أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - قاسم حسين صالح - نحو بناء نظرية في الابداع وتذوق الجمال في العالم العربي (الحلقة الأولى )















المزيد.....



نحو بناء نظرية في الابداع وتذوق الجمال في العالم العربي (الحلقة الأولى )


قاسم حسين صالح
(Qassim Hussein Salih)


الحوار المتمدن-العدد: 2300 - 2008 / 6 / 2 - 11:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


استهلال في حكاية

كان الملك الإغريقي يشك فيما اذا كان تاجه مصنوعا من الذهب الخالص أو مطليا بالذهب وتحته مادة أخرى كأن تكون الخشب مثلا . وللتحقق من ذلك استدعى العالم أرخميدس وطلب منه ، وفي طلبه صيغة تحدّ ، أن يخبره بحقيقة تاجه شرط أن لا يحدث أي ضرر فيه ، وتلك هي المشكلة التي تحتاج الى حلّ فريد من نوعه . فكيف له أن يعرف أن التاج مصنوع من الذهب الخالص أم لا من غير أن يحدث فيه خدشا بسيطا أو يفتح فيه ثقبا دقيقا ولو بإبرة !.
أخذ أرخميدس يفكر بالحلّ ..ثم نحّى الموضوع جانبا . وذات يوم دخل الحمّام ليستحم . وعندما وجد جسمه يطفو في حوض الحمّام ، قدحت في رأسه فكرة لحلّ المشكلة . ..بأن يضع التاج في الماء ويقيس كمية الماء المرتفع في الحاوية التي يوضع فيها . فقد كان يعرف كمية الماء التي يزيحها الذهب وتلك التي تزيحها المواد الأخرى الأقل كثافة كالخشب مثلا . وبهذه الطريقة سيعرف ما إذا كان التاج مصنوعا من الذهب الخالص أم لا ، من دون أن يحدث أي ضرر في التاج الذي يحبه الملك كثيرا . وفي ومضة اللحظة هذه خرج أرخميدس الى الشارع وهو يصيح فرحا ( Eureka ) ، أي ( وجدتها !). وهذا هو الإبداع ..أن يأتي الإنسان بحلّ فريد من نوعه لمشكلة معينة .

الإبداع .. إشكالية تعريف .
يرى الباحثون في مجال الإبداع أن الإبداع يعني : القدرة على جعل النتاجات البشرية ، مثل السمفونيات أو حلول المشكلات الاجتماعية ، تتسم بالجدّة وذات قيمة للآخرين ( Lahy , 2001 P. 284). أو هو القدرة على التفكير بخصوص شيء ما بطريقة جديدة وغير مألوفة ، ينجم عنها حلول فريدة للمشكلات (Sentrock, 2000, P.310). أو هو تلك العملية المعرفية التي تؤدي الى نتاج شيء ما يتسم بالأصالة واستحقاق الأهمية (Sternberg ,2004 ,P. 528). ويعرّفه تورنس بأنه عملية تحسس للمشكلات ، والوعي بمواطن الضعف والثغرات وعدم الانسجام والنقص في المعلومات ، والبحث عن حلول والتنبؤ ، وصياغة فرضيات جديدة ، واعادة صياغتها أو تعديلها من أجل التوصل الى حلول أو ارتباطات جديدة باستخدام المعطيات المتوافرة ، ونقل أو توصيل النتائج للآخرين (Torrance, 1993). فيما يعرّفه جيلفورد بأنه سمات استعدادية تضم الطلاقة في التفكير والمرونة والأصالة والحساسية للمشكلات واعادة تعريف المشكلة وإيضاحها بالتفصيلات أو الإسهاب (Guilford,1986 ).
وتعّرف الموسوعة الفلسفية العربية الإبداع بأنه إنتاج شيء جديد أو صياغة عناصر موجودة بصورة جديدة في أحد المجالات كالعلوم والآداب والفنون . و تعرّفه الموسوعة البريطانية الجديدة بأنه القدرة على إيجاد شيء جديد كحل لمشكلة ما أو أداة جديدة أو أثر فني أو أسلوب جديد (The New Encyclopedia Britannica ,1992). فيما يعرّفه قاموس علم النفس بأنه تعبير يستخدمه المختصون وغيرهم للإشارة الى العمليات العقلية التي تؤدي الى حلول أو أفكار أو أشكال فنية أو نظريات أو نتاجات فريدة أو جديدة ( في : جروان ،2002 ، ص:20 ).
وهنالك من يرى أن الإبداع هو تعبير جمالي أو ذاتي للفرد ، ومن أمثلتها تعريف جزلين
( Ghislen ,1955 ) الذي يرى أن الإبداع عملية تغيير وتحوّل في تنظيم الحياة الشخصية للفرد . فيما يرى راندRand أن الإبداع ما هو إلا إضافة جديدة للمعرفة المتراكمة عبر تاريخ البشرية . ويرى لوينلفد Lowenfeld أن الإبداع هو محصلة العلاقة الشخصية للفرد مع غيره ومع محيطه .
وفي كتابه (الإبداع - Creativity ) الصادر عام 1996 الذي تضمن نتائج دراسات شملت أكثر من تسعين مبدعا ، توصل Csikszentmihalyi الى أن الإبداع عملية تؤدي الى إحداث تغيير في المجال الرمزي لحضارة ما ، وذلك من خلال التفاعل النشط في إطار منظومة من العناصر تضم الفرد ومجاله المعرفي وأهل الخبرة في حقل الاختصاص . فيما يعرّفه جروان بأنه (الإبداع ) مزيج من القدرات والاستعدادات والخصائص الشخصية التي اذا ما وجدت بيئة مناسبة يمكن أن ترقى بالعمليات العقلية لتؤدي الى نتاجات أصيلة ومفيدة سواء بالنسبة لخبرات الفرد السابقة أو خبرات المؤسسة أو المجتمع أو العالم ، اذا كانت النتاجات من مستوى الاختراقات الابداعية في أحد ميادين الحياة الإنسانية ( جروان ، 2002 ، ص : 22 ).
إن تعدد التعاريف وتنوعها ، يعزى الى أنه لا توجد نظرية واحدة في تفسير الإبداع . وستظل الإشكالية قائمة الى أن يصار الى تحديد مفهوم الإبداع بدقة ووضوح . ومن جانبنا فأننا نقترح التعريف الآتي :
الإبداع عملية عقلية معرفية تمتاز بنوع من التفكير الراقي ، يفضي الى إنتاج
منجز يحظى بالقيمة والأهمية ، ويضيف الى المعرفة شيئا جديدا في ميدان
تخصصه يثير المتعة والدهشة .

وثمة اشارة هي أن بعض الباحثين يفضل تداول مفردة ( ابتكار ) ، وهو الشائع في دراسات كليات التربية ، فيما يفضل آخرون مفردة ( إبداع ) ، وهو الشائع في دراسات أقسام علم النفس وكليات الفنون الجميلة . ونرى أن مفردة ( الإبداع ) أنسب في مجالات العلوم الإنسانية ، لاسيما الفنون والآداب . ومفردة ( الابتكار ) أنسب في مجالات العلوم التطبيقية لاسيما الهندسة والطب . هذا وترد ( أبدع ) في مختار الصحاح بمعنى اخترع الشيء لا على مثال ، فيما تعني ( ابتكر ) أدرك الشيء من أوله ، و(باكورة ) الشيء هي أوله .
تصور مقترح للابداع

إن الإبداع نشاط إنساني محكوم بالعمليات العقلية المنجزة من قبل الدماغ . ونرى انه يحدث بتوافر ثلاثة شروط أساسية :
الأول : الإنسان من حيث تكوينه الحياتي ( البايولوجي ).
الثاني : نوع وكم التنبيهات التي يتعرض لها الإنسان .
والثالث : الحضارة والتغير الاجتماعي .

أولا": التكوين الحياتي للفرد.
الجهاز العصبي للأنسان هو اعقد جهاز وأرقى مستوى يبلغه تطور المادة العضوية عبر ملايين السنين في هذا الكون ، وما يزال فهم جميع وظائفه أمرا" يحوطه الغموض . والنفس البشرية ـ من جهة أخرى ـ ما يزال فهمها أمرا" بعيدا" عن الكمال ، بالرغم من الجهود المتواصلة والمضنية التي بذلها ويبذلها علماء النفس بشكل خاص . وعندما تصبح القضية متعلقة بفهم وظائف أعقد جهاز في علاقته بأعقد تكوين .. أي عندما نصبح بصدد محاولة فهم العلاقة بين الأحداث الجسمية والكيميائية وبين الأحداث النفسية مثل الإدراك الحسي والدافعية والتعلم والإبداع ، فأننا نكون بلا شك أمام مهمة عسيرة وشاقه .
وتطرح في هذا المجال أربع وجهات نظر تفسر السلوك بأربعة أنواع من الحتميات هي : الحتمية النفسية ، والحتمية البيئية ، والحتمية البايلوجية ، والحتمية الاجتماعية - الحضارية . وابرز من يمثل الحتمية الأولى ( النفسية ) هو فرويد ، عندما طرح فرضية التركيبية البنائية بخصوص العقل Structural hypothesis وقال بأنه تتكون من ثلاث قوى نفسية : ألهو id ، الأنا ego ، والانا الأعلى super ego . وأن هذه القوى الثلاث تتفاعل باستمرار ، وأنها في حالة صراع لتباين أهدافها ودوافعها ، وأن السلوك محتم بسيادة إحدى هذه القوى وطريقة تعاملها مع الدوافع المكبوتة.
ويمثل الحتمية البيئية واطسن والسلوكيون عموما"، الذين يرون بأن السلوك محتم بالتنبيهات التي يتسلمها الفرد من بيئته الطبيعية والاجتماعية عبر أجهزته الحسية . ويعدّ التعلم في ضوء مبادئ الاشراط بنوعيه ( الكلاسيكي –بافلوف ، والإجرائي – سكنر ) المبدأ الرئيس في فهم السلوك بوصفه نتاج حتمي لخبرات حسية تتبعها استجابات وثواب عقاب.
أما الحتمية البايلوجية فيمثلها كثيرون ( انظر ستيفن روز واخرين 1984 ) يعزون السلوك الى خصائص جسدية فطرية ، واختلافاته تعود الى اختلافات في التركيبة البايلوجية للأفراد . ولقد استطاع علم الوراثة أن يحرز تقدما" هائلا" في العقود الأخيرة وخصوصا" دراسة الصفات الوراثية عبر الأجيال عن طريق الأحماض النووية ، وظهور نظريات علمية جديدة تزيد من إبراز دور الوراثة في السلوك . بل أن بعض هذه النظريات فسّر السلوك كله بالوراثة ، وكأنها العامل الوحيد أو أهم عامل يوجّه الحياة . وتعزز هذا التوجه الخارطة البايلوجية ( الجينوم البشري ) التي تعد أهم اكتشاف علمي يستقبله القرن الواحد والعشرون.
والحتمية الرابعة يمثلها منظور أو توجّه ظهر حديثا هو المنظور الاجتماعي الثقافي Socialcultural Perspective ، يقوم على افتراض :أن شخصياتنا ، ومعتقداتنا ، واتجاهاتنا ، ومهاراتنا ،هي متعلمة من الآخرين . وأن من المستحيل فهم الشخص بشكل كامل من دون فهم ثقافته أو حضارته Culture ، وهويته العرقية Ethnic Identity ، وهوية نوعه Gender Identity . أي أنه ينظر الى هذه لعوامل على أنها أساسية من أجل فهم السلوك ، والتفكير ، والانفعال ، والمعتقدات ... والمنجزات .( صالح ، 2005 ) .
إننا لسنا مع أية حتمية تقدم تفسيرا" أحاديا" للسلوك ، الذي نعدّه حصيلة تفاعل تكوينات وعوامل وراثية وعقلية ونفسية وثقافية وبيئية... على جانب كبير من التعقيد ، بل ومذهل .
على أننا نعدّ الجهاز العصبي للأنسان هو المسؤول المادي عن عملية الإبداع ، وأن عملية الإبداع هي من وظائف الجهاز العصبي ، وان الناس ـ بشكل عام ـ يولدون وهم مزودون بأجهزة عصبية متماثلة من حيث طبيعتها التكوينية . وهذا يعني أن أي طفل سوّي التكوين يحمل الأساس المادي لأن يكون مبدعا" .
والسؤال هنا : هل هذا يعني أن أي طفل يولد سليم التكوين مهيأ لأن يكون مبدعا" ؟ . الإجابة بنظرنا : ( نعم في الأغلب ) من حيث توافر الشرط المادي للإبداع . أما لماذا يكون بعض الأفراد مبدعين وغيرهم غير مبدعين ، فأن الأمر يتعلق بشروط أخرى غير هذا الشرط .
غير أن السؤال الأكثر إثارة للجدل هو : لماذا يبدع بعض الأفراد في نشاط محدد ( الرسم ، الموسيقى ، الشعر ، الطب ، الهندسة ، الرياضيات ، ....... ) ولا يبدعون في غيره ؟ .
لقد استعرضنا عددا" من النظريات والتفسيرات في هذا المجال ، من هلمهولتز ولودفيج ودببوا ريمون وبركه في القرن التاسع عشر ، الذين فسروا كل العمليات الجسدية بلغة فيزيوكيميائية ، ثم الماديين الميكانيكيين ( موليشوت تحديدا" ) الذين فسروا المخ بأنه يفرز الفكر كما تفرز الكلية البول . ثم أولئك الذين ادّعوا أن الملكات البشرية يمكن تجزئتها الى وحدات متفردة : قدرات مثل الرياضيات ، أو ميول حب الموسيقى أو حب إنتاج الأطفال ( جول وشوبور مسنهايم تحديدا" ) ، ثم أولئك الذين درسوا أمخاخ العباقرة بعد موتهم ( ومنهم لينين وانشتاين ) . وانتهاء" بتفسير الشفرة الوراثية في القرن العشرين ، وكتابات ولسن ( البيولوجيا الاجتماعية : التركيب الجديد ) وريتشارد دوكنز ( الجين الأناني ) ودراسات أيزنك وكاتل .... ودراسات أخرى ، فوجدنا نظرية بافلوف ووجهة نظر نوري جعفر ( التوليفية ) تصلحان لأن تشكلان أساسا" مقبولا" للتفسير المادي المخي لعملية الإبداع . وسواء كان عدد أنماط الجهاز العصبي المركزي للأنسان ثلاثة ـ كما يرى بافلوف ـ أو أكثر ، وان هناك ست مناطق حسية وجبهية في المخ ـ كما يرى نوري جعفر ـ أو أكثر، فأننا نتفق معهما بأن المحصلة النهائية هي أن الأجهزة العصبية لدى البشر تتباين في استجاباتها للتنبيهات . وأن هذا التباين اذا لم يكن راجعا" الى تكوين فسلجي فأنه يعود الى أن الجهاز العصبي المركزي للأنسان يتطور وظيفيا" عندما يتعرض الى تنبيهات معينة دون أخرى . وعليه فأننا نفترض وجود اختلافات وظيفية في الأجهزة العصبية للأفراد ناتجة عن انشغال هذه الأجهزة بتطوير استجابات معينة . وان أمخاخ المبدعين تكون قد تطورت وظيفيا" في المجالات التي ركزوا انتباههم على تنبيهاتها ، فتطورت لديهم بالخبرة والمران ، طرائق في إدراكهم للتنبيهات وتحليلهم لمعلوماتها ، تقود الى تقديم استجابات ( أو نتاجات ) غير تقليدية . وان هذا الافتراض النظري يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار أن المخ البشري يتكون من حوالي مائة ألف مليون من الخلايا العصبية تتصل فيما بينها برقم فلكي من المسارات ( 10أس 14 ) أي مائة مليون مليون .
نخلص من ذلك الى أن الجهاز العصبي والتطور الوظيفي لخلايا المخ في نشاط معين ، يطور بالتبعية استعدادا" فسلجيا" للإبداع في ذلك النشاط الذي ينشغل به الفرد.

