أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سمير إبراهيم خليل حسن - الديمقراطية دين المؤمنين















المزيد.....



الديمقراطية دين المؤمنين


سمير إبراهيم خليل حسن

الحوار المتمدن-العدد: 1285 - 2005 / 8 / 13 - 10:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مدخل إلى مفهوم

قد يكون ٱلقول أنَّ ٱلديمقراطية democracy (بما تدل عليه ٱليوم فى ٱلعهد ٱلدولى لحقوق ٱلإنسان) هى ٱلركن ٱلأساس فى دين ٱلمؤمنين من أغرب ما يسمعه ٱلمرء.
وستكون ٱلغرابة أشدُّ وأكبر عندما يكون ٱلسَّامع هو ٱلمسلم ٱلذى تعلَّم من رجال كهنوت ٱلإسلام أن يرفض ٱلديمقراطية لأنها (كما يظنُّ) مفهوم غربى جآء بهاۤ أعدآء ٱلإسلام ليهدموا بها دينه.

ٱلكلمة ٱليونانية (ديموس كراتوس) تدل على مفهوم سياسى هو "حكم ٱلعامّة أو ٱلشعب". فكلمة demo- هى بادئة أصلها demos تدل على عامَّة. أمَّا كلمة -cracy فهى لاحقة فى ٱلِّسان ٱلانكليزى من ٱلأصل ٱليونانى kratia (qratia) ٱلذى يوافق نطقها ٱليونانى نطق كلمة قرية فى لسان ٱلشام. وهى كلمة منسوخة فى لسان ٱلقرءان ٱلعربى.
وماۤ أرـٰه من هذه ٱلموافقة فى ٱلنطق أنَّ دليل ٱلكلمة ٱلمركبة فى لسان ٱلانكليز democracy هو حكومة أهل ٱلقرية. وهى سلطة ٱلمجتمع ٱلحضرى ٱلإنسانى ٱلذى بدأ يشدُّ ٱلناس إلى ٱلاجتماع فيه وفق ميثاق وعهد "دستور" من بعد عيش حظيرى طويل فى طور كومونيالى communalism لم يكن يختلف كثيرا عن تجمع ألوان أخرى من ٱلدَّوابِّ.
ولقد جعلت ٱليوم حاجة ٱلناس للتطور فىۤ أساليب عيشهم مفهومَ كلمة ديمقراطية يدل على ٱلحقوق ٱلسياسية وٱلثقافية وٱلإنسانية للفرد. وعلى ٱللطف وٱلمساواة فى ٱلتعامل بين ٱلناس فى ٱلمجتمع وٱلإدارة ٱلسياسية له وحفظ حقوق ٱلفرد ٱلتى يعددها ٱلعهد ٱلدولى لحقوق ٱلإنسان.
ولقد كان أول ٱستعمال ٱشتهر فى تاريخ ٱلناس لهذه ٱلكلمة فى ٱليونان ٱلقديمة. وقد برز فيه أحرار من ٱلذين يعلمون ويملكون ٱلمال وٱلعبيد.
ومن بعد ٱليونان ٱنتقل مفهوم وحكم ٱلديمقراطية إلى روما ٱلتىۤ أسست سلطة قرية إمبراطورية ٱمتد حضورها على كامل أوروبا وغرب أسيا وشمال إفريقيا.

أمّاۤ أصل هذه ٱلفكرة كماۤ أرى فيعود إلى ما يشبه مزر بورد ٱلكومبيوتر mother board كان قد ٱكتسبها أفراد من ٱلبشر عبر أطوار متعددة أوصلتهم إلى طور إنسان.
وأرىۤ أنَّه يعود إلىۤ أمٍّ بدأت نشأتها فى مكّة وهى أمّ ٱلقرى كما يعرّفها ٱلقرءان.
وأناۤ أعلم أنَّ هذا ٱلرأى يتناقض مع ٱلقصص ٱلتاريخى جميعه. وكنت قد بينت موقفى من كتب ٱلتاريخ وغيرها من كتب ٱلبشر فى كتابى "أنبآء ٱلقرءان". وأعود لنسخه هنا: (أما موقفى ٱلظَّاهر فى بحوث هٰذا ٱلكتاب من كتب ٱلبشر. سوآء ءَكانت ما يسمّى "ترجمةً". أم "مصطلحًا". أم "دراسات تاريخية للنصوص". أم "معاجم". فإنَّ مآ أرـٰه فيها من إدراكٍ هو وسيلة إقليدسيَّة لا تنفع من ينظر فى كيلٍ غيبىٍّ. كما لآ أتركها توقف وتصدُّ مآ أسعى لإدراكه. ومآ أقوله فى بحوثى هو إدراكى ومسئوليَّتى ٱلأَن. وهو غير موقوف على ما كنته بٱلأمس. فكيف بما قاله ٱلسَّلف).
كماۤ أنَّ مصدرى لتوثيق ٱلعلم فى هذه ٱلمسألة وغيرها من ٱلمسآئل هو كتاب ٱللَّه ٱلقرءان ٱلذىۤ أعقل معه ما كتبه ٱلناس فى ٱلتاريخ. وله وحده فرصة ٱلتصديق عندى. فمكَّة هى أمُّ ٱلقرى كما بيّن ٱلقرءان. وهى ٱلمزر بورد The mother board لجميع مناهج حضارات ٱلقرى سوآء ءَكانت فرعونية جاهلة تغلق سبيل ٱللَّه فى وجه ٱلعلم وٱلعلمآء وتشدُّ أهلهاۤ للعودة إلى ورآء. أم كانت مؤمنة تميل إلى ٱلعلم وٱلعلمآء وتترك سبيل ٱللَّه سالكًا.
لقد جآء عن مكَّة فى ٱلبلاغ ٱلعربى أنَّها أمِّ ٱلقرى:
"وما كان ربُّكَ مُهلِكَ ٱلقُرىٰ حتَّىٰ يبعَثَ فىۤ أُمِّها رسولا يتلواْ عليهم ءَايَٰتِنا وما كُنَّا مُهلِكِى ٱلقُرىٰۤ إلا وأهلُها ظٰلمونَ" 59 ٱلقصص.
وهذا يظهر أنَّ أوَّل قرية نشأت فى مكَّة. ولها يعود حقَّ ملكية ٱسم قرية (قراطية). وهى أم ٱلقرى إلى ٱليوم. ومن بعدها ظهرت قرية ٱليونان.
لقد أسس مالكوا ٱلعبيد وٱلمال فى مكّة دارا لسلطة قريتهم وقد سمّوها دار ٱلندوة. وفيها ٱجتمع ملأُ مكَّة وتفاهموا على سبل عيشهم ومصالحهم وحقوقهم من دون قتال. وقد ٱستمر عمل هذه ٱلدار حتى وقت نزول رسالة ٱللَّه ٱلقرءان للناس. كما كان لهم سوق تجارى تعرض فيه أعمال مفكرين من مختلف ألوان ٱلفكر من دون رقيب ولا منع.
وما تبينه كتب ٱلناس فإن مفهوم ٱلديمقراطية فى ٱلحكم وٱلسلطة ٱلسياسية لم يكن يخص ٱلفئات ٱلاجتماعية ٱلأخرى كما يعرف ٱليوم فى ٱلعهد ٱلدولى لحقوق ٱلإنسان. لا فى مكَّة ولا فى ٱليونان ٱلقديمة ولا فى روما.
ولقد جآء فى كتاب ٱللَّه ٱلقرءان ٱسم ٱلقرية لطور تلك ٱلمجتمعات. وهو ٱسم يوافق أسلوب ووسآئل وسبل ٱلعيش فيها ٱلتى ٱنتقل بها ٱلتطور من طور وحشى إلى طور حضرى.
وقد بين ٱلبلاغ ٱلعربى أن ٱلسلطة فى طور ٱلقرية لها وجهتان.
ٱلأولى سلطة مؤمنة تميل إلى ٱللِّين وٱللّطف وتأخذ بٱلعلم وبحوثه كما كان ٱلأمر فى ٱلقرية روما. وقد بين ٱلبلاغ ٱلعربى مسألة ٱلإيمان فيها بفرح ٱلمؤمنين لنصرها على قرية ٱلفرس:
"الۤمۤ(1) غُلِبَت ٱلرُّومُ(2) فِىۤ أَدنَى ٱلأَرضِ وَهُم مِّن بَعدِ غَلَبِهِم سَيَغلِبُونَ(3) فِى بِضعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمرُ مِن قَبلُ وَمِن بَعدُ وَيَومَئِذٍ يفرحُ ٱلمُؤمنُونَ(4)" ٱلروم.
أما ٱلثانية فهى سلطة فرعون طاغوت جاهل. يسرف ويغلو ويعتدى ويضلّ ويظنّ ويظلم. وليس للعلم فى سلطته أىّ منزلة.
وٱلسلطة ٱلفرعونية ترجع بأهل ٱلقرية إلى طور كومونيالى communalism وحشىّ يسبق نشأت مفهوم ٱلقرية ٱلحضرى بفعل خضوع شعبها ٱلجاهل لسلطة فرعون جاهل يظن أنَّه إلٰٰه.
ويبيّن ٱلبلاغ ٱلرأى وٱلموقف فى هذه ٱلقرية ٱلجاهلة:
"قالَ فِرعَونُ مآ أُرِيكُم إلاَّ مآ أََرى" 29 غافر.
وفيه أنّ ٱلرأى واحد هو رأى فرعون.
كما يبين ٱلبلاغ أنّ قبول ٱلملإ من ٱلناس لهٰذا ٱلقول ٱلجاهل وطاعتهم له يسوق صاحبه إلى ٱلتَّألّه بقوة ٱلجهل:
"يَـٰۤأيُّها ٱلمَلأُ ما عَلِمتُ لكم من إلٰهٍ غيرِى" 38ٱلقصص.
ويتابع بيان ٱلبلاغ أنَّ ٱلناس فى هذه ٱلقرية يفسقون ويتخلفون عن طور ٱلقرية ويُذَّلون بسبب طاعتهم لمتسلط جاهل وتمسكهم بمفاهيم كومونيالية:
"فَٱستَخَفَّ قَومَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُم كَانُواْ قَومًا فَٰسِقِينَ" 54 ٱلزخرف.
ويتولّد عن هٰذا ٱلموقف ٱلفاسق فعل طاغوت جاهل فى وجه ٱلموقف ٱلصابئ عليه (ٱلمحتج وٱلمعترض عليه). وهو ما بينه ٱلبلاغ ٱلعربى:
"قالَ لَئِن ٱتَّخَذتَ إلٰٰهًا غيرِى لأجعلنَّكَ من ٱلمسجونينَ" 29 ٱلشعرآء.

لقد جآء فى بلاغ ٱلقرءان ٱلعربى ٱسم ٱلقريتين لكل من روما وفارس:
"وقالواْ لَولا نُزِّلَ هٰذا ٱلقرءَانُ علىٰ رَجلٍ مِّنَ ٱلقريتينِ عظيمٍ" 31 ٱلزخرف.
وهو ٱسم تملك مكَّة حقَّ نشأته فيها وهى أمّ ٱلقرى:
"وما كان ربُّكَ مُهلِكَ ٱلقُرىٰ حتَّىٰ يبعَثَ فىۤ أُمِّها رسولا يتلواْ عليهم ءَايَٰتِنا وما كُنَّا مُهلِكِى ٱلقُرىٰۤ إلا وأهلُها ظٰلمونَ" 59 ٱلقصص.
فٱسم ٱلقرية هو ٱسم تلك ٱلحضارات ٱلديمقراطية منها وٱلفرعونية. وهو ٱسم ٱلحضارات إلى ٱليوم سوآء ءَكانت ديمقراطية أم فرعونية.
أمَّا ما جآء فى ٱلعهد ٱلدولى لحقوق ٱلإنسان فيبين إرادة بعض ٱلناس للسير وجهة أعلى فى طور ٱلسلطة ٱلسياسية للمجتمع. وهذه ٱلإرادة تحرّض ٱلمجتمع ٱلإنسانى ليتوجَّه وجهة ديمقراطية جديدة هى ديمقراطية ٱلأنسنة ٱلتى تحدد وتبين حقوق ٱلإنسان من دون نظر إلى قومه أو ماله أو نسبه.
وما يحرّض عليه ٱلعهد ٱلدولى هو ما رأيته فى هيئة ٱلسلطة ٱلتى كان ٱلنبى محمد قد ضرب عليها مثلا مبصرًا فى دولة ٱلمدينة ٱلمنورة. وهى أول سلطة مدينية فى تاريخ ٱلإنسان.
فٱلدولة ٱلتى يأخذ شعبها من ٱلعهد ٱلدولى أساسًا لميثاقه ٱلاجتماعى تتوجَّه على سبيل سلطان حكم مدينى إنسانى كما بدأ ٱلأمر فى دولة ٱلمدينة ٱلمنورة ٱلمثل ٱلوحيد عليه فى تاريخ ٱلمجتمع ٱلإنسانى. وهو ٱلمثل ٱلأعلى لسلطة مدينيّة عهدية ميثاقية.
وبٱلسير على هذا ٱلسبيل تتعاظم حقوق ٱلفرد فى ٱلمجتمع وتذهب جميع مفاهيم ٱلقرية ٱلغليظة وٱلفظة بلونيها ٱلديمقراطى وٱلفرعونى. وتحلّ مكانها مفاهيم تدل على ٱللِّين وٱللطف فى ٱلذوق وٱلعلم وٱلمعرفة وٱلسلوك وٱلتفكير وٱلمسئولية ٱلفردية.
أمّا صاحب ٱلاسم مسلم فهو يرفض ٱلديمقراطية حتى فى هيئتها ٱلقروية ٱلتى تظهر ٱليوم فى لبنان. لأنها تتعارض مع ولاية جاهلين من رجال دين وحلفآئهم من رجال يورثون ٱلسلطة أو يستولون عليها بٱلقوة.
كماۤ أنَّه لم يدرك ٱلمثل ٱلمدينى من قبل. ولا ٱلعهد ٱلدولى لحقوق ٱلإنسان من بعد. وهو يرى فى سلطة ٱلفرعون ٱلمثل على عيشه ٱلشبيه بعيش ٱلفطور فى تجمّع حظيرىّ.
كماۤ أنَّه لم يفكر بٱلبلاغ (4 ٱلروم) ولم يسأل نفسه لماذا يفرح ٱلمؤمنون بنصر ٱلروم على ٱلفرس. وهو يظنّ أنَّ ٱلإيمان ملكيّة قريشيّة يكتسبها ٱلفرد بٱلولادة وٱلنسب. وأنَّ جميع ٱلناس ومن جميع ٱلأقوام ليسوا بمؤمنين وليس لهم أن يكونوا مؤمنين.

لقد جآء فى كتابى "ٱلانقلاب" عرض لمفهوم ٱلتجمّع community وكذلك لمفهوم ٱلمجتمع society. وقد جهدت فيه لبيان ٱلفرق بينهما.
ٱلأول community يقوم على تجمع حظيرىّ للبشر من دون إدراك ومن دون تواثق وعهد. وهذا ٱلتجمع يعود إلى طور وحشىّ للبشر.
وٱلثانى society يقوم علىۤ إدراك ٱلناس وعلمهم بأسباب ٱجتماعهم وتواثقهم وتعاهدهم عليه.
وفى كتابى هذاۤ أجهد لبيان هيئة ٱلدولة فى كلٍّ منهما. فهى سلطة فرعون فى ٱلتجمّع ٱلحظيرى سندها هو ٱلوارثة وٱلنسب وٱلمال.
وهى سلطة ميثاق وعهد بين متعلمين مالكين أحرار فى مجتمع ٱلقرية town’s society. تتطور وترقىۤ بٱلعلم إلى سلطة حكم مدينىّ تتعاظم فيه حقوق ٱلفرد من ٱلذين يعلمون من دون نظر إلى قومه أو نسبه أو ما يملك.
وبقيام ٱلطور ٱلمدينى تتحول بعض قوى مجتمع ٱلقرية (ٱلديمقراطية) إلى قوّة تشدُّ ٱلناس إلى خلف. كما حدث فى موقف ملإ مكَّة من دولة ٱلمدينة. وقد أسقط هذا ٱلملأ طور سلطة ٱلمدينة من بعد موت ٱلنبى ٱلمهدى فى قيامها. وتابع من بعده بسلطة فرعون زعم أنَّه بها يقيم دين ٱللَّه. وقد تابعت تلك ٱلسلطة ٱلفرعونيّة وهى مستمرَّة إلى يوما هذا.

إنَّ ٱلسلطة فى ٱلطور ٱلمدينى تقوم على ٱختيار من يوجّه ٱلعمل ٱلسياسى للمجتمع سندًا لقدرته وخبرته ٱلعلمية وٱلمعرفية ولليونة نفسه وبعده عن ٱلفظاظة وغلاظة ٱلقلب. ويجرى ٱختياره من دون ٱلنظر إلى نسبه أو قومه أو ماله. وقد بين ٱلبلاغ ٱلعربى مثله فى ٱلملك طالوت:
"وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ ٱللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلكُ عَلَينَا وَنَحنُ أَحَقُّ بٱلمُلْكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِّن ٱلمَالِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصطَفَـٰه عليكُمۡ وَزَادَهُ بَسطَةً فِى ٱلعلم وٱلجسم" 247 ٱلبقرة.
وهذا ٱلأمر رأينا وروده فىۤ أول ميثاق مدينى فى تاريخ ٱلناس:
"وَإِنّ ذِمّةَ اللّهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُعَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النّاسِ".
وقد برز فى دولة ٱلمدينة ٱلمنورة وفى صدر ٱلدولة كلّ من ٱلمهاجر ٱلحبشى بلال وٱلمهاجر ٱلفارسى سلمان. وهما غريبان مهاجران إلى مكّة ثم إلى يثرب. وقد ٱشتركا فى ٱلموقف ٱلمحتج على ٱلسلطة فى مكة ومفاهيمهاۤ إلى جانب مواطنها ٱلنبى محمد مؤسس ٱلاحتجاج فيها. وفى بنآء دولة مدينية فى يثرب إلى جانب ٱلمهاجر ٱلنبى محمد مؤسس دولة ٱلمدينة وميثاقها. ولم يكن للنسب وٱلقومية ولا للمال أىّ أثر فى عملهما ٱلسياسى.
لقد كان محمد مهاجرًا من مكَّة وقد وقع عليه ٱختيار أهل يثرب ليكون مؤسس أول دولة مدينة فى حياة ٱلناس. وبها خلَّصهم من حياة ٱلخصام وٱلنزاع (ٱلتثريب) ٱلتى عاشوا بها سنين متعددة. وكان من رجال دولة ٱلمدينة مهاجرون من ديار مختلفة من مكَّة وٱلحبشة وفارس وغيرها. وقد جمع بينهم ميثاق دولة ٱلمدينة ٱلمعلن فى "ٱلصحيفة" ليكوِّنوا به أمّة جديدة:
"إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النّاسِ".

