند الجماهير. حذّر الرومانسيين التقليديين في أوائل القرن التاسع عشر من أن تحوّل المجتمع الى مجتمعٍ جماهيري يستتبع موت الفردية الابداعية والثقافة. عززت أعمال البروليتاريا الباريسية في أعوام 1848 و1871 هذا المزاج عند اولئك السوسيولوجيين أكثر وأكثر. أصبحت الأفكار حول لاعقلانية الجماهير، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، شائعةً جداً في الفلسفة الوضعية (هيبوليت تين Hippolyte Taine خاصةً معالجته للثورة الفرنسية)، وفي الفلسفة المناهضة للوضعية (نيتشه). قدم عالم الجريمة الايطالي شيبيو سيغيليه Scipio Sighele 1868-1913 لهذه الفكرة تبريراً سيكولوجياً علمياً زائفاً في كتابه (الحشود المُجرمة) The Criminal Crowd 1891 و(سيكولوجيا الطوائف) Psychology of Sects 1895. كتب، شيبيو بأن الانسان قاسي ومُجرم بطبيعته. ان تناقص ضبط النفس العقلاني الحتمي في الحشود، يُطلق العنان لتلك الغرائز مما يزيد من قابلية الفرد الموجود في ذلك الحشد لأن يتقبل أي شر.
في مطلع القرن العشرين صارت كتب الطبيب المتمرس الفرنسي غوستاف لوبون 1841-1931 شائعةً جداً: (سيكولوجيا الجماهير)(جـ) 1895 و(السنن النفسية لتطور الأمم) 1894(د). برأيه، كان المجتمع الأوروبي يدخل مرحلةً جديدةً في التطور "عصر الحشود"، وفيه سيطغى الوعي الجماهيري اللاعقلاني على المبدأ النقدي العقلاني المتجسد في الفرد. ان "الحشد" او "الجمهور" عبارة عن مجموعة من الأشخاص المجتمعين في مكانٍ واحد، يستوحون نفس المشاعر وجاهزين لاتباع قائدهم اينما شاء. لا يمكن لقوةٍ عقلانية أن تُسيطر على الدوافع العنيفةلوعي الجماهير. أكّد لوبون أن الحشد يوجه عن طريق مزاجه مسار تفكير كل شخص فيه. وكلما طالت فترة بقاء الشخص في الحشد، أصبح شعوره بالواقع أضعف وأصبح أكثر عُرضةً لتأثير القائد. غالباً ما يتميز القادة بسمات انحرافاتٍ نفسيةٍ واضحة. أدان لوبون بشدة أي حركةٍ ثورية خصوصاً الحركة الاشتراكية من تلك المواقع. يقول لوبون "ان معرفة نفسية الجماهير تُشكل المصدر الأساسي لرجل الدولة الذي يريد الا يُحكم كلياً من قِبَلِها، ولا أقول يحكمها، لان ذلك قد أصبح اليوم صعباً جداً"(15).
أعطت المشاكل النظرية التي طرحها لوبون مثل العدوى النفسية وايحاء الحشود دفعةً للدراسات السيكولوجية الاجتماعية. لكن نظريته كانت رجعيةً وغير صحيحة علمياً بشكلٍ عام، وقبل كل شيء مطابقته لجماهير الناس ولاعقلانية "الرعاع". نادراً ما يُصادف مفهومه عن "الحشد المثالي" الذي يجتمع بالصدفة، في الواقع العملي، ولا يمكن اعتباره قوة اجتماعية مهمة. ان الحشد البسيط للناس الهائمين في الشارع، هو الشكل الأدنى والأكثر بدائيةً للكيانات الاجتماعية النفسية. يُشير السيكولوجيون الاجتماعيون المعاصرون الى عددٍ من العيوب الأُخرى في مفاهيم لوبون: طابع مفاهيمه الأساسية الضبابي للغاية، والمُعارضة غير المُبررة للاعقلانية الرُعاع بعقلانية الفرد، وتحويل الملاحظات الناتجة عن مراقبة سلوك العصابات الاجرامية استقراءياً الى أشكالٍ مُختلفةٍ نوعياً من سلوك الجماعات، والفرضية التعسفية عن "الروح الجماعية" والطابع اللامنهجي للبراهين، والتي خدمت بمثابة اثبات لفرضية مُعطاة بشكلٍ مُسبق(16).
لم يكن اتجاه سيكولوجيا الجماعة مطلع القرن العشرين مجرد تخميناتٍ تأملية. لم تُدرس الجماعات غير المتبلورة وحسب، ولكن ايضاً الجماعات الانسانية الملموسة منها الجماعات الزوجية والثلاثية، وأيضاً العمليات النفسية التي تفعل فعلها في العلاقات الشخصية مثل العدوى الذهنية والايحاء والتقليد.
استلهم هذا التوجه الهامه من مصادر متنوعةٍ للغاية، بما في ذلك دراسات التنويم المغناطيسي التجريبية، ومراقبة نشاط الأطفال المُقلد والدراسات الاثنولوجية ودراسة ظواهر من مثل الموضة والذعر. لم تكن الدراسات الأولى من هذا النوع تتميز بالدقة المنهجية أو المفاهيمية. كان الناقد والأدبي الروسي نيكولاي ميخايلوفسكي 1842-1903 يميل الى اعتبار العدوى الذهنية كعاملٍ اساسي يقوم علي السلوك الاجتماعي الموحد في المجموعات. آخرين مثل الروسي فلاديمير بختريف 1857-1927 ولوبون، نسبوا هذا الدور للايحاء، ولم يزل البعض الآخر يُعطي افضلية الدور للتقليد أو المحاكاة مثل غابرييل تارد والأمريكي جيمس بلدوين 1861-1934. قام المؤلفين بتحديد العلاقة بين تلك العمليات بطريقة مختلفة ايضاً، في حين اعتبر فيغوروكس وجاكلير العدوى الذهنية شكلاً من أشكال المُحاكاة(17)، فان، لوبون، على العكس، رأى في هذه الأخيرة شكلاً من أشكال العدوى الذهنية. مع ذلك، وفي جميع الحالات، كانت العمليات الاجتماعية هي موضوع الدراسة، والتي نسبوا لها حالةً منهحيةً وانطولوجيةً مُحددة.