( الشرط الثاني ..في الحلقة القادمة )


نحو بناء نظرية في الابداع وتذوق الجمال في العالم العربي

(الحلقة الثانية)

أ.د.قاسم حسين صالح
رئيس الجمعية النفسية العراقية

أشرنا الى أن الابداع نشاط محكوم بالعمليات المنجزة من قبل الدماغ ، وأنه يحدث بتوافر ثلاثة شروط أساسية ، تحدثنا عن شرطه الأول المتعلق ب(التكوين البيولوجي للفرد )ونتحدث فيما يأتي عن شرطه الثاني.

ثانيا" : نوع وكم التنبيهات التي يتعرض لها الفرد
تتباين التنبيهات ( سواء كانت طبيعية أو اجتماعية ) بتباين البيئات التي يعيش فيها الأفراد . ويقصد بالتنبيه أية إشارة أو رسالة تحمل معلومة وتصل دماغ الإنسان عبر أجهزته الحسية . بمعنى أن هناك بيئات تكون تنبيهاتها اكثر في الكم وأغزر في المعلومات من بيئات أخرى تكون تنبيهاتها محدودة ومعلوماتها مكرره . وأننا نميل الى الاعتقاد بأن البيئات الفقيرة بتنبيهاتها يندر أو يقل فيها أفراد مبدعون ، وان وجدوا ففي مجال أو مجالات محدودة ، فيما تكون البيئات الثرية بتنبيهاتها صالحة لأن يظهر فيها مبدعون أكثر وفي مجالات متنوعة . وإذا كانت هذه المسألة مثيرة للجدل في تفصيلاتها ، فأنها تبدو مقبولة في إطارها العام ، شرط تحديد مصادر مواصفات البيئات الغنية بالتنبيهات . ويمكن إجمالها بالآتي :

أ . أساليب التنشئة الأسرية .
لايمكن لأي منظّر في الشخصية أن يغفل أو ينكر دور الأسرة في نمو شخصية الطفل وتطورها . ذلك أن التنشئة الاجتماعية لها دور رئيس في تشكيل شخصية الإنسان وتحقيق عدد من الوظائف الأساسية ، من بينها : اكتساب المعرفة والقيم والاتجاهات ، فضلا على اكتساب العناصر الثقافية للجماعة وتشرب الفرد لثقافة المجتمع الذي يعيش فيه .
وهنالك كم هائل من الدراسات يفيد بوجود علاقة بين أساليب التنشئة الأسرية وبين شخصية الطفل واهتمامه ، ومستوى دافعيته ، وعمليات عقلية لها صلة بالإبداع . ففي سبيل المثال ، تشير الأدلة الى أن الإسناد الدافعي للطفل من قبل الأبوين ، وتشجيعه على الممارسة المستقلة لها أهمية بالغة في تكوين دافع التحصيل لديه . وأن نمو دافع الاستطلاع لدى الأطفال يرتبط ارتباطا" وثيقا" بنوع السلوك الذي يبديه الوالدان ( تريفرز ، 1979 ، صالح ، 1988) . فيما التحكم الوالدي المستبد والتدخل المجحف في أمور الأبناء يعمل على كف التفكير المنطلق لديهم فلا تجد القدرات الابتكارية متنفسا طبيعيا لها للظهور والتطور( بكر، 2005 ،ص 10 ). وتشير الدراسات الى أن الناس ذوي تقدير الذات العالي ينظرون الى أنفسهم كونهم قادرين على مواجهة الصعوبات في الحياة من دون الحاجة الى الاعتماد على مساعدة الآخرين ، وأن دافعيتهم الى التحصيل الدراسي والإنجاز أقوى مقارنة بذوي تقدير الذات المنخفض . علما" بأن الأسرة ( ومن ثم الأصدقاء ) لها التأثير البالغ في نمو مفهوم الذات وتقديرها (Shaver 1977 Verma,1985). وهنالك دراسات أخرى تشير الى أن ما يميز عددا" من الفنانين المبدعين أنهم ولدوا ونشأوا في أسّر لها موقف إيجابي من الفن عموما" . وان أسرهم كانت تتقبلهم وتحترم ميولهم واهتماماتهم . وأن الممارسة الديمقراطية التي يتبعها الآباء مع أبنائهم ومنحهم حرية التعبير تعدّ من العوامل المهمة في نمو شخصياتهم وتحقيق ذواتهم وتنمية الخيال والقدرات الابداعية لدى الأطفال (أنظرصالح في دراسته عن : بيكاسو وغويا وجواد سليم ،1990) . وفي دراسة ميدانية أحدث وجد بكر ( 2005 ) علاقة إيجابية بين الأسلوب الديمقراطي الذي يعتمده الوالدان وبين مستوى التفكير الإبداعي لدى أبنائهم ، وعلاقة عكسية بين الأسلوب التسلطي الذي يعتمده الوالدان وبين مستوى التفكير الإبداعي لدى أبنائهم . وفي دراسة أخرى تبين أن معظم الأطفال المبدعين نشأوا في أسّر مستقرة بعيدة عن التوترات والضغوط الانفعالية ( قطامي وعدس ، 2002 ) .
نخلص من النتائج التي توصلت إليها دراسات ميدانية وأخرى أكاديمية الى أن لأساليب التنشئة الأسرية علاقة بنمو القدرات الابداعية وتطورها . وان الطفل الذي يعيش في جو أسّري ينعم بالدفء ويستعمل معه الوالدان أساليب تنشئة سليمة نفسيا" تمنحه الحرية والاستقلال والتشجيع على اكتشاف ما حوله وطرح الأفكار دونما خوف من نقد أو سخرية وتعرّضه لتنبيهات متنوعة ، فأن هذه الأجواء النفسية الأسّرية تعمل على تنمية العمليات العقلية ، لاسيما تلك التي لها صلة بالإبداع ( مثل : الاستطلاع ، حل المشكلات ، الدافعية ، مواقف فيها تحديات مناسبة ، ..... ) وبه يتوافر للطفل واحد من الشروط الأساسية لأن يكون مبدعا" في المستقبل .

