أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الحسين شعبان - الشباب وفن الانتفاضة: خريف الآيديولوجيا وربيع السياسة!















المزيد.....



الشباب وفن الانتفاضة: خريف الآيديولوجيا وربيع السياسة!


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 3427 - 2011 / 7 / 15 - 18:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة
مثل الحياة والحب قد تبدو الانتفاضة عصيّة على الفهم لأول وهلة، فهي لا تأتي دفعة واحدة، كما أنها لا تحضر كاملة ونهائية، ولكن مظاهرها تتضّح وتتكشّف مع مرور الأيام وبالتدريج، ولعل الزمن كفيل بكشف أسرارها وتسليط الضوء على خفاياها وخباياها، لاسيما في مراحلها المختلفة، بما فيها من عوامل قوة ونقاط ضعف، بالتقدّم والتراجع، بالنجاح والإخفاق، خصوصاً بتحديد مصيرها، وبالاقتراب من تحقيق أهدافها.
الانتفاضة سواءً كانت منظّمة أو عفوية، سياسة بإمتياز وهي تكثيف لكل ما سبقها من سياسات واحتجاجات ونضالات، الى أن وصلت ذروتها من خلال تراكم كمّي طويل الأمد وتصاعد بالفعل الثوري، حتى وإن خبا أو إختفى عن الأنظار، لكن قانون الطبيعة كما هو قانون التاريخ كانا يفعلان فعلهما، حيث تؤدي التراكمات الكميّة الى تغييرات نوعية في لحظة معينة وعندها يحدث الإنفجار. وإذا كانت الانتفاضة المنظّمة أي المخطط لها أو العفوية بعد اندلاعها، تتطلب كفالة الإعداد السليم وبرنامجاً طويل الأمد مع برامج فرعية أولية ومؤقتة، وتاكتيكات مناسبة وغير تقليدية، فلا بدّ أيضاً من توفّر ظروف موضوعية وذاتية للانطلاق أو بيئة حاضنة بعد الانطلاق، ومن ثم الإمساك بخيطها الصاعد حتى تحقيق أهدافها، سواءً تحقيق مطالب محددة أو إصلاح النظام السياسي أو استبداله أو تغييره بنقيضه.

ـــــــــــــ
أنظر: شعبان ، عبد الحسين – بحث منشور في مجلة المستقبل العربي العدد 385، آذار (مارس) 2011
اللحظة الثورية : التفاؤل المُفرط والتشاؤم المُحبط
لعل الأمر يتطلّب قراءة الوضع السياسي على نحو صحيح دون مبالغات بسبب التفاؤل المُفرط أو التشاؤم المُحبط، لا بتضخيم الذاتي على حساب الموضوعي، سواءً بالرهان على المغامرات وصولاً الى الانتحار أحياناً، ولا بتقزيمه بحيث يقود الى العجز والقنوط، وتضييع الفرص بانتظار أخرى، وكثيراً ما ضاعت انتفاضات بسبب حرق المراحل أو عدم إقتناص اللحظة الثورية على نحو صحيح.
ومن أصعب الأمور هو إتخاذ القرار ببدء الانتفاضة لأن ذلك يتطلب حساب توازن القوى واختيار التوقيت المناسب والتدرّج في رفع الشعارات، وكل ما يتطلب الشروع بتهيئة مستلزمات انطلاقتها وبالتالي الحفاظ على جذوتها حتى تحقيق أهدافها والوصول الى النتائج المطلوبة، خصوصاً ما حددته من أهداف، ولعل ذلك ما يمكن أن نطلق عليه " علم التنبؤ الثوري"، وهو يحتاج الى معرفة بالظروف والمحيط والقوى المتصارعة ومعسكر الحلفاء وقيادة لتدير خطط العمل والتاكتيكات، ومن ثم كيفية التدرّج في طرح المطالب بعد تحديد الأهداف، والتقدّم بجسّ نبض العدو أو الخصم، وزج الجمهور لإقتحام معسكره وصولاً الى تحقيق الهدف بالاصلاح أو التغيير حسب أهداف الانتفاضة ذاتها، وهذا الأمر يعتمد على مدى تصدّع معسكر الخصم أو العدو، وانهيار بعض أركانه، أو انتقال بعضها الى المعسكر الآخر أو تحييد بعض قطاعاته أو تمردّها أو حتى تركها مواقع العمل مع النظام. وإذا كان قرار البدء بالانتفاضة قد يؤدي الى مغامرة أو انتحار، لاسيما إنْ لم يكن مدروساً، فإن أخطر ما يحصل للانتفاضة بعد انطلاقتها هو التردد وعدم الحسم، ولا يعني ذلك سوى موتها وتعريض مصيرها للدمار.
والانتفاضة المنظّمة أو العفوية بعد تطوّرها ليست قراراً إرادوياً، أو خارطة جغرافية أو ديموغرافية كما يتصوّر البعض بحيث يتم تحديد أبعادها ومسافاتها وتضاريسها سلفاً، ووضع محطّات لاستمرارها وتحديد مسارها، بقدر ما تعكس الواقع وما يزخر به التغيير من مستجدات وتطوّرات وتفاصيل واحتمالات، يمكن التكيّف معها لوضع الخطط والبرامج المناسبة للمواجهة، وتجاوز المعوّقات التي تعترض طريقها، والتناقضات التي تستوجب إيجاد حلول مناسبة لها، للاستمرار بالانتفاضة وصولاً للتغيير المنشود. وفي ذلك مقاربة لمفهوم الانتفاضة بمعناها الكلاسيكي، خصوصاً وجود قيادات معلومة لها ومخطِطة لإندلاعها.
لعل بعضنا استعاد صورة الانتفاضة كما تم تحديدها في الأدب الماركسي، خصوصاً الصورة السائدة والنموذجية التي كانت دائمة الالتصاق بثورة اكتوبر الاشتراكية العام 1917 وقيادة لينين، وهي الصورة ذاتها التي استعدناها في انتفاضة أواخر العام 1987 وأوائل العام 1988 الفلسطينية، التي عُرفت باسم انتفاضة الحجارة، لدرجة أن بعضنا استعمل تلك التعاليم باعتبارها " مدوّنة" قانونية أقرب الى مسطرة يقيس بها بالأفتار، مدى انطباقها أو عدم انطباقها على الانتفاضة الأكتوبرية الشهيرة وذلك ضمن وصفة نظرية أقرب الى الوصفات العلاجية.
وكنت قد واجهت ذلك عند إلقائي محاضرة بدعوة من السفير الفلسطيني سميح عبد الفتاح، خلال زيارتي الى براغ مطلع العام 1989، حول "مفهوم الانتفاضة"، وكانت المحاضرة بعنوان " انتفاضة الحجارة بين السياسي والآيديولوجي". وقبل ذلك عند حديثنا عن الثورات التاريخية الكبرى، عدنا الى الثورة الفرنسية البرجوازية، والى انتفاضة باريس العمّالية العام 1871 (الكومونة الحمراء الشهيرة) وتوقفنا كثيراً عند ثورة اكتوبر، ووصلنا الى الثورة الايرانية الدينية الاسلامية، العام 1979، تلك الثورات التي تركت تأثيراتها على النطاق العالمي واستمرت تفعل فعلها في العقول والنفوس. ومثل هذا الأمر يجري استعادته أو القياس عليه اليوم بخصوص الانتفاضات التي اندلعت في العديد من البلدان العربية في ظروف مختلفة وتطورات هائلة، لاسيما في عصر العولمة والثورة العلمية- التقنية وما أحدثته من تأثيرات كبرى في مجال الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الاعلام والمعلومات والطفرة الرقمية " الديجيتل" وغيرها، خصوصاً في العقدين الماضيين.
الخصوصية وقانون التطور التاريخي
وإذا كان الهدف هو البحث عن القاسم المشترك والقانون الجامع لتلك الانتفاضات، فإن لكل انتفاضة خصائصها وشروطها التي لا تشبه الانتفاضات الأخرى، زمانياً ومكانياً، ناهيكم عن البيئة التي تنطلق منها والسياق التاريخي لها. وقد عاش جيلي وربما الذي بعده انتفاضات أوروبا الشرقية في الثمانينيات، لاسيما أواخرها، وحتى انهيار جدار برلين العام 1989، ومن ثم انحلال الاتحاد السوفيتي في العام 1991 وانتفاضات أمريكا اللاتينية التي شهدت تلاحماً شعبياً ويسارياً مع دور خاص للكنيسة، من خلال لاهوت التحرير، وانتقال الثورة من "الكفاح المسلح الى صندوق الاقتراع"، وهو الأمر الذي يمكن اليوم التوقف عنده بقراءة جديدة للتغييرات الراهنة التي بدأت انتصاراتها الأولى في تونس ومصر، واستقطبت شعوباً وشباباً وبقايا أحزاب ومؤسسات مجتمع مدني في الجزائر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا وعُمان والعراق والاردن والمغرب وغيرها.
شخصياً أجد في مثل هذه القراءة الجديدة ضرورية جداً، خصوصاً ببعدها السياسي والاجتماعي والثقافي، وليس بهويتها الآيديولوجية، ولعلها تحتاج الى وقفة جادة لدراسة تطوّر فن الانتفاضة من جهة، وثانيا لدور الشباب المتميّز فيها من جهة ثانية، وثالثاً دراسة تأثير العولمة لا بوجهها المتوحش واللا إنساني حسب، بل بوجهها الإيجابي، بما فيها عولمة الحقوق وعولمة الثقافة وعولمة وسائل الاعلام والتكنولوجيا والعلوم وغيرها.
وإذا كان الشباب هو العمود الفقري في أية حركة أو انتفاضة أو أي فعل تغييري جاد، فهذه المرّة أراد هؤلاء الشباب بصدورهم العارية وعقولهم أن يكونوا وقود الثورة وقادتها، سداها ولحمتها، دماغها وسواعدها في الآن ذاته، فلم يفتش هؤلاء الشباب بين السطور ومن خلال النصوص الآيديولوجية ليضعوا خطط الانتفاضة على الورق ويدرسونها ويشبعونها بحثاً وتحليلاً، بل نظر الى المجتمع الذي يعيش فيه وتفحّص ظروف حياته واحتياجاته الانسانية التي يواجهها كل يوم دون أن يكترث كثيراً بالآيديولوجيات والعقائد السياسية، وعلى الرغم من تفاعله مع السياسة، فإن منظوره لها يختلف عن جيل الانتماءات الحزبية والسرية الصارمة، وإدعاءات احتكار الحقيقة ولغة الإقصاء والتهميش والتخوين، كما عبّر عنه د. عمر الشوبكي، فشباب اليوم أكثر انفتاحاً ومرونة، وأقدر على تقبّل الآخر. وبقدر ما حاولت الأنظمة تطويعه لإبعاده عن السياسة أو لجعل الأخيرة تمرّ من قناة ضيقة، فقد كانت انتفاضاته تعبيراً عن ردّ اعتبار للسياسة، كعلم وقيم ومبادئ، مثلما هي خطط وبرامج وافعال وأعمال.
