أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات - محمد عمارة تقي الدين - كورونا وإنسان ما بعد الحداثة















المزيد.....

كورونا وإنسان ما بعد الحداثة


محمد عمارة تقي الدين

الحوار المتمدن-العدد: 6527 - 2020 / 4 / 1 - 22:57
المحور: ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات
    


دكتور محمد عمارة تقي الدين
كورونا هو منتج ما بعد حداثي بامتياز، إنه تعبير عن الخوف السائل كما نظَّر له الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان، بل وقد تحول للحالة الغازية (أي الخوف الغازي إن جاز لنا أن نصك مصطلحاً جديداً)، حيث الانتشار الرهيب للخوف وتسربه إلى كل مكان، لقد تخلل حتى مسام أرواحنا، فقد تفشت هستيريا جماعية وتوجس مرضي وتصاعد هلع الإصابة بالفيروس القاتل، ومن ثم سادت قيم الانزواء والعزلة وتجنب الآخرين والتعقيم الوسواسي القهري، أضحيت أخاف حتى من يدي أن تطال فمي وأنفي
. كان المفكر الألماني أولريش بيك قد قدم تحذيرا شديد اللهجة لبني الإنسان من أشباح ما بعد الحداثة، تلك الأشباح التي على رأسها فقدان الطمأنينة وتفشي الخوف بشكل غير مسبوق، ذلك الخوف الذي ادعت الحداثة السيطرة عليه، فتلك كانت واحدة من وعودها الكبرى، مؤكداً أن الأزمة في عمقها هي نتيجة حتمية لسعار الإنسان وقتاله من أجل البحث عن اللذة والمنفعة الخاصة وتحقيق أقصى ربح ممكن وامتلاك كل ما تطاله يديه ولو جاء ذلك على حساب السلم العالمي، ودون أدنى اهتمام بحقوق الأجيال القادمة في الثروات الطبيعية والحياة في كون خالٍ من التلوث. فكانت المنتجات المابعد حداثية: الاٍرهاب والعنف الدولي العابر للحدود، الحروب الأهلية والاضطرابات السياسية، التطرف الديني في صيغته الأكثر شراسة، انتشار الأوبئة والفيروسات، تكدس أسلحة الدمار الشامل، حتى الثقافة فقد اضمحلت، فها هو الفيلسوف الألماني كارل شميت وقد اعتبر أن تكنولوجيا ما بعد الحداثة وما تقدمه الميديا الجديدة بمثابة حفّار قبور للثقافة الحقيقية. فبفعل الحداثة الغربية وظهور العولمة وتفاقمها أضحت القيم الإنسانية الخالدة مجرد حزمة قيم مادية نسبية تحكمها وتحددها البروباجندا الدعائية عبر وسائل الإعلام. لقد ساهمت العولمة وسرعة التنقل، في عولمة فيروس كورونا ذاته فأضحى عابراً للحدود والأوطان. كورونا إذن هو منتج ما بعد حداثي لكنه في العمق قوض كل أطروحات ما بعد الحداثة، لقد قوض فكرة الإنسان الإله التي بشر بها فلاسفة الحضارة الغربية لتحل مكانها أطروحة الإنسان المهدد وجوديا الإنسان العاجز المنكسر أمام الأقدار، كما شهدنا عودة الجغرافيا التي كانت قد بشرت ما بعد الحداثة بموتها والحدود السياسة التي ادعت تلاشيها بمرور الوقت ، وها هي المتنزهات ومدن الترفيه والمنتجعات التي خلقتها ما بعد الحداثة خاوية على عروشها إذ أعاد الإنسان تمركزه في بيته ووسط عائلته ذلك الإطار الذي عمدت مابعد الحداثة إلى تدميره . وتبدلت حالة العبث والحياة الخالية من المعنى إلى رغبة عارمة في تلاحم إنساني عام للخروج من هذا المأزق