وفى كتابى هذاۤ أحاول ٱلبيان أنَّ مفهوم ٱلديمقراطية democracy ومفهوم ٱلفيدرالية federalism وكذلك مفهوم ٱلدستور constitution هى مفاهيم تجددت وٱشتهرت بأنها ذات منشإ أمريكى منذ عام 1776. وما زالت هذه ٱلشهرة قآئمة حتى يومنا هذا. وهى فى ٱلولايات ٱلمتحدة لم تتخطَّى طور ٱلقرية ٱلفظة إلا من بعد عام 1965. حيث بدأت تتوجَّه إلى ديمقراطية تلامس ٱللِّين. كماۤ أنها لا تزال إلى يومنا هذا لم تبلغ ٱستحقاق ٱسم ٱلمدينة. بسبب ٱلمكوس (ٱلضريبة) وٱلخدمة ٱلإلزامية فى جيشها. بل هى ٱليوم تخطو إلى ورآء بقوّة ٱلظن ٱلأمنى. وهذاۤ إذا ما ثبت فى سياستها سيدفعها فى وجهة فرعونية طاغية تُحزن ٱلذين يؤمنون فى جميع ٱلأرض.

إنَّ ٱلعهد ٱلدولى لحقوق ٱلإنسان كان كماۤ أرى قد تكوَّن وقام ٱلمثل عليه أول مرّة فى دولة ٱلمدينة ٱلمنورة على يدى ٱلنبى محمد بهداية من ربِّه. وهو ما رأيته فى وثيقة ٱلصحيفة ٱلمحفوظة فى كتب ٱلسيرة ٱلنبوية. وفى ٱلبلاغ ٱلعربى توكيد على ما رأيت.
ولقد عرضت لها فى كتاب جعلت عنانه ٱسم "ٱلصحيفة". كما تابعت ٱلمسألة فى كتاب أخر وجهت ٱلنور فيه على حقّ ٱلفرد فى سلوك سبيل ٱللَّه من دون عوق له. وقد حمل ٱلكتاب عنانًا له فى هيئة سؤال "ما هو سبيل ٱللَّه؟". وقد منعت طباعته سلطة ٱلطاغوت ٱلفرعونى ٱلتى يمثلها حزب ٱلبعث فى سوريا. ٱلأمر ٱلذى منع وصوله إلى سوق ٱلكتب إلى ٱلأن.
وما رأيته فى ٱلصحيفة بيَّن لىۤ أنَّ ٱلمثل ٱلرسولى فى دولة ٱلمدينة هو مثل عن حكم ديمقراطى وفيدرالى فى وقت واحد وبطور مدينى. ورأيت أنه أول مثل يتخطى منهاج ٱلقرية ٱلتى تقوم على ٱلمتعلمين من رؤوس ٱلقبآئل وأهل ٱلمال وٱلنسب وٱلقوم فى مجتمع ٱلقرية.

هذا ٱلمفهوم (ٱلديمقراطية) ظهر فى ٱلأمس ٱلبعيد فى ديمقراطية أم ٱلقرى مكَّة. ثمَّ فى ديمقراطية قرية ٱلمالكين ٱليونان. ومن بعدهم ديمقراطية قرية ٱلمالكين ٱلروم فى ٱلامبراطورية ٱلروميّة. وهو ما نرى مثله ٱليوم فى ديمقراطيات ٱلغرب جميعها. ولنا فى ديمقراطية ٱلطوآئف وأهل ٱلنسب وٱلمال فى لبنان مثل قريب عليه. وكذلك هو ٱلمنهاج ٱلذى تشدُّ إليه قوى ٱلطوآئف وأهل ٱلنسب وٱلعشآئر وٱلمال فى عراق ٱليوم.

**

لقد بدأت كتابى هذا بأركان ٱلدين وبه تبدأ أعمال ٱلتفريق بين ٱلمفاهيم ٱلمهيمنة على تفكير ٱلناس وبين ٱلمفاهيم ٱلتى عرضنا لها فيما سبق فى هذا ٱلمدخل.
وفيه متابعة لما تكشَّف لى من مفاهيم فى كتاب ٱللَّه ٱلقرءان. تعيننى فى ذلك كشوف وبيانات علمآء ٱلنظر وٱلبحث فىۤ ءايات ٱللَّه. ٱلتىۤ أرى فيها ٱلوسيلة ٱلأساس لفهم بيان ٱلقرءان ٱلعربى. وهو بيان من ٱلخالق عن جميع خلقه موجَّه لمن جعله خليفة فى ٱلأرض ليسير فيها وينظر فى خلقها ويعقل ما يخرج به نظره مع بيان خالقها. فإذا وجد أنَّ بيان ٱلخالق صادق. توجَّه إلى طاعة أوامره ٱلتى تدفع بٱلناس إلى سبيل عيش مدينى.




أركان ٱلدين

أبدأ بٱلبلاغ ٱلعربى:
"فذكِّر فماۤ أنت بنعمة ربِّك بكاهنٍ ولا مجنون" 29ٱلطور.
"فَذَكِّرۡ إنَّمآ أنتَ مُذَكِّر(21) لَّستَ عَلَيهِمـ بِمُصَـۣيطِرٍ(22)" ٱلغاشية.
وسبب ٱلتذكير للناس أنَّ أكثرهم يغفل عن ٱلسنَّة حتى يدركهم ٱلموت. وهم يلهون عن ٱلعلم بها بسبب تسابقهم على تكثير ٱلأموال وٱلأولاد وٱلبنآء.
لقد بيّن ٱلتذكير موقف ٱلناس وسبب لهوهم:
"أَلهَٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ(1) حَتَّىٰ زُرتُمُ ٱلمَقَابِرَ(2)" ٱلتكاثر.
فٱلرسول مُذكِّر للناس بسنَّة ربِّهم كما بيّن ٱلبلاغ (29) ٱلطور وٱلبلاغ (21) ٱلغاشية.
وسنة ربِّ ٱلناس هى دين ٱلحقِّ substantive law (ٱلقوانين ٱلموضوعية). وقد جرى تذكير ٱلرسول لهم بها ببيانٍ لا طغيان ولا صيطرة ولا عجمة ولا لبس ولا عسر فيه. ولهذا سُمِّىَ لسانًا عربيًّا.
ولم يكن ٱلرسول مُكرِهًا لِّلنَّاس. ولم يكن فظًّا فى تذكيره بفعل رحمة أُنزلت من ٱللَّه على قلبه فجعلته ليِّنًا:
"فَبِمَا رَحمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلقَلبِ لَٱنفَضُّواْ مِن حَولِكَ فَٱعفُ عَنهُم وَٱستَغفِر لَهُم وَشَاوِرهُم فِى ٱلأَمرِ فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُتَوَكِّلِينَ" 159 ءَال عمران.
"فَبِمَا رَحمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُم" يبيّن منهاجًا منزّلا تنزيلا. لم يكتسبه محمد من سعيه بنفسه.
ومَثَلُ ذلك تبينه مناهج تحديث وندوز ٱلكومبيتر ٱلتى تنزلها ٱلشركة ٱلخالقة مايكروسوفت لتجعل مخلوقها يقدر على تقديم ٱلخبرة للعامل عليه فى وجهة ٱلمنهاج ٱلمنزَّل.
ومنهاج هذه ٱلرحمة ٱلمنزَّل على قلب محمد جعله يتحول عن فظاظة ٱلقول وغلاظة ٱلقلب ٱلتى ترافق قول وقلب ٱبن ٱلقرية. كما جعلته لا يقول شعرًا ولا يكهن ولا يخرص فى ٱلقول. ولا يكون مجنونًا يرجم ٱلقول من دون هداية:
"وما هو بِقَولِ شاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤمِنُونَ (41) ولا بِقَولِ كاهِنٍ قَليلًا مَّا تَذَكَّرون (42)" ٱلحآقَّة.
وقول ٱلرسول موجَّه للنَّاس جميعهم وفى كلِّ وقتٍ كمآ أُوحِىَ إليه. وفيه أنبآء يصدِّقها ٱلبعض من ٱلناس ٱلذين يسيرون فى ٱلأرض ينظرون ويقرأون كيف بدأ ٱلخلق. ومن هذه ٱلأنبآء ٱلقول ٱلعربىّ "وكلُّ شىءٍٍ عِندَهُ بمِقدَارٍ". وهو قول بيان لَّا يُدركه إلَّا مَن يوصل نظره وخبرته إلىۤ ٱلعلم فى كيف يجرى ٱلتكوين بمقاديرَ حسابٍ طاقيَّةٍ Quantum يقوم حسابها على ٱلعددين (0 و1).
كذلك يبين أنَّ ٱلتكوينَ معلومات فى هيئة مقاديرٍ مِّنَ ٱلطاقة ٱلمتحولة بفعل حاسوب.
ورسالة ٱلرَّبِّ تبيّن للناس أنّ عيشهم وتفكيرهم ومواقفهم وأقوالهم لاۤ إكراه عليهم فيها. وكلّ منهم مسئول عنها وبها سيجرى حسابه يوم ٱلقيامة.
وتبين ٱلرسالة أنَّ ٱكتساب ٱلفرد للعلم وٱلمسئولية يتوقف على فتح سبيل ٱللَّه أمامه. فلا يغلقه عليه أحد. ولا يغلقه هو علىۤ أحد من ٱلناس. فكل فرد يسعى لسلوك ٱلسبيل كما يشآء فيعلم بما يعلم ويغفل عمَّا يغفل. فهو مسئول عن ٱلعلم فى كيف بدأ ٱلخلق. وعن تصديق رسالة ربِّه من دون إكراه عليه.

أمَّا ماۤ رأيته فى مفاهيم وأسلوب ٱلإسلام ٱلذى ينتشر بين ٱلناس فهو قول مُّكره وفظّ. وإلى قول ٱلشاعر وقول ٱلكاهن أقربُ. وأفعاله تُظهر لىۤ إنفعالًا وهيجانًا لمجنون يرجم بٱلغيب ولا يدرى بدين ٱلحقِّ substantive law. ولقد أراد أصحاب هذا ٱلإسلام أن يعزلوا بين قوم ٱلرسول وبين علم ٱلناس ٱلناظرين بٱلسِّنَّة.
ونحن قوم ٱلرسول أكثرنا يهتف لهؤلآء. ويزعم معهم ويصدِّق زعمه. أنَّ خيرَ أمَّةٍ أخرجها ٱللَّه للناس تدل علينا. ولا يلزمنا من ٱلدِّين إلا معرفة ٱلتفوّه بما نزعم من أركان ٱلإسلام ٱلتى نعدُّها خمسة (ٱلشهادتان وٱلصلاة وٱلزكاة وٱلحج وٱلصوم) ولا يبقى بعد ذلك باب إلى ٱلسمآء إلا ويفتح أمامنا!
وٱلحقّ أنناۤ أكثر ٱلأمم جهلا بكتاب ٱللَّه وأركان دينه. وأقلَّهم علمًا وصناعة للعلم. وتشهد على قولى هذا صناعتنا فى ٱلعلم وفى ٱلكتاب على سبيل ٱلمثل. فهى فى صناعة ٱلعلم لا تذكر. وفى صناعة ٱلكتاب لا تزيد عن 1٪ من صناعة ٱلكتاب فى ٱلأرض. ونسبة عددنا هى 5٪ من عدد ساكنيها. وهذه ٱلحصة ٱلقليلة من صناعة ٱلكتاب يأخذ ٱلشعر وٱلكهنوت أعظمها.

**

لاۤ إكراه فى ٱلدين. لكم دينكم ولى دينِ. قل ٱلحقُّ من ربِّكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر. كلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة. ولا تزر وازرة وزر أخرى. ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرّة. قل ٱلشفاعة للَّه جميعًا. لست عليهم بمصيطر. وأمرهم شورى بينهم. وشاورهم فى ٱلأمر. هل يَستَوِى ٱلذين يعلمون وٱلذين لا يعلمون. إنَّما يخشى ٱللَّهَ مِن عِبَادِه ٱلعُلَمَٰۤؤُاْ. وغيرها كثير.
جميع هذه ٱلأقوال ٱلعربية من أسس بنآء دستور دولة ٱلمدينة ٱلمنورة. أول مثل للديمقراطية وٱلفيدرالية فى طور ٱلمدينة ٱلتى تقوم على ٱختيار ٱلفرد لتولى موقع فى صدر ٱلدولة من دون ٱلنظر فى نسبه وماله وقومه.
ولعلّ ما تعلَّمه ٱلمسلمون من أركان للدين. هو ٱلذى جعلهم ويجعلهم لا يتفكرون بمسألة ٱلحرية للفرد وعلمه ومسئوليته. فقد صنع لهم طاغوت ٱلسلطة من بعد ٱنقلاب سقيفة بنى ساعدة أركانًا منهاجًا زعموۤا أنهاۤ أركان دين ٱلإسلام. وتابع بها من بعده ورثته فى تعليمها للناس. ولم يفكر أحد ولم يسأل عن سند لتلك ٱلأركان فى كتاب ٱللَّه ٱلقرءان. بل لم يسأل نفسه عمَّاۤ إذا كان ٱلقول "لاۤ إكراه فى ٱلدين" من أركان ٱلإسلام. أو ٱلقول "لا تَقفُ ما ليس لك به علم". أو ٱلقول "قل سيرواْ فى ٱلأرض فٱنظرواْ كيف بدأ ٱلخلق". أو ٱلقول "فَذَكِّر إنَّمآ أنتَ مُذَكِّر لَّستَ عَلَيهِمـ بِمُصَيطِرٍ". وغيرها ٱلكثير من ٱلقول ٱلعربى فى ٱلقرءان.
لقد مسخ جهلة ٱلسلطة ٱلفرعونيون وحلفآؤهم ٱلكهنة دينَ ٱللَّه فى مفاهيم صمَّآء على هيئة منهاج (ٱلشهادتان ٱلصَّلاة ٱلزَّكاة ٱلحج ٱلصوم). وقد سهّلوا ٱلأمر فى هذا ٱلمنهاج علىۤ أتباعهم فى كتابِ إرشادٍ لا تتجاوز صحفه ٱلخمس ومن ٱلقطع ٱلصغير. وبه ٱستطاعوا (منذ ٱلسقيفة وإلى يومنا هذاۤ) منع تنزيل كتاب ٱللَّه ليكون هو ٱلمنهاج ٱلعربى للناس. فٱلأركان حسب زعمهم بسيطة ويمكن لكلِّ جاهل أن يتقنها ويخلِّص نفسه من شقآء ٱلنظر وٱلبحث وٱلمسئولية فيما يرى فى كتاب ٱللَّه ٱلمرسل إليه.
لقد أوحى ٱللَّه لرسوله بٱلأمر:
"ٱقرأ بٱسم ربِّكَ ٱلَّذى خلق" 1 ٱلعلق.
وهو أول ركن فى ٱلدين. وبطاعة ٱلأمر (1ٱلعلق) يبدأ ٱلسير فى ٱلأرض وٱلنظر كيف بدأ ٱلخلق.
أمَّا نحن قوم ٱلرسول فقد نزلنا مناهج لغو وتحريف فى قلوبنا فغلب ٱلظَّنُ لدينا على ٱلحقِّ وجعلنا نحرِّف ٱلكلم عن مواضعه.
وبٱلظَّنِّ وٱلتحريف صار دليل ٱلفعل قرأ ودليل ٱلفعل تَلَوَ بدليل واحد. وبهذا ٱلتحريف وٱلظنِّ نوكِّد أنَّناۤ أقلُّ شعوب ٱلأرض إدراكًا وطاعة للأمر وٱلركن (1 ٱلعلق).
وسبب ذلك أننا نخضع ونطيع سلطة فرعونية لا تقبل بحركة عن مفاهيم ٱلأبآء. فهم نسب وأصل يمتد إلى حاضرنا. ويكفى صاحب ٱلسلطة ٱليوم أن يزعم أنّه من هذا ٱلأصل. فلا حاجة له لبرهان. كما لا حاجة له بكل ما ينظره ويكشفه ٱلعلمآء ٱلسَّآئرون فى ٱلأرض نظرًا فى كيف بدأ ٱلخلق.
وجميع رجال ٱلسلطة فى بلاد ٱلشام لديهم شجرة ترجع أصولهم إلىۤ أول إنسان علىۤ أرضنا. فما هى حاجتهم لعمل هؤلآء ٱلعلمآء ٱلذين يشقون فى نظرهم وبحوثهم؟
كماۤ أنَّنا نحن شعوب ٱلشام نصدِّق ٱلشجرة وبعضنا يصنع شجرة لنسبه مثلها. ولا نختلف فى تفكيرنا وأقوالنا عن رجال ٱلسلطة ورجال ٱلدين فى بلادنا. وأكثرنا يفسق كما بيّن ٱلبلاغ ٱلعربى:
"فَٱستَخَفَّ قَومَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُم كَانُواْ قَومًا فَـٰسِقِينَ"54 ٱلزخرف.
لقد صدَّق رجال ٱلسلطة ظنَّهم. وأكثرنا صدَّق ما صدَّقوه. فصارت ٱلشجرة هى ٱلأساس للسلطة فى حياتنا.
وكلما زاد جهل رجال ٱلسلطة زاد جهلنا. وقد عادت بنا ٱلسلطة وعدنا معهآ إلىۤ أول طور لها فى مملكة ٱلحياة ٱلبهيمة. فصار تجمعنا فى بلاد ٱلشام مثل تجمّع ٱلفطور community لا ندرى بعهد ولا بميثاق للسلطة فى حياتنا. ولا نعلم بسبيل إلى ٱلعيش فى مجتمع عهدى society كما هو ٱلأمر حتى فىۤ أول دول ديمقراطية ٱلقرى.
وجآء أمر أخر للرسول:
"قل سيرواْ فى ٱلأرض فٱنظُرُواْ كيف بدأ ٱلخلقَ" 20 ٱلعنكبوت.
وهذا ٱلقول ٱلأمر هو ٱلأخر من أركان ٱلدين. وقوم ٱلرسول هجرَ أكثرُهم ٱلقرءانَ. وهم يرمون بتهمة ٱلكفر وٱلعدوان على ٱختصاص ٱللَّه مَن يسير فى ٱلأرض ينظر كيف بدأ ٱلخلق ويقرأ بٱسم ربِّه.
وسورة ٱلكافرين تبين ركنًا لا يفهمه قوم ٱلرسول وتزيغ أعينهم عنه "لكم دينكم ولى دِينِ" وهم يصدقون حديثًا يدحض ٱلركن فى هذه ٱلسورة "لا يجتمع دينان فى جزيرة ٱلعرب".
ونحن قوم ٱلرسول نزعم أنَّنا جميعنا بٱلولادة وٱلنسب نؤمن بٱللَّه. وفى ٱلبلاغ ٱلعربى بيان:
"وما يؤمن أكثرهم بٱللَّه إلاّ وهم مشركون" 106 يوسف.
وحال إيمانناۤ أنَّنا نصدِّق بكلِّ حديث يزعم أصحاب ٱلإسلام ٱلمنتشر أنّ ٱلنبى قاله. ونترك كتاب ٱللَّه لنلحق بٱلحديث ٱلمزعوم ونصدِّق أنَّ ٱلنبى قد قال ما يخالف ربّه. ونحن لا نرىۤ أنَّ ٱلقول "لا يجتمع دينان فى جزيرة ٱلعرب" هو قول طاغوت يكفر بٱلبلاغ ٱلعربىّ:
"لاۤ إكراه فى ٱلدينِ قد تبيَّنَ ٱلرُّشدُ مِنَ ٱلغىِّ" 256 ٱلبقرة.
ٱلذى يبيَّن لناۤ أنَّ مثل هذا ٱلقول ٱلطاغوت هو ٱلذى علينا ٱلكفر به إذا كنَّا مؤمنين:
"فَمَن يكفُر بٱلطَّٰغوتِ ويؤمِن بٱللَّهِ فقدِ ٱستمسكَ بٱلعروة ٱلوثقىٰ لا ٱنفصامَ لها وٱللَّهُ سميع عليم" 256 ٱلبقرة.
ويبيّن كتاب ٱللَّه ٱلقرءان أنَّ مناهج ٱلناس فى ٱلدين متعددة. وبتعددها يتدافعون ويتسابقون على ٱلوسع فى ٱلاختيار للسير على سبيل ٱللَّه:
"لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً ومِنهاجًا ولو شَآء ٱللَّه لَجعَلَكُم أُمَّةً وٰحِدةً ولكن لِيبلُوَكُم فى مآ ءَاتٰٰكُم فاستَبِقُواْ ٱلخيراتِ إلى ٱللَّه مرجِعُكُم جَمِيعاً فَيُنبِئُكُم بِمَا كُنتُم فِيهِ تَختَلِفُون" 48 ٱلمائدة.
وهذا ركن أخر يجعل من يؤمن بٱللَّه يكفر بقول ٱلطاغوت ٱلمزعوم:
"لا يجتمع دينان فى جزيرة ٱلعرب".
وأقول لمروجىّ هذا ٱلقول ٱلكاذب أنَّ ٱلأرض للَّه جميعها. وأنَّه من حقِّ ٱلناس على ٱختلاف شرعتهم ومنهاجهم أن يجتمعوا فيها سوآء ءكان فى تلك ٱلجزيرة أم فى غيرها.