لم يكن هناك سجن الباستيل ليتم الهجوم عليه تنفيذاً لساعة الصفر، مثلما لم يكن هناك الطراد أورورا موجوداً، وكذلك لا وجود للقصر الشتوي الذي يتطلب اقتحامه لكي تتحقق كلمة السر في الانتفاضة الاكتوبرية ضد الحكومة الكيرنسكية التي تحتاج الى تطوير وتثوير كما حصل في الثورة الروسية العام 1917. أما جهاز السافاك فلم يكن حاضراً لحظة إندلاع الانتفاضات. كانت صورة العالم العربي تبدو للناظر من بعيد: أنظمة مستقرّة وبدت عملاقة، وشعوباً "مستكينة" و"راضية" سواءً لبلدان اليُسر أو لبلدان العسر، وإذا كان ثمت هوامش سياسية ومدنية في بعضها فثمت بعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بلدان أخرى، حتى أن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك سليل أمّة لها الفضل في إصدار أول إعلان لحقوق الإنسان في العالم لم يتورّع من وصف تونس على قدر من مجافاة الحقيقة لنظام بوليسي بقوله: بأنها تؤمن الحقوق الإنسانية الأساسية، المتعلقة بالغذاء والسكن والعمل، وذلك في ردّه على حقوقيين تونسيين.
الحيرة والتردد والتدخل الخارجي
فعل الرئيس الفرنسي الحالي ساركوزي مثل الرئيس شيراك حين ظلّ متردداً في الموقف من انتفاضة الياسمين بسبب المصالح، حيث كان صوته باهتاً في مطالبة بن علي وقف المجازر وإنْ حاول الاستدارة سريعاً بعد الانتفاضة الليبية، التي ردّ عليها نظام القذافي بمطالبته لاسترداد المبالغ التي غطّت حملته الانتخابية العام 2007، كما بقيت واشنطن حائرة بين دعم نظام حسني مبارك المستقر وبين تأييد حركة الانتفاضة "الغامضة" و"المقلقة" لها بسبب من خشيتها غير المبرّرة بصعود الأخوان المسلمين، ومن الموقف من إسرائيل واتفاقيات كامب ديفيد، وتضاربت تصريحات العديد ممن يطلقون على أنفسهم قادة العالم الحر بشأن التغييرات، مثلما فقد الكثير من القوى توازنه لانهيار أنظمة دكتاتورية دموية، بحجة الخوف من "التدخل الخارجي"، وهي وإنْ كانت خشية في مكانها باستعادة تجربة العراق ومأساته، لكن ذلك لا يعني السكوت عن عمليات القتل والإبادة، وتبرير الدفاع عن أنظمة متسلطة.
وإذا كانت انتفاضات الربيع العربي قد أخذت الكثير من الساسة وصنّاع القرار وقادة الرأي على حين غرّة فإنها في الوقت نفسه جعلت الكثير من البلدان الأوروبية والعربية حائرة ومترددة، قبل أن تحسم أمرها لتنتقل من الترقب السلبي الى الترحيب، فقد كان شاغل الغرب مسألتين أساسيتين الأولى سنوات ما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) التي شجعت على التغيير ولم يعد بالامكان التراجع أو اتخاذ موقف سلبي إزاءه، خصوصاً وقدبدأت بيئة دولية تتشكل داعمة للتغيير والثاني مصالحه الستراتيجية والحيوية في المنطقة التي يريد الحفاظ عليها وعدم الذهاب الى "المجهول" الأمر الذي دفعه الى التردد في البداية، سواءً بدعواته الى ضبط النفس أو عدم الاستخدام المفرط للقوة، لكنه عاد ورحب بالتغيير ولمّح الى الالتزام بدعمه. ولكن موقف الاتحاد الاوروبي ومؤسساته كان أكثر وضوحاً ، خصوصاً مواقف البرلمان الأوروبي.
من جهة أخرى فإن الآية تنقلب لدى بعض السياسيين ممن يقدمون طبق الآيديولوجيا على الواقع السياسي، خصوصاً وأن بعضهم لا يزال يعيش في الماضي وتحت تأثير الشعارات المخدّرة وبذات اللغة الخشبية المستهلكة- حين يضع مسألة المطالبة بحماية السكان المدنيين من عمليات القتل ومنع الأنظمة من استباحة مواطنيها، في ميزان واحد مع التدخل الخارجي والسيادة الوطنية، وكأن المطالبة بوضع حد للانتهاكات وحماية المدنيين، هي المعادل للتدخل الأجنبي، وهي حجة طالما تشبثت بها الأنظمة لإطلاق يدها لتصفية معارضيها، وإنزال عقوبات جماعية بحق السكان المدنيين بمسوّغ حقها في السيادة.
وإذا كان التدخل الأجنبي، لاسيما العسكري ذميماً وغير مقبول، فإن حماية السكان المدنيين هي هدف انساني يتطلب استخدام جميع الوسائل المشروعة لتأمينه، وأولها الضغط على الحكومات للاستجابة له والالتزام بالمعايير الدولية والحرص على حمايته، ولا شك أن أي كيان ووحدة وسيادة للأوطان ستكون قوية ومنيعة باحترام حقوق الانسان دون إحداث تصدّع في كياناتها ووحدتها وسيادتها ودون تدخل أجنبي ومحاولات فرض الهيمنة والاستتباع.
وهنا لا بدّ من التفريق بين التدخل لأغراض إنسانية Humanitarian Interference الذي أصبح في رأي الكثير من فقهاء القانون الدولي أمراً مشروعاً، بل ومطلوباً لمنع حكومات من إبادة السكان المدنيين، سواءً كانت تحت الاحتلال أو تنفرد بشعوبها بالضد من القواعد الدولية السامية لاحترام الشرعة الدولية لحقوق الانسان. وليس المقصود بالتدخل الانساني بالطبع التدخل العسكري وحتى لو اضطّر المجتمع الدولي لسلوك هذا السبيل، فينبغي أن يكون محكوماً ومنسجماً مع قواعد القانون الدولي المعاصر والقانون الدولي الانساني والقانون الدولي لحقوق الانسان. كما لا ينبغي استخدامه بشكل انتقائي أو توظيفه ضمن ازدواجية المعايير لخدمة مصالح القوى العظمى، لاسيما باستهداف بعض الدول الممانعة.
لقد نسي المترددون والحائرون والمفاجأون والناقمون على التغيير الذي يرفعونه هنا ويرفضونه هناك أو العكس بحجة آيديولوجية أو بغيرها، إنما حصل هو استعادة للكرامة المهدورة لشعوب على أيدي حكامها، والكرامة والحرية ومكافحة الفساد ورفض الاستبداد، كانت هي المحرّك الأساس وراء انتفاضات الشباب المحروم والمكلوم والمستباح والمستلب، وليس السبب الأساس هو ثمت أصابع أجنبية أو اندساسات خارجية، وحتى لو وجدت مثل هذه، وهو أمر محتمل وواقع أيضاً، فلا يمكن الاستخفاف بالشعوب ومصائرها بمثل تلك الحجج المزعومة.
ولعل ملاحظة مهمة وتشكّل قاسماً مشتركاً لجميع الحكام كانت قد أعقبت التحركات الشعبية ونعني بها : العزف على التدخل الخارجي وعمليات التخريب والاندساس، ابتداءً من تونس مروراً بمصر، وبعدها من ليبيا الى البحرين فاليمن وسوريا والعراق، وبالطبع لم تكن الجزائر والمغرب والأردن وعمان والسودان بعيدة عن ذلك، بما فيها دول الخليج العربي، وقبلها إيران التي احتشدت الملايين تطالب بإلغاء نتائج الانتخابات التي وصفتها المعارضة بالتزوير. وبغض النظر عن وجود تدخلات خارجية وهي أمر مفهوم في الصراع الدولي وفي السياسة الدولية، لكن الأمر يتعلق بسوء الأوضاع الداخلية وشحّ الحريات واستشراء الفساد.
وكانت مقطوعة التدخل الخارجي واحدة والعزف موحّداً لدى جميع البلدان التي شهدت حركات احتجاجية ولا يتعلق الأمر بالأنظمة حسب، بل أن بعض الحركات السياسية، لاسيما التي تقدّم الآيديولوجيا ونظرية المؤامرة المعروفة، حاكت بعض الأنظمة، بل كانت أكثر استفزازية منها، فضلاً عن ازدواجية المعايير وانتقائيتها، فهي مع التغيير هنا وضده هناك، الأمر الذي جعل مواقفها عائمة إن لم تكن منحازة الى بعض الأنظمة.
الطبقة الوسطى والوعاء الحامل
كانت الطبقة الوسطى تمثل وعاءً حاملاً للشباب الثائر، ساهمت في تحفيزه وفي تشكيل ملامح تطلعاته بالرفض والاحتجاج، سواءً في تونس أو مصر أو ليبيا أو الجزائر أو اليمن أو البحرين أو سوريا أو العراق أو غيرها، وقد اختلفت الانتفاضات الراهنة عن سابقاتها فلم تكن ثورة جياع أو هجوم سكان العشوائيات على المدن، واختلفت عن انتفاضة يناير المصرية العام 1977 وثورة الخبز في تونس العام 1984، بل كانت مزيجاً من طلب الحرية والكرامة ومحاربة الفساد وسوء الحكم. ولعلها كانت أقرب الى انتفاضة العام 1948 العراقية ضد معاهدة بورتسموث وانتفاضة العام 1991 بعد هزيمة الجيش العراقي إثر غزو الكويت وانتفاضة اكتوبر السودانية، العام 1964 ضد حكم الجنرال عبود.
وبقدر ما كان الحاكم ينتفخ ويهيمن على كل شيء، من السلطة والمال والاعلام والتجارة والثقافة والرياضة والسياحة، كان هناك من جهة أخرى شعوباً جائعة ومقموعة ومكتوية بالفساد المالي والإداري ونهب المال العام، ومهزومة على أكثر من صعيد، وتعاني من سلطات مترهّلة وأبناء وأقرباء وأنسباء، وهمْ الدولة لوحدهم، وما عداهم المواطنون ليسوا سوى رعايا أو تابعين في أحسن الأحوال، وفي حين يتقدّم العالم نحو مواطنة فاعلة وحيوية وعضوية تقوم على قواعد متطورة من الحرّية والمساواة والعدالة والمشاركة، بحيث تشكّل ملامح في هوية وطنية عامة وجامعة، انحدرت بلداننا الى ضيق قاعدة الحكم وارتفع هرم السلطة الى درجة غير مرئية، بحيث لا يمكن للحاكم أن ينظر الى القاع أو يشعر بشعور من يعيش عليها، والأكثر من هذا فإن بلداننا تم استتباعها للخارج الذي تحذّر منه الأنظمة اليوم، ولعل الكثير منها يردد: إن مجرد سقوطها سيعني انتصار الارهاب وهيمنة تنظيمات القاعدة، بل والأكثر من ذلك وجد من يحرّض " اسرائيل" التي ستتضرر لمجرد إطاحة هذه الأنظمة، وليس ذلك سوى استخفاف بالعقل وبمنطق التفكير السليم وبوقائع التاريخ ذاته.
تجربة أوروبا الشرقية
كانت الغالبية الساحقة من انتفاضات أوروبا الشرقية قد بدأت سلمية وانهارت أنظمة توتاليتارية شمولية استمرّت عقوداً من الزمان على الرغم من أنها حققت بعض المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لشعوبها، لكن غياب الحريات وانعدام الديمقراطية وسيادة الصوت الواحد، قاد الى هذه النتائج وحدث الأمر بعد أجواء داخلية مناسبة وبيئة دولية سرعان ما احتضنتها، لاسيما في ظل قيادة غورباتشوف الذي بشّر بالبريسترويكا (إعادة البناء) والغلاسنوست (الشفافية)، وانهار نمط من الأنظمة الاشتراكية التي شاركت في تأسيس النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية، لاسيما بانفكاك الحلف المعادي للنازية، والذي يشكّل ما يسمى بالقطبية الثنائية التي شهد العالم بسببها حرباً باردة وسباقاً على التسلح، كان الخاسر الأكبر فيها شعوب البلدان الاشتراكية، إضافة الى التنمية والتقدّم على المستوى العالمي، لاسيما في مجالات الصحة والتعليم والبيئة والثقافة والفضاء والعلم وغيرها.