ب . المدرسة والمناهج .
لعل المهمة الأساسية للمدرسة والمناهج التربوية في هذا المجال هي تحريك السلوك باتجاه الإبداع . ولا يحدث هذا التحريك ما لم تكن التنبيهات التي يتسلمها الطالب في المدرسة متنوعة وتحمل معلومات تحدث في الجهاز العصبي للطالب نوعا" من النشاط الفعّال ، يبعده عن حالة الركود والخمول ، التي تحدث في العادة عندما يتسلم الجهاز العصبي للإنسان تنبيهات مكررة أو خالية من المعنى بما يتعلق به . ونرى أن الوظيفة الجوهرية للمدرسة هي تعميق وتكوين الاستعدادات المبدعة للطالب أو تحريض النشاط الإبداعي لديه ، من خلال التعلم الذي نعدّه واحدا" من العوامل الأكثر أهمية في التطور بشكل عام ، والإبداع بشكل خاص ، اذا فهمنا التعلم بأنه أحداث تغيير في السلوك .
وبطبيعة الحال فأن إبداع الطفل يختلف عن إبداع الكبار ، فإبداعه يكون جديدا" عليه . مثال ذلك حلّ مشكلة رياضية من قبله تختلف عما تقرره المادة الدراسية ، أو عما يقدمه التعلم ، فيعدّ مثل هذا الحل إبداعا" وان كان غير جديد على المعلم ، ويمكن أن يكون منبئا أو مؤشرا" لإبداع لاحق . ولقد ذكر تايلور عدة مستويات من الإبداع التعبيري الذي ينطوي على شيء من التعبير المستقل ، ويمكن أن يشكل بالتالي قاعدة الأساس . فالرسوم التلقائية بخصائصها العفوية والحرة عند الطفل يمكن أن تكون مثالا" عن الإبداع التعبيري . وعلى أساس ذلك يمكن أن تتطور المواهب تدريجيا" . وبقدر ما يمنح الطفل إمكانية العفوية والاستقلالية يمكن أن يكون مبدعا" فيما بعد ( Taylor,1960). وتشير الدراسات الى أن ظهور الاستقلالية يعدّ نشاطا" إبداعيا" وان ظهور حب الاستطلاع والحيوية والتصور الفني والاتجاه نحو النشاط والبحث والحاجة الى النجاح والتقويم ... تعدّ المحرّكات الأولية لأي فعل إنتاجي أصيل عندما تتم بصورة تلقائية لدى الطفل . وإنها تشكل نقطة الانطلاق العاطفية ـ الدافعية في عملية التعليم لتربية الاستقلالية والأصالة ( رو شكا ,1989 ) .
ويستطيع المعلم أن يرفع مستوى تحريك السلوك لدى التلاميذ عن طريق إعداد المواقف التي فيها تحديات مناسبة لاستثارة دافعيتهم . كما يستطيع المعلم أن يقدم الكثير للتلميذ ليصبح قاعدة أمينة يستطيع أن ينطلق منها لاستقصاء العالم المحيط به . إن هذه الأساسيات في تكوين الاستعدادات الابداعية لدى التلاميذ تسهم في تكوين اعتقادات واستراتيجيات البحث العلمي عندما يصبحون يافعين . فلقد أشارت إحدى الدراسات الى أن 40% من عينة الأشخاص المبدعين الذين درستهم كانوا قد نشروا أبحاثا" وهم طلبة في مجالات تخصصهم ( رو شكا ، 1989 ) .
وإذا كان الاهتمام ينصب في المراحل المتوسطة على تكوين الاتجاه نحو البحث واعتيادات البحث العلمي لدى الطلبة ، فان الاهتمام بالتعليم الجامعي ينصب على تكوين الاستعدادات لأجل البحث والقيام تدريجيا" بأبحاث فعلية . والاهتمام بالنشاطات الجماعية ، لاسيما في العلم والتقنية ، من خلال فريق البحث العلمي التي تعتمد على تبادل الآراء والأفكار في حلّ المشكلات . ويمكن تنظيم دروس خاصة لتكوين التفكير الإبداعي ، مستفيدة من تجارب عدد من الجامعات الأجنبية ، والبرامج التي وضعها بارنس parnes من جامعة بفالو ، وبرامج أخرى . حيث تعطي للطلبة إمكانية التفكير الحر والتصور الإبداعي بعيدا" عن التقليدية وعدم الخوف من الوقوع في الخطأ ، أو الإحساس بصعوبة عزل المشكلة وممارسة الطرائق في الحل المبدع للمشكلات ، مثل مبدأ المحاكمات المؤجلة وطريقة العصف الذهني .
وفي فترة المراهقة ، عندما تبدأ الاستعدادات والاهتمامات بالظهور والتمايز، وأيضا" في فترة التعليم الجامعي ، ينبغي أن يشجع التلميذ أو الطالب على اختصاص معين على وفق ما يظهره من ميل لذلك . فجذب الانتباه لكل المواد بصورة متساوية قد يعيق ظهور الاستعداد والإبداع في مجال معين .
إن الكلام عن هذا الموضوع يحتاج الى صفحات عديدة ، بعد أن اصبح واحدا" من الموضوعات الجوهرية في التربية في النصف الثاني من القرن العشرين ، واكتسب أهمية جديدة في القرن الواحد والعشرين ، عندما أدركت الأنظمة السياسية والمؤسسات الاجتماعية أن التطور في مجالاته المتعددة يسهم الإبداع في تحقيقه بدرجة كبيرة . ونريد أن نشير الى أن الصفة الغالبة على المدارس في البلدان العربية ، والعراقي بشكل خاص ،أنها تفتقر الى الكثير من مقومات الإبداع سواء في مناهجها أو طرائق تدريسها أو في أجوائها وأنظمتها العامة ، الى درجة أن سيئات أو سلبيات أنظمتنا التربوية انعكست على شخصيات طلبتنا.
ففي دراسة حديثة نسبيا" هدفت الى معرفة الخصائص الشخصية التي يفضلها طلبة المرحلة الثانوية ( عمر 13 ـ 18 سنة ) بمدرسيهم ، تبين أن الصفة التي احتلت المرتبة الأولى في تفضيلهم هي أن يعطي المدرس أسئلة امتحانية واضحة ومن صلب المقرر الدراسي . ويبدو أننا نشذ عن العالم المتقدم . فهذه النتيجة لم تظهر في الدراسات العالمية المماثلة التي أكدت على الخصائص الإنسانية والديمقراطية المتمثلة بالتعاون والمشاركة الوجدانية والمرح والبشاشة وحب الطلبة والاهتمام بهم وتقدير آرائهم والقدرة على توضيح المعلومات الصعبة والعدل وعدم التمييز والقيادة الديمقراطية للطلبة ( صالح ،1990 ) .أما أن يكون التفضيل الأول لطلبتنا في شخصيات مدرسيهم بأن يعطي المدرس أسئلة امتحانيه واضحة من صلب الكتاب المنهجي ، فأن ذلك ينبهنا الى أن نظامنا التربوي جعل من الامتحانات محور اهتمام الطلبة وأولياء أمورهم وحتى المدرسة . ونظام بهذه المواصفات لا نتوقع منه إن يخرّج مبدعين بالنسب المئوية المقبولة . بل حتى ربما تكون المدرسة ، على وفق هذا النظام ، عائقا في نمو الإبداع وتطويره . فالسّير التاريخية لكثير من المشاهير تذكر بأنهم كانوا تركوا المدرسة أو تعرضوا لفشل متكرر فيها ، لأن مناهجها التربوية ما كانت مصاغة بشكل تتضمن تحديات مناسبة لقدراتهم . وأجواءها كانت مضجرة ، والنشاطات فيها تقليدية لا تساعد على تنمية الخيال الإبداعي أو التقاط الأفكار أو تكوين التصورات .... أي أن تنبيهاتها كانت محدودة وفقيرة من حيث معلوماتها . وقس على ذلك مثلا : دارون واديسن وبيكاسو وعالم النفس أدلر وجان جاك روسو واميل زولا وطه حسين .
إن إحدى المهمات الأساسية للتعليم هي أن لا تكون وظيفة المحاضرة تحويل الكلمات أو العبارات التي يتلقاها الطلبة الى مجرد تجمعات فكرية ثابتة ونظريات بحالها يختزنونها كما هي . ويظل الطلبة ومحتوى المحاضرات غريبا" كل منهما عن الأخر ، ويصبح الطالب مالكا" لمجموعة من العبارات والصيغ التي توصل إليها أشخاص آخرون . بل أن يستقبلوا في المحاضرة تنبيهات فكرية منبهة للعقل ، يتجاوبون معها بطريقة تنشّط فيهم العملية الفكرية وتثير في آذانهم أسئلة وأفكارا" جديدة ... ويصبح كل واحد منهم بعد المحاضرة غير ما كان قبلها . وواقع الحال أن التعليم في الأنظمة التربوية العربية من الابتدائية الى الجامعة ، يقوم على التلقين وحشو الذاكرة الذي ينتج بالضرورة عقلا يأخذ بالأمور كما لو كانت مسلمات دون أن يتحاور معها بفكر ناقد . وبهذا صاغ النظام التربوي العربي عقولا عودها على أن( تستقبل ) لا على أن ( تحاور ) .
إن أصعب المعوقات أمام الإبداع في أنظمتنا التربوية ( والتربويون يعرفون كم هي كثيرة هذه المعوقات ) هي أننا لا نعمد الى تحديث مناهجنا بالسرعة التي يتطور بها العلم ( يفصلنا عن التقدم في عدد من العلوم اكثر من ربع قرن ) . وان فعلنا فأن معظم محاولاتنا تكون كسيحة أو عرجاء . ولا نفعل مثلما حدث للنظام التربوي في أمريكا بعد إطلاق الاتحاد السوفيتي السابق لقمره الاصطناعي 1957 عندما وضع المواطنون الأميركيون جملة قيمهم العلمية موضع الشك ، خصوصا" الطرائق والمناهج العلمية (Parnes ,1962) . فقد عمدت على اثر هذا الحدث الإبداعي المدهش الى إعادة النظر بنظامها التربوي . ففي مقالته الموسومة " الثورة الهادفة " أشار تورنس الى أن الولايات المتحدة بدأت منذ مطلع الستينات في القرن الماضي بثورة خفية في أهداف وطرائق التربية بتوظيفها نحو الحل الإبداعي للمشكلات ، والتعبير الإبداعي أيضا . وصار الاهتمام بالإبداع والمبدعين من أولويات الدول المتقدمة . إذ يشير أرنولد توينبي الى أن الأفراد المبدعين هم المصادر الأساسية في المجتمع . ونضيف الى قوله أن قراءة التاريخ في مجالات السياسة والنظم الاجتماعية والعلوم التطبيقية والفنون ... تجعلنا نستنتج بأن المبدعين هم الذين يغيرون العالم ومسار التاريخ أيضا ، بل وحتى تغيير الأنموذج الذي ننظر من خلاله الى الكون والأشياء والطبيعة البشرية ، وقس على ذلك مثلا غاليلو وانشتاين وفرويد .
وفي هذا السياق يشير جيلفورد الى " أن صياغة طريقتنا في الحياة وضمان مستقبلنا يقومان على أهم مواردنا القومية وقدراتنا الابداعية على وجه الخصوص ". ويذهب هارولد اندرسون الى القول بان الإبداع لا تكمن أهميته فقط في كونه عملية إنتاج تشهد كل لحظة ولادة جوهرة ذات قيمة عالية ، بل تتعداها الى أن الإبداع صار ضرورة من ضرورات الحياة . فيما ينبّه روبنسون الى أن الاقتصاد وسوق العمل في القرن الواحد والعشرين يمر بتغيرات تفوق التصور تحدثها " ثورة هادئة " تشبه الثورة الصناعية بحجمها وتأثيرها ، لاسيما الإنجازات الابداعية في مجال التكنولوجيا ( في : بكر ، 2005 ، ص 4) . ولقد عملت الدول المتقدمة بذلك وسارت باتجاه رعاية الإبداع والمبدعين بدءا من مرحلة الدراسة الابتدائية ، فيما دول العالم العربي منشغلة بأمورها السياسية وخلافاتها العقائدية وصراعات الأخوة الأعداء وأمراضها الاجتماعية والمؤسسية ، وفي مقدمها الفساد الإداري لاسيما في العراق الذي صار إحدى الدول العشر الأولى الأكثر فسادا في العالم !.

(الشرط الثالث ..في الحلقة القادمة )
_______________________________________________________

نحو بناء نظرية في الابداع وتذوق الجمال في العالم العربي

(الحلقة الثالثة )

أ.د.قاسم حسين صالح
رئيس الجمعية النفسية العراقية

تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن الشرطين الأول والثاني لحدوث الابداع في عالمنا العربي، ونستكمل في الآتي شرطه الثالث.