لقد ٱتبع رجال ٱلكهنوت ورجال ٱلسلطة من قوم ٱلرسول منهاج هذه ٱلمزاعم ٱلكهنوتية ٱلكاذبة وما زعموه من أركان منذ ٱنقلابهم على ٱلمثل ٱلمدينى فى سقيفة بنى ساعدة. وقد منعوا تعدد ٱلمفاهيم وتعدد ٱلشرعة وهى من أركان ٱلدين. وسندهم فى ذلك ٱلقول ٱلمزعوم "لا يجتمع دينان فى جزيرة ٱلعرب". وقد صنعوا للدين أركانًا خمسة لا سند فى ٱلقرءان لها. فٱلقول "أشهد أن لا إلٰه إلا ٱللَّه" يبين أنَّ قآئله حاضر بسمعه وبصره على وحدانية ٱللَّه. وٱلذى يشهد فى هذه ٱلمسألة كما يبين ٱلبلاغ ٱلعربى هو ٱللَّهُ:
"شَهِدَ ٱللَّهُ أنَّهُ لآ إلَـٰهَ إلا هوَ وٱلملٰئِكةُ وَأُوْلُواْ ٱلعِلمِ قآئما بٱلقِسطِ لآ إلَـٰهَ إلا هُوَ ٱلعزِيزُ ٱلحَكيمُ" 18 ءال عمران.
وتأتى شهادة ٱلملٰئكة بفعل سجودها لعزيز حكيم واحد وهى ٱلتى تفعل ما يأمرها به من دون تمرد.
أمَّا شهادة أوْلواْ ٱلعلم فتتبع ركوعهم وسيرهم ونظرهم فى كيف بدأ ٱلخلق وٱلعلم بسنَّة ٱللَّه (دين ٱلحقِّsubstantive law ) فى ٱلتكوين. وهذه ٱلسنَّة تظهر لهم أنَّ ٱلفاعل فى تكوين كلِّ شىء هو واحد:
"قُل لَّو كَانَ مَعَهُ ءَالِهَة كما يَقُولُونَ إِذًا لابتَغَوۤاْ إلىٰ ذِى ٱلعرشِ سَبِيلا" 42 ٱلإسرآء.
"لَو كانَ فِيهِمَآ ءَالِهَة إلا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلعَرشِ عَمَّا يَصِفُونَ" 22 ٱلأنبيآء.
وفى زعم ٱلكهنوت أنَّ ٱلقول "أشهد أن لاۤ إلٰه إلا ٱللَّه" لا يحتاج إلىۤ أكثر من ٱلتفوّه من دون سير فى ٱلأرض نظرًا وبحثًا ومن دون ٱلعلم بسنَّة ٱللَّه ٱلجارية فى ٱلتكوين.
ولقد ٱتبع أكثر قوم ٱلرسول تلك ٱلأركان ٱلمزعومة. ولم يسعَ أحد مِّنهم للنظر فى كتاب ٱللَّه بحثًا عن أركان دين ٱللَّه ٱلتى يُعلنُ عن أسسها فى سورة ٱلكافرين:
"قُل يٰۤأيُّها ٱلكٰفرونَ/1/ لآ أعبُدُ ما تعبُدُونَ/2/ ولآ أنتم عٰبدون مآ أعبُدُ/3/ ولآ أناْ عابِد مَّا عَبَدتُم/4/ ولآ أنتُم عٰبِدونَ ماۤ أعبُدُ/5/ لكُم دِينُكُم وَلِىَ دِينِ/6/".
فهو لا يدعوهم ليعبدوا ما يعبد. ويعترف لهم بما هم عليه من فهمٍ لِّلدِّين. وهو يطلب منهم أن يتركوا له ٱلحرية فيما يعبد من دون عدوان عليه.
وقد عزر ٱللَّه هذه ٱلأسس فى بلاغات عديدة:
"ولا تقفُ ما ليس لك به علم إنّ ٱلسّمع وٱلبصر وٱلفؤاد كل أوْلـٰۤئك كان عنه مسئولاً" 36 ٱلإسرآء.
"وإن تطع أكثر من فى ٱلأرض يضلّوك عن سبيل ٱللَّه إن يتبعون إلاّ ٱلظنَّ وإن هم إلاّ يخرصون"116 ٱلأنعام.
"كلُّ نفسٍ بِما كَسَبَت رهينة" 38 ٱلمدَّثر.
"لاۤ إكراه فى ٱلدينِ قد تبيَّنَ ٱلرُّشدُ مِنَ ٱلغىِّ فَمَن يكفُر بٱلطَّٰغوتِ ويؤمِن بٱللَّهِ فقدِ ٱستمسكَ بٱلعروة ٱلوثقىٰ لا ٱنفصامَ لها وٱللَّهُ سميع عليم" 256 ٱلبقرة.
وغيرها كثير فى كتاب ٱللَّه. وفيها بيان أنَّ أركان دين ٱللَّه تقوم على مسئولية ٱلفرد عن مواقفه ٱلمعرفية وٱلعلمية فى ٱلحياة ٱلدنيا. ومسئوليته فيها من دون إكراه عليه فى موقف من ٱلمواقف.

هذا ٱلمفهوم للركن فى دين ٱللَّه يبين أنَّ ٱلديمقراطية ٱلتى سعىٰۤ إليها ٱلناس فى ٱلغرب بعيدًا عن قوم ٱلرسول هى واحدة من مفاهيم أركان ٱلدين ٱلأساس. وإن كانت لا تزال فى طور ديمقراطية ٱلقرية ٱلسَّآئرة على طريق ديمقراطية ٱلمدينة بتأثير ٱلعهد ٱلدولى لحقوق ٱلإنسان. وهى مفهوم ينفر منه قوم ٱلرسول ٱليوم بقوَّة مفاهيم ٱلقرية ٱلفرعونية ٱلجاهلة. كماۤ أنهم ٱعتدوا ويتابعون عدوانهم بقوّة جهلهم على ٱلولايات ٱلمتحدة ٱلأمريكية وهىۤ أقوى وأكبر دولة ديمقراطية فى ٱلأرض. وهى ٱلتى يفرح ٱلمؤمنون لنصرها فى كلِّ ٱلأرض. كما فرحوا لنصر ٱلروم على ٱلفرس. وقد دفعها عدوانهم عليها للسير فى طريق ٱلرجوع إلى مواقف تحدّ من حرية ٱلناس بدافع ٱلأمن وحماية ٱلديار. وقد توجهت سلطتها لتأسيس وزارة للأمن ٱلداخلى بدأت تضيِّق على حرية ٱلأفراد من مواطنيها ومن ٱلزآئرين لديارها. وإذا تابعت سلطتها هذا ٱلموقف ٱلرجعى بدافع ٱلأمن قد تتحول إلى قوة فرعونية تتخلى عن ٱلسير وجهة ٱلديمقراطية ٱلمدينية وتعود بٱلمجتمع إلى ورآء. بل ستعود معها بلاد كثيرة بدأت تخطو أول ٱلخطوات على سبيل ديمقراطية ٱلقرية. وإن حدث ذلك فإنَّ ٱلمؤمنين فى جميع ٱلأرض سيغلبهم ٱلحزن.

لقد منع رجال ٱلكهنوت ورجال ٱلسلطة من قوم ٱلرسول ٱلتعدد فى ٱلمفاهيم. ومنعوا مَن كان مِن غير ملَّتهم من دخول بيت ٱللَّه ٱلمحرَّم. وسندهم فى موقفهم هو ٱلقول "لا يجتمع دينان فى جزيرة ٱلعرب". وفى بلاغ ٱلقرءان أنَّ ٱلبيت حِجّ لِّلنَّاس جميعهم من دون تحديد لِّملة ٱلواحد منهم:
"فيهِ ءَايَٰت بَيِّنَٰت مَّقامَ إبرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كانَ ءَامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلبَيتِ مَنِ ٱستَطاعَ إلَيهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىّ عَنِ ٱلعَٰلَمِينَ" 97 ءَال عمران.
وقد ٱمتد هذا ٱلمنع علىۤ أبنآء بلاد ٱلشام (وهم من قوم ٱلرسول) ٱلذين لم يتبعوا ملَّة ٱلإسلام ٱلمنتشرة. ورافق ٱلمنع غلاظة فى ٱلقلب وفظاظة فى ٱلقول وفى ٱلمعاملة. فبيت ٱللَّه جعلته فئة تظنُّ أنها مسلمة للَّه ربِّ ٱلعالمين ملكًا لها. ومن دخله فقد ٱعتدى على ٱللَّه. وما عليهاۤ إلا حمل ٱلسلاح يدفعها جهلها للدفاع عن ٱللَّه ٱلمعتدَى عليه وعلى بيته.
ولقد سار علمآء فى ٱلغرب بحثًا ونظرًا فى كيف بدأ ٱلخلق. وهم بعد أن كان نظرهم ورأيهم قد توقفا عند ٱلحمض ٱلأولىّ (ٱلأمينىّ) كأول حجر بنآء حىٍّ. وجدوۤا أنَّ ٱلحياة موجودة فى تكوين أصغر وفى طين بركانى حمُّه شديد (حرارته عالية). وما وجدوه فى هذا ٱلطين هو ٱلحمأ ٱلذىۤ أبلغنا ٱللَّه عنه فى بلاغه ٱلعربى:
"وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلملَٰۤئكَةِ إِنِّى خَٰلِق بَشَرًا مِّن صَلصَٰلٍ مِّن حَمَإٍ مَّسنُونٍ" 28 ٱلحجر.
ٱلحَمَأُ ٱلمسنون هو ذلك ٱلطين ٱلبركانى ٱلمندفع من بطن ٱلأرض وحمُّه شديد. وقد جآء عنه قولى فى كتابى "أنبآء ٱلقرءان" أنَّه "حمۤ= CHIHII= ح مـ م". وهو ٱلذى سار وصار منه ٱلإنسان بفعل سنَّة ٱلتطور ٱلتى يبينها ٱلبلاغ ٱلعربى:
"ٱلَّذِى أحسَنَ كُلَّ شَىءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلقَ ٱلأنسٰن من طينٍ (7) ثُمَّـ جَعَلَ نَسلَهُ من سُلَـٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهينٍ (8) ثُمَّـ سَوَّـٰه ونَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمعَ وٱلأبصَٰرَ وٱلأفئِدَةَ قليلا مَّا تَشكُرُونَ (9)" ٱلسَّجدة.
هذا ٱلحمأُ هو حِجُّ ٱللَّه على ٱلناس ٱلذين يسيرون وينظرون كيف بدأ ٱلخلق.
أما حِجُّه فى ٱلبيت ٱلمحرَّم فهو عن ٱلهيئة ٱلمكعبة لجزء ٱلمآء ٱلجامد (جمادى ٱلأخرة).
أمَّا قوم ٱلرسول ورجال ٱلسلطة منهم فقد ساروا وجهة هجر ٱلقرءان ومنه ٱلبلاغ 48 ٱلمآئدة. ولسان حالهم بٱلأمس وٱليوم هو لسان ٱلقوم قريش ٱلذى يردّد بكلِّ ٱلوسآئل أنَّ "أهل مكَّة أدرى بشعابها". وشعاب مكَّة هو ٱلكون فى طوره ٱلذى يسبق تكوين ٱلمجرات. وبزعمهم يزجرون ويقتلون كلَّ فرد يطلب ٱلخيرة فى ٱلقول وٱلرأى. وهم لا يقبلون إلا بمفهوم ٱلجمع وٱلجمهور.
أمَّا خطاب ٱللَّه "يٰۤأيُّها ٱلنَّاس" فهو خطاب مَّهجور لدى قوم ٱلرسول. بل ممنوع. وأصحابه يغيبون فى ٱلسجون أو يقتلون. وبعدوان قوم ٱلرسول على ٱلولايات ٱلمتحدة يدفعون بهاۤ إلى ورآء موقف ٱلأبآء ٱلمؤسسين لدولة ٱلديمقراطية ٱلسَّآئرة على سبيل ٱلحكم ٱلمدينى بتأثير ٱلعهد ٱلدولى لحقوق ٱلإنسان. كما يدفعون معها جميع ٱلناس فى كلِّ ٱلأرض إلى طامَّة كبرى.
**