كان المحامي وعالم الاجتماع الفرنسي غابرييل تاردGabriel Tarde 1843-1904 أبرز رواد مدرسة سيكولوجيا الجماعة، مؤلف (علم الجرائم المُقارن) Criminalité compare 1886، (قوانين المُحاكاة) Les lois de l’imitation 1890، (المنطق الاجتماعي) Logique sociale 1895، (القوانين الاجتماعية) 1898، (دراسات السيكولوجيا الاجتماعية) Etudes de psychologie sociale 1898، (الرأي والحشد) L‘opinion et la foule 1901، (السيكولوجيا الاقتصادية) Psychologie économique 1902. بالاضافة الى الفلاسفة والسوسيولوجيين مونتيسكو وكونت وسبنسر وميل وانطون كورنو، تأثرت أفكار تارد كذلك بالمدرسة الاجرامية الفرنسية (سيزاري لومبروسو ورافاييلي غاروفالو واينريكو فيرري وآخرين)، ولكن على عكس هؤلاء الايطاليين الذين تتبعوا الجريمة من الظروف العرقية والجغرافية، أولى تارد أهميةً حاسمةً لعواملها الاجتماعية والنفسية.
لسنواتٍ عديدة، شن تارد جدالاً مريراً ضد منافسه الفكري المعاصر والأصغر سناً اميل دوركهايم. نهض كلا المفكرين في الجدال ضد النظريات البيوعضوية والنفعية. علّق كلاهما أهميةً كبيرةً على البيانات الاثنوغرافية والمنهجية المقارنة، كان كلاهما مهتماً بطبيعة المعايير الاجتماعية، حيث رأوا فيها القوة التي أدمجت المجتمع، ولكن كان هناك اختلاف عميق بينهما خلف ذلك التشابه. ان المجتمع بالنسبة لدوركهايم هو (نظام) اجتماعي، نتج عنه الفرد المنفصل.
على النقيض من ذلك، تحدث تارد من وجهة نظر الاسمية، حيث المجتمع من وجهة نظره فقط نتاج تفاعل الأفراد، واعتبر أن اي مشابهة بين المجتمع والعضوية البيولوجية او الجمع الميكانيكي للأفراد غير مثمر. ان الوعي بالنسبة له، هو عبارة عن سلسلة من الميكانيزمات. ورفض كذلك النموذج التطوري للمجتمع. ان مشكلة السوسيولوجيا، تبعاً له، هي انها تخلط بين "قوانين المجتمع) و"قوانين التاريخ"، ولكن الأولى كانت في الأساس قوانين اعادة انتاج الظواهر، والثانية قوانين تطورها. انهما صنفين مختلفين من القوانين. علاوةً على ذلك، كانت قوانين التاريخ أكثر تعقيداً بكثير، ويمكن صياغتها من قوانين المجتمع، وبالتالي استعاض بالمنهج التحليلي عن المنهج التطوري. ان السوسيولوجيا هي "ببساطة... سيكولوجيا جمعية"(18) يجب أن تُجيب على سؤالين.
يجب أن تُهاجم السوسيولوجيا مشكلتين رئيسيتين: 1- ما هو سبب الاختراعات والمبادرات الناجحة، والتكيفات الاجتماعية المماثلة للتكيفات البيولوجية والتي لا تقل عنها بالغموض؟ 2- لماذا يتم تقليد هذه المبادرات وليس غيرها؟ لماذا يتم منح الأفضلية لهذا النموذج من بين العديد من النماذج الأخرى التي لم تجد أي مقلدين؟ بعبارةٍ أُخرى، ما هي قوانين التقليد أو المحاكاة؟(19)
رفض تارد باستمرار كل محاولات افتراض وجود كيانات روحية مستقلة من نوع "الوعي الاجتماعي" او "روح الحشد"، معتبراً ان هذه المذاهب هي بقايا تصوفية. لكنه لم يستطع أن يبني السوسيولوجيا على مبادئ السيكولوجيا الفردية. اذا كان هناك "أنا" I كثيرة ومتنوعة ومتجانسة تماماً وليس لديها اي شيء مشترك مع بعضها البعض، فكيف يمكنهم نقل او توصيل اي شيء الى بعضهم البعض؟ وكيف يمكن لهم أن يُشكلوا الـ(نحن) ourself we؟ ان علم النفس الجمعي، اي السوسيولوجيا ممكنةٌ فقط لأن نفسية الفرد تتضمن عناصرأً يمكنها أن تُنقل وتُوصل من وعيٍ الى آخر، عناصر، على الرغم من الفوارق بين الأفراد، يمكنها أن تُوحّد نفسها وتنضم معاً لتشكل قوىً اجتماعية وتيارات للرأي او دوافع شعبيةً وعاداتٍ وتقاليد وطنيةٍ مُشتركة(20).
ان العلاقة الاجتماعية الرئيسية، بالنسبة لتارد،هي ايصال، او محاولة ايصال مُعتقدٍ أو رغبة. ان أبسط نموذج لذلك هو حالة التنويم. "المجتمع هو مُحاكاة، والمحاكاة هي نوعٌ من السير أثناء النوم "Somnambulism(21). ويكون اي ابتكار، بالنسبة له، نتاجاً لعملٍ خلّاقٍ فردي، مصدره الوحيد مخيلة الفرد الموهوب. أدى التكيف الناجح للابتكار الى ظهور موجة من التكرار على شكل "تقليد" له. رسم تارد صورةً تخطيطيةً للطريقة التي انتشر بها الابتكار عن طريق تقليده بشكل دوائر تنتشر من المركز. تميل دائرة التقليد لأن تنتشر الى ما لانهاية حتى تواجه موجةً قادمةً من مركزٍ آخر تبدأ تيارات التقليد القادمة من اتجاهات متعددة بالصراع، ويُفسح التكرار المجال للمعارضة وتبدأ "المبارزة المنطقية" للمراكز. ان اي نزاعٍ ابتداءاً من الجدال النظري، وصولاً الى الحرب هو حالة خاصة من صراع مراكز التقليد. ويمكن للمبارزات المنطقية أن تؤدي الى نتائج متنوعة، ولكن ينجح التكيف الجديد بطريقةٍ ما، بمعارضته، ويتم تجديد دورة العمليات الاجتماعية مرةً أُخرى.