كان من المقدّر أن تصل الموجة العالية للتغيير التي ارتفعت في أوروبا الشرقية الى الشرق الأوسط، لكنها انكسرت عند شواطئه، بسبب المصالح الدولية، خصوصاً وجود "اسرائيل" وعامل النفط محور الصراع الاجتماعي في المنطقة والعالم أجمع، لكن الموجة الجديدة كانت مفاجئة على الرغم من توفّر العامل الموضوعي، فالدعوات الى الديمقراطية والتغيير كانت قد ارتفعت عن صدق أو بهتان، لكنها هيّأت موضوعياً ظرفاً مناسباً، أما العامل الذاتي فقد بدا وكأنه يحاك مثل سجادة تنسج من ألوان مختلفة، لكنها منسجمة وعلى بطئ شديد ولكن باتقانٍ وبراعة عاليتين، وكان الشباب، الحيوي، المتوثب، المقدام، هو المحرّك لما حصل.
مواصفات جديدة للإنتفاضة
لم تكن الانتفاضة سرّية أو عبارة عن تآمر لعصبة من الثوريين كما بدت انتفاضة اكتوبر العام 1917، ولا يهمّ إن كان الأمر مكشوفاً، فقد أذيع خبر الانتفاضة قبل انطلاقها عبر التكنولوجيا الحديثة بالفيسبوك والتويتر والانترنت والفضائيات والهاتف الجوّال، والكل يعرف ساعة الانطلاق ومكان التجمّع والشعارات التي سترفع، ليس مهمّاً إذاً إنْ سرّب زينوفيف أو كامنيف خبر الانتفاضة (وهما عضوان قياديّان في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي " البلشفي" خالفا قرار الشروع بالانتفاضة ونشرا رأيهما عشية اندلاعها، لكن لينين أعادهما الى اللجنة المركزية بعد نجاح ثورة اكتوبر)، فقد كان الشباب الثوري قد ملأ الدنيا بأخبارها، وهي لن تحتاج الى حزب ثوري يفجّرها أو قائد مقدام يتولى إدارتها برمزيته المعروفة وكارزمتيته الأثيرة.
لقد رفضت الجماهير فكرة الأب القائد، مثلما رفضت النظام الأبوي الذي حكمها بسلطويته المعهودة لعقود من الزمان، ولم يكن الشباب الثائر في قرية سيدي بوزيد أو ميدان التحرير أو بنغازي أو ميدان التغيير أو ساحة اللؤلؤة أو ساحة العباسيين، بحاجة الى من يشحذ همته، أو يعطيه التعليمات والأوامر، التي تصل من وكر سري أو من جامع أو مسجد أو كنيسة أو من مقر لأحد الأحزاب أو حتى لمؤسسة المجتمع المدني، بل انها استخفت بفكرة القيادة ذاتها، لاسيما التي كانت مفروضة عليها.
لم يحتاج الشباب الى حزب قائد أو متميّز، وشعر أن مصيدة الحزب كانت تلاحقهم وعندما طلب منهم البعض تنظيم أنفسهم بحزب ليتسنى له حوارهم، كان شعورهم أنه يُراد ادخالهم الى "قفص الدجاج"، كما عبّر عن ذلك من حاور بعض الشباب المصري الثائر في ميدان التحرير بالقول: لماذا لا تنظّمون أنفسكم في حزب 25 شباط (فبراير)؟، فضحك الشباب ضحكة الواثق الذي لا تنطلي عليه تلك الأساليب الثعلبية لآخر ابتداعات السلطة الآيلة الى السقوط.
كان لدى الشباب ثقة كبيرة بأنه لن يكون النصر إلاّ حليفه. لم يرفع الشباب شعارات طبقية أو دينية أو قومية أو فيها شيء من المزاودة الآيديولوجية، بقدر ما رفع شعارات وطنية عامة ومطالب واحتياجات انسانية وحياتية. إلتحمت الطبقات بهم وحولهم ومن خلالهم، مثلما شعر الجميع أنهم لسانها وقلبها وعقلها وذراعها ومزاجها. وكانت وحدة الحال ووحدة الروح تعبّر عن الآمال العريضة والمكبوتة لعقود من السنين، لدرجة كنت ترى دموع المحبة تهطل من عيون الثوار وعيون الشعب: محبّة الشباب لمصر بعد شيخوخة النظام وعسفه، محبّة تونس التي هرب منها بن علي، ومحبّة الليبيين لبعضهم البعض، بعد أن نسوا أسماءهم حين ارتفع إسم القائد فوق كل شيء، ومحبّة اليمنيين وحكمتهم التي عبّروا عنها بأكثر ما يستطيعون من تعبير هذه المرّة عن الرغبة بالتغيير، بشعارات فيها الكثير من الواقعية والبرغماتية.
كتبت لي إحدى الصديقات الاعلاميات من مصر تقول: مصر تحبّ حالها.. النيل أجمل.. النيل أزرق.. هل رأيت النيل قبل ذلك بلونه الحقيقي؟ إني أراه اليوم بعنفوانه وثورته وضحكته كما لم أره من قبل. وأظن أنها محقّة بذلك وقد رويت لها حادثة مماثلة وإن كان القياس مختلفاً وممزوجاً لدرجة الإندغام بين الفرح والألم، وأضفت إنه انكسار لحاجز الخوف، ولعل الخوف قد إنتقل من المواطن إلى الحاكم، أجابت وهي من قلب الحدث وكانت الصورة تكبر بعينها وأمامها: لكنه خوف مختلف، فالخوف الأول من القمع، هو خوف على الحياة، تلك التي كان الحاكم يخيف المحكوم بها على مدى عقود من الزمان، ويقايضه من أجلها، وإذا بالمحكوم هذه المرّة يقلب الطاولة ويرتضي بالموت، لكن سؤاله الكبير الموحّد كان: إلى أين سيذهب الحاكم؟ إنه يخاف على موقعه وماله وطمعه ويخاف من الذين ارتكب بحقهم، ويخاف من الخوف ذاته، ناهيكم من الخوف على حياته.!؟ إنه السؤال بالمقلوب وعندما تحوّل هذا السؤال الى عكسه، بدأ العدّ التنازلي الذي لا رجعة عنه، لاسيما للمحكومين والمُعدمين، الذين لا يملكون شيئاً سوى كراماتهم وحقوقهم المهضومة.
رفض المحكوم كل الاغراءات والترقيعات والوعود، والتنازلات، بما فيها استعداد النظام لرمي بعض أقطابه الى المزبلة، فلم تعد تكفي المساومات أو التهديدات أو التحذيرات، أو حتى استخدام بعض رجال الدين،أو إرسال بلطجية، والقيام بأعمال عنف وتخريب. لم يعد يُرضي المحكوم شيئاً، لأنه شعر أنه والموت أصبحا صديقان، هو لا يخافه ضيفاً ثقيلاً فقد أبدى الشعب بأسره استعداده لقبوله ولمواجهته، مقايضاً إيّاه بالحرية، وفداءً من أجلها، وتعويضاً عن صبر طويل، هكذا حوّلوه منهم الى صالحهم، فلاحقوا به الحاكم غير مكترثين بخطاباته وتوسّلاته وتهديداته واستباحاته، وغير مبالين أو خائفين هذه المرّة من مرتزقته وبلطجيته وإرهابه. لم يعد الشباب الثوريون يرون سوى النصر، وأصبح بينهم وبين الهزيمة هوّة سحيقة.
أدركوا حينها ما كان يعنيه الشيخ إمام قبل أربعة عقود من الزمان:
دقت ساعتنا وإبتدينا
إحنا نمنا في المضاجع
إحنا نمنا وما إشتهينا
وإسأل علينا في المواجع
وإحنا إنوجّعنا وإكتفينا
نسلك طريق مالهوش راجع
والنصر قرّب من عينينا !
ومع الإختلاف أستعيد كلام ماركس بشأن كومونة باريس، فعلى الرغم من ملاحظاته، الإنتقادية للتوقيت والإستعداد، لكنه هلّل لها وإعتبرَ الثوار يقتحمون عنان السماء، داعياً إياهم الى عدم تسليم سلاحهم، حتى عندما اختلّ ميزان القوى، لأن ذلك سيترك تأثيراته السلبية على الحركة العمالية لاحقاً، فعندما تبدأ المعركة، لم يعد هناك من رأي سوى الإنحياز الى جانب الشعب، وليتأجل كل شيء!
هل يمكن إختيار اللحظة الثورية إرادوياً، أم أن ثمت ظروف ومواصفات بحاجة الى تنبؤ لحسم المعركة، فقد أصرّ لينين على يوم 7 تشرين الثاني (نوفمبر) وحسب التقويم الروسي القديم يوم 25 اكتوبر، فقبله ستكون ظروف الثورة غير ناضجة وبعده ستكون الثورة قد احترقت أو أحرقت، لاسيما إذا استعدّ العدو لمقارعتها. لم يحتاج الشباب إلى ساعة صفر لكي يتوجهوا الى القصر الجمهوري أو الى البلاط الملكي ليهاجموه، ويذيعوا البيان رقم واحد من دار الإذاعة، وتتحرك بضعة دبابات لتحتل المواقع الحساسة، ثم تتوارد برقيات التأييد للعهد الجديد، وبرقيات التنديد بالعهد القديم، فقد كانت انتفاضات الشباب مدنية وليست عسكرية، سلمية وليست عنفية، علنية وليست سرّية.
إختار المنتفضون لحظة الشروع بالانتفاضة عند إحراق البوعزيزي نفسه وهو الخريج الجامعي العاطل عن العمل، والباحث عن الرزق في عربة لبيع الخضروات بعد إهانته من مسؤول إداري في قرية نائية وبعيدة، وهكذا تحوّلت تلك الشرارة، التي كانت أشبه بنداء سرّي غامض الى فيض علني عارم، شمل الشوارع والمدارس والساحات والمعامل وصعد الى السماء كما صعدت روح البوعزيزي.
الشباب الثوري اقتنص اللحظة الثورية في تونس دون تراجع أو تراخ أو تردد وقابل الرصاص، بالمزيد من التظاهرات والإصرار على رحيل النظام ودون مساومات. لقد حُسم الأمر على النحو الذي يتمتع به الشباب بالثقة والقدرة والديناميكية. وبعد تونس كانت اللحظة الثورية تطبخ على نار هادئة في مصر، حتى جاءت المواجهة التي جاء معها الإصرار على عدم مغادرة ميدان التحرير، حتى يغادر النظام وشمل الأمر الاسكندرية والسويس وامتدّ الحريق الى مصر كلّها. هكذا نضجت اللحظة الثورية في الميدان ودرجة بعد أخرى وخطوة بخطوة.
الآيديولوجيا والواقع
إذا كانت الانتفاضات السابقة مركزية وتراتبية وعمودية ومسلحة، فإن الانتفاضات الحالية كانت أقرب الى الجزر المتعددة والممتدة بين أرخبيلات متعرّجة وليس لها قيادة واحدة، بل كان لها قيادات ميدانية في كل حي ومكان، وكانت أفقية وسلمية بامتياز. لم يكن وراءها حزب ثوري، أو قيادة معلنة، ولم تستخدم السلاح الاّ دفاعاً عن النفس وعلى نطاق محدود واضطراراً وليس اختياراً وخطتها علنية ومطالبها معلنة ومعروفة وواقعية، وهي انتفاضات قاعدية وأفقية.