ثالثا : الحضارة والتغيير الاجتماعي .
يشير مفهوم الحضارة culture الى " الطرائق المشتركة في التفكير والتصرف التي تنشأ من خبرة الجماعة وتنتقل من جيل الى أخر " ( Krueger & Kluckhohn, 1963). وتعني أيضا" " طريقة الحياة ، والمعرفة ، والمعتقدات ، والعادات ، والمهارات السائدة في المجتمع " ( Bromm,1981 ).
ولكل حضارة رموزها . ونعني بالرمز symbol أيّ شيء يمثل شيئا" أخر ( مثل كلمة قلم ) . ويضفى المعنى على الرمز من قبل الذين يتداولونه . ولكل حضارة قيمها values التي تتعلق أساسا" بما هو مهم لأفرادها . من قبيل : الحرية ، المساواة ، الفردية ، الخصوصية ، الحياة الجيدة ، وغيرها من القيم التي تؤثر بشكل فعال في طريقة الحياة التي يعيشها أفراد تلك الحضارة . ويعبّر عادة عن القيم بمعايير أو موجّهات الحضارة . وترتبط الحضارة ارتباطا" وثيقا" بالتنظيم الاجتماعي . ونعني بالتنظيم الاجتماعي social organization العلاقات بين الأفراد والجماعات ، وكذلك العلاقات المحكومة بالقواعد الحضارية .
ويمكن النظر الى الحضارة كعامل أو متغير تابع ، بأنها تتأثر بقوى أخرى . فالتطور التقني يحدث تغييرا" في التنظيم الاجتماعي، وهذا يحدث بدوره ، تغييرا" في الحضارة . كما يمكن النظر الى الحضارة كمتغير مستقل عندما تصبح قوة تقود الى التغيير في الأنماط الاجتماعية.
وهذا يعني أن للحضارة تنبيهاتها ، وان هذه التنبيهات تتغير سواء في الكم أو في نوعية ما تحمله من معلومات . وبرغم أن الحضارة تؤثر بأوجه متعددة وبعوامل عديدة تأخذ صيغا" معقده من التفاعلات ، فأننا سنلتقط مؤشرا" واحدا" نعتقد انه أحد العوامل ـ إن لم يكن أهمها ـ الذي يؤثر بشكل حاسم في ظهور الإبداع ، ذلك هو : نوعية التغيير الاجتماعي الذي يحصل للمجتمع .
إن التعرض لهذا الموضوع يحتاج الى صفحات عديدة ، لكننا نختصر فنقول بأن المجتمعات المعاصرة تعرضت الى نوعين أساسيين من التغيير الاجتماعي ، يميل كاتب هذه السطور الى أن ينحت لهما مصطلحين هما ( التغيير المنتظم ) و ( التغيير المنفلت ) .
ففي النوع الأول ـ التغيير المنتظم ـ يكون إيقاع هذا التغيير متوازنا" ومحكوما" بضوابط محددة . منها مثلا" ، أن الدراسات تشير الى أن الانتقال من موقع مهني الى موقع مهني أعلى يكون متأثرا" أساسا" بثلاثة عوامل جوهرية هي :
1. مقدار التعلم ، أي التحصيل الأكاديمي الذي حصل عليه الفرد .
2. طبيعة أو نوعية أول عمل زاوله .
3. مهنة الوالد .( hawer, 1975) .
ويشير الباحثون الاجتماعيون الى وجود نوعين رئيسين من الحراك الاجتماعي social mobility هما : الحراك العمودي vertical والحراك الأفقي horizontal . ويقصد بالحراك العمودي التغيير صعودا" أو هبوطا" في رتبة أو مكانة الفرد والجماعة ، فيما يشير الحراك الأفقي الى التغير الذي لا يتضمن حراكا" من مرتبة الى أخرى (Bromm,1981) .
ونستطيع القول بأن الأفراد في المجتمع الذي يسوده ( التغير المنتظم ) في الحراك الاجتماعي ، يشعرون بأن التحصيل العلمي والعلم هما الأداتان أو الوسيلتان الأساسيتان اللتان يصلون عن طريقهما الى مكانة اجتماعية واقتصادية أعلى . كما أنهم يشعرون بهذا القدر أو ذاك من الاطمئنان على مستقبلهم ما دام الحراك في البناء الهرمي للمجتمع لا يؤدي الى انهياره.
أما النوع الثاني من التغيير ( التغير المنفلت ) فأنه لا يكون في العادة محكوما" بضوابط ( التغير المنتظم ) . إذ لا يعود التعليم والعمل هما الأداتان الأساسيتان لبلوغ مكانة اجتماعية واقتصادية معينة. كما أن الإيقاع في الحراك لا يكون متوازنا"، ويسوده في الغالب نوع واحد من الحراك هو ( الحراك العمودي ) وبشكل غير متوازن أيضا" ، يحصل فيه أن تصعد مهنة في مواقع متدنية الى مواقع أعلى ، وتهبط مهنة من مواقع عليا الى مواقع دنيا.
إن هذا النوع من التغيير يحدث آثارا سلبية خطيرة سواء على صعيد الفرد أم على صعيد المجتمع . فهو يلغي عرفا أو تقليدا أو حقيقة سائدة في المجتمعات التي يسودها التغيير المنتظم والمتمثلة بأن الذي يحصل على تعليم عال يحصل ، في الغالب ، على دخل أعلى من أولئك الذين هم أقل منه في مستوى تعليمهم . كما أنه يربك المنظومات القيمية ومعاييرها في المجتمع. فعندما يحتل الأستاذ الجامعي أو المهندس ، في سبيل المثال ، المرتبة الثالثة في سلّم المكانة الاجتماعية ، فان المنطق يفترض أن يحتل مكانة مماثلة أو مقاربة في سلّم المكانة الاقتصادية للمهن . ويغدو لا منطقيا أن يحتل المرتبة العشرين عليه فيما يحتل الإسكافي المرتبة الخامسة عشرة في السلّم نفسه ، كما حصل في سنوات الحصار الثلاث عشرة في المجتمع العراقي ، حيث نزل الأستاذ الجامعي من المرتبة الرابعة التي كان يحتلها في سنوات الستينات الى المرتبة الرابعة والعشرين في سنوات التسعينات! ( صالح ، 1997 ) . فضلا عن الكوارث الجديدة التي حلّت بالإبداع في العراق بعد 9/4/2003 ، ومنها أن اشغال الوظائف المهمة في مؤسسات الدولة جرى معظمها على أسس طائفية أو عرقية أو حزبية .فضلا على استهداف المبدعين لاسيما بين الأطباء والأكاديميين ، الذين قتل منه ما يزيد على ألف عقل مبدع ، وهجرة آلاف من العقول المبدعة الى امريكا والدول الأوربية.
ويترتب على ذلك نتائج أخطر تؤثر في وحدة المجتمع وطموحات أفراده ، ومنها الإبداع . فعندما لا تعود قيمة العلم والحصول على الشهادة مجزية من الناحية المادية ، فان الكثير من أفراده قد يعزفون عن مواصلة العلم ( الطريق الى الإبداع الراقي ) والاتجاه الى أعمال لا إبداع فيها ، بل لأنها تحقق عائدا ماديا أسرع وأوفر . فضلا على أنه يضعف من حماس العاملين في الميادين العلمية ، ويولّد حالة من اللااكتراث بالمعايير العلمية ، والشعور بالاغتراب النفسي والاجتماعي الذي يدفع ببعض الذين يمتلكون قدرات إبداعية الى الهجرة ، أو الانكفاء على الذات . وتتضاعف الكارثة اذا انعكس ذلك على طموح الناشئة فيغيرون أهدافهم عندما يجدون بأنه لا جدوى من العلم .
نخلص من ذلك الى أن المجتمع الذي يحكمه ( التغيير المنتظم ) أشبه ما يكون بالبستان أو الحقل الذي يتوافر فيه الماء والهواء والتربة الجيدة ، تنبت فيه الأشجار وتورق وتطرح ثمرا شهيا . بمعنى أنه يوفر مناخا أو أجواء صحية أفضل للإبداع بالموازنة مع المجتمع الذي تسير فيه الأمور ( بالتغيير المنفلت ) . ذلك لأننا نفترض أن المناخ الاجتماعي في المجتمع الذي يحكمه ( التغيير المنتظم ) تتوافر فيه ثلاثة شروط جوهرية لظهور الإبداع وتطوره لا تتوافر بالحالة نفسها في المجتمع الذي يسوده ( التغيير المنفلت ) ، تلك هي :
1. العدالة في تطبيق القوانين والمعايير الاجتماعية .
2. المساواة بتوفير الفرص في مجالات الحياة كافة .
3. الحرية في الفكر والتعبير والسلوك .
وبطبيعة الحال فان هذه الشروط لا تتوافر بصيغ مثالية في المجتمعات المعاصرة ، غير أنها تتوافر بقدر أفضل في المجتمعات التي يسودها التغيير المنتظم بالموازنة مع المجتمعات التي يسيطر عليها التغيير المنفلت . وتوافر هذه الشروط يشعر الفرد بأن الفرصة متاحة له في أن يبدع ، وأن ينال التكريم – الاعتباري بالدرجة الأولى – حين ينجز عملا إبداعيا . وكما يقول أفلاطون (( من يكن مكرّما في بلد ما فسيكون إنتاجه لهذا البلد )) ، وسيعمل أيضا على إغناء حضارته . ومثل هذا المناخ الاجتماعي يوفر الفرصة للإبداع الجماعي أيضا . فالإبداع لا يعني أن يكون فرديا بالضرورة . فاختراع ( الترانسيستور ) الذي أحدث ثورة إلكترونية ، كان إنجازا لمجموعة من الأفراد لا من فرد واحد .
لقد تحدثنا عن الحضارة لنعني بها الثقافة أيضا ، بالرغم من أن بعض علماء الاجتماع يفرقون بين المفهومين ، فيحددون الثقافة بالأفكار والمبتدعات الإنسانية المتعلقة بالأساطير والدين والأدب ، ويحددون الحضارة بالمبتدعات الإنشائية المتعلقة بمجالات العلوم المادية والتكنولوجيا . فيما يتعامل آخرون معهما ( الحضارة والثقافة ) بوصفهما مترادفين . غير أن الفريقين ينظران الى الثقافة بأنها تشمل كل المعايير والغايات ، وأشكال السلوك والنظم التي يؤمن بها الإنسان بوصفه عضوا في جماعة . كما تضم الأفكار والمثل العليا التي يسترشد بها الإنسان في توجيه السلوك أو في تبرير هذا السلوك . ولا يختلف علماء الاجتماع على أن الثقافة تعني كل ما أنتجه الفكر البشري من أشياء مادية أو فكرية ، غالبا ما يكون للمبدعين فيها أو فيهما النصيب الأوفر .
وفي هذا السياق نشير الى عامل مهم له دور في إذكاء الإبداع هو التثاقف Acculturation ونعني به التغير الثقافي الذي ينجم عن الاتصال أو التمازج بين الثقافات . فكلما كانت الثقافة منفتحة على الثقافات الأخرى كلما أدى ذلك الى تلاقح الأفكار وتطويرها وإنضاجها ، ومن ثم تجسيدها بمنجزات إبداعية . ونرى أن أحد العوامل التي تجعل حضارة ما أوفر حظا في الإبداع هي تلك التي يكون فيها التثاقف بلا خطوط حمراء . ونعتقد أن أهم ما تحتاج إليه شعوب الشرق الأوسط في المرحلة الحالية هو إشاعة التثاقف فيما يخص مسألتي الحرية والديمقراطية ، حيث هما للإبداع كما الماء والهواء للشجر .
_____________________________________________________

نحو بناء نظرية في الابداع وتذوق الجمال في العالم العربي
(الحلقة الرابعة )