قسّم تارد القوانين الأساسية لعلم الاجتماع، والتي تتضمن ثلاثة عمليات اجتماعية اساسية (التكيف والتكرار والمعارضة)، الى القانون المنطقي والقانون غير منطقي. تُفسر القوانين المنطقية لماذا تنتشر ابتكاراتٍ معينة، ولماذا لا تنتشر الأخرى، كيف تنضج الحاجة الى ابتكارٍ معين سواءاً كان متوافقاً مع المعارف الموجودة بالفعل (الاتحاد المنطقي) أو متعارضاً معها (المبارزة المنطقية). تُظهر القوانين غير المنطقية سير عملية التقليد، على سبيل المثال، كيف ينتقل من المركز الى الأطراف، من الأعلى الى الأدنى ومن الأهداف حتى الوسائل، الخ.
على الرغم من أن تارد بنى نظريته على انها استنباطية، الا أنه أولى أهميةً كبيرةً لأساليب البحث التجريبية. برأيه، يوجد منهجيتان رئيسيتان تحت تصرف علم الاجتماع: الأركيولوجي والاحصائي. تستند المنهجية الاركيولوجية-(يمكن التعرف عليها بسهولة كوصف للمنهجية التاريخية)- على تحليل الوثائق التاريخية وتُستخدم لدراسة مناطق وفترات انتشار الابتكارات والنماذج. أما المنهجية الاحصائية فتُستخدم لجمع المعلومات عن عمليات التقليد الحالية عن طريق حساب الأفعال التقليدية ورسم منحنيات انتشار التقليد. صار من الممكن، بتحليل احصائيات الجرائم والانتحار وحركة السكك الحديدية والتجارة، ايجاد تعبيرٍ كمي عن قوة تقليد الابتكار وابراز النتائج المواتية وغير المواتية لانتشاره، وفي النهاية تحقيق السيطرة على العمليات الاجتماعية المُقلدة العفوية. رأى تارد، في التطبيق الواسع "للأعداد والمقاييس" في دراسة المجتمع، الطريق الأسرع لتطوير السوسيولوجيا. تمتعت دراساته الاجتماعية-الاحصائية، ولا سيما في المسائل المتعلقة بالجريمة، بسطوةٍ كبيرةٍ بين معاصريه.
كان المجال الأكثر أهميةً، والذي طبق اطروحاته فيه، هو الرأي العام و"نفسية الحشد". يُشبه كتابه (الرأي والحشد)، لوبون في مدى أفكاره ومفاهيمه، ولكن انتقد تارد مفهوم "العقل الجمعي" الموجود خارج أو فوق وعي الأفرد. كما أنه لم يوافق على الادعاء بأن القرن العشرين سيكون "عصر الرعاع". في رأيه، كان يقول بأنه سيكون عصر الجمهور أو الجماهير، وهذا شيءٌ يختلف تماماً.
أكد تارد، مثل من سبقوه، في وصفه لـ"الحشد" و"الطوائف الاجرامية"، على لاعقلانيتها وتقليدها وحاجتها لقائد. ولكنه حوّل اهتمامه الرئيسي ليس الى ذلك، ولكن نحو عمليات تمايز الرأي العام وتشكيل الجمهور على هذا الأساس. على عكس الحشد، الذي تتكون وحدته النفسية في المقام الأول عن طريق الاتصال الجسدي، كان الجمهور من ناحية أخرى، عبارةً عن جماعية روحية صرف، وتباعداً جسدياً للأفراد المنفصلين والذين لا يمكن التعبير عن وحدتهم كجمهور الا ذهنياً(22). في العصر الحديث، الرأي بالنسبة للجمهور كمثل الروح بالنسبة للجسد(23).
تتبّع تارد، من خلال تناوله المشكلة في وقتٍ واحدٍ بطريقةٍ تحليلية وتاريخية، مراحل تكوين الجمهور، معتبراً اياه نتاجاً للعصور الحديثة. كان ما قبل تاريخ الجمهور مقصوراً على صالونات ونوادي القرن الثامن عشر، ولكن بدأ تاريخه الحقيقي بظهور الصُحف. في حين يقوم الحشد بتسوية وادماج شخصية الفرد، تحصل هذه الشخصية على فرصة التعبير ذاتها في الجمهور. زاد تحسين وسائل الاتصال في هذا الأخير من تعقيد واثراء الشخصية، حتى انه اصبح هناك ليس فقط جمهوراً واحداً في المجتمع، بل عدة أنواع منه.
لم يقصر تارد نفسه على هذه الاعتبارات العامةـ ولكنه قدّم تحليلاً سيكولوجياً مفصلاً للغاية لمختلف أشكال الاتصال الجماهيري والتواصل بين الأشخاص، وخاصةً المحادثة Conversation. سبقت مراقباته وملاحظاته الى حدٍ كبير النظريات اللاحقة له: الاتصال الجماهيري وسيكولوجيا العلاقات. يجب على المرء أن يقول، عندما يريد أن يُقيّم نشاطه ككل، بأنه طرح ودرس العديد من المسائل المهمة. أبرز، جنباً الى جنب مع جورج زيميل، مسألة العلاقات الشخصية وآلياتها الاجتماعية والنفسية وجلبها الى مركز البحث السوسيولوجي. انه يُعتبر بحق، أحد مؤسسي السيكولوجيا الاجتماعية كتخصصٍ علمي. كان انتقاده للتطورية واهتماماه بالايكولوجيا والتكنولوجيا مهماً جداً لتاريخ السوسيولوجيا. كان تأثيره المباشر طفيفاً نسبياُ في فرنسا، لكن حصلت أفكاره على اعترافٍ واسع النطاق في الولايات المتحدة. جيمس بلدوين الذي توصل عملياً الى نفس الاستنتاجات بشكلٍ مستقلٍ عنه، بالاعتماد على بيانات السيكولوجيا الوراثية، دعا تارد بأنه أحد أكثر المؤلفين المعاصرين موثوقيةً وتميزاً في علم السوسيولوجيا والسيكولوجيا الاجتماعية. اعتبر فرانز بواس 1858-1942 رائد الاتجاه التاريخي-الثقافي كتاب تارد (قوانين المحاكاة) كتاباً متميزاً. تأثرت مفاهيم أحد السيكولوجيين الأمريكيين الرائدين ادوارد روس الى حدٍ كبير بأفكار تارد.