ومثلما تميّزت الانتفاضات السابقة بارتفاع رصيد الآيديولوجيا "الثورية البرجوازية" في الثورة الفرنسية و"العمالية الاشتراكية" في كومونة باريس و"الاشتراكية الشيوعية" في ثورة اكتوبر و"الإسلامية الدينية" في الثورة الايرانية، فإن انتفاضات أوروبا الشرقية لم تكترث بالآيديولوجيا، بل إنها انتفاضات غير آيديولوجية، وكذلك انتفاضات أمريكا اللاتينية التي شاركت فيها الكنيسة في إطار ما اصطلح عليه لاهوت التحرير.
وإذا كانت المرحلة الاولى للتغيير الديمقراطي التي شهدتها أوروبا الغربية في السبعينيات بانتهاء عهد الدكتاتوريات في إسبانيا بعد موت الدكتاتور فرانكو الذي حكم البلاد أربعة عقود من الزمان، والدكتاتور سالار في البرتغال والحكم الدكتاتوري في اليونان، فإن الموجة الثانية اجتاحت أوروبا الشرقية وشملت بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ويوغسلافيا ورومانيا والاتحاد السوفييتي، كما امتدّت الى ألبانيا وغيرها، فإن الموجة الثالثة ابتدأت من تونس ومصر وقد لا تتوقف عند حدود الشرق الأوسط أوالعالم العربي، بل قد تشمل بعض بلدان أفريقيا وآسيا، ولا يمكن قراءة تأثيراتها اليوم بالكامل، خصوصاً وأنها ما تزال لم تكتمل، من حيث صيرورتها وافقها ومستقبلها.
لقد تجاوزت الانتفاضة القيادات التقليدية، بوطنية جديدة متلازمة مع الحقوق،استناداً الى قاعدة التنوّع والتعددية بعيداً عن الأدلجة، بل كان حككم الواقع هو السائد، كما أنها لم تكن ذكورية فقد ساهمت فيها المرأة إلى حدود كبيرة، وكان للنساء دور بارز في القيادة والإدارة والحضور والمشاركة وأبدى المجتمع درجة عالية من التقدير والإنضباطية لتلك المشاركة التي يمكن أن تؤسس إلى عهد جديد تنتقل فيه النساء من الصفوف الخلفية المساندة للثورة إلى واجهات الحدث ليتصدّرن المنابر والقيادات على اختلاف انتماءاتهن، لا فرق بينهن، فقد وحدهنّ حب الوطن وميادين التحرير والتغيير، وكنّ جميعهن يرددن ذات الشعارات المطالبة برحيل النظام ومحاكمة الفساد. كما برهنت الانتفاضات على أن التعددية والتنوّع والديمقراطية والانفتاح كان الطابع الحقيقي لذلك الحراك الشعبي ولطبيعة المجتمعات العربية.
لقد عاش الشباب العربي في مختلف أرجاء الوطن العربي بلا استثناء أزمة اغتراب حقيقية، حيث كان يواجه الأنظمة ببيروقراطيتها المتعنتة، وأنماط شتى من السلطة يصحّ عليها، أي من المسميات إلاّ، مسمّى الديمقراطية، فإضافة الى السلطة الحاكمة، فإن هناك الثيوقراطية الدينية التي اقتربت من إستبداد مجتمعي وتسلطي في الآن، لاسيما في ظل التزمّت والتعصّب والغلو، وكذلك ثقل العادات والتقاليد والكثير من الكوابح الاجتماعية، وجرى عزل الشباب والتشكيك بقدرته وإخضاعه بالقوة والترهيب، ليكون جزءًا من الماكنة السائدة دون أي اعتراض أو مناقشة أو جدل، وإلاّ فإنه عرضة للتنكيل والملاحقة، بل والأكثر من ذلك حين تم إلصاق شتى التهم به، من الميوعة والانحلال وعدم الشعور بالمسؤولية، الى عدم الاكتراث بقضايا الأمة المصيرية وصولاً الى محاكاة الغرب والتأثّر به، في حين لم يفكّر أحد بقضايا الشباب وتطلعاته ورغباته وطموحاته وهمومه ومشاكله، لاسيما سعيه للحاق بالعالم المتقدم والمتطور والتساوق معه في قضايا الحرية وحق التعبير والعدالة والمشاركة.
وبسبب تلك الممارسات فُرض على الشباب إمّا الولاء والطاعة العمياء مع الشعور بالقرف والإشمئزاز أو الانسحاب من هذا الواقع ورفضه، والتمرّد عليه والسعي للتغيير لاحقاً، ولو كان بقوة السلاح وسفك الدماء أحياناً مثلما استغلته بعض القوى المتطرفة، وهو الأمر الذي تجاوزته الانتفاضات الحالية، حتى لو تعرّضت هي إلى عمليات إبادة لاسيما في ليبيا، أو عمليات بطش وتنكيل مثلما حصل في اليمن والبحرين والعراق وغيرها.
وبسبب القمع المعتّق أيضاً فلم يعد الشباب يهمّه التشدّق والسفسطات الأيديولوجية والتعويذات الدينية، التي رافقت السياسات الاستبدادية والسلطوية الطويلة الأمد، واحتكارات العوائل الحاكمة لجميع مرافق السياسة والإدارة والاقتصاد والثقافة في الدولة، لذلك وجد نفسه في القيم المغايرة، التي تقوم على الحرية والحق في الحصول على المعلومات وحق المساءلة والشراكة والعدل.
وكشفت انتفاضات الشباب لا تخلّف السلطات الحاكمة والتقليدية حسب بل بعض المعارضات السياسية أيضاً، التي كانت تمثل الوجه الآخر للسلطات الحاكمة بشموليتها وأساليب عملها المتخلّفة وأنماط علاقاتها التسلطية. لقد تصلّب عود الجيل الجديد في غرف الانترنيت وفي سماع موسيقى الراب وفي الجامعات ومقاهي المهمّشين وعلى الأرصفة وقراءات جديدة للتراث، وأثبت جدارة لا حدود لها على عكس الانطباع السلبي السائد، فقد أبدى الجيل الجديد استعداداً للموت أكثر بكثير مما أبدته أجيال سابقة، وكان يعرف قضيته أكثر من غيره، ولديه القدرة للتضحية من أجلها، دون وصاية أو أبوية أو ادّعاء إحتكار للمعرفة والحقيقة.
لم تفاجأ الأنظمة بما حصل فحسب ، بل فوجئ العالم أجمع، لاسيما لم يدرك أحد حجم الغضب والشعور بإمتهان الكرامة من جهة، ومن جهة أخرى حجم الإمكانات التقنية الهائلة التي اختزنها الشباب والمشاعر الوطنية الفيّاضة التي كان يعيشها على طريقته الخاصة، فلم تعد توافقه القضايا الكبرى وحدها، والشعارات الرنانة والاهتمامات بالشكليات السابقة، فقد كان له منظوره الخاص الذي لم يُدرك الاّ حين فاجأ الجميع بقدراته الخلاّقة وامكاناته الهائلة وأطروحاته الجديدة عند إعلان الانتفاضة. وبما أن الشباب يشكّل النسبة الأكبر من شريحة السكان، فقد كان رفضه وتمرّده حاسماً، ولعل همومه مختلفة عمّا سبقه من أجيال وإن كانت تجمعه بعض المشتركات، لكن هذا الجيل، هو أكثر ثقافة وأكثر حرفية وأكثر إطلاعاً على التكنولوجيا وأكثر تفاعلاً مع الزمن، وقد استطاع استخدام ما يتوفر من تقنيات لقضيته العادلة، أي استخدام ما يسمى "القوة الناعمة" لتحقيق اختراقات ضد "القوة الخشنة" والتي هي الدولة وأجهزتها.
لقد حلّت الواقعية السياسية، محلّ الرومانسية القديمة التي كانت الغذاء المحرّك لأجيال سابقة، فاليوم لا وجود لتشدقات ووعود بعيدة المنال، وأقرب إلى السراب، لقد انتظمت الملايين بشعارات مبسّطة: عاشت الحرية، نريد تغيير الدستور، نطالب بالمساواة، نريد احترام حقوق الإنسان. هكذا سدّت الجماهير التي تذكّر بعصر المداخن، الساحات والشوارع، بل زلزلت الأرض تحت أقدام الحكام، في حين أن المثقف الأيديولوجي، الذي برّر خطاب الحاكم بالقمع السياسي أو بالقمع الفكري وحرق البخور بالدعاية والتزويق لم يكن له دور، أو المعارض الذي كان بعيداً أو غائباً أو مخادعاً ظل تائهاً، أما الأغلبية الصامتة المغلوبة على أمرها، فقد كانت في البداية بعيدة عن ساحة المشاركة الفاعلة، لكنها بحسّها وسليقتها الثورية إلتحمت بكل عنفوانها مبددة صمتها الطويل ، معلنة إن أية سياسة دونها لا تعني سوى الاستبداد.
لقد أثبتت قوة الشباب أنه اللاعب الأساس في رسم الخارطة المستقبلية للعالم العربي والشرق الأوسط وحسب مفهوم الشباب هذه المرّة، لا حسب مفاهيم الآخرين ولكن ليس بمعزل عنهم. إن التغيير في الوطن العربي بات محسوماً، وبالتالي فالسؤال لم يعد: هل سيحدث التغيير؟ بل متى سيحدث؟ وكيف سيحدث؟ وما هو الثمن؟ وما هي ملامح المستقبل؟ وما هو السبيل للتغيير بأقل خسارة؟ فلا وجود لثورة أو انتفاضة دون خسائر وملابسات وحتى اختراقات، وقد تتعرض سفينة التغيير الى عواصف شتى، وقد تتقاذفها الرياح من مواقع مختلفة، لكن ما حصل حتى الآن هو مقدمات مرحلة جديدة من مراحل التغيير لا يمكن وقفها أو صدّها أو تحدّيها، وأظن أن القديم قد احتضر، لكن الجديد لم يولد بعد، حسب المفكر الايطالي أنطونيو غرامشي، ولكن عملية التغيير لا بدّ أن تصل في نهاية المطاف الى محطتها الموعودة، مهما تأخرت أو سارت في منعرجات خطرة أو مسارات ضيقة، وواجهت تحدّيات محسوبة أو غير محسوبة، ولكن ذلك جزء من قراءة لقانون التطور الاجتماعي الذي لا يمكن نقضه الى النهاية.
أعتقد أن بانهيار النظام المصري بدأ عهد جديد في العالم العربي، بل أن هذا التغيير سيترك تأثيراته على العالم أجمع، والسؤال اليوم كيف يستعيد المجتمع العربي بناء دوله ومؤسساته على نحو جديد يجنّبه المزيد من الخسائر ويعطّل تنميته وتقدّمه، ولعل أبسط ملامح التغيير تتطلب إقرار تداولية السلطة سلمياً واعتماد مبدأ سيادة القانون والمساءلة ومحاربة الفساد وتأمين المستلزمات الضرورية والحاجات الأساسية للمواطنين وفقاً لمبادئ الحرية والعدالة والمشاركة، وإذا كان هناك من تفاعل بين الأجيال، فيمكن للشباب الإفادة من تجربة من سبقوهم، لاسيما بدراستها واستخلاص الدروس والعبر منها، فقد آن لهذه الأمة أن تتجاوز المآسي والمحن، وعلى الجميع الاعتراف بحق الشباب في إدارة عصرهم وزمانهم، والتكيّف مع هذه الحقيقة برغبة أو حتى دونها، أمّا محاولات التطويع بحجة الأبوية أو نقص التجربة، أو السعي لترويضهم أو امتصاص ثورتهم المتدفقة، فستقود الى نتائج عكسية وقد تكون كارثية.