أ.د.قاسم حسين صالح

الخصائص المميزة للمنجزات الابداعية

بالرغم من وجود طرائق عديدة لوصف الحالة المعقدة للعقل البشري ، فأن مصطلحي ((الذكاء )) و ((الإبداع )) هما من أكثر الأوصاف تداولا ، سواء في لغة الإنسان العادي أو في المناقشات العلمية بين الاختصاصيين . ومن الواضح أن المصطلحين يحملان معاني كثيرة ، غير أنه ليس واضحا تماما تحديد الكيفية التي يختلفان بها . فقد عمد علماء النفس ، في محاولتهم جمع البيانات المتعلقة بخصوص الاختلافات بين الذكاء والإبداع ، الى تطبيق اختبارات تتطلب استجابات غير عادية ، وتتضمن قدرات مختلفة بالموازنة مع الاختبارات التقليدية للذكاء . غير أنها تعرضت الى النقد . ومنذ عام 1963 أشار جولان Golan الى أن الذكاء ليس أداء على اختبار ، وأن الإبداع أكثر من أداء على اختبار . وما نحتاج إليه لفهم العلاقة بين الإبداع والذكاء ليس فقط بيانات ، بل تنظيم مفاهيمي أيضا .
ولقد عمد جاكسون وميسك Jackson & Mesick , 1971 الى استعمال مصطلحين هما (صحيح correct ) و ( جيد good ) . وأشارا الى أن الاختبارات الحالية لقياس القدرة الابداعية فشلت في التمييز بين الاستجابات ( الصحيحة ) والاستجابات ( الجيدة ) . فإذا سألت : ما حاصل ضرب 15 × 15 فأن الجواب إما أن يكون صحيحا أو غير صحيح . ولا يمكن أن تكون هنالك إجابات إبداعية أو غير إبداعية على مثل هذا السؤال . والقصد من ذلك أن استجابة (صحيح ) تناسب الذكاء ، فيما تناسب الإبداع استجابة (جيد ) . وهذا لا يعني الافتراض بأن المعيار المنطقي ينطبق أساسا على النتاجات العلمية فيما يجري تقويم النتاجات الفنية بمعايير أقل منطقية . بل أنها يمكن أن تنطبق على الذي يؤلف سمفونية كما هو الحال فيما يخص المهندس الذي يصمم جسرا مثلا .
لقد ظل ( الذكاء والإبداع ) ينظر إليهما كما لو كانا مفهوما واحدا الى عام 1950 الذي شهد انعقاد مؤتمر الجمعية الأمريكية لعلم النفس ، ودعا فيه رئيسها حينذاك ( جيلفورد ) الى ضرورة التمييز بين الإبداع والذكاء كمفهومين مختلفين بالرغم من تداخلهما .
لقد أوضح جيلفورد بأن اختبارات الذكاء لا تصلح لقياس الإبداع ، لأن الإبداع يعتمد على التفكير الافتراضي أو التباعدي Divergent thinking، فيما تكون اختبارات الذكاء مصممة لقياس القدرة على التفكير التقاربي Convergent thinking . وأنها تتطلب إجابة محددة صحيحة ، فيما ينبغي أن تكون اختبارات الإبداع لها إجابات عديدة ومتنوعة ، وبعضها يمتاز بالأصالة والتفرد . وهذا ما فعله تورنس لاحقا" ، بعد أن تم الاتفاق على أن الإبداع يختلف عن الذكاء . وصار مقبولا" القول بوجود شخص ذكي جدا" لم يتمكن من تقديم عمل مبدع ، وشخص مبدع جدا" دون أن يكون على نفس المستوى من الذكاء .
كذلك جرى تمييز الإبداع عن مفهوم آخر هو ( الموهبة ) . وأقر الباحثون المعاصرون مبدأ التمايز بين مفاهيم الذكاء والإبداع والموهبة . وقالوا بأن الموهبة غير الذكاء ، والذكاء غير الإبداع ، والإبداع غير الموهبة . وكما إن الذكاء على أنواع : الذكاء العملي والذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي والذكاء الموسيقي ......... فأن الإبداع على أنواع : الإبداع الفني ، والإبداع العلمي ، والإبداع التقني ... وكذا الحال فأن الموهبة على أشكال أيضا".
على أن هذا لا يعني وجود حدود فاصلة بين هذه المفاهيم الثلاثة ، فالدراسات الحديثة عملت على تأطير العلاقة بين الإبداع والذكاء والموهبة . ويبدو الأنموذج الذي طرحه رنزولي مقبولا". ومفاده أن القدرة الابداعية جزء من الموهبة ، وان القدرة العقلية العامة أو الذكاء هي أيضا" جزء من الموهبة . وان الموهبة ناجمة عن تداخل ثلاثة مكونات أساسية هي : الإبداع والذكاء والدافعية ( Renzulli,1979) .
وعلى وفق هذا الأنموذج فأن الموهوب ينبغي أن يكون مبدعا" وذكيا" بقدرة عقلية فوق المتوسط ، في الأقل ، وان تكون لديه دافعية قوية . أما توافر مستوى رفيع من القدرات الابداعية فليس كافيا" بمفرده ، وان كان ضروريا" لوجود الموهبة ( جروان ،2002 ، ص 28 ) .
وثمة إضافة لها دلالة بخصوص الذكاء . ففي عام 1921 وجّه رئيس تحرير مجلة (Journal of Educational Psychology ) الى أربعة عشر من علماء النفس المشهورين هذا السؤال : ما الذكاء ؟ . وحصل منهم على إجابات متنوعة يمكن تصنيفها في نوعين ، الأول : إن الذكاء يتضمن الكفاية ( الكفاءة ) أو القدرة على التعلم من الخبرة . والثاني : إن الذكاء يعني قابلية الفرد على التكيف مع المحيط .
ويبدو أن الذكاء له معان مختلفة عندما يأخذ سياقات مختلفة . فالتاجر الناجح يتمتع بنوع من الذكاء غير الذي يتمتع به الطبيب الجرّاح الماهر . ومخرج الأفلام السينمائية المتميز يتمتع بذكاء غير الذي يتمتع به عالم الفيزياء ، وقس على ذلك حالات أخرى . بل أن معنى أو دلالة الذكاء تختلف من حضارة الى أخرى . وأن ما يعدّ ذكاء في حضارة معينة قد لا يعدّ كذلك في حضارة أخرى . فالصينيون في تايوان يعدّون مهارات الاتصال بالآخرين وفهم الذات من أهم صفات الذكاء ، فيما الفلاحون في كينيا يعدّون الذكاء مهارة معرفية ، فيما الأمريكيون ينظرون الى الذكاء بأنه لا يتضمن فقط مهارات سلوكية ومهارات معرفية ، إنما أيضا جوانب انفعالية (ٍSternberg , 2004,P: 522 ).
ولهذا السبب فأنه من الصعب تصميم اختبار للذكاء يصلح تطبيقه عبر الحضارات المختلفة ، بالرغم من وجود محاولات لتذليل هذه الصعوبة . واحدة منه قائمة على نظرية جاردنر ( الذكاء المتعدد Multiple Intelligences ) والقائلة بأن الذكاء ليس بنية أو تركيبة construct مفردة أو موحّدة بمكّون واحد ، إنما هو على أنواع أشار الى ثمانية منها مستقلة نسبيا عن بعضها البعض ، هي : الذكاء اللغوي الذي يستعمل في قراءة كتاب أو كتابة رواية أو قصيدة شعر أو فهم الكلام المنطوق ، والذكاء الرياضي المنطقي الذي يستعمل في حلّ المشكلات الرياضية والتفكير المنطقي ، والذكاء المكاني الذي يستعمل في الانتقال من مكان الى آخر أو قراءة الخرائط ، والذكاء الجسمي الذي يستعمل في الرقص ولعب كرة السلة والركض ، والذكاء الموسيقي الذي يستعمل في تأليف السمفونيات أو أداء الأغاني أو عزف الموسيقى ، والذكاء الاتصالي الذي يستعمل في الاتصال بالآخرين وفهم سلوك الآخر ودوافعه وانفعالاته ، والذكاء الشخصي الذي يستعمل في فهم الفرد لنفسه وقدرته على تغييرها ، والذكاء الطبيعي الذي يستعمل في فهم الطبيعة . وأضاف بأن كل نوع منها نظام منفصل يؤدي وظيفة خاصة به ، بالرغم من أن هذه الأنظمة يمكن أن تتفاعل فيما بينها لتنتج ما نصفه بالذكاء ( Gardner , 1993 ).
وهنالك محاولة Sternberg في نظريته الثلاثية The Triarchic Theory التي يرى فيها أن الذكاء يتضمن ثلاثة جوانب هي : التعامل مع العالم الداخلي للشخص ، والتعامل مع الخبرة ، والتعامل مع العالم الخارجي . وأن الذكاء يعالج المعلومات لخدمة ثلاث وظائف هي : التكيف للبيئة ، وتعديل البيئة ، وخلق أو انتقاء بيئات جديدة ( Sternberg , 2004 ).
وثمة مسألة مثيرة للجدل هي أن البحوث الحديثة أشارت الى وجود علاقة معتدلة (modest ) ولكنها ذات دلالة إحصائية بين حجم الدماغ والذكاء (Vernon,2000 ) .أي كلما كان حجم الدماغ كبيرا كلما كان مستوى الذكاء عاليا ( والإبداع بالتبعية ) . غير أن هنالك إشكالية في الموضوع تتمثل بصعوبة معرفة سبب هذه العلاقة ما اذا كان كبر حجم الدماغ يؤدي الى الذكاء أم الذكاء يؤدي الى كبر حجم الدماغ ، أو ربما وجود متغير ثالث في هذه العلاقة . غير أن المهم في الأمر ليس كبر حجم الدماغ إنما كيفية استثمار الإنسان لقدرات وقابليات دماغه .
هذا ويرى معظم علماء النفس المعاصرين أن الذكاء يمكن تطويره وأن مهارات الذكاء يمكن تعلمها ،غير أنهم يختلفون بشأن درجة أو مستوى هذا التطوير والوسائل المستخدمة في بلوغه . وفي هذا ما يوضح الفرق بين الذكاء والإبداع من وجهة نظر أكثر حداثة .

معايير الحكم على النتاجات الإبداعية
طرح عدد من الذين انشغلوا بالإبداع خصائص أو معايير يقولون بوجوب توافرها في الشيء للحكم عليه بأنه نتاج إبداعي ( انظر في سبيل المثال : ,1965 ,WallachVernon,1973 ، Guilford1967 ) . وفي ضوء هذه الأدبيات ، سنحاول تقديم تصور مقترح لمعايير الحكم على النتاجات الإبداعية ، نوجزها بالآتي :
1. اللاعادية أو الاستثنائية .
يمكن إضفاء صفة اللاعادية unusualness أو الاستثنائية على نتاج ما في ضوء النتاجات التي تقدمها الجماعة التي ينتمي إليها صاحب ذلك النتاج . فنحن نقارن رسم طالب في المرحلة المتوسطة مثلا" برسوم أقرانه في المرحلة نفسها ، وليس بالصيغة المطلقة ، أي رسوم الكبار أو الفنانين مثلا" . وهذا يعني أن وجود جماعة مرجعية تعد مسألة أساسية في كونها تخدم كمعيار في ( لا عادية أو استثنائية ) نتاج ما .
ويمكن أن نستعين بمفهوم ( الأصالة originality ) الذي طرحه جيلفورد . ولكن يلزمنا في هذه الحالة أن نستبدل المفاهيم العامة بمفاهيم إجرائية تؤدي بسهولة الى البحث التجريبي . فقد تم الاعتقاد بأنه لا توجد أصالة في فكرة ما إلا عندما تكون الفكرة جديدة تماما" . في حين يرى البعض ( سبيرمان مثلا" ) أن كل شيء يفعله الفرد يكون جديدا" ، فيما يرى جيلفورد بأن الأصالة تعني القيام باستجابات غير معتادة أو غير مألوفة .
2. الملاءمة أو المناسبة
بالرغم من أن الحكم على " اللاعادية أو الاستثنائية " يعد الخطوة المنطقية الأولى في الحكم على الابداعية ، غير أن النتاجات التي تقّيم على أساس هذا المعيار بمفرده يمكن أن تقود الى تجميع غريب يتضمن أشياء أو عناصر شاذة ، الأمر الذي يتطلب معيارا أخر هو الملائمة أو المناسبة Appropriateness . ومن شروط هذا المعيار أن يكون الشيء لائقا" بسياقه ، ويجب أن يكون له معنى في ضوء متطلبات الموقف ، ورغبة الشخص الذي أنتجه . ويحصل في النتاجات المعقدة أن تمتزج العناصر الداخلية للشخص المنتج بالعناصر الخارجية للموقف من حوله . غير أن الملاءمة بمفردها لا يمكن استعمالها كمعيار للإبداعية ، لأنها من غير " اللاعادية " يكون النتاج مجرد أفكار أو صيغ مبتذلة . كما ينبغي النظر الى الملاءمة على أنها خاصية مستمرة . بمعنى أنها توجد بدرجات وليس بصيغة الكمال أو عدمه . ويمكن أن نجدها بأشكالها الدنيا عندما يحمل الشيء مجرد العلاقة بمطالب الموقف أو بمقاصد منتجه . فيما نجدها بأشكالها العليا عندما يعكس الشيء تأثيرا" حاذقا" وماهرا" في الطريقة التي جاء بها أيضا" .
ويمكن الإشارة هنا الى ملاحظة ربما تفيد في التبصر بهذا المعيار ، تلك هي ، أن الدافعية تكون على نوعين : خارجية وداخلية . ففي الأولى تكون الظروف الخارجية لعملية الإبداع هي الدافع لأنتاج عمل إبداعي ، من قبيل الحصول على مكافأة مادية أو لقب أو وظيفة معينة ... وفي هذه الحالة تميل الملاءمة الى أن تكون مسايرة للذوق العام أو كسب رضا الجهة المكافئة ، التي غالبا ما تكون سلطة دولة أو مؤسسة .أما الدافعية في الحالة الثانية فتأتي من داخل الفرد ذاته ، في رغبته بالبحث والمعرفة وولعه بعمله وشعوره بالسعادة الشخصية في اكتشاف الوقائع وخلق ما هو جديد من أفكار أو نتاج . وقد تغلب – في الحالات المتطرفة منها – خاصية ((اللاعادية أو الاستثنائية )) في النتاج الإبداعي على خاصية الملاءمة . ولكن حين تتوازن الدافعية الداخلية ، أي المقاصد أو الحاجات الشخصية ، مع الدافعية الخارجية ، أي الحاجات المتعلقة بالجهات الخارجية ، عندها يفترض أن تأتي (( الملاءمة )) بصيغة متوازنة مع ((اللاعادية )) .
3.القدرة على تغيير الواقع
يكون بعض النتاجات التي تتمتع بـ (( اللاعادية )) و ((الملاءمة )) بمستوى أعلى من الجودة الابداعية . ويعود ذلك الى امتلاك هذا البعض خاصية القدرة على تغيير أو نقل أو تعديل الواقع . فبعض النتاجات الابداعية تجمع العناصر بطرائق بعيدة عن التقليدية ، فينتج عنها منظور جديد يجبرنا على النظر الى الواقع بطريقة جديدة . وهذه النتاجات تتضمن تحويل الأشياء المادية أو الأفكار بصيغ تتخطى أو تتجاوز المحددات التقليدية . ويمكن الحكم على هذا المعيار بقوة وطبيعة المحددات التي تم تجاوزها . وعلينا أن نعترف أن القدرة على تحويل ما نعتقد أننا نعرفه هي معيار أكثر صعوبة بالموازنة مع معياري اللاعادية أو الملاءمة . إذ تبدو من النظرة الأولى أنها لا شيء أكثر من مثال متطرف من اللاعادية . ومع وجود شبه بين هذا المعيار ومعيار اللاعادية ، إلا أن القدرة على تغيير أو تحويل الواقع تختلف عن اللاعادية في كونها تهاجم طرائق تقليدية من التفكير بخصوص الأشياء أو النظر الى الموضوعات . وهي في صيغتها الأكثر درامية تتضمن انتقالة حرة في التوجه الى الشيء أو الموضوع . مثال على ذلك ، نظرية كوبرنيكوس في دوران الأرض حول الشمس ونظرية فرويد في اللاشعور.
ويمكن الاستعانة بخاصية النفاذ penetration التي أوردها جيلفورد لإيضاح المقصود بالقدرة على تحويل أو تغيير الواقع . إذ تعني خاصية النفاذ ، القدرة على اختراق العقل الإبداعي لحواجز الزمان والمكان ورؤية ما يكمن خلفهما من مناطق مجهولة من المعرفة الإنسانية تخفيها المظاهر السطحية للأشياء .