لكن أدى اختزال السوسيولوجيا الى "سيكولوجيا تواصلية-ذهنية" في النهاية الى زقاقٍ مسدود، لأن الباحث يفقد رؤية البنية الاجتماعية الكلية التي تتشكل تحت تأثيرها العلاقات الشخصية. على الرغم من أن تارد أولى اهتماماً كبيراً للتكنولوجيا عندما قام بتصنيف الابتكارات، الا أنه اختزل العلاقات المادية الى علاقاتٍ ذهنية. وبعد ان اقتصر العمليات الاجتماعية على سياق العلاقات الذهنية، لم يستطع أن يخرج من دائرته المنطقية في تفسيره لها. لقد استنتج نفسية الفرد وسلوكه من تقليد النماذج الخارجية والابتكارات، وعالجها، بدورها، على أنها نتاج النشاط الابداعي للأفراد. لم يدرس بشكلٍ عام أصل نماذج التقليد الاجتماعي. كان مصدرها هو فعل خيال الفرد الخلّاق، بينما "تنتمي قوانين الابتكار اساساً الى منطق الفرد"(24). مثل هذه المثالية الواضحة صدمت، حتى أهم المتحدثين باسم "علم الاجتماع الذاتي" مثل نيكولاي ميخايلوفسكي، الذي كتب، ليس بدون سخرية، أن تارد يختزل اللحظات التي تُعدّ عرضاً حاداً للعدوى الأخلاقية، الى تلك العدوى المُعبّر عنها في البروباغاندا واتقان الأفكار الجديدة. وقعت الأحداث التي ميزت أفكار توماس مونتسر Luther and Müntzer ولوثر، وقعت في التاريخ، ليس بسبب اضطهاد النظام الاقطاعي، وليس لان النظام الكاثلوليكي صار لا يُطاق، بل لأن أفكار لوثر انتشرت(25).
تعرّض المحتوى السيكولوجي لـ"نظرية المُحاكاة أو التقليد" الى انتقاداتٍ شديدة. كان فوندت قد لفت الانتباه بالفعل الى غموض هذا المفهوم، والذي كان في الغالب وصفاً نفسياً مبتذلاً لعمليةٍ ترابطيةٍ وليس التقليد بالمعنى الصحيح للمصطلح. أشار دوركهايم كذلك الى أنه لا يمكن للمرء أن يُحدد بنفس المصطلح، العملية التي بموجبها تتشكل المشاعر الجماعية داخل مجموعةٍ معينةٍ من البشر، والتي ينتج عنها تمسكنا بالقواعد العامة او تقاليدنا، او تلك التي تدفع شخصاً ما ليلقي نفسه في البئر لأن كل من حوله بدأوا بفعل ذلك. انها مسألة أخرى ان تشعر بأنك مع الجماعة، انه شيءٌ آخر أن تخضع لسلطة رأيٍ ما وهو شيءٌ آخر كذلك أن تُكرر تلقائياً ما يفعله الآخرون(26).
كانت العديد من "القوانين" التي صاغها تارد اشكاليةً ايضاً. كانت الفرضية القائلة بأن التقليد الذي ينتقل من "الداخل الى الخارج" مرتبطةً بنظرية توصلت الى السلوك بدوافع واعية. لكن التقليد أو استيعاب نموذجٍ جديد بدأ عادةً من السمات الخارجية والسطحية، ولم يأتِ الوعي الا لاحقاً بشكلٍ تعبيريٍ قائمٍ بالفعل. ان القانون الذي يقول بأن "التقليد يتدفق "من الأعلى الى الأسفل"، من الطبقة الحاكمة الى المظلومين مدعوم بعدة حقائق، الا أنه ليس شاملاً ايضاً، لانه استند الى فكرة حتمية النظام الطبقي الاجتماعي، ومن المعروف أن العديد من الابتكارات في مجال الثقافة نشأت أولاً بين المظلومين، واستوعبتها الطبقات الحاكمة لاحقاً (يكفي ذكر المسيحية في هذا الصدد).
تجاوزت نظرية التقليد اطار العمليات اذهنية في مجموعة واحدة، مما جعل موضوع ووحدة البحث السوسيولوجي عمليات العلاقات الفردية وليس الفرد مأخوذاً منفصلاً. ولكن كما رأينا للتو، فقد فُهِمت هذه العلاقة بطريقة سطحية وميكانيكية للغاية.

6- ولادة السيكولوجيا التفاعلية.
كان الاتجاه التفاعلي الذي نشأ في الولايات المتحدة هو محاولة للتغلب على هذا الضعف من خلال الجمع بين النزعة السيكولوجية والعضوية Organicism. تمحورت التفاعلية على التفاعل بين الأفراد. لم يُفهم الفرد على أنه فرد مجرد ولكن ككائنٍ اجتماعي ينتمي الى مجموعاتٍ اجتماعيةٍ مُحددة ويؤدي أدوراً اجتماعيةً معنية. أفسحت معارضة التفاعليين الفرد للمجتمع، المجال، من أجل تفسير كلا الظاهرتين على طرقتهم. لم تكن الفكرة جديدةً فلسفياً بالطبع. كان أول تجسيدٍ لها في السيكولوجيا في نظرية وليام جيمس 1842-1910. من خلال تعريف المحتوى الامبريقي لـ(الذات) كـ"كل ما يحاول أن يناديه باسمه"، ميز جيمس ثلاثة عناصر لها: 1- "الذات المادية" بما في ذلك الجسم والملابس والأسرة والممتلكات. 2- "الذات الاجتماعية" اي الاعتراف الذي يلقاه الفرد من المُحيطين به. وكون المُحيط غير متجانساً، يمكن للمرء القول بأن الانسان يمتلك ذواتاً اجتماعيةً مُختلفةً بقدر ما يوجد مجموعات مختلفة من الناس، الذين يقيّم كلٍ منها بطريقة مختلفة. 3- "الذات الروحية"، أي مجموع قدراته الذهنية والروحية وميوله(27).