الوجودي، وسقطت أطروحة انحصار المجهول مع زيادة المعرفة العلمية، بل إن المجهول أصبح يبالغ في مجهوليته مُتحدياً حداثتنا. وها هي البرامج الإخبارية وبرامج الهم العام وقد انتصرت على برامج التسلية والتوك شو الترفيهية التي خلقتها مجتمعات ما بعد الحداثة. كما أن الخطر الوجودي الذي صنعه كورونا ضرب العدمية الغربية في مقتل، ففي حين تحدّث نيتشه عن موت الإله عاد الإنسان بعد كورونا يتطلع إلى السماء، يرنو نحو المطلق، فقد أشعره عجزه بحتمية وجود ذات متجاوزة وكاملة يمكنها وحدها مد يد العون له. فهل هو خسوف الحضارة الغربية بكل تجلياتها اللاقيمية؟ تلك الحضارة التي هي من الهشاشة بحيث أضحت مهدّدة بالفناء بفعل فيروس صغير. لقد كشفت تلك الأزمة عن الوجه القبيح لتلك الحضارة إذ قامت بتعريتها أمام الجميع، فها هي الولايات المتحدة تحاول احتكار اختراع علاج كورونا الذي تردد أن الألمان بصدد التوصل إليه، إنها المتجارة الرخيصة والدونية بالكارثة الإنسانية وهو أمر يمكن فهمه في إطار قيم الربح والخسارة الحاكمة للحضارة الغربية المنفصلة عن القيم الأخلاقية، تلك الحضارة التي نهضت على قدمين كبيرين: القوة العسكرية وإخضاع الآخر جبراً، والنهم المادي الاقتصادي ولو كان الثمن إزهاق أرواح كتلة من البشر. هكذا أعلن المشروع الحداثي عن فشله، إذ لم يؤِّمن حياة الناس كما وعدهم، وقد شهدنا انهيار أنظمة صحية متطورة في دول عظمى، وعجز تام أمام الكارثة، فهل هو فشل المشروع الحداثي أم أنه بدأ فاشلاً من الأساس؟ فقد انطلق من فكرة التمركز حول الإنسان الغربي ليتطور إلى التمركز حول الوطن، وصولاً إلى التمركز حول الذات، إنها الأنانية المقدسة التي هي أبرز منتجات ما بعد الحداثة بل وأهمها على الإطلاق. فقد بدأ الأمر بالترويج لأنه مرض صيني في محاولة لتبرئة الحضارة الغربية ذات النزعة الإستعلائية، ثم تطور الأمر لأن قام الاتحاد الأوروبي بعزل إيطاليا ليجد الشعب الإيطالي نفسه وحيداً في مواجهة الموت، ثم كانت مرحلة الفرز للشعب الواحد على أساس عرقي، وهكذا ستطور الأمور اتساقاً مع تطور الأزمة. ما أردت قوله أنه سواء كان ذلك الفيروس تم تخليقه بشكل متعمد في المختبرات أو أنه جاء كطفرة نتيجة التلوث البيئي أو اتباع سياسات غذائية خاطئة، فهو لا يزال منتجاً ما بعد حداثياً ويتوافق بشكل تام مع أطروحاتها التأسيسية. ملمح آخر يتحتم الإصغاء له، وهو أن نظرية المؤامرة التي لا تكف عن إنتاج نفسها المرة تلو الأخرى أطلت برأسها عبر تلك الأزمة، إذ يرى بعض مريدوها أن كورونا فيروس أقل من عادي لكن تم تضخيمه بفعل أجهزة الإعلام لقوى الهيمنة، فعلى سبيل المثال يعتقد سلافوي جيجك الفيلسوف السلوفيني أن العالم الرأسمالي بقيادة أمريكا وظَّف أسطورة الإرهاب لفرض مزيد من الهيمنة والاحتلال العسكري والثقافي لكثير من بلدان العالم ، واليوم يجرى استخدام وتوظيف الحروب البيولوجية في ذات اللعبة، فكانت كورونا بهدف إخضاع مواطني العالم وخلق حالة الاستثناء التي تسمح للحكومات والتكتلات الدولية بانتهاك القوانين والعمل خارجها.