ما رأيته فى ٱلبلاغ ٱلعربى 29 ٱلطُّور من تعقيبٍ على ٱسم كاهن بٱلاسم مجنون جعلنىۤ أفكر وأرىۤ أنَّ ٱلجنون ما هو إلا طور مِّن أطوار ٱلمرض فى ٱلنَّفس ٱلتى لا تستطيع إدراك ٱلمفاهيم وفق سنَّة ٱلتطور وتزعم فهمًا يخالفها. وبذلك يصيبها مرض ٱلجنون بفعل ٱلكاهن. وهذا ٱلكاهن يتصدر ٱلقآئلين فى قوم ٱلرسول. وبجهلهم خالفوا ٱلبلاغ ٱلعربى فى سورة ٱلناس:
"قل أعوذ بربِّ ٱلناس/1/ ملكِ ٱلنَّاسِ/2/ إلـٰهِ ٱلنَّاسِ/3/ من شرِّ ٱلوسواس ٱلخنّاسِ/4/ ٱلَّذى يوسوس فى صُدُورِ ٱلنَّاسِ/5/ من ٱلجِنَّة وٱلنَّاسِ/6/".
وفيها توجيه وبيان للناس للعوذ بربِّهم "ﭐقرأ بٱسمِـ رَبِّك ﭐلّذى خَلَقَ" فى مسألة ٱختيارهم لمن يتصدر فى حياتهم ٱلاجتماعية. فلا يتبعون ولا يخشون إلا ٱلرَّب فى ٱختيارهم للذين يتصدرون مواقع ٱلسلطة. حتى لا يصيبهم ٱلشَّرُّ بسبب جهلهم بسنَّة ٱلربِّ وتصدّر مَن هو مصاب بمرض "ٱلوسواس ٱلخنّاس" مواقع سلطة فى حياتهم. وهو مرض فى ٱلنفس يجعلها تخلط ٱلظنون وٱلأحلام مع ٱلحقِّ. لأنَّ ٱلمصاب بهذا ٱلمرض فاقد لِّلقدرة على ٱلتفريق بين أحلامه وظنونه وبين ٱلحق. وهذا يدفعه إلىۤ أفعال ٱلطاغوت ٱلتى تظهر مجتمعة فيما يسمَّى ٱليوم "قانون طوارئ" ٱلذى يقوم على ظنون وتخريص أولئك ٱلمرضى ٱلمجانين. ويبدأون به يستخفون بمواقف ٱلناس وبعيشهم.
وإن طاعة ٱلناس لهم من بعد ٱلإستخفاف بهم يجعل ٱلمتسلط يصدِّق ظنونه ٱلتى تزيد وتقوى وتنتشر فى كلِّ أمر.
ولقد بيَّن كتاب ٱللَّه للناس ٱلذين يطيعون طاغيًا يستخفُّ بهم أنهم بفعلهم هذا يفسقون:
"فَٱستَخَفَّ قَومَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُم كَانُواْ قَومًا فَـٰسِقِينَ"54 ٱلزخرف.
ويدلنا ٱسم ٱلخنّاس على ما يدلنا عليه ٱلفعل خنس. وهو فعل فى دليله دليل ٱلأفعال (أخّر وخلّف ووارى).
وإن ٱلعوذ بربِّ ٱلناس فى هذه ٱلمسألة يجنِّب ٱلوقوع فى ٱلتأخّر وٱلتخلّف وٱلتوارى ٱلتى يسببها وصول مرضى بٱلوسواس ٱلخنّاس إلى مواقع ٱلصدر (ٱلصدارة) فى حياة ٱلناس. ويجعلهم يعلمون بحال نفس كلّ فردٍ يتقدم لموقع من مواقع ٱلصدر ويتوكَّدون من صلاح نفسه له.
أمَّا قوم ٱلرسول فلا يسمعون لهذا ٱلتوجيه ولهذا ٱلركن ٱلبيان. ويتصدر ٱلقول فى دينهم رجال كهنة وسلطة مجانين. فهم لا ينظرون فى نفس ٱلذى يتصدر حياتهم وعيشهم. فقد بقى فى موقع ٱلصدر ياسر عرفات متصدرًا فى فرع من فروع قوم ٱلرسول سنوات وهو مصاب بدآء باركنز. وهو مرض يجعل ٱلنفس فاقدة لتوازنها. ومع ذلك بقىَ أكثر شعبه يردد شعاره "بٱلروح بٱلدم نفديك يا ياسر". وعندما مات سرت شآئعة عن مؤامرة فى موته وقد صدَّقها شعبه بفعل ظنه أنَّه إلٰه لا يموت.
ومثل ذلك هو موقف أكثر قوم ٱلرسول. فعندما نُشرت صور صدام حسين وهو يغسل ثيابه فى ٱلسجن. ٱهتزت مشاعر أكثرهم وتعرت نفوسهم ٱلتى كانت تظنُّ أنَّه أكبر من إنسان. وهم لا يقبلون أن يظهر بصورة إنسان بآئس مثل أكثرهم.
لا يريد قوم ٱلرسول أن تظهر صورة ٱلحقِّ لتدحض ٱلباطل ٱلذى يتكون منه دينهم ومفاهيمهم. وبظهور ٱلحقِّ يتعرون وهذا يدفعهم وجهة شيطان رجيم.
ومَثَلُ ياسر وصدام فى قوم ٱلرسول كثير.












ٱلأمُّ وٱلأمّة
The mother board

حين أفكرُ فى تلك ٱلفتاوى ٱلتى يطلقها رجال كهنة يزعمون أنهم رجال دين ٱلإسلام للَّه. أشعر بحرجٍ كبير. لأننىۤ أرىۤ أكثر ٱلشَّاميين وهم قوم ٱلرسول يتبعونهم من دون تفكير أو عودةٍ مِّنهم إلى كتاب ٱللَّه. وقد زال حرجى من بعد تذكّر ٱلبلاغ ٱلعربىّ:
"وإن تُطِع أكثَرَ مَن فِى ٱلأرضِ يُضِلُّوكَ عَن سبيلِ ٱللَّهِ إن يَتَّبِعُونَ إلَّا ٱلظَّنَّ وإن هُم إلَّا يَخرُصُونَ" 116 ٱلأنعام.
وكنت فىۤ أعمالٍ سابقة قد قلت عن هؤلآء ٱلرجال أنهم كهنة لدين قوم قريش ٱلذى ٱرتدّ إلى سلطة ٱلتجمع ٱلحظيرى من بعد سقيفة بنى ساعدة.
أمَّا منهاج دين مكَّة فقد عرَّفه ٱلبلاغ ٱلعربىُّ بٱسم مركَّبٍ هو أمِّ ٱلقُرى. وبه يدلنا على مفهوم منهاج ٱلقرية ٱلذى تتفرع منه مناهج قروية متعددة. وبه تتولَّد سلطة قروية إمَّا ديمقراطية كما هو ٱلحال فى لبنان ٱليوم وفى أكثر بلاد ٱلديمقراطية. أو فرعونية تعتمد على ٱلنَّسب وٱلمال وٱلقوم ولا تترك للفرد خيرة من أمر ولا علم كما هو ٱلأمر إلى ٱليوم فى بقية بلاد قوم ٱلرسول.
لقد كانت جميع أعمالى تستند إلى شاهد من كتاب ٱللَّه ٱلقرءان. وقد بيَّنت موقفى من ٱلإسلام ٱلمنتشر بين ٱلناس ومن رجاله فى تلك ٱلأعمال.
ولعل عودتى إلى بيان موقفى هنا مرّة أخرى يعود إلى حاجتى للتوسع فى ٱلقول وٱلشاهد فى مسألة ٱلديمقراطية ٱلتى لم يكن طورها ٱلمدينى ظاهر لى من قبل. وهى ٱلتىۤ أرىۤ أنها من أشد أركان ٱلدين حاجةً للإنسان.
وقولى موجّه أولًا إلى أوْلٰۤئك ٱلعلمانيين من قوم ٱلرسول ٱلذين يجاهدون ٱليوم من أجل ٱلديمقراطية من دون تحديد لطورها. وأكثرهم يستغرب ماۤ أقوله عن ٱلدين وكتاب ٱللَّه ٱلقرءان. وهم لا يصدقون هذا ٱلقدر ٱلكبير من أركان ٱلديمقراطية وٱلفيدرالية فى ٱلقرءان. بل أكثرهم لا يرضى بٱلفيدرالية ويطلب أن تكون ٱلدولة من لون قوم واحد هو قوم ٱلرسول قريش. كما هو ٱلحال فى قول ٱلطاغوت ٱلكاذب "لا يجتمع دينان فى جزيرة ٱلعرب".
وهم بموقفهم من ٱلفيدرالية فى ٱلعراق ٱليوم يظهرون تأثرهم بٱلعدد ٱلكبير من ٱلفتاوى ٱلتى تصدر عن رجال دين وسياسة مِّن قوم ٱلرسول مرضى بٱلوسواس ٱلخناس. يرجمون جميع ٱلناس من غير ملَّتهم بتهمة ٱلكفر. ويطلبون قتلهم بهذه ٱلتهمة أو يطلبون إخضاعهم من غير حقوق.
وإنَّ ٱلنظر فيما يفتِى به هؤلآء من أحكام متوحشة بٱسم ٱللَّه. وما يزعمون به من دينٍ. يبين موقف مَن يكره ٱللَّهَ بقوة مرض ٱلوسواس ٱلخناس وقوة جهل تتوجَّه لتدمير كتابَه ٱلقرءان.
لقد صار زعمُ هؤلآء ٱلجاهلين من قوم ٱلرسول هو ٱلدين ٱلمعروف بين ٱلنَّاس. وبزعمهم ٱلجاهل نشأت مواقف ٱلنَّاس من قوم ٱلرسول.
وهم صنعوا كتاب دينٍ أخر زعموا فيه أقوالًا لِّلنبىّ تُلغِى كتاب ٱللَّه. كما زعموۤا أنَّ زعمَهم هو سنَّة لِّلنبىّ. وقد سموا زعمهم ٱلحديث ٱلشريف وٱلحديث ٱلقدسى وغيره من ٱلمسميات ٱلتى تدفع بٱلفزع من مخالفتهاۤ إلى قلوب أتباعهم من ٱلأمّيِّن ٱلجاهلين.
وأرىۤ فى هذا ٱلزعم ما يبين ٱلسبب ٱلذى يجعل ٱلرسول يقول يوم ٱلقيٰمة لربِّه:
"وقال ٱلرّسولُ يَـٰرَبِّ إنّ قومى ٱتَّخَذُواْ هٰذا ٱلقرءانَ مَهجُورًا" 30 ٱلفرقان.
فأكثر قوم ٱلرسول هجروا ٱلقرءان فى ٱلحياة ٱلدنيا بتأثير كهنة مجانين. ومن يهجر ٱلقرءان يهجر ٱلعلم فى ٱلحقِّ. ويكون أعمى عن كل حقٍّ.
وأضرب مثلا وأقارن. فإن فرعًا من قوم ٱلرسول هم فى دولة إسراءيل ٱليوم وعددهم لا يتجاوز خمسة ملايين. لديهم 350 جامعة أكثر فروعها علومًا. وبينها معهد وازمن للعلوم تصدر عنه جآئزة علمٍ هى ٱلأعلى فى جامعات ٱلأرض.
وفى دولة مثل سوريا عدد ساكنيها من قوم ٱلرسول يقارب 20 مليونًا لديهم 4 جامعات حكومية. أضعف ٱلفروع فيها هى فروع ٱلعلوم. وفيهاۤ أشراط تصعِّب وتمنع ٱلانتساب إليها.
وأناۤ أسأل ٱلبقية ٱلقليلة من قوم ٱلرسول. لماذا لا تزالون إلى يومكم هذا رهاۤئن لِّما يزعم به كهنة مجانين ودعاة قومية مرضى بمرض ٱلوسواس ٱلخناس ؟
ولماذا تتركون هؤلآء ٱلكهنة ٱلمجانين يسرقون ٱسم عالم ويفتون فى مسآئل تتعلق بعيشكم وحياتكم وعلمكم ومماتكم ؟
لقد فرق هؤلآء ٱلمجانين فى ٱلحقوق بين ٱلذكر وٱلأنثى. وفى ٱلقرءان بيان عربى لا لبس فيه. أنَّ ٱللَّه خلقنا من ذكر وأنثى. وجعلنا شعوبًا وقبآئل لنتعارف. ونتسابق فى فعل ٱلخيرات وفىۤ أفعال ٱلتقوى. فهل نفهم أنَّ ٱللَّه يهوى ٱلذكور (كما يقول هؤلآء ٱلمجانين) وأنَّه يفضلهم (وهم ٱلمجانين) على ٱلنسآء ؟
ولسوء ٱلحظ فقد ظهر موقف فى ٱلولايات ٱلمتحدة لبعض ٱلنسآء يتنازعن مع هؤلآء ٱلمجانين على ٱلإمامة فيما يزعمون أنَّه صلوٰة. وقد برز هذا ٱلموقف بما فعلته "ٱلدكتورة آمنة ودود". ٱلتى لم تجعلها درجتها ٱلعلمية تفعل أكثر من ٱلشروع لٱنتزاع سلطة داخل بيت ٱلكهنوت ٱلمجنون.
وأناۤ أرى فيما فعلته ٱلدكتورة ودود وفيما تدعوۤا إليه أنَّه ٱنتشار لمرض ٱلجنون من رجال كهنة إلى نسآء كهنةٍ.
وأريد أن أذكِّر ٱلبعض من قوم ٱلرسول ٱلذين يجاهدون من أجل ٱلديمقراطية وحقوق ٱلإنسان فى بلاد ٱلشام لعلَّهم يجعلون هدايتهم فى جهادهم تستند إلى كتاب ٱللَّه ٱلقرءان من بعد نظرهم فى مطلع سور ة "يسۤ" وفى ٱلبلاغ ٱلتالى:
"لَقَد حََقَّ ﭐلقَولُ عَلَىٰۤ أَكثَرِهِم فَهُم لا يُؤمِنُونَ" 7 يسۤ.
وفيه بيان حال قوم ٱلرّسول أنَّ أكثرهم لا يؤمنون. كما يبين أنَّ قليلا منهم يؤمنون. وهو أملُ ٱلقليل منهم لأن يعمل على ٱلهداية بعيدًا عن تأثير ذلك ٱلكهنوت ٱلمجنون. وأن يكون مثلهم هو ٱلمثل ٱلمدينىّ ٱلذى ضربه ٱلنبى فى يثرب. فيعمل بقوة من أجل دولة مدينيَّة ديمقراطية فيدرالية رسولية تهتدى بأركان ٱلدين ٱلمحددة فى كتاب ٱللَّه ٱلقرءان.
فإذا لم يجهر هذا ٱلقليل بٱلقول ضد هذا ٱلطاغوت ٱلمريض فسيبقى مرض ٱلوسواس ٱلخناس فى مواقع حياتنا يتصدر. وسيكون سيرنا على ٱلطريق من ورآئه خنسًا إلى هاوية سحيقة. وٱلنهاية إلى مزيدٍ مِّنَ ٱلبغضاۤء ومزيدٍ مِّنَ ٱلعنف ومزيدٍ مِّنَ ٱلفقر ومزيدٍ مِّنَ ٱلطاغوت.
وأناۤ أرى فى هذا ٱلقليل من قوم ٱلرسول قدرة على ٱلسعى لإقامة سلطة دولة ديمقراطية وفيدرالية على سبيل ٱلمثل ٱلرسولىّ فى دولة ٱلمدينة. وفيها ٱلذى يفتِى فى ٱلدين هو من علمآء دين ٱلحقِّ substantive law كعلمآء ٱلبيولوجيا وٱلفيزيآء ٱلذين يسيرون فى ٱلأرض ينظرون فى كيف بدأ ٱلخلق كمآ أمر ٱللَّه. وإلى جانبهم علمآء مجتمع وٱقتصاد مدينىّ وفقهآء فى ٱلدين يعلمون بدين ٱلحقِّ substantive law وبتلك ٱلعلوم.