وعلى السلطات الانتقالية ومؤسسات المجتمع المدني العمل على تفعيل آليات المساءلة طبقاً لمبادئ لتحقيق العدالة الانتقالية، لاسيما إزاء الجرائم التي اقترفت في الماضي أو التي ارتكبت خلال قمع الاحتجاجات الشعبية، لاسيما الجسيمة والمنهجية منها، ويتطلب الأمر توثيقاً ومتابعة، إضافة الى وقائع الفساد المستشري، ولكن دون انتقام أو كيدية أو ثأر، ويتطلب الأمر إصلاح النظام القانوني، لاسيما القضائي، فضلاً عن إصلاح الأجهزة الأمنية، وهذه مسألة بالغة الأهمية، نظراً لتاريخها السيء وللذكريات المؤلمة.
ويحتاج الأمر أيضاً تفعيل الحقوق الارتكازية مثل حق التعبير والرأي والتجمع والاجتماع وتعزيز حق المشاركة في إطار قانوني بما يتيح تجاوز القيود المفروضة على الممارسة. وإذا كان هذا ينطبق على الجبهة السياسية، فجبهة الحقوق الإقتصادية والاجتماعية والثقافية مهمة جداً، لاسيما بعد معاناة شديدة بسبب الإهمال والتباطؤ وقلّة الاهتمام.
لقد أطاحت الانتفاضات الشبابية الدكتاتوريات، ويمكنها أن تطيح أنظمة حكم تسلطية ومحافظة، وهي بذلك تضع سؤالاً محرجاً أمام المعارضات والأحزاب الكلاسيكية والحركات الاسلامية، أين دورها وما هو موقعها من الخارطة السياسية الجديدة؟! تلك التي ظلّت تلوك خطابها ولغتها الخشبية عقوداً من الزمان، سواءً أكانت ماركسية أو قومية أو إسلامية؟ هكذا قدّمت الجماهير الغاضبة الفعل الثوري الواقعي الحسّي، على حساب الأيديولوجيات والوعود والخطابات، التي سمعتها كثيراً، بل أظهرت ضمور وتلاشي دور الدعاة الحزبيين الأيديولوجيين، العقائديين الدينيين، الذين بشّروا الناس بالجنّة أو بعالم خال من الإستبداد والإستغلال، أو بعالم يحقق الوحدة العربية أو تحرير فلسطين أو حلم الاشتراكية والعدالة الأخّاذ، حيث ظلّ الصراع بين القوميين والشيوعيين، وفيما بعد مع الإسلاميين لا على الحاضر فحسب ، بل على المستقبل، وأحياناً ليس في مملكة الأرض، بل على قيم السماء، هكذا ظلّت الأمور تجريدية أحياناً.
أعتقد أن الصراع اليوم على القيم والمثل التي كان لها أن تتحول إلى خطط وبرامج، وهذه الأخيرة إلى أعمال وأفعال، وهو الفارق بين كلام الأمس وكلام اليوم، وهذا ما ينبغي فهمه والتعامل على أساسه، خصوصاً عندما تبدأ الآيديولوجيا بالانزياح لصالح السياسة، التي ينبغي ردّ الاعتبار لها، كعلم له قوانينه وشروطه ومدخلاته ومخرجاته!

حقائق التغيير: الخاص والعام!
حوّلت الثورة العلمية- التقنية، لاسيما ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الاعلام والمعلومات والطفرة الرقمية " الديجيتل" العالم كلّه الى قرية مفتوحة، فما يحصل في بلد ناءٍ وبعيد، ستشاهده لحظة وقوعه أو بعد دقائق أوساعة أو سويعات وأنت مسترخٍ في غرفة الاستقبال أو مستلق في غرفة النوم وعلى بعد آلاف الأميال، ولعلك ستتفاعل مع الصورة على نحو كبير باعتبارها "خبراً" بانورامياً بحد ذاته، حيث ستشاهد فيه الحدث وما خلفه وما رافقه وما سيتبعه وما قيل أو يقال فيه، وستطلّع على رأي صانع الحدث والمشارك فيه وخصمه، وسيكون للاعلام دوراً مؤثراً، لاسيما إذا تمكّن من إلتقاط اللحظة التاريخية، فالصحافي حسب تعبير البير كامو هو "مؤرخ اللحظة" ، ولعل تاريخ اللحظة سيكون حاضراً في الصورة أيضاً.
على نحو مفاجئ انتقل العالم العربي كلّه، ومرّة واحدة، الى دائرة الضوء، لدرجة أن قرى وبلدات منسية وبعيدة أصبحت معروفة عالمياً، في ظل دهشة ومفاجأة لما حدث وكيف حدث؟ وكانت لحظة إحراق البوعزيزي نفسه في تونس وفي قرية سيدي بو زيد إشارة البدء أو ساعة الصفر أو الانطلاق لإعلان صيرورة الانتفاضة التي سرت مثل النار في الهشيم، وامتدّت من تونس الى مصر، معلنة وحدة المشترك العربي الإنساني، دون نسيان الخصوصية والتمايز بكل بلد ولكل حالة.
العولمة والانتفاضة
لقد جعلت العولمة التغيير بقدر خصوصيته شاملاً، وبقدر محليته كونياً، لاسيما وأن كل شيء من حولنا كان يتغير على نحو جذري وسريع، ولعل هذا الأمر يطرح عدداً من الحقائق الجديدة التي تثير أسئلة بحاجة الى إعمال العقل والتفكير لا بشأنها حسب، بل بشأن سياسات وأنظمة لم تشعر أو تتلمس الحاجة الى التغيير طالما شعرت بتوفير الأمن والاستقرار، واعتقدت واهمة أن ذلك وحده كافٍ لإسكات شعوبها أو إرضائها، وكأن ذلك الأمن والاستقرار يراد لهما تعسفاً أن يصبحا بديلاً عن الحرية والكرامة والعدالة التي هي مطالب شرعية باعتراف الحكومات جميعها، ولعل هذه المطالب المشتركة وذات الأبعاد الانسانية جعلت حركة الاحتجاج ومطالب الشباب تمتد من أقصى المغرب العربي الى أقصى المشرق العربي ومن المحيط الى الخليج كما يقال.
يخطئ من يظن أن الحركة الاحتجاجية هي صورة نمطية يمكن أن تتكرر أو تستنسخ أو تتناسل أو أنها خارطة طريق واحدة أنيقة وملوّنة لجميع البلدان والشعوب، فالأمم والمجتمعات تحفل بالتنوّع والتعددية وبوجود اختلافات وخصوصيات وتمايزات، بقدر ما يوجد بينها جامع مشترك أعظم، وقواسم عامة، لاسيما حاجتها الماسّة الى التغيير طلباً للحرية والعدالة.
وبهذا المعنى فإن الحركة الاحتجاجية ليست طبعة واحدة أو فروعاً من حركة قائمة، أو صورة مصغّرة عنها. صحيح أن العالم العربي وصل في غالبيته الى طريق مسدود، وهو ما عكسته تقارير التنمية البشرية، لاسيما شحّ الحريات والنقص الفادح في المعارف وتفشي الأمية الأبجدية التي زادت على 70 مليون، ناهيكم عن الأمية المعرفية، خصوصاً التعاطي مع علوم العصر وتقنياته ووسائله الحديثة، إضافة الى الموقف السلبي من المرأة وحقوقها ومساواتها، وكذلك الموقف الخاطئ من التنوّع الثقافي الديني والقومي والاثني واللغوي وحقوق المكوّنات المتساوية وغيره.
وإذا كان للتغيير جاذبيته فإن للتغيير قوانينه أيضاً، لاسيما المشترك منها والذي يشكّل قاعدة عامة، وبقدر ما يحمل التغيير من خصوصية، فإنه في الوقت نفسه يمتلك أبعاداً شمولية، تتخطى حدود المحلّي الى الاقليمي والكوني، وما حصل في مصر بقدر كونه مصرياً بامتياز قلباً وقالباً، فإنه عربي أيضاً، بل هو تغيير عالمي بحكم الجاذبية، الأمر الذي ينبغي التأمل فيه لا مكانياً حسب، بل زمانياً أيضاً، وخصوصاً بفعل العولمة وما أفرزته من معطيات، إيجابية وسلبية، فإذا كانت قد عممت الهيمنة العابرة للحدود والقارات والجنسيات والأديان والقوميات، وفرضت نمطاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً سائداً، فإنها عممت الثقافة والحقوق والمعرفة بما تحمل من آداب وفنون وعمران وجمال وعلوم، ولعل هذا هو الوجه الايجابي للعولمة في مقابل وجهها المتوحش واللاانساني!.
هكذا يصبح التغيير استحقاقاً وليس خياراً حسب، وتصبح الخصوصية جزءًا من الشمولية ويندغم الخاص بالعام والاستثناء بالقاعدة، على نحو فاعل ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وقانونياً ومعرفياً.
وإذا كانت مصر قد شكلت قطب رحى مهم في العالم العربي بحكم وزنها السياسي الكبير والفاعل وثقلها الثقافي والمعرفي الهائل والمؤثر وخبراتها وطاقاتها العلمية وكثافتها السكانية والبشرية، وبحكم موقعها الجغرافي وكونها جسراً بين أفريقيا وآسيا وبين العالم العربي وشعوب أخرى، فإنها أكدت جملة حقائق مهمة بالارتباط مع ما حدث في تونس وما بعده في العالم العربي، على الرغم من عدم استكماله، بل وتحوّل بعض أوضاعه الى معاناة جديدة ومأساة مستمرة بسبب تشبث الحكام، ولعل النموذج الأبرز هو ليبيا التي تشهد حرباً أهلية وتدخلاً عسكرياً دولياً، لا يُعرف مداه الزمني، ناهيكم هن الخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي سيتركها خصوصاً بعد نظام استبدادي دام 42 عاماً.
حقائق التغيير
لعل الحقيقة الأولى التي ينبغي استيعابها هو أن التغيير قد بدأ ولا يمكن وقف قطاره حتى وأن تعثّر أو تأخّر، فلم يعد ممكناً العودة الى الوراء، مهما كانت المبررات، فالإصلاح والدمقرطة والحريات ومكافحة الفساد وتلبية الحقوق الإنسانية، أصبحت استحقاقاً ليس بوسع أي مجتمع التنصل عنه، وإذا كان الماضي قد مضى، فإن تلمّس الجديد لم يتم الاهتداء اليه بعد، وقد يحتاج الى وقت لاختيار توجهات المستقبل وتحقيق الاستقرار.
الحقيقة الثانية توفّر البيئة المناسبة داخلياً وخارجياً، موضوعياً وذاتياً، فالتغيير هو فعل داخلي بامتياز وإن كانت البيئة الدولية مشجعة، وسواءً كانت بصدقية أو بتوظيف سياسي، لكن السياسة حسب ابن خلدون هي صناعة الخير العام.. وهي أمانة وتفويض ولا مجرى لها الاّ بين تضاريس المحاسبة والتوضيح، فليس لأحد الحق في امتلاك أركانها، بإسم استخلاف إلهي أو ما شابه، والاّ فستبقى دواوين التاريخ مفتوحة على أخبار قوى التسلط والتحكّم المناقضة لشرائع النقل والعقل، وهو ما تستهدفه التغييرات التي تطمح اليها الشعوب وحركتها الاحتجاجية.
الحقيقة الثالثة إمكانية التغيير بالسلم وباللاعنف، وحتى إن لم تستجب بعض الحكومات للارادات الشعبية، فإن الشباب سيعيد الكرّة بعد الأخرى حتى يحصل التغيير، سواءً حصل من جانبها مرغمة أو مضطرة أو بتخطيّها وانزياحها.
لقد أدركت بعض النخب الحيّة أن طريق العنف لن يقود إلى تحقيق الأهداف المرجوّة، وسعت على الرغم من عوامل الكبح والمعوّقات إلى المبادرة الجسورة، بالدعوة إلى نشر ثقافة اللاعنف، والإستعاضة عن "القوة الخشنة" في حل الخلاف "بالقوة الناعمة" إستناداً إلى المقاومة اللاعنفية، التي تعني المقاومة السلمية المدنية، سبيلاً لا غنى عنه للوصول إلى طريق التنمية المنشود.