4. تكثيف المعنى
إن المعايير الثلاثة ( اللاعادية والملاءمة والقدرة على تغيير الواقع ) خصائص نجدها في النتاجات التي نرغب في أن نضفي عليها صفة ( الإبداع ) سواء كانت علمية تطبيقية أو فلسفية أو فنية ... وتبقى خاصية نوعية أخرى لم تتعرض لها المعايير الثلاثة ، لا تظهر إلا في النتاجات التي تتميز بشيء من الابداعية العالية ، هي خاصية ( تكثيف المعنى ) .
إن الأشياء أو الموضوعات التي تتحمل تكرار التأمل المتعمق وتفحّصها عن قرب ، هي تلك التي لا تكشف عن كامل معانيها من التأمل الأول ، بل تحتاج الى أن نعيد النظر فيها لتكشف لنا في كل مرّة عن شيء جديد أو خبرة أو معرفة مضافة ، سواء كانت أعمالا فنية عظيمة أو نظريات علمية جاءت بأفضل صيغة . وما كان لهذه النتاجات أن تأتي بهذه الصورة إلا لأن المعنى فيها امتلك خاصتي الشدّة intensity والتركيزconcentration .
ولأن التشوش والاضطراب قد يصاحبان انتباه الملاحظ كلما حاول أن يجد المعنى فيما يلاحظه ، فأن من الضروري التمييز بين (( التكثيف )) و ((الفوضى )) أو ((الاختلاط )). والفرق الرئيس هو أن المعنى الموحّد والمتماسك يشتق من (( التكثيف )) فيما تشتق المعاني غير المترابطة وغير المناسبة من (( الاضطراب )) .
وغالبا ما تتجمع في الصيغ أو النتاجات التي تتصف بإبداعية عالية خصائص : التكثيف والبساطة والتعقيد . فما يبدو بسيطا في الوهلة الأولى يتحول في النظرة الثاقبة الى أن البساطة فيه هي حالة مظهرية ، والعكس وارد أيضا . فما يبدو لنا معقدا من النظرة الأولى نجد أنه يمتلك بساطة خفية ربطت عناصره المختلفة بصورة وثيقة .
إن النتاج الذي يتصف بخاصية تكثيف المعنى يمكن إدراكه وتحليله وتفسيره بطرائق عديدة : ذهنية أو انفعالية ، أو بصور (خيالات ) ، أو أفكار . كما يمكن تفسيره بشكل مختلف من عند أفراد مختلفين ، أو من الشخص ذاته في مناسبات مختلفة . ومثل هذا النتاج يحمل قوة الإجمال أو الإيجاز . ونعني بها ، كفاءة أو كفاية الاستيعاب التي تحوي عناصر جوهرية تستدعي العديد من التأملات والتفسيرات . وعليه فأن قوة الإيجاز هذه يمكن استعمالها معيارا للحكم على تكثيف المعنى .
( في الحلقة القادمة : الجمال..وتذوقه )

نحو بناء نظرية في الابداع وتذوق الجمال في العالم العربي
( الحلقة الخامسة )

أ.د.قاسم حسين صالح
رئيس الجمعية النفسية العراقية



تذوق الجمال
التذوق... ماذا يعني ؟
((ذاق )) يعني – أصلا – خبر طعم الشيء ما اذا كان حلوا أو مرّا أو حامضا... عن طريق اللسان ، بهدف إصدار حكم قيمي بشأنه ، يبنى على أساس موقف سلوكي منه .
هذا يعني أن ((التذوق )) كان أصلا فطريا مرتبطا بالأشياء المادية وباستجابة فسيولوجية ، ثم تطور ليشمل ما هو معنوي سواء ما يتعلق بالناس أو الأشياء أو الظواهر . فنحن نميز بين الأفراد على أساس ما يتصفون به من ((ذوق )) فنقول عن فلان أنه يمتلك (( ذوقا )) وعن آخر بأنه (( عديم الذوق )) ، حتى صار الذوق قيمة أو حكما أو معيارا نزن به سلوك الناس ومظاهرهم وطرائق تعاملهم مع الأشياء .
وهنالك خلط في عدد من الترجمات العربية بين مفردتي ( Taste) و (Appreciation ) بوصفهما كلمتين تشيران الى ( التذوق ) . فقد وردت كلمة ( Appreciation ) في قاموس ليرنر المتقدم بالمعاني الآتية : حكم ، تقييم ، معرفة القيمة ، إدراك القيمة ، إعطاء قيمة الشيء وتقديره . وتأتي في قاموس معجم الرافدين بمعنى : قدّر الشيء حق قدره . وفي القاموس العصري بمعنى معرفة قدر الشيء ، اعتبار ، إعجاب . أما كلمة Taste))فيعّرفها القاموس العصري بأنها : ذوق ، طعم ، حاسة الذوق . ويعّرفها معجم الرافدين بأنها : طعم ، نكهة ، حاسة الذوق . ويعّرفها المعجم الفلسفي بملكة الحكم على الأعمال الفنية عن طريق الإحساس المباشر والتجربة الشخصية دون التقيد بقواعد معينة ، وتتدخل في هذا الحكم ميول المتذوق الخاصة . ويعّرفها بعض الباحثين بأنها حالة استمتاع يغلب فيها الطابع الوجداني بتفاعل ضمني بين الشيء الجميل والمرء المستمتع به . ( في : محمد أمين ،2001 ) .
ومن استعراضه لمجمل التعريفات يخلص الباحث محمد أمين الى أن كلمة Appreciation أكثر ملاءمة من كلمة Taste في إعطاء معنى التذوق بوصفه عملية حسية وادراكية ووجدانية ( محمد أمين ،2001 ، ص 12 ) . فيما يفضل الباحث عبد الحميد كلمة Taste للتذوق ( عبد الحميد ، 1990 ، ص 30 ) . وعلى أية حال لا يوجد إشكال فيما يخص مفردة التذوق باللغة العربية فهي تعني معرفة طعم الشيء ونكهته . وتعني أيضا القيمة الجمالية للشيء . ويسهل اتضاح معناها من خلال سياق العبارة ، أو بتصريف المفردة . فعندما تقول مذاق الشيء فأن السامع يفهم الدلالة الفسلجية ( المادية ) له ، ما اذا كان حلوا أو مّرا أو طيبا أو ... فيما يرد في صياغات أخرى ليعني الدلالة الجمالية ( المعنوية ) للشيء .
ويقترح ماير وجود مكونين أساسيين في عملية التذوق ، أحدهما (التذوق الجمالي Aesthetic Intelligence ) يكون مرتبطا أكثر بعمليات الإدراك وله جذور وراثية ، والآخر هو( الحكم الجمالي أو الذكاء التقويمي Evaluative Intelligence ) يكون مكتسبا ومتعلما وراجعا الى الخبرة ( في : عبد الحميد ، 1990 ، ص 30 ) .وسواء كان للتذوق الجمالي جذور وراثية ، بمعنى أن الأفراد يختلفون في تذوقهم للجمال بسبب ما تحمله مورثاتهم (جيناتهم ) من شفرات أم لا ، فأن التنشئة الأسرية والتربية والتعليم والحضارة أو الثقافة تؤثر في عملية التذوق ، إما أن تهذّبه وتجعله في مستوى راق ، أو أن تهمل ذلك فيبقى في مستواه العادي أو الفطري .
وتجاوز ((التذوق )) الاستجابة الفسيولوجية الى الاستجابة النفسية ، فانتقل بذلك من عملية حسية الى عملية ادراكية . ذلك أن الإحساس sensation هو العملية التي تعني استلام العضو الحسي لطاقة تنبيهيه ( ضوء ، صوت ، حرارة ، ...) ونقلها عبر العصب الحسي الى المركز الدماغي المتخصص . فيما يعني الإدراك perception "العملية التي نقوم من خلالها بتنظيم وتفسير المعلومات المستلمة من العالم الخارجي " ( Lahey ,2001,p:106 ). أو هو "عملية دماغيه تتضمن تنظيم وتفسير المعلومات الحسية واعطاء معنى لها " ( Santrock , 2000,p:102 ). أو هو " مجموعة من العمليات النفسية يتم عن طريقها تعرّف وتنظيم وتحليل واعطاء معنى – داخل الدماغ – للاحساسات التي جرى استلامها من التنبيه البيئي عبر أعضاء الحس " ( Sternberg , 2004 , p: 534 ) .
هذا يعني أن الإدراك مصطلح يشير الى قدرة الإنسان على استخدام ميكانزماته الحسية بقصد تفسير وفهم البيئة المحيطة به . أو أنه " عملية توسطية لاستخلاص النتائج المنظمة عن العالم ( الحقيقي ) للزمان والمكان والأشياء والأحداث. أو أنه عملية ينجم عنها اختزال بيئة معقدة الى نظام مبسّط يستطيع الجهاز العصبي السيطرة عليه . أو أنه مخرجات أو ما ينجم عن عمليات الأنظمة الحسية للمعلومات المتسلمة عبر الأجهزة الحسية " ( صالح ، 1982 ،ص : 14 ).
وبهذا المعنى فان الإدراك يتضمن ترجمة المعلومات التي نحصل عليها عبر الاحساسات الى خبرة ذات معنى . ويمكن اعتباره عملية تحديث مستمرة للأنموذج الذي نحمله في داخلنا عن البيئة التي نعيش فيها ، وأنه من خلال هذا الأنموذج نستطيع القيام بإجراءاتنا الوظيفية والعملية وبشكل آمن . فضلا على ذلك فأن الإدراك يشتمل على عمليات فسيولوجية معقدة وعمليات نفسية معقدة أيضا . فكثيرا ما يوصف الإدراك بأنه استجابة نفسية لمجموعة مركّبة من التنبيهات الحسية مصدرها موضوعات العالم الخارجي . وأنه استجابة تصدر عن شخصية لها خبراتها وذكرياتها وميولها واتجاهاتها النفسية الشعورية واللاشعورية . فضلا على أن لدى الإنسان ميلا نفسيا لأن يرى ما يرغب في أن يراه أو ما يتوقع أن يراه .
والفرد يستجيب للشيء أو الموضوع أو الحدث ، لا كما هو عليه في الواقع بل كما يدركه ...كما يبدو له ، وبحسب ما يضفي عليه من معنى و قيمة وأهمية . واللافت أن للمعتقدات تأثيرا في الإدراك من غير أن نشعر به . فقد وقع الأنثروبولوجي الشهير ( مالينوفسكي ) على جزيرة يقطنها شعب بدائي يعتقد أفراده أن الشخص يرث صفاته الجسمية بكاملها من أمه ولا يرث شيئا من أبيه . ولما لفت أنظارهم الى التشابه الصارخ بين أحد الأبناء وأبيه دهشوا لذلك كثيرا . فقد عجزوا عن إدراك هذا التشابه لأن معتقداتهم (( أعمتهم )) عن ملاحظة ذلك .