إنَّ حقَّ ٱلإنسان مبين فى كتاب ٱللَّه. فله أن يؤمن وله أن يكفر. وهذا واحد من أركان ٱلدين. وحساب ٱلمؤمن وٱلكافر على ٱللَّه لا عند كهنة مجانين وحلفاؤهم رجال ٱلسلطة ٱلذين يعتدون على حقه ٱلذى شرعه ٱللَّه.
أمَّا موقف قوم ٱلرسول من هذا ٱلحقِّ فيبينه سلوكهم بٱلأمس وٱليوم. وهم بزعمهم أنهم مسلمون يظهر دين ٱلإسلام كما لو أنَّه دين لا يقبل بأخر وقلوب أصحابه غليظة فظّة. وهو ما يرـٰه ٱلأخرون فى ٱلإسلام ٱلمنتشر.
وإنَّ ٱلعيب فى هذا ٱلإسلام هو فى روح مَن يتبعه. وهو روح أصابه ضرّ. وبسببه لم يصل إلى ٱلروح ٱلكامل فى كتاب ٱللَّه. وأن ما فى ٱلأنفس هو روح ٱلطاغوت وٱلإسلام لدين قريش ٱلموروث من أمّة ٱلأبآء ٱلمتضررة mother board damaged.
هذه ٱلأمة ٱلمتضررة نجد بيانًا عنها فى قول نوح لربِّه:
"وقال نوح رَبِّ لا تَذَر على ٱلأرضِ مِنَ ٱلكٰفرين دَيَّارًا (26) إنّك إِن تَذَرهم يُضلُّواْ عِبادَكَ ولا يلدُوۤاْ إلا فاجرًا كفّارًا (27)" نوح.
ونفهم من هذا ٱلبلاغ أنَّ ذريَّة هؤلآء تحمل فى ٱلنفس أمَّة موروثة من ٱلأبآء ٱلسّلف.
ويسوقنى فهمى لدليل كلمة أمّ إلى عقله مع مزر بورد ٱلكومبيتر mother board لأمثّل بها على ماۤ أفهمه من دليل ٱلكلمة ٱلعربية. وقد رأيت فى ٱلبلاغ ٱلعربى وصف لأمٍّ هاوية tumble mother board:
"فأُمُّهُ هاوية" 9 ٱلقارعة.
وقد جُعل هذا ٱلبلاغ بلسان ٱلانكليز كما يلى:
."Will have his home in a(bottomless) Pit" وهو يتبع ماۤ أدركه ٱلسَّلف. أمَّاۤ أنا فأرى فيه بلاغًا عن مزر بورد متضررة لا تدرى بٱلحقِّ ولا تستطيع بفعل ٱلأذى ٱلموروث.
وأفهم من قول نوح أنَّ ٱلذَّرَّ (وهم ٱلأولاد) يرثون جينومًا وأُمًّا فيها ضَرّ. وهى ٱلتى تجعل أفعال ٱلمناهج تنحرف وتزيغ عن ٱلحقِّ. وبها ينشأ ٱلظنّ وقوّة فجورٍ وكفرٍ ودوران فى دآئرة مغلقة ذات بعد واحدٍ لا تستطيع تطورًا. وهو ما يبينه ٱلوصف بٱلكلمة "دَيَّارًا".
هكذاۤ أفهم بلاغ ٱللَّه ٱلعربى ٱلأن. فهو بلاغ يتحرك ٱلإدراك وٱلفهم لقوله مع حركة ٱلاكتساب ٱلعلمى وٱلمعرفى للإنسان ٱلمرسل إليه. وهو ما فهمته من وصفه بٱلمتشابه.
وهذا ٱلأمر جعلنىۤ أرى فيما قاله ٱلمفسرون لكتاب ٱللَّه أنه إدراكهم وفهمهم. وإنّ ما فعلوه يشبه ترجمة لكتاب من لسان إلىۤ أخر بقوة إدراك وفهم ٱلمترجم. وهم لم يدَّعوۤا أنَّ فهمهم نهاۤئىّ. وجميعهم يقولون فى نهاية قولهم "ٱللَّه أعلم". وفىۤ أقوالهم ٱلكثير من ٱلتناقض. وترى ذلك فى تفسير ٱبن كثير ٱلذى يعرض فيه لأقوال متعددة ومتناقضة تبين أنَّ فهم كتاب ٱللَّه يختلف بين فرد وأخر. وهذا يُظهر مفهوم ٱلتشابه ٱلموصوف به بعض كتاب ٱللَّه:
"هو ٱلَّذىۤ أنزل عليك ٱلكتٰبَ منه ءَيٰت مُّحكمٰت هُنَّ أُمُّ ٱلكتٰبِ وأخر متشٰبهٰت"7 ءال عمران.
وأرىۤ أنَّه إذا كان فى ٱلوجود خالق (وأنا لاۤ ريب عندى فى ذلك) وأراد ٱلإتصال بٱلبشر فعليه أن يجعله قادرًا على ٱلإدراك أولًا. وهذا يحتاج إلى منهاج نرىٰۤ أنَّه ٱلأمُّ. ومَثَلُه كما هو ٱلأمر فى مَزَر بورد ٱلكومبيوترThe mother board. ومن دون هذه ٱلأمّ لا يمكن تنزيل ٱلوندوز The windows ٱلذى تجرى به أفعال مناهج ٱلكومبيوتر ٱلمختلفة.
وقد نفخ ٱللَّه فى ٱلبشر من روحه. وهذا يبين لناۤ أمًّا أوسع من أمِّ ٱلبشر ٱلبهيم. ثمَّ علَّمه ٱلأسمآء كلها. ومثلنا عليه هنا فى تنزيل ٱلوندوز The windows. وبذلك صار ٱلبشر يملك قوَّة إدراك ونظر وفكر وعلم وفقه مخزونة فى نوافذ ٱلوندوز.
ثمَّ عليه ثانيًا أن يبيِّن له سبيل ٱلخبرة فى هذه ٱلقوَّة. وهذا يحتاج إلى تعليم فى مناهج ٱلوندوز ٱلمختلفة يكتسبها بمرافقة خبير حتى تكمل خبرته.
وقد أرسل ٱللَّه ملٰۤئكة وبأفعالهم خبر ٱلبشر بمناهج رسالات ٱلربِّ. ومثلنا على ذلك فى تعليم مناهج ٱلكومبيوتر ٱلمختلفة وٱلخبرة فيها. وبذلك سيكون علم ٱلبشر وخبرته فى هذه ٱلمناهج وسيلته للتصديق بوجود خالق صانع. ووسيلته للعلم أنَّ بلاغ ٱلقرءان ٱلعربى هو بيان عن ٱلحقِّ من ٱللَّه ٱلخالق ٱلصانع. ٱلذى يُبين له أنَّ كلَّ شىءٍ عنده بمقدار (ٱلكمّ ٱلعددى) سوآء ءَكان ٱلمقدار طاقة غير مرئيَّة أم كان أشيآء مدركة. وهو بيان تُظهِرُ أسسَهُ بياناتُ ٱلعلم ٱلباحث وٱلرأىُّ ٱلنظرىّ لهذا ٱلعلم. وهو يبين أنَّ كلّ شىء هو مقدار تتكون من ٱجتماعه صورتُه ٱلتكوينيّة ٱلتى تُعربه شيئًا محدَّدا بمقداره.
مثل هذا ٱلأمر لا يفهمه من لا يحبُّ ٱلعلم وبحوثه ونظرياته. لأنهم ديَّارون لا يسيرون فى ٱلأرض ولا ينظرون كيف بدأ ٱلخلق.
وكهنة ٱلقوم قريش (علمآء ٱلمسلمين بٱلأمس وٱليوم) يحرّضون ٱلناس على كره ٱلعلم وبحوثه. ويطلبون ٱلبعد عنه بزعم أنَّ ٱلعلم فتنة شيطان. ورأس قولهم أنَّ ٱلإيمان فى ٱلقلب. وهم يزعمون أنَّ ٱلقلب هو تلك ٱلقطعة ٱلنَّضَّاخة للدم فى ٱلشرايين. وبهذا ٱلزعم يريدون من ٱلناس ٱتباع جهلهم وتحريفهم للكلم عن مواضعه وٱلتسليم لأقوالهم من دون تفكير ولا نظر. لأنَّ ٱلتفكير (كما يزعمون) هو فعل شيطان.

لقد ضرب ٱلنَّبى محمد للناس مثلا مبصرًا فى دولة ٱلمدينة لفترة عشر سنين. وقد وصل بعض ٱلناس بفعل ٱلنظر وٱلبحث إلى ٱلعلم بأسس هذا ٱلمثل وٱلعيش فى ظلِّ مفاهيم تقترب منه. سوآء ءكانوا يعلمون بٱلمثل ٱلمضروب أم لا يعلمون.
وفى مَثَلِهِ عن ٱلدولة أظهر للجميع أن ٱلحكم ٱلذى يهتدى بدين ٱللَّه لا يقوم على مفاهيم ٱلقوم وٱلنسب وٱلمال. ولا يكون قيامه إلا بعهدٍ وميثاق بين أفراد ولو كانوا من أقوام مختلفة. وقد ٱختار كلُّ فرد منهم ورضىَ أن يجتمع ويشترك مع أفراد أخرين فى ٱلعيش بعهد وميثاق يستند إلى مفاهيمٍ مَّدينيَّةٍ مِّن دون إكراهٍ ولا مَكٍّ فى عيشهم وأموالهم. ولنا ٱليوم مثل يقرب من مثل ٱلمدينة فى مفاهيم ٱلديمقراطية وٱلفيدراليًّة. وهو ماۤ أخذ به ٱلبعض من ٱلناس ممن لا يحملون ٱسم مسلمين.
أمَّا كهنة ٱلمسلمين فيفتون بحكم ٱلكفر على مَن يقول بٱلديمقراطية وٱلفيدرالية. ولسان حالهم يردد قولهم "أهل مكَّة أدرى بشعابها". وهم يزعمون بتاريخٍ ويريدون من ٱلناس أن ينسخوا ماضٍ ميِّت وأن يعيشوا فيه موتى. وهو زعم يكشف عن دينهم ٱلذى يتبعون. فهم يدعون لأمٍّ هى دين أهل مكَّة قريش وليس دين أهل ٱلمدينة.
وٱلمثل ٱلذى ضربه ٱلنبى هو ما يعرف بلسان ٱللاتين بٱسم civility. وهو ٱلمفهوم ٱلذى يطلب ٱنتشاره ٱليوم بعض قوم ٱلرسول فى بلادهم بٱسم ٱلمجتمع ٱلمدنىّ. وطلبهم يأتى بتأثير مفهوم ٱلناس فى دول ٱلغرب ٱلتىۤ أوصلهم ٱلتطور إليه من دون هداية مباشرة من بلاغ ٱللَّه ٱلعربى (ٱلقرءان). وما يبينه هؤلآء ٱلبعض من قوم ٱلرسول أنهم لا يدرون بدليل ٱلقول ٱلعربى فى ٱلقرءان بتأثير مفاهيم ٱلكهنوت ٱلمنتشر. وهم يظنون أنَّ ٱلدين هو قول هؤلآء ٱلمجانين.

ماۤ أرـٰه وأفهمه من بلاغ ٱللَّه ٱلعربى أنَّ مجتمعات ٱلبشر كانت لا تزال مجتمعات قرويَّة. وأنها من بعد ٱلبلاغ ٱلمرسل بلسان عربى تتهيأ من بعد سيرها ونظرها فى كيف بدأ ٱلخلق ومن بعد علمها بحق ٱلفرد لإقامة مجتمع عهدى ميثاقى فى دولة مدينة. وكان ٱلنبى قد ضرب مثلا عليه فى دولة ٱلمدينة لعشر سنوات.

لقد بين ٱلبلاغ ٱلعربى أنَّ منهاج أهل مكَّة هو منهاج قرية method of townلاۤ منهاج مدينة method of city:
"وما كان ربُّكَ مُهلِكَ ٱلقُرىٰ حتَّىٰ يبعَثَ فىۤ أُمِّها رسولا يتلواْ عليهم ءَايَٰتِنا وما كُنَّا مُهلِكِى ٱلقُرىٰۤ إلا وأهلُها ظٰلمونَ" 59 ٱلقصص.
"وكذٰلك أوحيناۤ إليكَ قُرءَانًا عَرَبِيًّا لِتُنذِرَ أمَّ ٱلقُرىٰ وَمَن حولَها وتُنذِرَ يومَ ٱلجمعِ لا رَيبَ فيهِ فَرِيق فِى ٱلجَنَّةِ وفَرِق فِى ٱلسَّعيرِ" 7 ٱلشورى.
"وهٰذا كِتَٰب أنزلنٰهُ مُبارَك مُّصَدِّقُ ٱلَّذى بينَ يَدَيهِ ولِتُنذِرَ أُمَّ ٱلقُرىٰ ومَن حولَها وٱلَّذين يُؤمنونَ بٱلأَخِرَةِ يُؤمنونَ بهِ وهُم علىٰ صَلاتِهِم يُحافِظُونَ" 92 ٱلأنعام.
وفيه أنَّ منهاج ٱلقرية هو منهاج أهل مكَّة ٱلقومى. وهو منهاج أمُّ ٱلقُرىٰ جميعها. ويمثل مزر بورد mother board ٱلكومبيتر صورة عنه (كما نفهم).
ونرىۤ أنَّه منهاج قُروىّ يحكُم جميع مناهج ٱلنفس. ومهما تعددت ألوان هذا ٱلمنهاج ٱلقروىّ فهو يتبع منهاج دين أهل مكَّة ٱلقروى. وهو ٱلمزر بورد لهذا ٱللَّون من ٱلدين. وحقُّ ملكيته تعود إلى أمِّ ٱلقرى.
بهذا ٱلدِّين وقف قوم قريش فى وجه ٱلرسول فى مكّة وبه دفعوه للهجرة ثم لحقوا به ليقتلوه فى مهجره.

لقد جآء فى كتابى ٱلانقلاب أنَّ ٱلمثل فى دولة ٱلمدينة وفى ميثاقها "ٱلصحيفة" كان قد توقف بموت ٱلنبى. وما جآء من بعده يبين سلطة طاغوتٍ للقوم قريش. فٱلذين ورثوا ٱلسلطة من بعد ٱلنبى لم يدركوا ٱلمثل ٱلمدينىّ ٱلمضروب بفعل منهاجهم ٱلقُروىّ. وقد خلطوا بين مفاهيم موروثة ومثبتة فى مزر بورد كلٍّ منهم أمِّ ٱلقُرىٰ وبين أجزآء مفاهيم من ٱلمثل ٱلمدينىّ سرعان ما غلبته ٱلأم ٱلقروية ٱلموروثة وجعلت وجهته فرعونيَّة. وهو ما أخشى أن يحدث ٱليوم لديمقراطية ٱلولايات ٱلمتحدة ٱلأمريكية بفعل قوَّة ٱلظَّن ٱلتى يدفع بها مفهوم ٱلأمن لتتصدر حياة ٱلأمريكيين وتسوق ٱلأرض إلى طامَّة كبرى.
لقد فعل ورثة ٱلسلطة من بعد ٱلنبى ذلك بقوّة فعل منهاج أمِّ ٱلقُرى ٱلمثبَّت فى قلوبهم وأفئدتهم من ولادتهم فى مكَّة (كما يبين قول نوح). وهم لم يجهدوا لتحديث وٱستبدال ٱلمنهاج ٱلموروث بمنهاج ٱلمدينة ٱلذى ضرب لهم ٱلنبى مثلا مبصرًا عليه. وقد ترك بين أيدهم ٱلمثل ٱلمبصر لفترة عشر سنوات ومعه ميثاق ٱلمدينة (دستورها) وٱلمنهاج ٱلمنزَّل على قلبه من ٱلصانع ٱلخالق. ولكلٍّ منهم خيرته فى تنزيل ٱلمنهاج فى قلبه أو يبقى على منهاجه ٱلقُروىّ ٱلموروث.
وما غلب علىۤ أفعالهم هو ٱلتمسُّك بمنهاج ٱلقرية بلونه ٱلفرعونى وٱلزعم بظنٍ أنَّه ٱلمنهاج ٱلذى ضربه لهم ٱبن قريتهم ٱلنبى.

فى ٱلبلاغ 59 ٱلقصص أنَّ منهاج مكَّة هو ٱلأمُّ لجميع ٱلقُرى ديمقراطية وفرعونية. ونفهم من ٱلبلاغ أنَّ ٱلمناهج ٱلمتعددة للقُرويين أينما كانوا هى منهاج واحد. وله أمّ واحدة تحكم جميع ٱلمناهج ٱلمعرفية وٱلعلمية فى ٱلقلوب ٱلتى تتحكم بها هذه ٱلأمّ. فهى أمُّ طورٍ قروى للمجتمع لا تُدرَكُ بها ولا تُفهمُ ٱلمناهج ٱلأعلى طورًا.
ونضرب مثلا على مناهج ٱلأوفس وورد Office word ٱلمصنعة ليجرى فعلها على نسخة وندوز windows متطور. فإنَّ محاولة تنزيلها على وندوز أدنى طورا لا تفلح أبدًا. وهو يرفضها بسبب ٱختلافها عن منهاجه ومنهاج ٱلمزر بورد ٱلتى تتحكم بفعله وبإدراكه. ومثله ٱلمتطور هو مزر بورد ووندوز ٱلمدينة ٱلذى ضربه ٱلنبىّ فى مثله عن سلطة ٱلمدينة.
إنَّ كلمة أمٍّ تدل على منهاج تحكمٍ. وكنت قد بيَّنت فهمى له فى كتاب "أنبآء ٱلقرءان" وفى ٱلمدخل إلى ٱلكتاب.
وهذه ٱلكلمة هى من كلمات ٱلمزر بورد وٱلوندوز ٱلمعلَّمة فى فؤاد ءَادم "وعلَّمَ ءَادَمَ ٱلأسمآءَ كُلَّها". وهى أمّ ورثناها منه.
وقد جعل ٱلخالق ٱلصانع فيها ٱلقدرة على قبول فعل ٱلتحديث وٱلانتقال إلى ٱلمنهاج ٱلأعلى طورًا فى ٱلِّسان ٱلعربىّ ٱلمبين لمن يريد ذلك. وهو ما وجدته فى نفسى ٱلتى كانت أفعالهاۤ إلى وقت قريب محكومة بٱلأمَّة ٱلقُرويَّة. وقد ساعدنى على هذا ٱلتحديث ٱلجمع بين قول علمآء ٱلتكوين وقول ٱلبلاغ ٱلعربى وٱلعقل بينهما وبين مفاهيم ٱللّغة ٱلفصحى ٱلتحريفية. وقد تبين لى ٱلحقّ وٱللَّغو. وبٱلبيان قويت نفسى على ٱلباطل فى ٱللَّغو وصار قول ٱلبلاغ ٱلعربىّ أكثر بيانًا بعقله مع قول ٱلعلم ٱلناظر فى ٱلحقِّ.