وأدركت الحركة الشبابية اليوم بحسّها وسليقتها، إن انتصار ثورتها سيكون بوسيلة اللاعنف، هكذا إنتصرت ثورة الكرامة والياسمين في تونس، لاسيما باختيار اللحظة الثورية المناسبة، مثلما كان انتصار ثورة الغضب والنيل في مصر، التي اختارت طريق اللاعنف في مقاومة عنف السلطات الحاكمة حتى تم اجبارها على الرحيل.
كما أن مسيرات العودة التي انطلقت باتجاه الحدود مع المحتل الإسرائيلي، إنما هي تعبير مدني سلمي، حضاري، لا عنفي، لإستعادة الحقوق وإرغام العدو على التسليم بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ولعل هذه السمة السلمية، اللاعنفية، المدنية للثورات والانتفاضات المشتعلة في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، كانت المشترك الانساني، بل القاسم الأعظم للحركة الشبابية الأكثر صميمية وحداثة وتطلّع للتغيير الديمقراطي.
الحقيقة الرابعة، إنكسار حاجز الخوف الذي هو سمة للمحكومين، وسيفاً مسلطاً على رقابهم، لاسيما في ظل الأنظمة الاستبدادية، فإن مجرد كسر الحلقة الأولى منه يمكن كسر الحلقات الأخرى تباعاً وعلى جناح السرعة، بل إنه يمكن أن ينتقل الى الحكام أنفسهم، وهو ما دفع المفكر اللبناني غسان سلامة الى اعتباره مؤشراً مهماً على بداية التغيير، ولعل اللحظة التي سيكون الخوف فيها ملازماً للحكام وليس للمحكومين، ستكون الإيذان ببدء عملية التغيير، مهما اتّخذت منعرجات وإتجاهات، قد تزيد الأمر تعقيداً، لاسيما بالتدخل الخارجي، خصوصاً إذا كان عسكرياً، وحالة ليبيا مثالاً على ذلك، وإذا كانت حماية المدنيين إحدى واجبات المجتمع الدولي، فإنه حتى الآن يتم البطش بهم، بل إن معاناتهم إتّسعت وازدادت، ولم يكترث أحد للمطالبات الدولية بضبط النفس، كما أن أعداد الضحايا في تزايد مريع.
الحقيقة الخامسة، قيادة الشباب لحركة التغيير، وإذا كان الشباب في السابق هو الذي يفجّر الانتفاضات وهو وقودها على الدوام، فالأمر قد تغيّر في موجة التغيير الحالية، فقد أصبح هو من يخطط ويقود وينفّذ، بطريقة حضارية ومدنية راقية، متقدماً على الكيانات القائمة بما فيها المعارضات التقليدية وغير التقليدية، كما أثبت أنه يختزن طاقات لا حدود لها، وكان سياسياً بجدارة وعملانياً بمقدرة وبرغماتياً ببراعة، لاسيما بحيويته وديناميكيته وانفتاحه وشجاعته ورغبته في الجديد والتجديد.
الحقيقة السادسة تتعلق بالاقتراب من الوحدة الوطنية، التي طالما تخوفت وأخافت الأنظمة السياسية القائمة من تبديدها وتعرّض البلاد الى التمزّق والتشتت والتشظي وإذا كان التمسك بالهويات الفرعية مفهوماً بسبب محاولات إحتوائها أو تغييبها في ظل أنظمة شمولية وتسلطية ومركزية صارمة، الاّ أن بروزها لم يكن عامل انقسام بقدر تعبير عن واقع حال في إطار الوحدة الوطنية والهوية الجامعة ولم يبرز من خلال جميع التحركات الشعبية شعارات تقسيمية، بقدر ما أظهرت التمسك بالوحدة الوطنية، فقد تجاوزت حركة التغيير الانقسامات المجتمعية والاختلافات والآيديولوجيات الدينية والطائفية، وأنجزت ما لم تنجزه الحكومات والمعارضات بسرعة مذهلة نجحت في تحقيق أهدافها أم لم تنجح، الأمر الذي يحتاج الى الحفاظ عليه وتنميته باتجاه تحقيق الدولة المدنية العقلانية، التي تقوم على المواطنة والمساواة وعدم التمييز، وفي الوقت نفسه على تداولية السلطة سلمياً وسيادة القانون والمساءلة والشفافية .
دعوة للتفكير والتدبير!
لعل ما حصل في تونس ومصر والجزائر وليبيا والمغرب واليمن وعُمان والأردن وسوريا والبحرين والعراق، وثمة إرهاصات أخرى في عدد من البلدان العربية بما فيها بلدان الخليج، إنما هو دعوة للتفكير فيما يعكسه المشترك العربي الانساني في أوضاع بلادنا العربية المتنوعة، المختلفة والموحدة في الآن ذاته. ومثل هذا المشترك بقدر تماثله أو تشابهه أو تقاربه، فإنه يحمل اختلافه وتباعده وتمايزه أيضاً، لكن الأداء في ممارسات حركة الانتفاض والاحتجاج الواسعة، سواءً للسلطة أو معارضيها، ظلّت تحمل سمات مشتركة وهي السمات الغالبة والعامة.

سمات الانتفاضة
السمة الأولى- أن مطالب الحركة الاحتجاجية تدرّجت وإتّسعت، بل وإمتدّت على طول البلاد وعرضها، ولم تعد محصورة بأهداف فئوية أو ضيقة أو مناطق محددة، بل شملت مطالب عامة تبدأ من الاصلاح وتنتهي أحياناً بتغيير النظام، وهو ما حصل في تونس ومصر، الأمر الذي لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار فيما ستؤول اليه سياسات وإجراءات لم ترتقِ الى مستوى الأحداث وتداعياتها، فضلاً عن أنظمة، ظلّ بعضها منذ عهد الحرب الباردة مستمراً دون شعور بالحاجة الى التغيير، على الرغم من أن كل شيء حولنا يتغيّر على نحو جذري وسريع.
السمة الثانية- إنتقال العالم العربي الى دائرة الضوء دفعة واحدة، لدرجة أن قرى وبلدات ومدناً نائية ومنسيّة أصبحت اليوم معروفة عالمياً، فقد كان للثورة العلمية- التقنية وثورة المواصلات والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية " الديجيتل" دوراً كبيراً في ذلك، ولم يعد بالإمكان خنق حركة أو دفن عشرات من الأشخاص أو قهر آلاف الناس دون خَبَرٍ أوصورة، فالصورة كما نقول في الاعلام هي خبر، مثلما نقول في البحث العلمي إن "الوثيقة خبر"، وقد تُغني عن عشرات التقارير والدراسات والمقالات، ومهما حاولت بعض الجهات الرسمية منع الاعلام من تغطية الأحداث تحت مبررات مختلفة، فإن الصورة بحد ذاتها ستكون خبراً مؤثراً، وهكذا تحوّل الكثير من المواطنين ممن يلتقطون هذه الصور الى مراسلين صحفيين برغبة منهم أو دونها، لأنهم كانوا مصدر بعض الأخبار، وهكذا أصبحت الحركة الاحتجاجية جزءًا من تيار عالمي وكوني، لا على صعيد رسمي حسب، بل في إطار المجتمع المدني العالمي أيضاً.
السمة الثالثة- إن الانتفاضة وحركة التغيير وإن جمعتها مشتركات عديدة الاّ أنها ليست استنساخاً، فهي في تونس غيرها في الجزائر وفي اليمن لا تشبه البحرين، وفي مصر مختلفة عن سوريا وفي المغرب تختلف عن الاردن، وفي شمال أفريقيا لها سمات متباينة عن الخليج العربي، أي أنه لا توجد صورة نمطية يمكن اقتباسها وتعميمها لتصلح للثورات جميعاً، كأن يكون هناك انقلاب عسكري أو قيادة ثورة لحزب أو جبهات وطنية أو غيرها، بل كانت حركة شاملة خطط لها الشباب وقادها وأدار حركتها باقتدار وموهبة.
وإذا كانت هذه الحركات جميعها جزءًا من قانون طبيعي للتطور التاريخي للمجتمعات، لاسيما بعد أن طفح الكيل وفاض الكأس، فإن ما عكسته تقارير التنمية البشرية، يشكل لوحة حقيقية لأسباب اندلاعها، خصوصاً: شحّ الحريات والنقص الفادح في المعارف واستمرار تفشي الأمية التي تجاوزت 70 مليون مواطن عربي بما يقارب 20% من سكان البلدان العربية، بينهم 13 مليونا من الشباب في سن 13-24 حسب توصيفات منظمة الأسكوا (اللجنة الاجتماعية – الاقتصادية لغربي آسيا)، والحديث هنا عن الأمية الأبجدية، وهو ما يشمل التعاطي مع علوم العصر وتقنياته ووسائله الحديثة، حيث لا يزال العالم العربي بقضّه وقضيضه لا تزيد استخداماته للانترنت عن 6.1% وهي نسبة متدنّية قياساً بالنسب العالمية.
يضاف الى ذلك الموقف من المرأة ومساواتها وحقوقها وتمكينها في العالم العربي الذي لا يزال متأخراً قياساً بالتطور العالمي، حيث يعاني نصف المجتمع من تهميش وإقصاء كبيرين، كما تعاني المجتمعات العربية من مواقف استعلائية من التنوّعات الثقافية الدينية والقومية والاثنية واللغوية والسلالية، لاسيما من طرف المجموعات المتسيّدة، وهو ما يستخدم مجازاً مفهوم الأغلبية والأقلية.
السمة الرابعة– إن الثورة ليست رسماً بيانياً أو خارطة هندسية أنيقة أي أنها ليست خارطة طريق تعرف تضاريسها وحدودها سلفاً كما تمت الإشارة اليه، فهي حركة تمرّد وانتفاضة على ما هو قائم، ولا توجد ثورة في التاريخ تركت تأثيراتها من دون أن تترك انقلاباً على النظام القديم مروراً بفترة انتقالية، قد تطول وقد تقصر، وقد تشهد معاناة جديدة باتجاه بناء نظام جديد، بغض النظر عن طبيعته، لكنه سيكون نقيضاً لما سبقه، ولعل جميع الثورات صاحبها ورافقها شيء من الخراب للقديم باتجاه مرتكزات جديدة ونظام قيمي آخر، بغض النظر عما ستتركه من بعض التأثيرات السلبية أحياناً، وبمراجعة وقراءة للثورات المعاصرة الكبرى سواءً الثورة الفرنسية العام 1789 أو الاكتوبرية الروسية العام 1917 أو الإيرانية الإسلامية العام 1979، لم أجد ثورة "نظيفة" في التاريخ، بمعنى ما ينبغي وما لا ينبغي أن تقوم به، لاسيما القوى المشاركة في التغيير أو المتضررة منه.
ولهذا فإن هذه الثورات الراهنة لا يمكن الحكم عليها الاّ بعد انقضاء الفترة الإنتقالية، خصوصاً إذا تمكنت من إرساء قاعدة الصراع السلمي، المدني، حيث يكون الخيار هو صندوق الاقتراع وتداول السلطة، الذي سيحدد شرعية الحاكم وعلاقته بالمحكوم.