كان ادراج اللحظات الاجتماعية في بُنية الشخصية ووعيها الذاتي مُثمراً للغاية. اتخذ الخطوة التالية في هذا الاتجاه أحد مؤسسي السيكولوجيا الوراثي جيمس مارك بلدوين 1861-1934 مؤلف (التطور الذهني للطفل والعرق) Mental Development of the Child and Race 1897. كانت مبادئ بلدوين العامة قريبةً جداً من نظرية تارد، ولكن في حين انتقل السوسيولوجي تارد من العمليات الاجتماعية الى الفرد، انتقل السيكولوجي بلدوين من الفرد الى المجتمع. كتب، أنه من وجهة نظر السيكولوجيا، تزامن التنظيم الاجتماعي بتنظيم الفرد ووعيه بذاته. حسب بلدوين، لم "تعكس" بُنية شخصيته ووعيه بذاته، ببساطة "تنظيم المجتمع بل انها متطابقة معه.
درس السوسيولوجي البروفسور تشارلز هورتون كولي Charles Horton Cooley 1864-1929 الجانب الاجتماعي من هذه المسألة في جامعة ميتشغان. دعى كولي مقاربته بأنها "عضوية" Organic ليس بمعنى العضوية البيولوجية Biological Organicism، ولكن لانه انطلق من الاعتراف بوحدة الفرد والمجتمع. كتب يقول ان "النظرة العضوية أكدت وحدة الكل والفردي في الفرد، مُفسرةً كلاً منهما بالأخرى"(28). كان من غير المنطقي تحليل وعي المجموعة الاجتماعي ووعي الفرد بشكلٍ منفصل، كمعارضة موسيقى الفرقة بآلة موسيقية منفردة. ليس "الفرد" و"المجتمع" كيانين مُختلفين، ولكن جانبين مختلفين لدراسة عمليات تفاعل الحياة الانسانية، والتي يمكن دراستها اما من جانب الفرد ووعيه بذاته وديناميكيات الذات الاجتماعية، أو من جانب المؤسسات الاجتماعية وأنواع التواصل الثابتة. فصل كولي نفسه بشكلِ متساوٍ عن كلا التطرفين "الاسمي" و"الواقعي".
هل المجتمع أكثر من مجموع أفراده؟ بمعنىً ما، نعم. هناك تنظيم وعمليات حياتية في الكل الاجتماعي لا يمكنك أن تراها في الأفراد وهم منعزلين. ان دراسة الأفراد واحداً تلو الآخر وتجميعهم سيؤدي بك الى الضلال. انها فَرَدانية Individualism بالمعنى السيء للكلمة(29).
كرّس كولي كتابه الأول (الطبيعة الانسانية والتنظيم الاجتماعي) Human Nature and the Social Order 1902 لدراسة الفرد، أو الجانب الشخصي لـ"عملية الحياة الاجتماعية". في كتابه الثاني (التنظيم الاجتماعي) Social Organization 1909 كان بالفعل يُعالج المجتمع من زاوية المجتمع ككل. أشار عنوانه الفرعي (دراسة في العقل الأكبر) A Study of the Larger Mind، أنه ينوي بشكلٍ رئيسي الى دراسة الوعي الاجتماعي، الذي لا يمكن اختزاله الى وعي الأفراد المنفصلين. ولكن مبدأ مقاربته كان هو نفسه.
عارض كولي معالجته للطبيعة الانسانية بمعالجة الاتجاه الغرائزي والتفسيرات الميكانيكية لها. برأيه لا يمكن للمرء أن يُعلق أهمية الدوافع العالمية للسلوك الاجتماعي على الغرائز. أظهرت حقائق الحياة الاجتماعية المتنوعة قابلية تغير أهجاف السلوك الانساني، وغياب اي قانون ينظم أفعاله. ان الطبيعة الانسانية مرنة ومتحركة. ويمكنها أن تعمل في اي اتجاه عندما تُفهم قوانينها بشكلٍ صحيح.