ونعرض لمثل من دول ٱلفيدرالية وٱلديمقراطية هو ٱلولايات ٱلمتحدة ٱلأمريكية. ونحن نرىٰۤ أنها لم تبلغ ٱلمثل ٱلمدينىّ. بسبب ما يَعلق فى ٱلنفس من منهاج مكَّة ٱلقروى ٱلذى يظهر فى مسألة دفع ٱلمال لخزينتها وفى مسألة ٱلخدمة فى جيشها. وهى فى ٱلمسألتين تُكره ٱلناس فى دفع مكوسٍ وهى ما يسمى ضريبة tax. وفى خدمة إلزامية فى جيشها. وهى لا تترك للفرد خيرة فى ٱلمسألتين.
أمَّا خيرة ٱلفرد فى رأيه وقوله وعمله فهى موفورة له. وبها يمكنه تطوير موقف دولته وجهة ٱلمثل ٱلمدينىّ.
إنَّ أخذ ٱلمكوس tax من ٱلناس يحدث بفعل منهاج مكَّة صاحب ٱلمزر بورد ٱلقُروىّ. أمَّا منهاج ٱلمدينة فى هذه ٱلمسألة فيبنه ٱلبلاغ ٱلعربى:
"خُذ من أموالهم صَدَقَةً تُّطهِّرُهُم وتزكِّيهِم بها وصلِّ عليهم إنَّ صلوٰتَكَ سكن لَّهم وٱللَّهُ سميع عليم" 103 ٱلتوبة.
فٱلذى يدفعه ٱلفرد من أبنآء ٱلمدينة لخزينة دولته ٱسمه صدقة من أصل ٱلفعل صدق يصدق. وبها يصدِّق إيمانه وٱطمئنانه للعهد وٱلميثاق (ٱلدستور) ٱلذى تقوم عليه ٱلدولة وتصدقه بأفعالها.
فدولة ٱلمدينة تشاور ٱلناس بحاجتها للمال. وتترك لهم مسألة تصديقهم لعهدها وميثاقها. ٱلذى وفَّر لهم عيشًا فى وسعٍ مِّنَ ٱلخيرة وٱلعمل من دون إكراه. وكلّ مِّنهم يحدّد بنفسه ما يدفعه من ٱلمال للخزينة.
وإن كان إيمانه يمتدُّ إلى ٱلإيمان بٱللَّه وٱليوم ٱلأخر فإن ما يحدده من مال لا ينقص عن حدِّه فى ٱلبلاغ ٱلعربى:
"وٱعلَمُوۤاْ أنَّمَا غَنَمتُم مِّن شىءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذِى ٱلقُربَىٰ وٱليَتَٰمَىٰ وٱلمَسَٰكِينَ وٱبنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُم ءَامَنتُم بٱللَّهِ ومآ أَنزَلنا علىٰ عَبدِنا يومَ ٱلفُرقانِ يومَ ٱلتَقَى ٱلجَمعانِ وٱللَّهُ علىٰ كلِّ شىءٍ قدير" 41 ٱلأنفال.
ٱلفعل غَنَمَ يدل على ٱلكسب ٱلذى يحصل عليه ٱلإنسان بفعل عمل من ٱلأعمال bonus. وهو كسب يفيض عن ماله ٱلذى وضعه فى ذلك ٱلعمل ويعرف بٱلربح winning. وحدُّه فى ٱلبلاغ ٱلعربى هو ٱلخُمُس أى 20٪ من ٱلأنفال وهى ٱلربح.
هذا ٱلحدُّ يدفعه ٱلمؤمن بٱللَّه وٱليوم ٱلأخر تطوعًا لدولة ٱلمدينة تصديقًا لإيمانه بها وبميثاقها (دستورها). وله أن يصعد فوق ذلك ٱلحدّ موكِّدًا على قوَّة تصديقه.
أمَّا جيش ٱلمدينة فإنَّ ٱلخدمة فى صفوفه لا تكون إلا تطوعًا. وفى ٱلبلاغ ٱلعربى بيان ذلك:
"فقٰتل فى سبيل ٱللَّه لا تُكلَّفُ إلا نفسَكَ وحرِّضِ ٱلمؤمنينَ عسى ٱللَّهُ أن يَكُفَّ بأسَ ٱلذين كفرواْ وٱللَّهُ أشدُّ بأسًا وأشدُّ تنكيلا" 84 ٱلنسآء.
فٱلقتال مسألة يكلِّف ٱلمرء نفسه بها. وله وحده ٱلحقّ فى هذا ٱلتكليف. وقد بين ٱلنبىّ هذا ٱلأمر فى ميثاق دولة ٱلمدينة (ٱلصحيفة):
"وَإِنّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ".
فلاۤ إكراه عليه فيما يختار. ولا موقف منه يأتى بٱلحرج إليه.
أمَّا مثل ٱلولايات ٱلمتحدة ٱلتى تخطت ديمقراطية ٱلقرية من بعد عام 1965 فينقص فى مدينيتها مفهوم ٱلصدقة ومفهوم تكليف ٱلنفس فى ٱلقتال. وبأخذها بهما تكون قد سارت على طريق ٱلمثل ٱلرسولى فى هيئته ٱلكبرى.





























ٱلزكوٰة

قلت فىۤ أعمال سابقة أنَّ كلمة ٱلزَّكوٰة وضعت لتدلُّ على ٱلضِّدِّ للطغيان وٱلكفر. وقد بينت فهمى هذا من ٱلبلاغ ٱلعربى:
"وأَمَّا ٱلغُلٰمُ فكان أََبوَٰٰهُ مؤمِنَينِ فَخشينَآ أَن يُرهقهما طُغيٰنًا وكُفرًا(80) فأَرَدنَآ أن يُبدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خيرًا مِّنهُ زَكوٰة وأقربُ رُحمًا(81 )" ٱلكهف.
وقد جآء فى قولى عن دليل ٱلكلمة أنَّه ٱلبّر وٱلصَّالح وٱلحسن وٱلصّادق فى ٱلقول وٱلعمل.
وما فعله ٱلمحرفون للكلم عن مواضعه هو حرف دليل كلمة زكوٰة إلى دليل كلمة مكوس (ٱلضرآئب Tax). وقد جعلوا لها مقدارًا محدَّدًا بـ 2.5٪ من رأسمال دافع ٱلمكوس. وهم بتحريفهم للدليل غيَّبوا دليل ٱلأفعال ٱلصالحة وٱلحسنة وٱلصدق وٱلبرّ من وجهة. وغيبوا ٱلمقدار ٱلمحدد فى ٱلبلاغ ٱلعربى بـ 20٪ من ٱلأنفال (ٱلأرباح):
"وٱعلَمُوۤاْ أنَّمَا غَنَمتُم مِّن شىءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذِى ٱلقُربَىٰ وٱليَتَٰمَىٰ وٱلمَسَٰكِينَ وٱبنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُم ءَامَنتُم بٱللَّهِ ومآ أَنزَلنا علىٰ عَبدِنا يومَ ٱلفُرقانِ يومَ ٱلتَقَى ٱلجَمعانِ وٱللَّهُ علىٰ كلِّ شىءٍ قدير" 41 ٱلأنفال.
فإنَّ ٱلخمس من ٱلأرباح تدفع تصديقًا من قبل ٱلمؤمن من دون إكراه له. منها ما هو للقريب ومنها ما هو لخزينة دولة ٱلمدينة. لتنفق (كما حدَّدها ٱلبلاغ ٱلعربى) على رجال ٱلدولة (وهم ٱلذين ينصرفون إلى تذكُّر بلاغ ٱللَّه ورسالته وميثاق دولة ٱلمدينة) وعلى بيوت ٱلعلم ورعاية ٱلأيتام وٱلمساكين (ٱلعجزة) وٱلعاطلين عن ٱلعمل وٱبن ٱلسبيل (وهو ٱلغريب ٱلمسافر ٱلذى خلا جيبه من ٱلمال) لعونه فى عودته إلى بيته أو دياره.
هكذا فهمت دليل كلمة زكوٰة ٱلضآئعة عند ٱلذين يزعمون أنهم مسلمون. وهم قد أضاعوا ٱلصَّلوٰة ولا يأتون ٱلزكوٰة وهم بذلك يلقون غيًّا:
"فَخَلَفَ من بعدِهِم خَلف أضَاعُواْ ٱلصَّلوٰة وٱتَّبَعواْ ٱلشَّهَوات فسوفَ يَلقَونَ غيًّا" 59 مريم.
وٱلغىُّ هو ٱلجهل وٱلكذب وٱلضَّلال وٱلخيبة وٱلمرض وٱلضّعف وٱلهون وٱلذِّلّ وٱلشَّرّ. وهو شأن جميع ٱلشعوب ٱلذين أضاعوا ٱلصَّلوٰة ولا يأتون ٱلزكوٰة وبٱلضياع ضعفوا ولحق بهم ٱلهُون وٱلذُّلُّ وٱلشَّرُّ.
فهل ٱلزكوٰة هى ٱلمكوس كما يرى حملة ٱسم ٱلعلمآء من ٱلذين يزعمون أنهم مسلمون ؟
أم أنَّ ما نقدمه من فهم وإدراك متشابهين للبلاغ ٱلعربى هو أقرب إلى ٱلحقِّ ؟
لقد بين بلاغ ٱللَّه مفهوم ٱلزكوٰة فى صناعته للنفس:
"ونفسٍ وما سوَّـٰها (7) فألهما فجورها وتقوـٰها (8) قد أفلح مَن زكَّـٰها (9) وقد خاب مَ دسَّٰها (10)" ٱلشَّمس.
فٱلنفس مصنوعة لتكون ذات أفعال زكيَّة أو أفعال دسيَّة. وصاحب ٱلنفس هو ٱلذى يختار أىًّ من ٱلفعلين لها.

لقد أمر ٱلنبى إسمٰعيل أهله بٱلصَّلوٰة وٱلزَّكوٰة:
"وكان يأمُرُ أهلَهُ بٱلصَّلوٰة وٱلزَّكوٰةِ وكانَ عِندَ رَبِّهِ مَرضِيًّا" 55 مريم.
وهو فى أمره يطلب من أهله يقظة مستمرة من دون غفلة وٱمتناع عن ٱلعدوان. فٱلذى يصلى يرقب ويشهد ويبصر ويسمع ويعلم ويحسب. وهو لا يغفل فى صلوٰته عن أمر. وإن علم أنَّ مَن يصلى عليه غافل وضعيف لا يسرع ليعتدى عليه. بل يسرع إلى تذكيره بغفلته وضعفه ويعينه على ٱلخروج منهما. وهذا هو فعل ٱلزكوٰة ٱلذى يأمر إسمٰعيل أهله به.
ومَثَلُهُ ٱليوم عن ٱلصَّلوٰة فىۤ أفعال ٱلرَّصد ٱلذى تقوم به ٱلولايات ٱلمتحدة على كلِّ شىء فى ٱلأرض وعلى أماكن متعددة فى ٱلسمآء. فإن طاع حكامها ٱلأمر بٱلزكوٰة لا يعتدون على ٱلضعفآء ٱلغافلين من ٱلشعوب ولا يمنعون عنهم ٱلعون وٱلتذكير بغفلتهم وضعفهم.



























ٱلهداية وٱلعلم

ٱلهداية هى منهاج محدَّد program من لدن ٱلخالق ٱلصانع يحكم ويميز سلوك ٱلشىء.
أمّا ٱلعلم فهو ٱلكشف وٱلتحديد وٱلتقليم فى ٱلهيئة وٱللَّون وٱلوزن وٱلكيل لهذا ٱلشىء ومنهاجه وقرء كتابه ٱلمسطور.
لقد بدأ ٱلتكوين ٱلميت وٱلحى بٱلتقدير وٱلهداية:
"قال رَبُّنا ٱلَّذِىۤ أَعطىٰ كُلَّ شىءٍ خَلقَهُ ثمَّ هَدَىٰ" 50 طه.
فٱلخلق تعقبه تسوية بمقاديرٍ ثم هداية:
"ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ (2) وٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ (3)" ٱلأعلى.
وهو ٱلأمر ٱلَّذِى لم يظهر لعلمآء ٱلفيزيآء إلى ٱليوم. وهم لم يحدَّدوا إلى ٱليوم ٱلسُّلوك ٱلَّذِى يسوق (كوارك فوق وكوارك تحت) للزواج وتكوين ٱلميزون.
ٱلبشر هو واحد من أشيآء ٱلتكوين ٱلذى بدأ سلوكه بٱلهداية. وهو ٱلذى جُعل خليفة للخالق فى جميع أسمآئه ٱلحسنى:
"إنِّى جاعِل فِى ٱلأرضِ خَليفةً"30 ٱلبقرة.
وهو ٱلذى يسير فى ٱلأرض ينظر كيف بدأ ٱلخلق. وهو ٱلذى يكشف ويحدِّد ويقلِّم ٱلأشيآء ويقرأ منهاج هدايتها. فيعلم بٱلهداية ويعلم بٱلعلم ٱلمبثوث فيها من لدن ٱلخالق ٱلصانع. وهو ما فعله كثير من ٱلعلمآء ومنهم نيوتن.
أما ما وجدته فى مقال "عودة إلى مستقبل محاصيل الحبوب back future of cereals" ٱلمنشور فى مجلة العلوم ٱلأمريكية وٱلذى ٱشترك فى تأليفه كلّ من عالما ٱلوراثة ٱلنباتية ستيفن ﮔوف Stephen A.Goff وسالمرونJohn M.Salmeron. فيبين لنا كيف يسقط ٱلعالم فى ٱلظنّ ويفقد منهاجه ٱلعلمى ٱلذى يعمل به على مسألة تتطلب تطورًا كبيرًا فى ٱلنظر وٱلبحث حتى يتبين ٱلقول فيها من دون لبس.
لقد جآء فى مقالهماۤ أن ٱلحبوب ٱلنجيلية لهاۤ أصل مشترك ٱفترقت وتباعدت عنه "قبل نحو 50-70 مليون سنة, وتوطنت في مناطق جغرافية متمايزة من العالم. ويُعتقد أن مزارعي منطقة الهلال الخصيب المتوسطية كانوا أول من استأنس نبات القمح قبل نحو 10000 سنة. وبعد ذلك بنحو 1000 عام, في المنطقة المعروفة حاليا بالمكسيك, بدأ الفلاحون بزراعة أحد أسلاف الذرة المعروفة حاليا. كما استأنس قدامى الصينيين محصول الرز منذ أكثر من 8000 سنة.
وبينما كان أسلافنا يستأنسون هذه النباتات, كانوا يقومون في الوقت نفسه باستنباط المحاصيل التي نعرفها اليوم, وذلك من خلال سيرورة تشبه إلى حد بعيد تربية النبات المتبعة حاليا. فمن خلال الأصناف varieties البرية, قاموا بإكثار ثم تهجين نباتات فردية منتقاة تمتلك خصائص مرغوبة, مثل عدد أكبر من الحبوب أو حبوب أكبر حجما. وكانت النباتات التي لا تنثر حبوبها بعيدا مرغوبة, لأن حصادها وجمع حبوبها يكون أيسر من غيرها, مع أن إكثار النباتات التي تمتلك هذه الصفة بات معتمدا إلى حد كبير على الإنسان. كما انتخب المزارعون الأوائل بعض النباتات استنادا إلى خصائصها النوعية الغذائية الجيدة, من مثل الحبوب الرقيقة الغلاف, السهلة المضغ, وأصناف الذرة ذات المحتوى النشوي الأكثر ملاءمة لصناعة خبز التورتيلا tortilla.
وهكذا تزايد تمايز نباتات المحاصيل عن أسلافها, وندر تدريجيا تزاوجها مع أقاربها البرية. فقد أصبحت الذرة بعيدة جدا, لا بل مختلفة تماما عن سلفها, التيوسينت teosinte, الذي تحدرت منه, لدرجة أن أصلها البري ظل موضع جدل حتى فترة قريبة جدا".
وهما يقولان لناۤ أنَّ هؤلآء ٱلمزاعين ٱلأوآئل قد قاموا بأعمال ٱلانتخاب من دون هداية لهم فى هذا ٱلعمل ٱلعلمى ٱلكبير. وقد تجنبوا فى مقالهما أىّ إشارة إلى مسألة ٱلهداية ومصدرها. كماۤ أنهما لم يبيِّنا عمَّا إذا كان ما قام به ٱلمزارعون ٱلأوآئل يتبع فعل هداية أم فعل علم؟
بل هما يتابعان قولا ظنيًّا عن قدرة مزارع ما قبل ٱلتاريخ على هذا ٱلعمل ٱلعلمى ٱلكبير بمفرده ومن دون عون. وهما ٱلعالمان يقفان أمام هذا ٱلعمل ٱليوم ويطلبان ٱلمزيد من ٱلتقدم ٱلعلمى بكلِّ ٱلوسآئل قبل أن يكتمل علمهما به.
وهما يضربان لنا مثلا عن عمل مزارع ما قبل ٱلتاريخ ٱلمتفوق علميًّا على علم ٱليوم. وذلك بقرنه مع عمل ٱلإنسان فى ٱلقرن ٱلماضى:
"إن ما قام به الإنسان من تحوير في نباتات محاصيل الحبوب من خلال الإكثار الانتقائي والتهجين (التزاوج) كان قد بدأ في أزمان ما قبل التاريخ ولم يتوقف إطلاقا. فعلى مدى القرن الماضي جرى انتقاء نباتات المحاصيل استنادا إلى امتلاكها سنابل أو كيزان (عرانيس) أكبر حجما, بهدف زيادة غلتها. وتتسم هذه السنابل العالية الغلة وذات العدد الأكبر من الحبوب بثقلها, مما دعا إلى انتقاء نباتات من الرز والقمح تتميز بقامة أقصر, حماية للنباتات من الانحناء نحو الأرض بفعل الرياح. وقد أدت التربية التي تستهدف مقاومة الأمراض وتحمّل الإجهادات البيئية وتفعيل كفاءة استخدام المخصبات النتروجينية إلى زيادة مثيرة في الغلة وإلى استقرارها, مؤدية إلى الثورة الخضراء في الستينات من القرن الماضي. فقد زاد متوسط غلة الأكر acre من الذرة في الولايات المتحدة على سبيل المثال, ما يقارب 400 ٪ منذ العام 1950.
غير أنه, حتى في مرحلة الازدهار تلك, لم يتوافر لمربّي النبات تحقيق تقدم ملموس أكثر مما توافر لمزارعي المحاصيل الأوائل. فقد تركز اهتمام مربّي النبات على خصائص نباتية ظاهرة واضحة, أي واسمات markers, مثل حجم الحبوب أو صفات تتعلق بالهندسة البنائية للنبات, في سعيهم إلى انتقاء سلالات مرغوبة لإكثارها لاحقا.
ومع ذلك, توضح دراسات جينومات محاصيل الحبوب كيف أن المزاعين الأوائل في زمن ما قبل التاريخ, ومن خلال ممارستهم الانتقاء وفقا للصفات الظاهرية, كانوا, عن غير عمد, ينتقون جينات محددة. فعلى سبيل المثال, قاد s. ﭙابو (من معهد ماكس ﭙﻼنك لعلوم تطور الإنسان في لاﻴﭙزﮒ بألمانيا) جماعة من الباحثين, حللت ألائل alleles, أي نسخا, من جينات معينة في كيزان الذرة عثر عليها في مواقع في المكسيك بالقرب من موطن استئناس الذرة. وقد خلص ﭙابو ورفاقه إلى أن الذرة المستأنسة, ومنذ 4400 سنة, امتلكت جينات تتحكم في نمط تفرع النبات, إضافة إلى الخصائص النوعية للبروتين والنشاء الموجودين في أصناف الذرة الحالية".
ويبين ٱلعالمان ٱلنقص فى عدّة ٱلباحثين فى هذه ٱلمسألة:
"ومن ثم فإنه ما لم تتوافر التقانة الملائمة لاستخدام الجينات أو المواقع الصبغية كواسمات جزيئية, سيجد العلماء أن تحديد بعض هذه الخصائص المرغوبة أو نقلها إلى المحاصيل الحديثة أمرا شبه مستحيل".
ومع ذلك يقولان لنا أنَّ ٱلمزارعين "الأوائل في زمن ما قبل التاريخ" ومن دون "عمد, ينتقون جينات محددة".
ويظن هذان ٱلعالمان أنهما بقولهما "عن غير عمد" ينتهى جهدهما فى ٱلبحث عن سبيل هؤلآء ٱلمزاعين ٱلأوآئل إلى هذه ٱلتقنية ٱلمهدية ٱلتى ما زال ٱلعلم ٱلحديث لم يكشف عنها بسبب نقص وسآئله حتى ٱلأن.
ويتصعَّد ٱلأمر ببيانهما صعوبة هذا ٱلبحث ٱليوم:
"تتم زراعة البادرات الحاملة للألائل المرغوبة إلى أن تصبح مهيأة للتهجين مع الصنف النخبة. ويجري اختبار النسل الناتج من هذا التهجين للتأكد من انتقال الألائل المرغوبة إليها, وتُتابع العملية على أن يحصل المربي على جماعة من النباتات تشبه الصنف النخبة الأصلي لكن مع وجود الألائل الجديدة المطلوبة في كل من أفراده. إن الوفورات الزمنية, الناتجة من استخدام التبصيم الجيني للتحقق من وجود واسمات الخصائص في كل مرحلة من هذه السيرورة من شأنها توفير أعوام عديدة كان لا بد منها لتطوير أصناف محصولية جديدة. ويتيح هذا التسارع للمربين أن يكونوا أكثر استعدادا للحالات المتبدلة الطارئة, كحالة ظهور آفات جديدة أو اكتساب الآفات القديمة درجة من المناعة تصبح معها أكثر مقاومة لسبل مكافحتها المعتادة. ويصبح تفصيل tailoring أصناف محصولية جديدة, تحمل توليفات من الخصائص المثلى, تلائم بيئات متباينة, وتلبي حاجات المُزارع ورغبات المستهلك, أمرا أسهل منالا.
بيد أن امكانية التطوير الفعلي في هذه الطريقة تكمن في قدرتها على فتح باب المستودعات الجينية المتخلفة منذ آلاف السنين عندما استؤنست محاصيلنا الرئيسية أول مرة".