السمة الخامسة- إن الثورات العربية الراهنة غلب عليها طابع العفوية، أي أنها لم تكن منظّمة سلفاً أو تحت قيادة واحدة أو حتى موحدة، على الرغم من انسجام قياداتها وتوافقها. وقد نشأت حركات وتنظيمات من رحم الانتفاضات ولحظة مخاضاتها العسيرة مع مساهمات لتنظيمات قائمة، ففي حين لعبت الحركة العمالية في تونس والمغرب دوراً في التحرك، فقد نشأت حركات شبابية في مصر وتعددت وتنوّعت في إطار شبكة واسعة من الاتصالات واستخدمت ببراعة التفلّت من القيود التي فرضتها الحكومة، وقد انضم الى الشباب الثوري حركات سياسية ومؤسسات مجتمع مدني وهيئات حقوقية.
ولعل عفوية الانتفاضات لم تكن سلبية بقدر ايجابياتها حيث كفل لها ذلك التحرر من عبء الماضي والقيادات التاريخية والقيود والعقد التي قد تفرضها، كما كفل لها حرية التعاون والتنسيق فيما بينها، وباستثناء اليمن، التي كانت قوى اللقاء المشترك حاضرة في الميدان ومؤثرة في الحراك السياسي، مع الشباب المستقل، فإن الغالبية الساحقة من البلدان التي حصلت فيها تحركات شعبية كانت عفوية، ويمكن ملاحظة أن التحرك الشعبي في البحرين كان بمشاركة فاعلة من قوى منظمة، لاسيما جمعية الوفاق (الاسلامية الشيعية) وقوى أخرى، الأمر الذي أحدث نوعاً من الاستقطاب السياسي في السلطة وخارجها على مستوى البحرين وعلى مستوى دول مجلس التعاون الخليجي أو خارجها.
السمة السادسة -إن التغيرات التي حصلت في تونس أو في مصر ليست تونسية أو مصرية، وإن كانت قلباً وقالباً انعكاساً لرغبة شعبي تونس ومصر، لكنها بالقدر نفسه كانت عربية، وإن كانت جاذبيتها كونية، ولعل حركة التغيير مثل شجرة تتفرع منها أغصان أفريقية وآسيوية كثيرة، مع مراعاة الطقس والتربة والبذور ووقت قطف المحصول، وخصوصاً بيد الشباب العامل الحالم، وهذا بحد ذاته تأكيد لما هو مشترك وإنساني.
السمة السابعة- مثلما كان هناك مشتركات للشباب دفاعاً عن الحرية والكرامة والعدالة، فقد كان للحكومات مشتركات أيضاً، فقد اعترفت جميعها بضرورة الإصلاح وبأن مطالب الشباب عادلة ومشروعة، لكنها في الوقت نفسه ادّعت أن يد الخارج طويلة بحيث تمتد داخل حركات الاحتجاج، سواءً بالتحريض أو بنقل الأسلحة أو بالتدخل أو بالعلاقة مع المعارضات، وإذا كان هناك شيء من الحقيقة في ذلك وهو ما تحاول القوى الخارجية استثماره دائماً، فلا يصح إنكار المطالب العادلة والمشروعة للشعوب وإنسابها الى القوى الأجنبية والمؤامرات الدولية. ولعل الحقيقة الأساسية تكمن في أن سبب التخلف وتعطيل التنمية وعدم السير في دروب الديمقراطية، هو الاستبداد والتسلّط والانفراد، الأمر الذي ضاعف من معاناة الناس، خصوصاً وقد اختبرت الشعوب بطريقتها اليومية، والحسّية، المسبّب في شقائها وآلامها، لاسيما باستمرار ارتباط البلاد بأوضاع الاستتباع الخارجية وإملاء الارادة والخضوع للأجندات الأجنبية .
السمة الثامنة- سلمية الانتفاضات، وباستثناء الحالة الليبية التي استخدمت فيها حكومة القذافي أقسى أنواع الارهاب ضد المتظاهرين الذين لم يعد أمامهم سوى الدفاع عن النفس واللجوء الى مقاومة أساليب الحكومة، فإن الجماهير المنتفضة في العالم العربي من أقصاه الى أقصاه كانت حركتها سلمية، مدنية، احتجاجية، حتى وإن تعرّضت الى العنف، كما حصل في الجزائر والمغرب والأردن وسوريا والعراق والبحرين وعمان، إضافة الى تونس ومصر وغيرها.
وكان أمامها أساليب متنوّعة من الاحتجاج مثل التظاهر والاعتصام والإضراب والعرائض والنزول الى الشوارع وصولاً الى العصيان المدني وقد حافظت الجماهير على رباطة جأشها ولم تنزلق الى استخدام العنف أو إشعال الحرائق أو التدمير، على الرغم من أن بعض السلطات إتهمتها بذلك.
السمة التاسعة- بقدر ما كان الشباب واعياً ومتحفّزاً للانخراط دفاعاً عن مطالب وأهداف آمن بها، ومستعدًّا للتضحية من أجلها، فإن الحكومات هي الأخرى كان لها أنصارها، من أعضاء الأحزاب الحاكمة ومن مؤيدها أو المستفيدين من وجودها، ومن أجهزتها الأمنية الضاربة، وحاولت بعض الحكومات إنزال أتباعها الى الشارع لمقابلة المتظاهرين، في مظاهرات موالاة، وإن كان بينهم بعض من أطلق عليهم لاحقاً أسماء "البلطجية"، فقد اعتاد هؤلاء على ارتداء ملابس مدنية لقمع المدنيين العزّل.
وهكذا جرى الحديث عن الإندساس والمندسين أو المدسوسين، من الخارج أو من قوى داخلية، بل أن غالبية حكومات المنطقة إتّهمت حركة الاحتجاج بالتخريب ومهاجمة المرافق والممتلكات العامة والعبث بها، وأن هناك ضحايا من شرطتها وجنودها أكثر من المحتجين، بل أن أكثر من مسؤول حكومي إعتبر عدد الضحايا العسكريين أكثر من المدنيين.
السمة العاشرة- إن الحكومات جميعها ودون استثناء تمسّكت بمواقعها وحاولت مقايضة الأمن بالحريات والكرامة، وبضده سيّحل الانفلات والخراب، ملوّحة الى تنظيمات إرهابية وأصولية، لم تكن تنظيمات القاعدة والتنظيمات الإسلامية المتشددة بعيدة عنها، وذلك في عزف على "العود المنفرد" وكأنها تريد التلويح بأنها ستكون البديل الأسوأ عنها. وقد ركّزت معظم الحكومات العربية على إثارة المخاوف الداخلية والخارجية من أن أي تغيير محتمل سيؤدي الى عدم الاستقرار والانفلات الأمني والى الفتنة سواءً دينية أو طائفية، ففي مصر تم التلويح الى الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، وفي البحرين والعراق بين السنّة والشيعة، وفي سوريا بين العلويين والسنّة مع إثارة مخاوف المسيحيين وفي اليمن بين الزيدين والسنّة والحوثيين وفي الأردن بين الأردنيين والفلسطينيين وهكذا.
أما على الصعيد الخارجي فإن التركيز يتم على تنامي نشاط التيار الديني في مصر أو تمدد القاعدة في اليمن، أو الهجرة الواسعة الى أوروبا من شمال أفريقيا أو النفوذ الإيران في العراق والخليج ولبنان.
السمة الحادية عشر- تتلخص بلجوء الأنظمة جميعها الى مواجهة الانتفاضة بالبطش أولاً ثم التخفيف من حجمها وقدرتها في التغيير، مقابل استعراض قطاعات واسعة من أنصارها، وعندما تتسع الحركات الاحتجاجية، تلجأ الحكومات الى استخدام القوة المفرط، وتلوّح من جهة ثانية بالتغيير، إضافة الى حزمة من الاجراءات والمزايا الاقتصادية والوعود السياسية، وكلّما كان المتظاهرون يرفعون من سقف المطالب كانت تلجأ السلطات الى العنف مجدداً والاعتقال ورفع سقف الاتهامات.
لماذا بعد الاحتجاجات مباشرة يعد الرئيس التونسي السابق بن علي الشعب التونسي بـ 300000 (ثلاثمائة ألف فرصة عمل) لمواجهة البطالة لخرجي الجامعات والمعاهد العليا ويعمد الى خفض أسعار بعض المواد الغذائية. كما أقدم على إقالة الحكومة وشكّل حكومة محلها بقيادة الغنوشي، وفعل مبارك الشيء نفسه عند إقالة حكومة أحمد نظيف عشية رحيله معترفاً بسوء آدائها الإقتصادي . ولجأت الحكومتان الى تشكيل لجان قانونية ودستورية لتعديل الدستور.
ولجأت المملكة العربية السعودية الى إجراء استباقي بمناسبة عودة الملك عبدالله بن عبد العزيز معافى فأصدرت 20 أمراً ملكياً شملت بعض الاصلاحات لبعض المؤسسات، إضافة الى صرف راتب شهري لجميع الموظفين والطلاب الجامعيين ورفع بدلات غلاء المعيشة ونسبة 15 % من الراتب وبناء 500000 وحدة سكنية ورفع قيمة القرض العقاري واستحداث 60000 ستون الف وظيفة داخل وزارة الداخلية.
أما في سوريا فقد إتخذ النظام عدداً من الإجراءات منها: إلغاء حالة الطوارئ المفروضة منذ العام 1963 وإلغاء محاكم أمن الدولة المشكّلة منذ العام 1968 وتقديم وعود بالتعددية والحريات وتشكيل لجنة للحوار ورفع الرواتب إضافة الى تشكيل حكومة جديدة، لم تكن سوى من القماشة ذاتها. وفي الجزائر تبنّى الرئيس بوتفليقة إجراء تعديلات دستورية وقانونية والشروع بفتح حوار مع المعارضين لوضع تعديلات قانونية. أما في اليمن فقد كانت لجنة الحوار تواصل عملها، على الرغم من العقبات وتقوم وتقعد وتنام وتستيقظ، ويوافق الرئيس ويمانع حتى جاءت مبادرة مجلس التعاون الخليج التي ظلّت في حالة معلقة طيلة شهرين مع تعديلاته واقتراحات كثيرة بتنحي الرئيس، على الرغم من المناورات الكثيرة، لكن العنف أخذ يتصاعد.
كان ينبغي على الحكومات إتخاذ إجراءات سياسية سريعة للتمهيد لخطط الإصلاح الطويلة الأمد، فالحلول الأمنية والعسكرية والإقتصادية لن تأتي بالحل السحري دون حل سياسي وتوافق وطني، وهو الأمر المطلوب لعملية التغيير والتدبير.
السمة الثانية عشر- إن حركة الاحتجاج سحبت البساط من تحت الكثير من الأنظمة السياسية التي إهتزّت شرعيتها، الأمر الذي يحتاج الى صياغة عقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم على حد تعبير المفكر اللبناني غسان سلامة، فالتغيير ليس مجرد هلوسات أو مجموعة مخربين مدعومين من الخارج أو كفّار بنعمة الأمن والاستقرار أو دعاة تغريب، بل حركة شعبية عارمة يتطلب قراءتها بتبصّر وبُعد نظر من جانب الأنظمة والقوى السياسية المختلفة، جاءت بعد تراكمات لعقود من السنين.
السمة الثالثة عشر- إن التغيير لم يعد نزوة فكرية أو رغبة لنخبة من المثقفين أو المنشقين أو الليبراليين، بل أصبح مطلباً شعبياً عاماً، أجمعت قوى وتيارات فكرية وسياسية عليه بما فيها بعض أجنحة من الأنظمة الحاكمة ذاتها، حتى وإن اختلفت وتباعدت مناهجها وأهدافها، فقد أدرك الجميع إن قطار التغيير قد بدأ ولا يمكن وقف مساره أو تغييره، لكنه قد يتعثر أو يتأخر أو ينحرف، الاّ أنه سيصل في نهاية المطاف، مهما كانت المعوّقات، فالاصلاح والديمقراطية والحريات ومكافة الفساد وتلبية الحقوق الانسانية، أصبحت حاجة ضرورية ماسة، واستحقاقاً ليس بوسع أي مجتمع أن يتنصل عنه، وهو "فرض عين وليس فرض كفاية".