الجمال ..ما هو ؟
اغلق الكتاب الآن وفكّر في إجابة عن الجمال ..ما هو من وجهة نظرك ؟. ما الذي يجعلك تحكم على هذا الشيء أو ذاك : لوحة فنية ، شعر امرأة ، ابتسامة طفل ، مشهد من فيلم سينمائي ، رواية ، أغنية ، موسيقى ، نخلة على ضفة نهر ، شلاّل من سفح جبل ، عمارة ، سلوك مهذّب ...بأنه جميل ؟ . هل فيما أثاره فيك من متعة ، أو أنعش فيك ذكرى جميلة أو حزنا دفينا ؟. أم فيما جعل عقلك يندهش ..كيف أتى هذا الشيء بهذه الصورة ؟. أم فيما غمر نفسك بفرح افتقدته ؟. أم أنه عزف على وتر في قلبك فأسمعك إيقاعا داخليا جعل انفعالاتك أو عواطفك أو ما مكبوت في أعماقك ، ترقص كما لو كانت طيورا محبوسة فانطلقت في فضاء بلا حدود ؟. أو الجمال هو ذلك الشيء الذي يسري فينا ويجعلنا نحب الحياة ونتعلق بها ، أو ربما ننهيها بأن نفنى فيه ؟!.
إن هذا ، أو بعضا منه ، يمكن أن يحدث لنا كلنا ، غير أننا لو كنا عشرة مثلا لكانت هنالك عشر إجابات مختلفة عن السؤال : ما الجمال ؟. وقل الشيء نفسه لو كنا ألفا أو مليونا .. أعني أننا سوف لا نتفق على إجابة واحدة .. وتلك هي إشكالية منهجية في العلم ، وهي في الوقت نفسه ، سرّ روعة الجمال وسحر افتتاننا به . تماما مثل لغز محيّر .. يفقد أهميته اذا عرفنا حلّه . وهكذا كان (( الجمال )) وسيبقى لغزا . فهو عند أفلاطون " صورة عقلية مثل صورة الحق والخير " . وهو عند ديمقريطس " المتوازن في مقابل الإفراط أو التفريط ". ومع أن سقراط ربط الجمال بالخير والنافع والمفيد ، لكنه وصفه أيضا بأنه نوع من الهوس :
" وهاك أخيرا الغاية من حديثي ، إنها تتعلق بالنوع الرابع من أنواع الهوس ، أجل الهوس الذي يحدث عند رؤية الجمال الأرضي فيذّكره من يراه بالجمال الحقيقي ، وعندئذ يحس المرء بأجنحة تنبت فيه وتتعجل الطيران ، ولكنها لا تستطيع ، فتشرئب ببصرها الى أعلى كما يفعل الطائر وتهمل موجودات هذه الأرض حتى لتوصف بأن الهوس قد أصابها " . فيما وصفه الروائي أوسكار وايلد بأنه نوع من العبقرية " بل هو حقا أرقى من العبقرية ولا يحتاج الى تفسير . فهو بين الحقائق العظيمة في هذا العالم . انه قبل شروق الشمس ، أو انعكاس صدفة فضية نسميها القمر على صفحة الماء المظلمة " . ( في : عبد الحميد ، 1990) .
وإذا كان أوسكار وايلد قد وصف الجمال بهذا الوصف المدهش فأن السوفسطائيين يقولون بأنه لا يوجد جميل بطبعه ، بل يتوقف الأمر على الظروف وعلى أهواء الناس وعلى مستوى الثقافة والأخلاق . أي أن الجمال مسألة نسبية نقررها نحن وليس الأشياء . ولا الشكل على ما يرى أفلاطون . ولا كما يقول أرسطو بأن للجمال ثلاثة مكونات : الكلية wholeness ، والتآلف consonance والإشعاع أو النقاء المتألق radiance . ولا كما يرى القديس أوغسطين بأن الجمال يقوم في الوحدة بين المختلفات والتناسب العددي والانسجام مع الأشياء الأخرى .
ولو ذهبنا الى أبعد من ذلك .. الى ما يراه الرومانسيون في الجمال ،والطبيعيون والواقعيون والنهضويون و...وهيغل وكانت وأبو حيان التوحيدي ، الذي يرى فيه أنه كمال في الأعضاء وتناسب بين الأجزاء مقبول عند النفس ،... لتعرفت على أراء أخرى ، لكنها لن تضيف شيئا جوهريا الى النتيجة التي نريد أن نخلص إليها وهي ، بالرغم من أن الجمال كان منذ عهد الإغريق ثالث أثنين ( الخير والحق والجمال ) ، وأنه صار منذ عصر النهضة علما باسم ( علم الجمال ) فأنه لا يوجد له تعريف واحد متفق عليه . ومع اختلاف الآراء وتنوعها فأن الجمال من وجهة نظرنا هو :
أي شيء مادي أو معنوي ، يثير فينا الإحساس
بالارتياح والمتعة المصحوبين بالدهشة وفضول التفكير .

وبهذا المعنى فأن الجمال انفعال إيجابي يتضمن استثارة فسيولوجية ( سرعة في نبضات القلب مثلا ) وخبرة شعورية ( التفكير بأنك في حالة حب مثلا ) وتعبيرا سلوكيا ( ابتسامة أو إطالة النظر التي تجلب المسّرة مثلا ) .
إن الشيء الجميل لابد أن يثير في المتلقي متعة جمالية تختلف عن المتع أو اللذات الأخرى من حيث كونها منزّهة عن غرض معين كالمتعة الجنسية مثلا أو تناولنا لطعام أو شراب لذيذ . فهي متعة خالصة لا تهدف الى الحصول على نفع أو غاية معينة . أو كما يقول مارتنديل أستاذ علم النفس بجامعة مين ( Maine ) بالولايات المتحدة بان الخبرة الجمالية هي ظاهريا (فينومينولوجيا) خبرة مريحة للعقل بعيدة عن الدوافع والانفعالات والتوترات.
الحالة النفسية وتذوق الجمال
تتأثر عملية التذوق الجمالي بالحالة النفسية للمتلقي ، ليس فقط من حيث نوع مزاجه ، بل ومن حيث حالته الانفعالية لحظة مشاهدته لموضوع الجمال ، كأن يكون لوحة فنية ، أو سماعه لأغنية أو قطعة موسيقية . ذلك أن الناس يختلفون في أمزجتهم ، وهذا أمر معروف من زمن هيبوقراط قبل ألفي سنة قبل الميلاد ، الذي قسّم الناس على أربعة أصناف من الأمزجة . وقد جاء لها توكيد غير مباشر من عالم فسلجة حاصل على جائزة نوبل هو بافلوف الذي نستنتج من دراساته المعتبرة أن اختلاف الناس في أمزجتهم يعود الى اختلافهم في نوع الجهاز المركزي لديهم ، الذي قسّمه على أربعة أنواع . وفي المأثور الشعبي شيء من الحقيقة عندما نصف فلانا من الناس بأن مزاجه ( برتقالي ) ..أي رقيق . وعندما تكون في ذلك اليوم مبتشرا فيصفك من يراك بأن مزاجك ( رائق ) .
وهذا يعني أن الجمال يكشف عن نفسه عندما يكون مزاج المتلقي ( رائقا ) فيما تغطي العتمة الضبابية موضوع الجمال عندما يكون مزاج المتلقي له كدرا . وبتعبير أدق ، تكون مستقبلات الأجهزة الحسية في الجهاز العصبي المركزي نشطة فتنقل ما في موضوع الجمال من تكوينات وعلاقات الى المراكز الدماغية المتخصصة . وهناك يبدأ الإدراك بتحليل راق لها ، بوصفه عملية دماغية لتنظيم وتفسير المعلومات الحسية واعطاء معنى لها . فيما تكون هذه المستقبلات خاملة في حالة المزاج الكدر فلا تتحسس الجمال ولا تنقل الى المراكز الدماغية المتخصصة ما يستحثها على اكتشاف التكوينات والعلاقات بين التنبيهات والمعلومات التي يتضمنها الموضوع الجمالي .
والانفعال ، بوصفه إحساس أو وجدان إيجابي أو سلبي ، يتأثر بما يسمى (( الانتباه الانتقائي )) الذي يعني التركيز في جانب محدد من الشيء أو الموضوع وإهمال جوانب أخرى . وغالبا ما يكون نشطا أو فعّالا في حالة المزاج المستقر أو الرائق ، وخاملا في حالة المزاج الكدر . وللانتباه الانتقائي تأثيره في إدراك الموضوع الجمالي . إذ تفيد الدراسات الحديثة بوجود نوعين منفصلين من أنظمة الدماغ يتوسطان في الفعل السيكولوجي الخاص بانتقاء الموضوع أو الشيء الذي ننتبه إليه . الأول يقوم بانتقاء الأشياء أو الموضوعات على أساس المكان أو الشكل أو اللون ، والثاني يكون مسؤولا عن توجيه العملية على وفق أهداف أو مقاصد المتلقي للشيء أو الموضوع ( Atkinson &Hilgard ,2003 , p.183) .
ومع أن الإدراك ، بوصفه عملية فسيولوجية عصبيه ، هو واحد عند الناس ، إلا أنه يتأثر بخبرات التعلم المختلفة . فضلا على أن نوعيته عند الأفراد تختلف باختلاف الحضارة التي يعيشون فيها ، وتختلف من عصر الى آخر أيضا . فالفنانون في عصر النهضة حاولوا رسم العالم بدقة لدرجة أن لوحاتهم تكاد تكون صورا فوتوغرافية ، مثل لوحات روفائيل . واستعملوا الكثير من الإشارات لتصوير البعد الثالث على لوحات مسّطحة . فيما ركّزت الانطباعية على ما يتركه (( انطباع )) المشهد في المتلقي له بدلا من محاولة رسم المشهد كما هو . فيما عمد فنانو القرن العشرين الى الابتعاد حتى عن إعادة خلق العالم الذي نراه فعلا ، كما في أعمال بيكاسو الجيومترية ( دوائر ، مثلثات ، مستطيلات ...) وتحدي المشاهد لها أن يفسّر ما رسمه . غير أن الرسامين المبدعين تجمعهم ، برغم اختلاف الحضارات والعصور التي يعيشون فيها ، صفة أنهم يرسمون العالم لا كما هو عليه في الواقع إنما كما يدركونه هم . وخذ مثالا على ذلك معظم أعمال سلفادور دالي ولوحات فان كوخ ، لا سيما لوحته ( ليلة عاصفة ) ، أو جواد سليم في لوحته المنسية (الشجرة القتيلة ) .
ومن بين العوامل التي تحدد نوعية التذوق ، لاسيما التذوق الفني ، هو الخبرة الجمالية . وما يميز هذه الخبرة عن الخبرات الأخرى هو " تآلف العناصر التي تتركب فيها بواسطة الجمال الذي يحوّل فوضى الدوافع المنفصلة الى استجابة منظمة ، وقدرتها على التنسيق بين الدوافع المتصارعة عند الإنسان ، الأمر الذي يولّد في النهاية لذة وتوازنا هما اللذان يحدثان تلك النشوة الجمالية " . ( محمد أمين ، 2001، ص : 50 ) .


الاستجابات الجمالية
كل خاصية ( أو خصيصة ) من الخصائص الأربع ( اللاعادية ، الملاءمة ، تغيير الواقع ، وتكثيف المعنى ) تستدعي استجابة جمالية معينة . فاللاعادية تثير الدهشة في المشاهد أو الملاحظ ، لأن الاستثنائي يجذب العين إليه لوجود شيء فيه غير متوقع يحدث فينا هزّة تشده تفكيرنا . واستجابة أو ردّ فعل الشخص للشيء اللاعادي يكون على أعظمه بعد رؤيتنا له مباشرة ، ثم يضعف تدريجيا . وبالرغم من أن الدهشة يمكن أن تحدث أكثر من مرّة لرؤية الشيء نفسه ، إلا أن مستوى أو حدّة الدهشة في المرّة الأخيرة لا يصل الى ما كان عليه في المرّة الأولى . وهنا تبرز استجابة جمالية أخرى عندما ينتقل التفكير بالنتاج الإبداعي الذي نتأمل فيه الى خاصية الملاءمة التي تستدعي استجابة الإرضاء أو الإشباع ، التي تكون مماثلة للشعور بالارتياح العام . وهنالك مصدران جوهريان للإرضاء ، الأول : نوعي بتعلق بادراك تلبية مطالب الشخص المنتج ومحيطه الذي يعيش فيه ، أي مستوى جودة تأمين هذه المطالب . والثاني : كمّي يتعلق بادراك أن النتاج جاء بشكل كامل ومرض ، أي المدى الذي جرى فيه تأمين هذه المطالب .
إن النتاجات التي تتميز بقوة تحويل أو تغير الواقع ، تمتلك فعل الإثارة لدى المشاهد أو الملاحظ . والقيمة الأساسية لهذه النتاجات أنها تغير طريقة الملاحظ لها في إدراك العالم والتفكير به بطريقة جديدة . فاللاعادية تتطلب منه تمثّل أو استيعاب النتاج وضمّه الى عالمه . فيما تتطلب قوة تغيير أو تحويل العالم من الملاحظ ، إعادة النظر بعالمه . والجدّة لا تكمن فقط في النتاج بحد ذاته ، بل وفي البيئة المتغيرة التي كان النتاج سببا فيه . ويمكن تشبيه النتاج الذي يتصف بقوة تحويل الواقع ، بالصخرة التي تسقط في بركة . حيث يكون الموضوع الذي يشغل اهتمام الشخص الواقف بالقرب منها هو الموجات التي تحدثها الصخرة وليس الصخرة التي تختفي في الماء بسرعة . وهكذا فأن الموضوع الذي يتصف بقوة تحويل الواقع يدعو المشاهد أو المتلقي أن يغادر – ذهنيا – الى اتجاهات جديدة تستثيره في التمعن بنتائجها .
لقد عرفنا الآن أن الاستجابة الجمالية الأولى التي يحدثها فينا المنجز الإبداعي هي (( الدهشة )) المتأتية من لاعادية هذا المنجز . ثم استجابة (( الإرضاء )) المتأتية من خاصية ملاءمة هذا المنجز ، فاستجابة (( الإثارة )) الناجمة عن الكيفية التي جاء بها تحويل الواقع في هذا المنجز . فما هي الاستجابة الجمالية التي يستثيرها تكثيف المعنى ؟.
يحتاج النتاج الإبداعي الذي يتصف بخاصية تكثيف المعنى الى تفحص بطيء ، وبعناية ، واعادة . بعبارة أخرى ، يكون المتلقي مدعّوا هنا لتذوق (( النكهة )) الخاصة بهذا التكثيف .
ومع أن ((الدهشة )) و (( الإرضاء )) و ((الإثارة )) التي تحدثها فينا المنجزات الابداعية - بوصفها استجابات جمالية – تكون موجودة أيضا في خاصية ((التكثيف )) ، إلا أنها تحصل بوجود فرق جوهري هو أنها تكون فيها مركّزة ومكثّفة . فالدهشة التي تثيرها خاصية تكثيف المعنى لا تحدث فقط من المواجهة أو النظرة الأولى للنتاج الإبداعي ، بل وفي المواجهة الثانية كما لو كانت المرّة الأولى ، لأننا نكتشف في كل مرّة جوانب من اللاعادية . كما أن الإرضاء يتعمق كلما شاهدنا النتاج الإبداعي ، لأننا نكتشف في كل مرّة أن الملاءمة كشفت عن نفسها بأجلى صورها . وتكون الإثارة غنية لأن الاستجابة الجديدة تضيف شيئا جديدا الى الاستجابات السابقة . وهذا الانتعاش المستمر في مشاهدتنا للنتاج الإبداعي الذي يتصف بخاصية تكثيف المعنى ، يمنحنا استجابة جمالية هي النكهة الخاصة .
بهذا نكون أكملنا الخصائص التي تتصف بها المنجزات الابداعية ، وهي : (( اللاعادية والملاءمة وقوة تغيير أو تحويل الواقع وتكثيف المعنى )) . وحددنا معايير الحكم عليها المتمثلة بـ (( الجماعة المرجعية ، والسياق ، والمحددات ، وقوة الإيجاز )) . والاستجابات الجمالية المتمثلة بـ (( الدهشة ، والإرضاء ، والإثارة ، والنكهة )) . وتبقى ملاحظة أخيرة هي أن الشخص المبدع قد يمتلك مجموعة من الخصائص الشخصية تتطابق مع خصائص النتاج الإبداعي ، فتجعله يميل نحو نتاجات إبداعية تمتلك الخصائص التي ذكرناها . فالفرد الذي يميل الى اللاعادية يمكن النظر إليه على أنه يمتلك (( أصالة )) عالية . والفرد الذي تتصف نتاجاته بالملاءمة يحتمل أن يكون (( حساسا )) جدا لمطالب بيئته . والفرد الذي تتصف نتاجاته بقوة تغيير أو تحويل الواقع قد يمتلك ((المرونة )) الفكرية .أما خاصية تكثيف المعنى فهي معقدة وقد لا نجد لها مفردة مناسبة تماما غير "الشاعرية ".