ٱلعلم ٱلحديث هو علم بٱلهداية ٱلتى كان ٱلمزاعون ٱلأوآئل بها ينتخبون وبها ينتقون. أما ٱلعلم عند ٱلعالمين ﮔوف Goff وسالمرون Salmeron فهو ناجم عن أطوار من ٱلهداية ٱلتى علَّمت ٱلبشر وجعلته يتقدم حتى وصل إلى كلٍّ من ﮔوف وسالمرون.
وٱلعلم عند ٱلمزاعين ٱلأوآئل هو علم هداية. وهو علم ٱللَّه ٱلذى هدىۤ إلى هذه ٱلمسألة ٱلتى ما زال ٱلعلم ٱلحديث يحتاج إلى مزيد من ٱلتطور للكشف عنها وٱلعلم بها.
وقد جرى علم ٱلهداية للمزارعين ٱلأوآئل بواسطة روبوتات ملٰئكة دَرَّبت ٱلبشر على ٱلخبرة فى تهجين أعشاب يخرج منها قمح أو ذرة أو غيرها. كما درَّبتهم على صناعته طعامًا لهم يبعدهم عن أسلوب طعام ٱلبهيم. ولم يكن ٱنتقآء هذه ٱلأعشاب كما يرى ٱلعالمان ﮔوف وسالمرون "أن المزاعين الأوائل في زمن ما قبل التاريخ, ومن خلال ممارستهم الانتقاء وفقا للصفات الظاهرية, كانوا, عن غير عمد, ينتقون جينات محددة".
وأرىۤ أنّ على ﮔوف وسالمرون أن يعوداۤ إلى مقالهما لإعادة تكوينه بعيدًا عن مثل هذا ٱلتخريص ٱلذى لا يجوز لعالم أن يوقع فيه.






قول فى كتاب
(خلل في ٱلإسلام)

كتاب "خلل فى ٱلإسلام" للكاتبة ٱلأمريكية ذات ٱلأصل ٱلباكستانى إرشاد منجى. ألفته ٱلكاتبة بوسآئل ديمقراطية وحرية ٱلتفكير ٱلمتوفرة فى ٱلمجتمع ٱلأمريكى. إلاۤ أنَّ منهاجها هو منهاج فكر سلفىّ سرعان ما يسقط فى حرب مع وسآئل ٱلديمقراطية.
وأريد لقولى فى كتابهاۤ أن يبدأ بقولها ٱلذى يبين حبها للمجتمع ٱلأمريكى ٱلذى نشأت فيه:
"يا إلهي كم أحببتُ هذا المجتمع. أحببتُ فيه أنه كان يبدو في بحث دائم عن إجابات نهائية لا علم لأحد بها بعد ـ إن كانت هناك إجابات كهذه. أحببتُ فيه أن لمساهمات الأفراد أهميتها في عالم لا يني يتجدد. ولكن في البيت كانت قبضة والدي الجاهزة دوما تتكفل بطاعة أسرته لقواعد منزلية اعتباطية. لا تضحك عند تناول العشاء. عندما أسرق مدخراتك تخرس أنت. عندما أركل عجيزتك تذكَّر أن الركلة ستكون أقسى في المرة القادمة. عندما أنهال على أمك بالضرب لا تطلب الشرطة. وإذا جاءوا سأقنعهم بالعودة أدراجهم وأنتم تعلمون أن هذا ما سيفعلون. وما أن يغادروا سأقلع أذنك. وإذا هددت بإخطار الخدمات الاجتماعية سأبتر الأذن الأخرى".
وأنا أشاركها حبها لهذا ٱلمجتمع ٱلذى أعلم عنه من بعيد. وأرجو أن تنتشر عادة ٱلبحث عن إجابات ومشاركة ٱلأفراد فى تجدد كل شىء فى جميع ٱلبلاد.
وأرى فى قولهاۤ أنهاۤ أرادت مقارنة بين مفاهيم مجتمع عهدى فى ٱلولايات ٱلمتحدة ٱلأمريكية وبين مفاهيم عآئلة مهاجرة من تجمّع إسلامى لا عهدى. وقد أظهرت بمقارنتها ٱلفرق بين ٱلمجتمع ٱلعهدى ٱلَّذى يقوم على حقِّ ٱلفرد صغيرًا كان أم كبيرًا. وبين ٱلتجمّع ٱللا عهدى ٱلَّذى لا يدرك هذا ٱلحقِّ للفرد بما فى ذلك ٱلكبير "عندما أنهال على أمك بالضرب لا تطلب الشرطة".
وكان للسيدة منجى سؤالها ٱلكبير:
"لماذا كانت الأوتوقراطية خيار المدرسة الدينية الإسلامية في ريتشموند، التي فتحها مهاجرون في بلاد الحقوق والحريات هذه؟ فمن سن التاسعة حتى سن الرابعة عشرة أمضيتُ كل يوم سبت في تلك المدرسة. كانت الحصص تُنظَّم في الدور العلوي لجامع حديث البناء أشبه ببيت ضخم من بيوت الضواحي منه بالعمارة الشرق أوسطية. ولكن في الداخل كان الإسلام المتزمت هو السائد في كل ركن. كان الرجال والنساء يدخلون الجامع من بابين مختلفين ويتخذون أماكنهم على الجانب المحدَّد لكل جنس من جدار أصم يشطر المبنى إلى نصفين يُحجَر فيهما كلا الجنسين خلال التعبد. وشُيد في هذا الجدار باب يربط جانبي الرجال والنساء. كانت لهذا منافع عملية بعد أداء الشعائر عندما يطالب الرجال بمزيد من الطعام الذي يُعد في المطبخ الجماعي وذلك بمد صحونهم من خلال الباب ثم الطرق على الجدار والانتظار لحظات لا أكثر قبل أن تمتد ذراع امرأة مقدِّمة الصحون عامرة من جديد بالأكل. في الجامع لم يتعين ذات يوم على الرجال أن يروا النساء، ولم يتعين ذات يوم على النساء أن يكنَّ مرئيات. وإذا كان هذا لا يعني الحكم علينا بحياة بائسة فثمة شيء كبير لا افقهه.
كانت المدرسة الدينية الإسلامية في الدور العلوي بديكورها الكئيب من البُسط ذات اللون البني الكابي والمصابيح الفلورية المشعة والحواجز المتنقلة التي تفصل البنات عن البنين. وحيثما كان الصف يلتئم بتلاميذه وتلميذاته في فضاء تلك الغرفة الفسيح كان حاجز يُنقل معهم. الأسوأ من ذلك كان الحاجز بين العقل والروح. وفي دروس يوم السبت التي كنتُ أحضرها تعلمتُ أن مَنْ كان روحانيا لا يفكر وإذا فكر فهو ليس روحانيا. وقد اصطدمت هذه المعادلة التبسيطية بما في داخلي من فضول منعش كانت ريتشموند تداريه. سمُّوه صِدام الحضارات الذي كان يعتمل في نفسي".

هذا ٱلَّذى تشكو منه ٱلسيدة منجى فى سؤالها ٱلكبير كنت فى كتاب ٱلانقلاب قد حاولت ٱلإجابة عليه وجآء ٱلجواب بصورة موجزة. وكان ٱلجواب يتعلق بما فى نفس ٱلمهاجر من مفاهيم وموقف جآءت معه إلى بلاد ٱلهجرة. وقد قلت أنَّ ٱلهجرة لم تجعل ٱلمهاجر مؤمنًا بٱلأمس ولا ديمقراطيًّا ٱليوم.
وأزيد على جوابى بقولى هناۤ أنَّ ٱلأمّ ٱلهاوية للمهاجرtumble mother board هى منهاج ورثه من ولادته سوآء ءَكان مولده فى بلاده أم فى مكان هجرة والديه.
وإنَّ ٱلوارثين أمًّا هاوية يتجمَّعون فى ديار هجرتهم بفعل منهاج يعزلهم عن ٱلمجتمع ٱلعهدى. وهم فىۤ أعمالهم وأفعالهم يتجمّعون ليعتدوا عليه عند أول فرصة بقوّة منهاجهم ٱلَّذى يمنعهم من قبول ٱلعهد وٱلميثاق.
وفى كتاب ٱلسيدة منجى عرض لمثلٍ يبين موقف ٱلناس ٱلعهديين فتقول عنهم:
"الحل لم يكن الإقرار ببساطة بأن هناك عالما علمانيا وآخر غير علماني، وان لكل منهما طُرُقَه في التعبير عن كينونته. فعملا بهذا المنطق كان على كنيسة روز اوف شارون المعمدانية، اللا علمانية قطعا، أن تقمع ما لدي من أسئلة ولكن بدلا من ذلك كان فضولي مدعاة لإطرائي. وفي مدرسة برنت الثانوية، وهي مدرسة علمانية، كانت أسئلتي تصعِّد دم نائب مدير مدرستي إلى درجة الغليان ولكن أحدا لم يعمد إلى إسكاتي. ففي المكانين على السواء كانت السيادة لكرامة الفرد. تلك لم تكن هي الحال في المدرسة الدينية الإسلامية. فقد دخلتُ مبنى المدرسة وأنا ارتدي شادورا أبيض من البوليستر وغادرتُ بعد ساعات وشعري مكبوس وروحي مسحوقة كأن مانع الحمل الرجالي العملاق الذي غطيتُ به رأسي حصَّنني على الوجه المطلوب ضد أي نشاط فكري غير مأمون".
وفى قولها يظهر أنَّ كلّا من ٱلمعمدانيين وٱلعلمانيين قد قبل حقَّ ٱلسؤال من ٱلصَّبيَّة منجى. وبينت أنَّ كلاهما يعلمان أنَّ ٱلإنسان ٱلفرد لا يتقدم من دون سؤاله وسعيه ورآء ٱلجواب متَّبعًا ملَّة إبرٰهيم. وبسؤاله ينشأ فى نفسه منهاج يجعله يتبرّأ من موقف قومه كما تبرَّأ ٱلأب إبرٰهيم وبه يطيع ٱلأمر ٱلعربى:
"قل سيرواْ فى ٱلأرض فٱنظرواْ كيف بدأ ٱلخلقَ"20 ٱلعنكبوت.
وبسيره ونظره يجد جوابًا على سؤاله ويعلم بٱلسنَّة ٱلعامَّة فيؤمن ويتيقَّن من خالقها.

لقد بينت ٱلسيدة منجى كثيرًا من عيوب ٱلمسلمين من دون أن يكون عملها خروجًا عن مناهج ٱلاجتهاد ٱلسلفى ٱلتى يتوجّه أصحابهاۤ إلى ٱلتأثير بٱلناس ثم إلىۤ إحكام ٱلصيطرة عليهم ودفعهم إلى عيش فى تجمّع لا عهدى. وكان على ٱلسيدة منجىۤ أن تقول رأيًا فى ٱلدين لا يمتد أثره إلى جماعة. فٱلسؤال عن إمامة ٱلمرأة فى ٱلصَّلوٰة يقوم على فهم ٱلكهنوت ٱلمحرّف لكلمة صلوٰة. وهذا ٱلسؤال يظهر ٱنقلابًا على ٱلكهنوت ورآءه نسآء يطلبن مواقع فى صدارة ذلك ٱلكهنوت. وهو ما نرـٰه من نسآءٍ هُنَّ أكثر تشددًا من ٱلرجال فى مسألة ٱلسلطة ٱلمعرفية على ٱلناس.