السمة الرابعة عشر- عودة الطبقة الوسطى الى الواجهة في قيادة عمليات التغيير لاسيما في مراحل التغيير الأولى، خصوصاً استخدام التقنيات الحديثة، على الرغم من تعطيل الكثير من الأنظمة خدمات الانترنت والهاتف الجوال والفيس بوك والتويتر، لكن الشباب إلتجأ الى أساليب جديدة، تمسكاً لحرية التعبير والحق في التنمية.
السمة الخامسة عشر- الوحدة الوطنية، فقد تجاوزت حركة التغيير الانقسامات المجتمعية والاختلافات والآيديولوجيات الدينية والطائفية، وأنجزت ما لم تنجزه الحكومات والمعارضات بسرعة مذهلة، الأمر الذي يحتاج الى الحفاظ عليه وتنميته باتجاه تحقيق الدولة المدنية العقلانية التي تقوم على المواطنة والمساواة وعدم التمييز، وفي الوقت نفسه على تداولية السلطة سلمياً وسيادة القانون والمساءلة والشفافية.
السمة السادسة عشر- ارتفاع رصيد المعرفة والاعلام، اللذان شكّلا خلفية مهمة لنجاح حركة التغيير، فما امتلكه الشباب من معارف، تم توظيفها من خلال الاعلام وتكنولوجيا المعلومات، فقد كان للاعلام دور تعبوي وتنظيمي هائل ولم يعد بإمكان أحد حجبه، فالعالم أصبح قرية صغيرة، وما جرى في سيدي أبو زيد البلدة النائية، أصبح بعد لحظات أمام أنظار العالم كلّه. وقد ساهمت القنوات الفضائية دوراً تحريضياً مباشراً وغير مباشر مهنياً أو غير مهني وذلك لنقل الخبر والصورة وكسر حالة التعتيم ومحاولة تقديم صورة مغايرة، الأمر الذي عرّض بعضها الى الاغلاق ومنعت بعض الدول أية وسيلة إعلام أجنبية لتغطية الأحداث .
السمة السابعة عشر- إن الحكومات لم يعد بإمكانها إنكار المطالب المشروعة للشعوب ولحركات الاحتجاج المستمرة، لكنها سعت الى تأجيلها أو تسويفها أو احتوائها، لاسيما بإدعاء علاقتها بعناصر خارجية مشبوهة أو أنها خاضعة لأجندات أجنبية، وهي جزء من مؤامرة غربية، أو أن قوى متطرفة وقد تكون ارهابية هي من يقودها أو يقف خلفها أو من يحرّضها على العنف، وإذا كان لا يصح إنكار أو الاستهانة ببعض المشاريع والأجندات الخارجية أو الإرهابية الخارجية، لكن ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى عدم استجابة الحكومات لمطامح شعوبها، لأنه لا يجوز إنكار المطالب المشروعة والعادلة للحركة الاحتجاجية، فالغزاة والغلاة يجدون الفرصة سانحة كلّما إستحكم الطغاة وأداروا الظهر لشعوبهم. وبقدر امتلاك الجماهير خبرة بفن الانتفاضة فقد امتلكت الحكومة خبرة لمواجهتها.
السمة الثامنة عشر- ارتفاع رصيد المؤسسة العسكرية في معادلة التغيير، واتضح هذا الدور على نحو حاسم في مصر وتونس، حيث ساهمت في حقن الدماء، لاسيما بعد أن وصلت المواجهة الى لحظة حاسمة. وفي وضع ليبيا واليمن فقد انقسمت المؤسسة العسكرية، وإنحاز قسم منها الى الجماهير المحتجّة، أما القسم الآخر فبقي مع النظام خصوصاً في التركبية العشائرية وانحيازاتها المسبقة، وفي سوريا والعراق والبحرين والاردن فقد كان الجيش مع النظام، الأمر الذي يقف حجر عثرة أمام تحقيق التغيير المنشود، وقد اضطرّت قيادات الجيش الايعاز له للنزول الى الشوارع للسيطرة على الأوضاع، كما حصل في المغرب والجزائر والاردن وسوريا والمملكة العربية السعودية والبحرين وعمان.
خاتمة
لا يمكن قراءة الواقع بمنظار آيديولوجي وتفصيله طبقاً لمواصفات إرادوية، تحت حجج ومزاعم مختلفة، منها: زعم الحكام بتأييد شعوبهم لهم، وأن كل ما يقال عن وجود معارضات ليس سوى أصابع تحركها قوى خارجية، وأن البديل عن الحكومات القوية، سيكون الفوضى، وقد تقفز القاعدة أو التيارات الاسلاموية الى الواجهة، وأن الانتفاضة لا تعني سوى التخريب والدمار، بدلاً من الأمن والأمان الذي تحفل به هذه البلدان، ناهيكم عن التلويح لمعادلات خارجية بعضها يتعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي.
لعل الأوضاع الراهنة تتطلب قراءة منهجية نقدية تاريخية " سياسية- اجتماعية " لواقع عملية التغيير ببعدها القانوني، خصوصاً وأن ما يجري في العالم العربي هو جزء من تغيير كوني سبقتنا اليه أوروبا الغربية وبعدها أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، بل أن بعض بلدان آسيا وأفريقيا تقدّمت علينا وظلّت البلدان العربية وكأنها خارج دائرة التغيير العالمي، وهنا لابدّ من قراءة هذا السياق التاريخي على نحو هادئ رغم سخونة الأوضاع، ولا بدّ أيضاً من إعادة قراءة الواقع بواقعيته وليس بإرادوية، سواءً كانت مفرطة بالتفاؤل أو مزدحمة بالتشاؤم، بالنسبة للتجارب الناجحة (تونس، مصر) أو للتجارب القائمة التي تتراوح بين التقدم والتراجع، فأوضاع ما بعد اندلاع الثورات الناجح منها أو الذي لا يزال في المخاض، لا تشبه ما قبلها وينبغي أخذ ذلك بنظر الاعتبار، وبالطبع فإن فترة الانتقال قد تطول في بعض البلدان وقد تقصر، وقد تشهد تصدّعات أو تدخل في مماحكات سياسية، وقد تتعثر أو حتى تشهد اضطرابات واحترابات وانفلاتات أمنية، لكن المؤكد أن الماضي أصبح ماضياً ولا يمكن إعادته أو التشبث بأذياله.
الثورة بقدر إبطالها ووقفها القوانين السابقة والسائدة، لا بدّ أن يكون لها قانونها، الذي ينبغي أن يكون ديمقراطيا، في إطار التعددية واحترام حرية التعبير وحق الاعتقاد وحق التنظيم وحق المشاركة السياسية، فمرحلة الشرعية الثورية قد انتهت ولا بدّ من شرعية دستورية يقبل بها ويصوّت عليها الشعب صاحب الكلمة الأخيرة، والأمر له علاقة بتوازنات القوى والتطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فضلاً عن علاقته بالسوق والقوى المنتجة والمالكة والعاملة.
وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الدول التي لم تنجح فيها (الانتفاضة)، وهو بحاجة الى مبادرات وحوارات، لاسيما وأن أسباب الانتفاضات لا تزال قائمة وستكون كامنة في ظل توتر اجتماعي، ويمكنها أن تندلع في أية لحظة، وسواءً حصل التغيير بفعل انهيار النظام أو إصلاحه وإجراء تعديلات أساسية في بنيته، فالوضع يتطلب مراجعات جريئة بشأن السلطة السياسية الحاكمة ومآلها، لاسيما إجراء انتخابابت حرّة في إطار تداول السلطة سلمياً وسن قوانين ودستور جديد يستوعب التطور الكوني الحاصل في هذا الميدان.
كما يتطلب فتح حوار مع مؤسسات المجتمع المدني والفاعليات والأنشطة السياسية والثقافية، ومقاربة لتجارب دولية ناجحة وفاشلة، مثلما هو بحاجة الى مقاربة النظراء نجاحاً أو فشلاً، ولا بدّ من وضع ميثاق شرف جديد يحرّم استخدام العنف وإلغاء كل ما له علاقة بالتمييز لأسباب قومية أو دينية أو جنسية أو لغوية أو سلالية أو اجتماعية أو الرأي السياسي.
كما يتطلب الأمر من منظمات المجتمع المدني، ولاسيما حركات حقوق الانسان التفكير بأساليب عمل جديدة والاستعداد لمواكبة المرحلة القادمة التي تقتضي بناء ومتابعة وتدريباً، وهذا يحتاج الى بناء ستراتيجيات جديدة ووضع أولويات لعملها في ضوء التحديّات التي تواجهها، كما ينبغي عليها الانخراط في عمل شعبي لاسيما في أوساط الشباب، إذ لم يعد مقبولاً الطابع النخبوي لهذه المنظمات، خصوصاً بوجود أنشطة تطوعية مهمة تحتاج الى المزيد من التأهيل والمهنية.
هذه المقاربات ستكون قراءة في ربيع السياسة العربية اليوم، بعد حلول خريف الآيديولوجيا، فالمسألة لا تتعلق بإرادوية بقدر صعود نجم السياسة وأفول نجم الآيديولوجيا



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شروط أوباما الفلسطينية
- إقليم السنّة العراقي: التباس التاريخ
- ديناميكية مغربية
- حين تصبح العدالة ميداناً للصراع الدولي!
- منهج ماركس لا يزال صحيحاً لكنه لا يصلح لنا الآن
- الربيع العربي وحرية التعبير
- التسامح والرمز
- هل تتقطّع خيوط واشنطن في بغداد؟ التعويضات ومعسكر أشرف
- ثلاثة ألغام أمريكية جديدة في العراق
- عبد الكريم الأزري: المشكلة والاستعصاء في التاريخ العراقي
- السلام يُصنع في العقول
- كوبا الحلم الغامض- كتاب جديد
- فقه التجديد والاجتهاد في النص الديني
- الشاعر أحمد الصافي.. التمرّد والاغتراب والوفاء للشعر
- قانون التغيير وتغيير القانون
- في العقول يبنى السلام وفي العقول يتم القضاء على العنف
- فصل جديد من الدبلوماسية الأمريكية
- سعد صالح.. سياسي كان يسيل من قلمه حبر الأدب
- إمبابة وأخواتها
- التنمية وحقوق الطفل: المشاركة تعني الحماية


المزيد.....




- استطلاع: فوز التحالف اليميني في انتخابات إيطاليا البرلمانية ...
- -فراتيلي ديتاليا-.. ماذا يعني وصول يمين الوسط إلى السلطة في ...
- برلماني أوروبي: الناخبون الإيطاليون لقنوا الاتحاد الأوروبي د ...
- بلينكن: العالم لن يعترف بانضمام مناطق الاستفتاء إلى روسيا
- اليابان.. استنفار رسمي عشية تشييع رئيس الوزراء شينزو آبي
- مواجهات عنيفة بين مجموعتين مسلحتين غرب العاصمة الليبية
- صاعقة تضرب طائرة ركاب في إيطاليا
- يعزلون روسيا عن حلفائها
- مقتل طفل وإصابة 7 مدنيين في اشتباكات مسلحة في مدينة الزاوية ...
- روسيا ترد على تحذير واشنطن من استخدام النووي وزيلينسكي يتحدث ...


المزيد.....

- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ
- إشكالية وتمازج ملامح العشق المقدس والمدنس / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الحسين شعبان - الشباب وفن الانتفاضة: خريف الآيديولوجيا وربيع السياسة!