كان تفسير الفرد من خلال مبدأ (التقليد) غير مُرضٍ له بنفس القدر. ان اعادة الطفل تمثيل شيءٍ ما قام به شخص بالغ، ليس أسهل من أن يقوم البالغ بتعلّم قطعةٍ موسيقيةٍ من ذوات الصعوبة المتوسطة. علاوةً على ذلك، يُقلد البالغون الطفل في عامه الأول أكثر مما يقلدهم. اعتبر كولي ذلك اشارةً على كائنٍ اجتماعيٍ حقيقي، وقدرة لتمييز نفسه عن الجماعة، وأن يعي نفسه وشخصيته. لا يوجد احساس بـ"أنا" I كالكبرياء والعار بدون معناها المرتبط بـ"أنت" او هو أو هُم(30). ان النشاط الواعي، تبعاً له، هو نشاط اجتماعي دائماً. والتصرف اجتماعياً يعني أن يُنسق المرء نشاطه بأفكار "أنا" التي كونها أشخاص آخرون عنك. "نحن، ككائنات اجتماعية، نعيش وكأن أعيننا مُسلطةٌ على انعكاسنا في الماء، ولكننا لا نملك ضمانةَ لصفاء تلك الماء التي نرى أنفسنا فيها"(31). تتشكل الذات الخاصة بنا من خلال تلخيص الانطباعات التي نُبديها تجاه الآخرين. يتضمن انسان"أنا"، تبعاً لمفهوم كولي حول "الذات التي ترى من خلال المنظار" The Looking-Glass Self: 1- فكرة "كيف أبدو بالنسبة للشخص الآخر" 2- فكرة "كيف يُقيّم الآخر صورتي" 3- الشعور المعين في طبيعة الكبرياء او الاذلال الذي ينتج عن ذلك. ان كل فعل في الوعي الاجتماعي، هو في وقتٍ واحد، تبعاً لكولي، فعلاً للوعي بالذات. يكشف المجتمع الفرد بشكل الجانب الاجتماعي لشخصيته. ولكن الوعي الاجتماعي للفرد لا يتوافق مع وعي كل المجتمع. يتجاوز هذا الأخير حدود عالم الشخص الداخلي. انه وعي أوسع (عقل أكبر)، والذي يُحدده كولي أحياناً بمصطلح (العقل العام) من أجل تفريقه عن عقل الفرد. ان وحدة "العقل العام" تتكون في التنظيم والتفاعل والعلاقة السببية بين الأجزاء، وليس في تشابه أجزاءه(32). يكمن مصدر التنظيم الاجتماعي في "الجماعة الأولية". دعا كولي تعاون وترابط الأفراد بشكل مباشر وجهاً لوجه بـ"الجماعة الأولية" انها دائرة من صغيرة من الناس الذين يحافظون على علاقة وثيقة مستقرة تتميز كقاعدة بالحميمية والألفة المُشتركة والتفاهم.تتضمن الجماعة الأولية أشخاصاً يمكن للمرء أنه يقول عنها "نحن"، مثل مجموعات "اللعب" عند الأطفال والأسرة والحي. يكتسب الفرد في هذه المجموعات بالذات شعوراً بالانتماء الجماعي واستيعاب المُثُل المُشتركة. ودعا هذه مجموعات بـ"حاضنة الطبيعة البشرية"(33). كان يُدرك جيداً بأن المجموعات الأولية "ليست مستقلة عن المجتمع الأكبر، ولكنها تعكس روحها، الى مدىً مُعين"(34)، وبأن التنافس والخصومة والعداء موجودة فيها. ولكنه أكد أنه في خهذه المجموعات الأولية يكمن اساس الطبيعة والمُثُل الانسانية العالمية وأن "أوليتها" تكمن بشكل بشكلٍ رئيسي في كونها "جوهرية بتشكيلها الطبيعة الاجتماعية ومُثُل الأفراد"(35).
ان نظرية كولي "الذات التي ترى من خلال المنظار" التي تطورت في تيار الفلسفة التقليدية (فكرة أن الوعي بالذات يتشكل من خلال التواصل وتبادل الآراء مع الناس الآخرين الموجودة عند آدم سميث)، تطورت بشكلٍ أكبر في أعمال جورج هربرت ميد George Mead وأعمال تيار ما يُسمى بالتفاعلية الرمزية. صار مفهوم المجموعة الأولية، الذي ذهب طي النسيان في الثلاثينيات من القرن العشرين، صار دارجاً مرةً أُخرى في الدراسات حول الجتمعة والمجموعات الصغيرة، المعروفة. ومع ذلك، فان علم اجتماع كولي لديه نفس أوجه القصور، مثل أنواع السكلجة الأُخرى. قام كولي بدمج التأكيد على الجانب الشخصي الذاتي للعمليات الاجتماعية (على الرغم من أنه افترض طابعها المشروط)، بالتجاهل الواضح للعمليات المادية والانتاجية. لم تكن صياغة مثل "المجتمع هو... علاقة، من بين الأفكار الشخصية"(36) مُجرد مسألة صياغة خرقاء للمفاهيم. ان منهجيته هي مثالية متأصلة، لان التفاعل الاجتماعي خلال تشكل وعي الفرد بذاته، اختُزِل عملياً الى عملية التواصل الفردي الذي يُستبعد النشاط المادي منه، مثل العمل والموقف من النظام الاجتماعي الكبير التي تكون أية مجموعة أولية جزءاً منه.
بدا النظام الموضوعي لعلاقات الانتاج والبنية الطبقية للمجتمع أقل أهميةً في هذا المفهوم من علاقة الأفراد "وجهاً لوجه". حتى ميد، الذي قدّر نظرية كولي بشدة، أشار الى لامشروعية اختزال التفاعل الاجتماعي للأفراد، الى تبادلهم للآراء مع بعضهم. ان الاستبطانية النفسي لكولي، وفقاً لما ذكره ميد، حمل معه "تضميناتٍ أنا-واحدية" بما أن كولي يعتبر"أن المجتمع لا وجود له فعلاً الا في عقل الفرد، وبأن مفهوم الذات، كما هو بأي معنىً اجتماعي، هو نتاج للمُخيلة"(37). لم يكن الاتجاه التفاعلي، حتى عندما تطور في أعمال ميد وأتباعه، مُثمراً في سياق دراسة سوسيوسيكولوجية للعلاقات الشخصية، وأثبت عدم كفايته لوصف وتفسير العمليات الكبيرة والصغير، والطبقات وطبيعة السلطة السياسية.

7- السوسيولوجيا السيكولوجيا في المنظور التاريخي.
ماذا كانت النتائج الأساسية للسوسيولوجيا السيكولوجية على أبواب القرن العشرين؟
تمحور اهتمامها حول مسائل الوعي الاجتماعي (الجماعي والجمعي) وطبيعته وبنيته ووظائفه. نوقشت فيها اكثر عمليات وآليات نفسية مهمة للمجموعة والعلاقات الشخصية بالتفصيل: العدوى النفسية، الايحاء، التقليد والمحتوى الاجتماعي للشخصية نفسها. تم وضع الأساس للدراسة النظرية والتجريبية للرأي العام والاتصال الجماهيري. حاول السيكوسوسيولوجيين، برفضهم لاضفاء الطابع البيولوجي على المجتمع، ان يتغلبوا على الطابع المحدود للتطورية، وصارت مفاهيمهم النظرية أكثر تحليليةً. ان اكثر نتيجة ايجابية لهذا هو نهوض السيكولوجيا الاجتماعية كتخصص مستقل، على الرغم من ظهوره على تخوم علم السوسيولوجيا والسيكولوجيا، الا أن هذا التخصص الجديد ظل لبعض الوقت لا يمتلك موضوعاً محدداً بوضوح، وتم جره مرةً هنا ومرةً هناك، على كلا "قُطبيه".