كتاب ٱلسيدة منجى هو كتاب تكشف فيه مؤلفته ٱلغطآء عن وعآء ليس فيه إلا ٱلفساد وٱلجهل. ومع ذلك فإنَّ ٱلسيدة منجى تنظر إلى ٱلناس لترى فيهم مسلمين وغير مسلمين. وهى تريد أن تؤسس إسلامًا لا يكره ٱليهود. وهم فى ٱلقرءان ٱلسلفيون من أى لون بشرىّ.
وهى تقول أنها لم تفهم ٱلقرءان إلا عندما ٱهتدت إلى نسخة بٱلِّسان ٱلانكليزىّ. فلم تجد فيهاۤ أىّ تحريض ضد ٱليهود.
ونحن نرىۤ أنَّ ما وجدته ٱلسيدة منجى فى ٱلنسخة ٱلإنكليزية يدلّ أنَّ ٱلمؤلف لم يدرك أن ٱسم ٱليهود فى ٱلقرءان يتناقض مع ٱسم إسراءيل. وقد فهم من ٱلبلاغ ٱلعربىّ أنّه لا يحرض ضد ٱليهود. وهذا جعله لا يرى فى ٱلقرءان تحذيرًا للناس من ٱلسقوط فى موقف ٱليهودى وهو ٱلسلفى ٱلَّذى يلتفت إلى ٱلأبآء ينسخ قولهم ولا يسمح بمخالفة لهم.
لقد بينت فىۤ أعمال متعددة أنَّ ٱليهود فى ٱلقرءان مفهوم لموقفٍ وأنَّ بنى إسرٰءيل مفهوم لموقفٍ أخر. ولا يظهر من قول منجىۤ أنَّ صاحب ٱلنسخة ٱلإنكليزية قد أظهر فهمه لهذا ٱلفرق بين ٱلاسمين ٱلموقفين.
وهى تقول متابعة فى ٱلمسألة:
"بمرور الزمن تمخض هذا الرد بأن أقرأ القرآن عن مزيد من الأسئلة: لماذا عليّ أن أواصل أكذوبة قراءة القرآن إذا لم تكن هذه القراءة ذات معنى عملي ولا تلامس أي وتر عاطفي؟ لماذا يجب أن نرتاب ظنا بأن كل ترجمة انجليزية للقرآن "تُفسد" النص الأصلي؟ قصدي أنه إذا كان القرآن كتابا مفتوحا كما يقول لنا الصفائيون فلماذا لا تُترجَم تعاليمه بسهولة إلى ألف لسان آخر؟ وأخيرا، لماذا تلاحق الوصمة الذين لم يُفطموا منا على العربية رغم الحقيقة الماثلة في أن العرب يشكلون 13 في المائة فقط من مسلمي العالم؟ ويعني هذا أن 87 في المائة منا ليسوا عربا. "أعرف إسلامك"، كما يقولون بكل خفة. إسلام مَنْ؟ أهذه ديانة أم باطنية؟"
وفى هذه ٱلأسئلة تبين أنها لم تدرك مسألة ٱلاحتمال ٱلتى وردت على لسان عيسى لتلاميذه:
"إنَّ لي أُمورًا كثيرةً أيضًا لأقول لكُم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا ٱلأَن وأمّا متى جاء ذاك روح ٱلحقِّ فهو يرشدكم إلى جميع ٱلحقِّ" الإصحاح 15 إنجيل يوحنا.
فهو يبين أنَّ لكل ٱمرء ٱستطاعة ٱحتمال. وهذه ٱلاستطاعة يحددها لسان ٱلمرء. وهو مثل ٱلوندوز ٱلمنزل فىۤ أوعية ٱلكومبيوتر. ٱلوندوز ٱلأدنى طورا لا يدرك مناهج ٱلوندوز ٱلأعلى طورا. وٱلذى يتلو ٱلقرءان بلسان أدنى من لسانه ٱلعربى لن يدرك ٱلكثير من قوله ومنهاجه.
وهى قد جعلها كهنوت مجنون تتوجَّه إلى مفسِّرٍ للقرءان بلسان إنكليزى لاۤ أكثر. وتفسير ٱلقرءان بأىِّ لسان لن يكون أكثر ممَّاۤ أدركه ٱلمفسِّر بوندوزه.
وٱلسيدة منجى تظهر بحجتهاۤ أنَّ مفسِّرًا بلسان إنكليزىّ قد قدَّم لها فهمًا للقرءان أوصلهاۤ إلى ما تبحث عنه فىۤ إسلامها ٱلرافض. وهى وإن تلت ٱلقرءان بلسان شامى أو بلسان قومها ٱلباكستانيين فلن يكون إدراكها بتلاوتهاۤ أكثر من إدراك متشابه يتبع طور ٱلوندوز ٱلذى تستعمله.
وهى بتلاوتها لنسخة إدراكية بلسان إنكليزى لم تخرج عن إدراك سلفى متشابه. وبه تطلب سلطة فى مواقع ٱلكهنوت وأولها سلطة إمامة ٱلمصلين فى ٱلصَّلوٰة. وهو ما فعلته ٱلدكتورة آمنة ودود ٱلتى ٱتخذت موقف ٱلإمام فى مصلين وكسرت ٱحتكار ٱلرجال ٱلسلفيين لهذا ٱلفعل ٱلتحريفى ٱلكبير ٱلَّذى يضلُّ ٱلناس عن مفهوم ٱلصَّلوٰة.
وتقول ٱلسيدة منجى عن تلك ٱلنسخة ٱلإنكليزية ٱلِّسان:
"بعد عام على شراء نسختي الانجليزية من القرآن وصلنا أنا والسيد خاكي إلى طريق مسدود. إذ ما من شيء قرأته حتى ذلك الوقت أقنعني بوجود مؤامرة يهودية. أعترف بأن عاما فترة بالكاد تكفي لهضم القرآن، وفي سن الرابعة عشرة لا يزال ثمة الكثير من النضج العقلي الذي يتعين بلوغه. ولم يكن بوسعي تماما صرف محاضرات السيد خاكي في معاداة السامية. فمن أنا حتى أحكم بأن الهراء ينز من كل مساماته قبل أن تتوافر عندي كل الأدلة؟ لذا تحديتَه أن يقدم برهانا على المؤامرة اليهودية. ولكن ما قدمه كان إنذارا نهائيا: أما أن اصدِّق أو أُغادر المكان، وإذا غادرتُ فهي مغادرة بلا رجعة.
أحقا ذلك؟ أهذه هي النهاية؟
هذه هي النهاية".
نهضتُ والدم يغلي في عروقي والعرق يتصبب من رقبتي تحت الشادور الذي يسبب الحكة لخشونة قماشته المصنوعة من مادة البولستر. وحين اجتزتُ الخط الفاصل عند الحاجز كان بمقدوري أن أكشف عن رأسي ليراه جميع الصبيان ولكني لم أرد المجازفة بالتعرض إلى مهانة الطرد على يد السيد خاكي الذي كان حتى أكثر مني تأثرا بالفضيحة. كل ما استطعتُ التفكير في عمله هو فتح باب المدرسة الدينية الحديد، الثقيل، والصراخ، "بحق اليسوع المسيح!". مغادرة مشهودة على ما كنتُ آمل. ولم أدرك كم كانت مشهودة إلا لاحقا. فقد كان المسيح يهوديا!".
لقد كان بينها وبين معلمها ٱلسيد خاكى كما تسميه جدل حول ٱليهود. وقد توصلت إلى علمٍ كما تظنُّ أنّ ٱلمسيح كان يهوديًّا. وهى تبين بظنهاۤ أن تلاوتها للنسخة ٱلإنكليزية جعلتها لا تفرّق بين ٱسم يهودى وٱسم إسرٰۤءيل.
لقد كان ٱلمسيح من بنىۤ إسرٰۤءيل حقًّا وكان رسولا لهم كما بيَّن ٱلقرءان:
"وإذ قال عِيسَى ٱبنُ مَريَمَ يَٰبنِىۤ إسرٰۤءِيلَ إنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إليكُم" 6 ٱلصَّف.
وهو لم يكن يهوديًّأ. ولو كان يهوديًّا لما كان رسولا ولا نبيًّا. لأنّ ٱليهودىّ ٱسم لكلّ من قسى قلبه ويلتفت إلى ٱلأبآء ولا يقبل بجديد. وهو حال شعوب ٱلمسلمين فى جميع ٱلأرض ٱلذين توجّه ٱلسيدة منجى حديثها فى ٱلكتاب عنهم. وأكثرهم ينطبق عليهم تعريف ٱلقرءان لاسم يهود.
فهل هذا ما رأته منجى فى ٱلمسيح ؟

لقد توجَّهت ٱلسيدة منجىۤ إلى ٱلناس فى كتابها "خلل فى ٱلإسلام" وكأنها تريد هدايتهم إلى حقٍّ وجدته بعون نسخة إنكليزية للقرءان وضعها ناسخها بماۤ أدركه. وكان عليها أن تعلم أنَّ ٱلبلاغ ٱلعربى يبين أنَّ ٱلهداية يظهرها فعل ٱلفرد فى ٱكتسابه:
"إنَّكَ لا تَهدِى مَن أَحبَبتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهدِى مَن يَشَآءُ" 56 ٱلقصص.
وكان عليها مواصلة ٱلعمل لهداية نفسها وعرض لماۤ أدركته وفهمته من دون أن تطالب بإمامة أو أن تطالب بإصلاح فى حزب لا يقبل إلا بمفاهيم ٱلسلطة وٱلهيمنة على ٱلناس.
وما جآء فى بيان ٱللَّه ٱلعربى يبين لنا جميعًا أنَّ ٱلتذكير هو للفرد ٱلَّذى يعيش فى جماعة بشرية تدرك أنها جماعة من أفراد. وكلّ منهم يعلم حدوده ويعلم حدود كلِّ فرد منها. وبعلمه يعمل مع بقية ٱلأفراد على صناعة عهد وميثاق لعيش ٱلجماعة فى مجتمع مدينىّ.
فٱلبلاغ ٱلعربى يخاطب ٱلفرد:
"ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويأتِينَا فَردًا" 80 مريم.
"وكُلُّهُم ءَاتِيهِ يَومَ ٱلقِيٰمَةِ فردًا" 95 مريم.
"ولقد جِئتُُمونا فُرَٰدَىٰ كَما خلقنٰكم أوَّل مرَّة" 94 ٱلأنعام.
"كُلُّ نفسٍ بِما كَسَبَت رهينة" 38 ٱلمدَّثر.
"ٱليومَ تُجزَىٰ كُلُّ نفسٍ بِما كَسَبَت" 17 غافر.
"إنَّاۤ أنزلنا عليك ٱلكتٰبَ للناسِ بٱلحقِّ فَمَن ٱهتدىٰ فلِنَفسِهِ ومَن ضَلَّ فإنَّما يضُلُّ عليها ومآ أنت عليهِم بوكيلٍ" 41 ٱلزُّمر.
"ومَن تزكَّىٰ فإنَّما يتزكَّىٰ لِنَفسِهِ وإلى ٱللَّهِ ٱلمصيرُ" 18 فاطر.
"قُل إن ضَلَلتُ فإنَّمآ أضِلُّ علىٰ نَفسِى وإن ٱهتَديتُ فَبِما يوحِىۤ إلىَّ ربِّىۤ إنَّهُ سميع قَرِيب" 50 سبإ.
"ولو شِئنا لأَتَينا كُلُّ نَفسٍ هُدَـٰها ولٰكن حَقَّ ٱلقولُ مِنِّى لأَملأَنَّ جّهّنَّمَ مِنَ ٱلجِنَّةِ وٱلنَّاسِ أجمَعينَ" 13 ٱلسَّجدة.
وبهذه ٱلبلاغات بيان لمن يريد ٱلتفكير بمسآئل ٱلدين. وما عليه إلاۤ أن يقول للناس ماذا تبين له من دون أن يدفع بقوله ليكون هداية لهم. وهو ببيانه للناس عمَّا يستنبطه من علم يدفع عن نفسه لعنة ٱللَّه ولعنة ٱللاعنين:
"إنَّ ٱلَّذين يَكتُمُونَ مَآ أَنزلنا مِنَ ٱلبينٰتِ وٱلهُدَىٰ مِن بعدِ ما بيَّنٰهُ للنَّاسِ فِى ٱلكِتَٰبِ أُوْلٰۤئكَ يَلعَنُهُم ٱللَّهُ ويَلعَنُهُم ٱللَّٰعنُونَ" 159 ٱلبقرة.
وعلى ٱلرغم من أنَّ ٱلسيدة منجى قد أدركت ٱلمسألة ٱلفردية فى ٱلدين وهى تقول:
"كلما شعرتُ بأن الجامع أقرب إلى المدرسة الدينية تناقص ترددي عليه. وبدأتُ في تفكيك مركزية ديانتي منميَّة علاقة شخصية مع الله عوضا عن الافتراض بوجود واسطة بيني وبينه من خلال الجماعة".
وهى فى هذا ٱلقول تفصح عن نفس ٱهتدت إلى ٱلسبيل. سبيل ٱلفرد إلى كلِّ أمر. سوآء ءكان علم فى شىء من أشيآء ٱلوجود أم كان إيمان بٱللَّه وٱليوم ٱلأخر.
وقد وصفت سعيها لمعرفة ٱلإسلام منفردة مع قدرتها على ٱلنظر وٱلبحث بقولها:
"وكان علي أن اكتشف ذلك لنفسي مستعيضة عن الجامع وتقواه المبَرمَجة ببحثي أنا عن شخصية الإسلام".
وهى تبين بقولهاۤ أنَّ ديار هجرتها هو ٱلَّذى ساعدها فى ٱختيار إسلامها:
"النبأ الطيب هو معرفتي بأني عشتُ في رقعة من العالم أتاحت لي إمكانية الاستكشاف. وبفضل الحريات المتوافرة لي في الغرب ـ أن أفكر وأبحث وأتكلم وأتبادل وأناقش وأتحدى وأكون موضع تحدٍِ، وأن أعيد التفكير ـ كنتُ مهيأة للحكم على ديني في ضوءٍ ما كنتُ لأتصوره في العالم الإسلامي المتخلف مجَسدا في المدرسة الدينية. لا ضرورة للاختيار بين الغرب والإسلام بل على العكس، فان الغرب جعل من الممكن لي أن اختار الإسلام، مهما كان هذا الاختيار أوليا. وكان بيد الإسلام أن يحتفظ بي في كنفه".
إلاۤ أنَّ ما ٱكتشفته من ٱلتفسير ٱلإنكليزى للقرءان تركها كغيرها تخلط بين ٱليهود وبنى إسرٰۤءيل وهو ما يبينه قولها:
"كم منا يعرف إلى أي حد كان الإسلام "هدية من اليهود". فان وحدة خلق الله وعدالة الله المتأصلة، والغامضة في أكثر الأحيان، وكون حياتنا الدنيا وُجدت لغاية، ولا نهائية الآخرة ـ هذه وغيرها من المبادئ الكبرى للديانة التوحيدية جاءت إلى المسلمين من اليهودية. وقد دوخني هذا الاكتشاف لكونه يفيد بأن لا داعي للمسلمين أن يكونوا غارقين في معاداة السامية، بل أن لدينا سببا للامتنان إلى اليهود بدلا من كرههم.
كما أني لم أُقدِّر، قبل أن اثقف نفسي، أن المسلمين يعبدون الإله نفسه تماما الذي يعبده اليهود والمسيحيون. والقرآن يؤكد هذه الحقيقة. ولكن كان عليّ، صدقا، أن أقرأ كتابا حديث العهد من تأليف المفكرة الدينية البريطانية كارين ارمسترونغKaren Armstrong قبل أن تخترق هذه الحقيقة ذهني الذي قولبَتْه المدرسة الدينية (ماذا أقول لكم؟ فان التحرر من البَرمَجة أمر متعدد الإشرافات). تؤكد ارمسترونغ أن النبي محمد لم يدَّع الإتيان بإله جديد للعالم أجمع بل أن رسالته الشخصية كانت إدخال العرب إلى أسرة إبراهيم "الرشيدة"، وإبراهيم كان أول نبي نزل عليه الوحي بأن لا إله إلا الله. وأنا خلال سنوات نموي ما سمعتُ قط اسم إبراهيم يُذكر في درس من دروس التاريخ. وتلك ثغرة صارخة إذا ما علمنا أن ذريته من بعده أنشأت الأمة اليهودية. وإذ كان اليهود أول المؤمنين بإله واحد فهم الذين مهدوا الطريق لظهور المسيحيين ثم المسلمين. وهكذا فان المسلمين، كما ترون، لم يخترعوا الواحد الأحد بل أعادوا تسميته ليكون الله، الكلمة العربية للإله ـ إله اليهود والمسيحيين".
وهذا ٱلَّذى تقوله ٱلسيدة منجى عن ٱليهود لا ينطبق مع بلاغ ٱلقرءان ٱلعربى ٱلِّسان. فٱليهود فى بلاغ ٱلقرءان هم ٱلسلفيون ٱلَّذين يلتفتون إلى خلف وقد قست قلوبهم فهى كٱلحجارة أو أشدُّ قسوة. وليسوۤا أتباعًا لـ موسى كما تظنّ.
وإنَّ مناهج من يتسمُّون بٱسم ٱلإسلام ٱليوم (وقد رفضت ٱلسيدة منجىۤ أن تكون منهم) هم ٱليهود. ولا علاقة لمفهوم بنىۤ إسرٰۤءيل بٱليهود ولا لِـ إبرٰهيم وغيره من ٱلرسل وٱلأنبيآء.
لقد أرادت بيان رأيها فى ٱلمسألة. وأنا على ٱلرغم من شدِّ يدى على يدهاۤ. إلاۤ أننى لاۤ أشدُّ على يدها فى مسألة تجعلها تطلب ٱستبدال منهاج يشرِّع للناس بأخر. فٱلناس لهم ٱلخيرة من ربِّهم ولكلٍّ منهم هدايته ٱلتى يريد.
وهى كانت قد بينت إدراكها لمسألة مفهوم ٱلكومونالية فى موقف ٱلمسلمين وٱختلافهم عن فهم ٱلمسيحيين له وموقفهم منه. وهى تقول:
"ما كنتُ أعرفه أن المؤمنين في الديانات التي خضعت تاريخيا للإصلاح لا يتصرفون قطعا بعقلية القطيع كما يتصرف المسلمون. فالقادة المسيحيون يدركون التنوع الفكري في صفوفهم".
وهو قول حقّ فأكثر ٱلمسلمين ليسوۤا أفرادًا كما هم بقية ٱلناس من مسيحيين وغيرهم. وسلوكهم ٱلجمعى هو سلوك جنىّ (غريزى) يسوقه متصدر مجنون.






مضموم ٱلكتاب

مدخل إلى مفهوم 5
أركان ٱلدين 23
ٱلأمُّ وٱلأمّة 47
ٱلزكوٰة 73
ٱلهداية وٱلعلم 79
قول فى كتاب 89


















للمؤلف

1- ٱلدين خرافة أم علم دار ٱلمنارة – ٱللاذقية 1999
2- ٱلاستنساخ دار ٱلمنارة – ٱللاذقية 2000
3- ٱلكلمة دار ٱلمنارة – ٱللاذقية 2000
4- ٱلحكم ٱلرَّسولى دار ٱلحوار – ٱللاذقية 2000
5- منهاج ٱلعلوم/ ٱلكتاب ٱلأول/ ٱلدار ٱلوطنية ٱلجديدة - دمشق 2002
6- منهاج ٱلعلوم/ ٱلكتاب ٱلثانى/ ٱلدار ٱلوطنية ٱلجديدة - دمشق 2002
7- منهاج ٱلعلوم/ ٱلكتاب ٱلثالث "أنبآء ٱلقرءان تستقرّ فى محراب ٱلفيزيآء" دار ٱلمنارة/دار ٱلفرات - بيروت 2005
8- ٱلصحيفة دار ٱلمنارة/دار ٱلفرات - بيروت 2005
9- ما هو سبيل ٱللّه لم يطبع
10- ٱلانقلاب لم يطبع

جميع ٱلحقوق محفوظة للمؤلف
ٱلطبعة ٱلأولى /2005






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أجل عراق على سبيل المدينة المنورة
- شرع ٱللَّه ومسئولية الإنسان
- مسودة ٱلدستور ٱلعراقى
- التطرف
- كيف نعلم أنَّ اللَّه يعلم ؟
- الانقلاب
- إلى شيوخ شيوخ الأزهر وشيوخ الوهابية وشيوخ قم وجميع شيوخ السل ...
- هل يقبل المسلمون بدستور دولة المدينة المنورة
- دستور دولة المدينة المنورة


المزيد.....




- التعاون الإسلامي تدين الانتهاكات الإسرائيلية لحرمة المسجد ال ...
- قاضي قضاة فلسطين يدعو علماء الأمة الإسلامية إلى التحرك للدفا ...
- أمير الكويت يدين التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى
- رئيس الوزراء يهنئ شيخ الأزهر بمناسبة عيد الفطر المبارك
- مراسلة العالم: استشهاد قياديين في حركة الجهاد الاسلامي في قط ...
- قائد الثورة الاسلامية: سلام على أحرار العرب جميعا، سلام على ...
- مراسلة العالم: استشهاد قياديين اثنين في حركة الجهاد الاسلامي ...
- مصر.. مصلون يهربون من المسجد أثناء صلاة التراويح (صورة)
- رابطة العالم الإسلامي تدين بشدة الاعتداءات على حرمة المسجد ا ...
- حركة التوحيد تستنكر الصمت العربي تجاه الاعتداءات بحق القدس و ...


المزيد.....

- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سمير إبراهيم خليل حسن - الديمقراطية دين المؤمنين