وفي التحليل الأخير، يبقى تساؤل مركزي: هل أدرك الجميع أننا نعتلي ذات السفينة ونتجه نحو ذات المصير؟ هل اكتشفوا جميعاً أنهم بشر وجنس واحد يمكن لفيروس ضئيل أن يُفنيهم جميعاً؟ ذلك الفيرس الذي جعل البشرية كلها تُحبس في نفق ضيق من الخوف الوجودي، نعم تباعدوا في المكان خوفاً من تفشِّي العدوى لكنهم اقتربوا جداً في الهدف والمصير.
إنها حقاً تيتانيك واحدة تلك التي تعتليها البشرية، وها هو جبل الجليد يلوح في الأفق وقد أوشكت السفينة على الاصطدام، وعلى الربان بل وعلى الجميع الإسراع بتغيير مسارها.






حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جرائم ثُمانيَّة الأبعاد بحق الأديان
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف
- المؤرخون الجدد وتقويض الأطروحات الصهيونية(2)
- المؤرخون الجدد وتقويض الأطروحات الصهيونية
- ناطوري كارتا... يهود ضد الكيان الصهيوني
- الدوائر الصهيونية حول ترامب
- الإعلام وتوظيف الشائعة كسلاح
- إيفانكا والصهيونية العالمية
- أمناء جبل الهيكل والإرهاب الصهيوني
- التساؤل ...تلك الفريضة الغائبة
- إيفانكا ترامب والصهيونية العالمية
- ترامب والقدس...عندما يختلط الدين بالسياسة
- إسرائيل والفيسبوك...عصر الجواسيس الجدد
- ثالوث العنف الصهيوني (ثالثاً: التيار المسيحي الصهيوني)
- الإعلام وحتمية التفكير الناقد
- ثالوث العنف الصهيوني (ثانياً: التطرف العلماني)
- الدين وقفص الأيديولوجيا الحديدي
- ثالوث العنف الصهيوني (أولأ: التطرف الديني)
- الدراسات المستقبلية... حتمية عربية
- المرأة ... ذلك الشيء في اليهودية


المزيد.....




- مصر تفرض قيودًا احترازية لمدة أسبوعين على المطاعم والمراكز ا ...
- مجموعات حقوقية تطالب مجلس الأمن الدولي بفرض حظر أسلحة على حك ...
- لودريان عشية زيارته إلى لبنان: الإجراءات بحق مسؤولين لبنانيي ...
- الحرس الثوري الإيراني: اذا اشتعلت عمليات الحوثيين ضد الإمارا ...
- الحرس الثوري الإيراني يتحدث عن ضربة -أخيرة- ويعلن تفاصيل هجم ...
- هجومٌ إلكتروني يستهدفُ البرلمان والمؤسسات الحكومية والجامعات ...
- ميركل لأردوغان: انسحاب القوات الأجنبية من ليبيا -إشارة مهمة- ...
- القوى الشبابية والطلابية تطالب الحكومة الأردنية بتحمّل مسؤول ...
- الرئيس العراقي يكشف سرا بشأن استضافة بلاده للقاءات سعودية إي ...
- مجموعة السبع تريد علاقات مع موسكو... رغم أخذ الحيطة من -الته ...


المزيد.....

- جائحة الرأسمالية، فيروس كورونا والأزمة الاقتصادية / اريك توسان
- الرواسب الثقافية وأساليب التعامل مع المرض في صعيد مصر فيروس ... / الفنجري أحمد محمد محمد
- التعاون الدولي في زمن -كوفيد-19- / محمد أوبالاك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات - محمد عمارة تقي الدين - كورونا وإنسان ما بعد الحداثة