لكن دراسة عمليات علاقات المجموعات، بالرغم من ضرورتها، لم تستنفد مجال الاجتماعي، ولم تُبرر اختزال السوسيولوجيا الى السيكولوجيا الاجتماعية التي كانت تُميز المدارس المعنية. بالنسبة الى تارد، كانت السيكولوجيا الاجتماعية مرادفةً في جوهرها للسوسيولوجيا وهو لم يرسم حداً فاصلاً بينهما. دعا كلٌ من لوبون وبلدوين وماكدوغال وكولي مقارباتهم بالسيكولوجيا الاجتماعية أحيلناً وبالسوسيولوجيا أحياناً أُخرى. نشر السوسيولوجي الأمريكي تشارلز ايلوود Charles Ellwood 1873-1948 بنشاط، فكرة دمج السوسيولوجيا والسيكولوجيا الاجتماعية، واعتبر ادوارد السورث Edward Alsworth 1866-1951 هذه الأخيرة جزءاً من السوسيولوجيا مُقسماً اياها الى السيكولوجيا الاجتماعية (وموضوع دراستها العمليات السيكولوجية التي تنهض بترابط الناس)، والمورفولوجيا الاجتماعية، أي علم الأشكال الاجتماعية (38).
حتى عندما تركز الاهتمام على المشاكل الاجتماعية العامة والعلاقات (نظرية كولي عن التنظيم الاجتماعي، أو نظرية السورث عن السيطرة الاجتماعية)، تم تفسيرها على أنها "كُتَ" من العلاقات الشخصية او جانباً مُعيناً منها.
لم يكن اختزال العلاقات الاجتماعية الى "تفاعل ذهني"، والسوسيولوجيا الى السيكولوجيا الاجتماعية، شيئاً آخر سوى شكل خفي من المثالية الفلسفية. بالنسبة الى السوسيولوجيين الماركسيين، ليس هناك شك فيما اذا كان من الضروري "الاعتراف" بأهمية العوامل الذهنية والتوجهات الاجتماعية والدوافع وما الى ذلك. تكمن المشكلة في كيفية ربط المشاعر والأفكار بالحركة التي تحكمها العمليات الاجتماعية الكبيرة Macrosocial. لا يمكن اختزال الاجتماعي الى "العلاقات الشخصية" بما أن الناس منخرطين في علاقاتٍ اجتماعيةٍ-انتاجية "وهي علاقات اشتركوا فيها ليس على أنهم أفراد، بل من حيث هم أعضاء في طبقة"(39)، وبالتالي، فان وظائفهم و"هذه الشخصيات الاجتماعية المحددة ليس منذ نشوئها قطعاً في الفردية البشرية"(40) بل تنشأ بسبب تقسيم معين لنظام الانتاج.

1- John Stuart Mill. System of Logic. Ratiocinative and Inductive (Longmans, Green, London, 1889), p 573.
2- Ibid.,p 571.
3- Lester F. Ward. The Psychic Factors of Civilization (Ginn & Co., Boston, Mass., 1906), p 123.
(أ)- الميليورية: هي فكرة ميتافيزيقية تعني أن التحسينات يمكنها أن تصل الى الكمال بتراكميتها.
4- F.H. Giddings. The Principles of Sociology. An Analysis of the Phenomena of Association and of Social Organization (MacMillan & Co., London, 1924), p 16.
5 -Ibid., p 420.
6- Ibid.
7 - Ibid.,p 13.
8- Ibid., p 17.
9- F. H. Giddings. Studies in the Theory of Human Society (The Macmillan & Co., New York, 1926), p. 252.
10- Nicholas S. Timasheff. Sociological Theory. Its Nature and Growth (Doubleday & Co., Garden City, N.Y., 1955), pp 138-140.
11- Wilfred Trotter. Instincts of the Herd in Peace and War (The Macmillan Co., New York, 1947).
12- Graham Wallas. Human Nature in Politics (Constable & Co., London, 1910).
(ب)- الطوطم والحرام، سيغموند فرويد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة.
13- Lister L. Bernard. Instinct. A Study in Social Psychology (Holt, New York, 1924).
14- Wilhelm Wundt. Logik der Geisteswissenschaften. In: Logik, Vol. 3, (Verlag von F. Enke, Stuttgart, 1908), p 227.
(جـ)- سيكولوجيا الجماهير، غوستاف لوبون، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي.
استند ليوبون على دور العوامل (الاعقلانية) ودور (المُحاكاة) أو التقليد أو التشبه في السوك الاجتماعي.
ان سيكولوجيا الجماهير، كاحدى النظريات التي انبثقت في مبحث (السيكولوجيا الاجتماعية) تعطي حلاً لمسألة العلاقة بين الفرد والمجتمع انطلاقاً من المواقع (الفردية)، فان الفرد هو اولوية بالنسبة للمجتمع، وهو الذي يعين طابع المجتمع.
هذا الكتاب شائع جداً في المنطقة العربية، وهو مرجع أساسي لدارسي علم النفس الأكاديمي ولكل من يريد أن يطلع على علم النفس. ولكن نظرية لوبون، هي، بالفعل، عدا عن كونها لاعقلانية وغير علمية بالأساس، فهي أيضاً مُبتذلة للغاية، ولم تعد تخدم علم النفس بأي أساس، وخاصةً مع نشوء نظرية النشاط في علم النفس العام والاجتماعي الماركسي في الاتحاد السوفييتي.
(د)- السنن النفسية لتطور الأمم، غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.
15- سيكولوجيا الجماهير، غوستاف لوبون، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، ص48.
16- Stanley Milgram and Hans Toch. Collective Behavior: Crowds and Social Movement. In: Gardner Lindsey and Elliot Aronson (Eds.) The Handbook of Social Psychology, Vol. 4 (Addison-Wesley Publishing Co., Reading, Mass., 1969), pp 507-611.
17- A. Vigouroux, P. Juquelier. La contagion mentale (Doin, Paris, 1905).
18- Gabriel Tarde. On Communication and Social Influence (Univ. of Chicago Press, Chicago, 1969), p 73.
19- Ibid., p 104.
20 Ibid., р 95.
21- G. Tarde. Les lois de l’imitation. Etude sociologique (Alcan, Paris, 1890), p 97.
22- G. Tarde. L’opinion et la foule (Alcan, Paris, 1910), p 2.
23- Ibid., p 63.
24- G. Tarde. Les lois de l’imitation, p 415.
25- N. K. Mikhailovsky. Geroi i tolpa (Heroes and the Crowd). Collected Works, Vol. 2 (St. Petersburg, 1907), pp 434-435.
26- Emile Durkheim. Le suiside. Etude de sociologie (Alcan, Paris, 1897), pp 114-115.
27- William James. The Principles of Psychology, Vol. 1 (Henry Holt & Co., New York, 1893), pp 291-305.
28- С. H. Cooley, Human Nature and the Social Order (Schocken Books, New York, 1964), p 36.
29- Ibid., р 48.
30- Ibid., p 182.
31- Ibid., p 247.
32- Lewis A. Coser. Masters of Sociological Thought (Harcourt Brace Jowanovich, New York, 1977), p 312.
33- С. H. Cooley. Social Organization. A Study of the Larger Mind (Schocken Books, New York, 1967), p 24.
34- Ibid., р 27.
35- Ibid., p 23.
36- С. H. Cooley. Human Nature and the Social Order, p 119.
37- George H. Mead. Mind, Self and Society. From the Standpoint of a Social Behaviorist (Univ. of Chicago Press, Chicago, 1946), p 224.
38- E. A. Ross. Social Psychology. An Outline and Source Book (The Macmillan Co., New York, 1917).
39- Karl Marx and Frederick Engels. The German Ideology (Progress Publishers, Moscow, 1976), p. 88.
الترجمة العربية لهذا النص أعلاه في كتاب: الايديولوجيا الألمانية، كارل ماركس وفريدريك انجلز، ترجمة فؤالد أيوب، دار دمشق، ص77.
40- Karl Marx. A Contribution to the Critique of Political Economy (Progress Publishers, Moscow, 1977), p 95
الترجمة العربية لهذا النص أعلاه في كتاب: نقد الاقتصاد السياسي، كارل ماركس، ترجمة الدكتور راشد البراوي، دار النهضة العربية، ص44.

ترجمة الفصل الخامس من كتاب
A History of Classical Sociology, a Group of Soviet Sociologists, Edited By Prof I. S. Kon, Translated By H. Campbell Creigton, Published 1979, Translated 1989, Progress Publisher






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلسفة والجماليات عند موريس ميرلوبونتي
- الاتجاه الطبيعاني في السوسيولوجيا على أبواب القرن العشرين
- مفهوم الفرد في أعمال البير كامو
- مفاهيم هربرت سبنسر السوسيولوجية
- سيكولوجيا شخصية التحقيق الذاتي في أعمال أبراهام ماسلو
- أوغست كونت ومنشأ السوسيولوجيا الوضعية
- من الفلسفة الاجتماعية الى السوسيولوجيا
- كيف نشأت الحياة؟
- الاتحاد السوفييتي: محاولة لتفنيد بعض جوانب التشويه السياسي ا ...
- الكذب المتعلق بتاريخ الاتحاد السوفييتي
- تعريف حول الكسندر اوبارين، والانتقال من المادة اللاحية الى ا ...
- الفلسفة، العلم والوعي اليومي
- الأيديولوجيا والوهم
- حول مؤتمر التطوير التربوي، والعملية التربوية التعليمية ما بي ...
- ابواق الدعاية الدينية المحافظة فيديو (قانون الأرزاق)


المزيد.....




- الهلال الأحمر الفلسطيني: إصابة أكثر من 165 فلسطينيا في مواجه ...
- إصابة متظاهرين اثنين برصاص الجيش الإسرائيلي عند الجدار الفاص ...
- فيديو: اشتباكات ليلية بين المتظاهرين والأمن الإسرائيلي في ال ...
- ملاحظات على الراهن السياسي، وعناصر جواب على سؤال ما العمل؟
- آلاف المتظاهرين يحتجون في مدريد على عمليات الجيش الإسرائيلي ...
- اليونان.. قنابل الغاز وخراطيم المياه ضد متظاهرين متضامنين مع ...
- خالد علي: تدهور الحالة الصحية لوالدة الباحث المحبوس إسماعيل ...
- تاريخ اللد والرملة.. مدنٌ في قلب الثورة الفلسطينية
- الشرطة تطلق مدافع المياه على متظاهرين مؤيدين للفلسطينيين في ...
- في ذكرى النكبة.. غليان متواصل بالضفة الغربية والاحتلال يصيب ...


المزيد.....

- لحظة عدم السماح بسقوط الراية / التيتي الحبيب
- متابعات عالمية و عربيّة - نظرة شيوعيّة ثوريّة (3) 2019-2020 / شادي الشماوي
- الحلقة السادسة والأخيرة: منظمة -إلى الأمام- الماركسية الليني ... / موقع 30 عشت
- استعادة الإرث الثوري لروزا لوكسمبورغ / ماري فريدريكسن
- السيرورة الثورية في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط: حصيلة ... / الاممية الرابعة
- الاستعمار الرقمي: هيمنة متعددة وعنيفة / أحمد مصطفى جابر
- الشيوعية الجديدة / الخلاصة الجديدة للشيوعية تشتمل على التقيي ... / ناظم الماوي
- دفاعا عن المادية / آلان وودز
- الإشتراكية والتقدّم نحو الشيوعيّة : يمكن أن يكون العالم مختل ... / شادي الشماوي
- الممارسة وحل التوترات فى فكر ماركس / جورج لارين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مالك ابوعليا - السوسيولوجيا السيكولوجية على أبواب القرن العشرين