معوقات الإبداع وتذوق الجمال
يظن البعض أن الإبداع مسألة موهبة يرزق بها نفر من الناس دون غيرهم في تركيبة عقلية تأتي على نحو فريد ، أو عبر جينات تمّن بها الوراثة عليهم . ويظن بعض آخر أن الإبداع يحصل عن طريق التربية والتعليم . والواقع أن كلا النظرتين ناقصتان . ذلك أن الإبداع قضية سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية ونفسية ودينية أيضا .
فمن حيث كونه قضية سياسية ، فأن الشرق الأوسط والعالم العربي كان منذ أكثر من نصف قرن وما يزال ميدان حروب واضطرابات استنزفت موارد اقتصادية هائلة كان يمكن توظيفها في تنمية الطاقات البشرية . ونجم عن هذه الحروب والاضطرابات أزمات نفسية واجتماعية وانشغال فكري في الأمور السياسية على حساب استثمار العقول الوطنية في الإبداع بميادين العلوم الإنسانية والابتكار بميادين العلوم التطبيقية .
وفي العراق أودى العنف ، في السنوات الثلاث التي تلت سقوط النظام ، بحياة 185 أستاذا جامعيا ، و73 طبيبا و140 من الملاكات الطبية ، عدا المئات من محاولات القتل والخطف لآخرين من الطاقات العلمية المبدعة ، التي اضطرت القسم الأكبر منهم الى الهجرة ( متابعة صحيفة ، لغاية نيسان ، 2006 ) .
وتضاعفت الأعداد في السنتين الأخيرتين وطال القتل فئات أخرى من المبدعين لاسيما الصحفيين.
وتعدّ الحروب العدو الأول للجمال لأنها تشيع بين الذين يعيشونها ثقافة العنف والموت ( ثقافة القبح ) على حساب ثقافة السلام واعلاء قيمة الحياة ( ثقافة الجمال ) . ولأنها تحوّل الإنسان ، بوصفه أرقى قيمة جمالية في الوجود ، الى جثة مشوهة لا يطيق الأحياء من الناس النظر إليها بعد أن كانوا يتغزلون بجمالها . ولهذا نستطيع القول بأن جيلا كاملا من العراقيين ممن هم في عمر الثلاثين فما دون ويشكلون أكثر من نصف المجتمع ، لم تنمو لديهم ذائقة الجمال بشكل طبيعي ، لأنهم ولدّوا في حرب ونشأوا في حرب وما زالوا يعيشون أكثر من حرب . وأظن أنهم ( معوقون ) في الحب أيضا ، لأن الحب في جوهره هو قضية جمالية .
والإبداع ، من حيث كونه قضية سياسية أيضا ، ينمو ويزدهر اذا عمل النظام السياسي للدولة على توفير متطلبات نموه وأجواء ازدهاره غير المشروطة بتوظيف المنجز الإبداعي لخدمة ذلك النظام ، اذا كان تقديمه يتعارض مع رغبة المبدع ، أو كان المبدع مضطرا الى تقديمه لسدّ حاجة ، أو دفعا لشر متوقع قد يصيبه من النظام السياسي . فضلا على أن النظام السياسي للدولة اذا كان غير مستقر فأن العقول المبدعة تهاجر الى حيث البلدان التي يتوافر فيها الاستقرار ، فيفقد ذلك البلد ( الأدوات ) التي تطور الإبداع ، والنماذج التي يقتدي بها من يمتلك مقومات الإبداع ودافعيته ، لاسيما بين الناشئة وطلبة الجامعات .
والمؤسف أن الأنظمة السياسية في البلدان العربية لا تتمتع بالاستقرار ، وأنها غالبا ما توظف المنجز الإبداعي لخدمتها . ولهذا تعدّ البلدان العربية أكبر مصدّر للعقول المهاجرة ( أكبر مصدّر لأهم ثروتين : البشرية والنفطية ! ) . . وأنه ما لم تعتمد هذه الأنظمة السياسية مبدأ الديمقراطية وتعمل على تطبيقه فعلا على صعيد الواقع ، وما لم تكف الأحزاب العربية الماسكة للسلطة عن اعتبار السلطة (ملك طابو )لها، وتكافيء المنتسب لها حتى لو كان غبيا وتحرم المبدع حتى من متطلبات العيش ، فان عوائق الابداع تبقى الى حيث يوم يبعثون . غير أن القمع السياسي في بلداننا والحرمان كان لهما ( فضيلة ) إنتاج منجزات إبداعية رائعة في ميادين الأدب والفن !.
ومن حيث كونه ( الإبداع ) قضية اجتماعية وثقافية ودينية ، فأن ثقافتنا العربية والإسلامية لا تشجع الإبداع . ففي دراسة للباحثين قنبر والسويدي بعنوان ( التربية والابتكار في ضوء ثقافتنا العربية والإسلامية ) أشارا فيها الى أن في تراثنا الاجتماعي معوقات تكبّل العقول وتقتل الإبداع . واستشهدا بعدد من الأمثلة من بينها : توكيد تراثنا على أن الخلق والإبداع من اختصاص الخالق وحده . وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة . وأن الدنيا ملعونة وجيفة ، والأمس أحسن من اليوم ، والتفلسف من التخلف ، والإنسان مسيّر لا مخيّر ، والمرأة ناقصة عقل ودين ( قنبر والسويدي ، 1995 ) . ولك أن تنظر واقع المرأة العربية الآن ، وقس على ذلك المرأة الكويتية التي لم تحصل في الانتخابات الأخيرة ( 2008) ولا على مقعد واحد !. وقس – من جانب آخر- أن رئيس وزراء في دولة عربية لا يستقبل المرأة الا اذا كانت محجبة ، ولا يصافحها الا بعد أن تغطّي كف يدها بطرف ردن عبائتها!.
ويلخّص الدكتور محمد الصاوي ما شخصّه زكي نجيب محمود من معوقات الإبداع في المجتمعات العربية ، من بينها :
• الفهم الخاطئ للدين والميل للاتّباع ومقاومة الابتداع
• القيود المفروضة على حرية التعبير
• إهمال المواهب الفردية وجعل الفرد في خدمة المجتمع
• والجمود الفكري وقراءة السلف من دون تطوير أو إبداع ( الصاوي ، 1995 ) .
ويحدد جروان عددا من الرواسب السلبية للثقافة العربية المعيقة للإبداع ، من بينها :
* التشبث بالماضي والتغني بأمجاده والانصراف عن النظر في القضايا الراهنة والمستقبلية .
* توجيه النشء للتعايش مع مفاهيم الامتثال والتقليد والابتعاد عن المغامرة والاكتشاف والتجريب .
* جمود النظم والتشريعات العربية في مواجهة التغيرات المتسارعة في العالم القائمة على الإبداع والتميز والمبادرة .

وهكذا يتبين ، فضلا على الذي يعرفه القارئ الكريم ، أن البلدان العربية متخمة بمعوقات الإبداع ، سواء على صعيد الأسرة أو المجتمع أو المؤسسات التربوية أو الأنظمة السياسية ، أو الفرد نفسه ، وأن أمر تذليلها يحتاج الى وقت طويل ، غير أن رياح التغيير قد بدأت وإن كانت في اتجاه منها قد بدأت بزوبعة !.
إن التوجه المقترح هذا اعتمدنا فيه على أدبيات الإبداع والجمال . وهو مقترح نظري وغير متكامل قطعا ،غير انه يصلح لأن يكون منطلقا نحو بناء نظرية في الإبداع وتذوق الجمال في عالمنا العربي ، الذي يوصف ماضيه بأنه كان منجبا للمبدعين من رحمه ومنتسبين شرعا الى حضارته، فيما حاضره صار شبه عقيم لا ينجب مبدعا من رحمه الا بتلقيح اصطناعي أو خفية بعملية قيصرية! .
وهذا المشروع ،أعني بناء نظرية في الابداع والجمال في العالم العربي ، يحتاج بطبيعة الحال الى دراسات ميدانية وتجريبية ، نأمل أن تقوم بها أقسام علم النفس والتربية وكليات الفنون الجميلة والتربية الأساسية في الجامعات العراقية والعربية ، واقامة ندوات ومؤترات عربية ودولية كالمؤتمر الذي سيقام في باريس في آب 2008 عن التربية والابداع . فان تحركنا نكون قد حثثنا الخطى وقلصّنا – بفضل المبدعين – الفجوة بيننا والعالم المتقدم ، وان بقينا فسيظل السياسيون (من جماعة طابو السلطة ) يغذّون عقول الناس بامجاد ماضيهم ، وهو أمر يريح قادة الدول الكبرى في العالم ،فمن مصلحتهم أن تبقى ثروة العقل معطلّة في عالمنا العربي ليستمروا في الاستمتاع بثرواته الأخرى لاسيما تلك التي تحت أرضه .




#قاسم_حسين_صالح (هاشتاغ)       Qassim_Hussein_Salih#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في سيكولوجيا الدين والتعصب
- دروس من 9 ابريل / 4- العراقيون ..وسيكولوجيا الانتخابات
- دروس من 9 أبريل 3- تبادل الأدوار بين السنّة والشيعة
- دروس من 9 أبريل- تحليل سيكوسوسيولوجي
- دروس من 9 أبريل / 1- سيكولوجية الاحتماء
- الكراهية والتعصب ..واذكاء الشعور بالمواطنة /مدخل لثقافة المص ...
- الكراهية والتعصب..واذكاء الشعور بالمواطنة(مدخل لثقافة المصال ...
- الكراهية والتعصب..واذكاء الشعور بالمواطنة (مدخل لثقافة المصا ...
- الكراهية والتعصب ..واذكاء الشعور بالمواطنة (مدخل لثقافة المص ...
- دور وزارة التعليم العالي ....
- مؤتمر الخدمات النفسية والرعاية الأساسية عقب الكوارث ، الرؤى ...
- حوار مع فرويد - 5
- حوار مع فرويد -4
- حوار مع فرويد -3
- حوار مع فرويد - 2
- حوار مع فرويد
- ماركس ولينين ام فهد وسلام ؟!
- بعض الأمراض النفسية في قوى اليسار العراقي
- البديل المنقذ لعراق مدني ديمقراطي ..وساطة لتوحيد قوى اليسار
- البديل المنقذ لعراق مدني ديمقراطي / ملاحظات على دعوة ..ودعوة ...


المزيد.....




- وجهة عربية تتصدّر قائمة موقع -Tripadvisor- لعام 2022.. ما هي ...
- دراسة: عيناك يمكنها كشف عمرك البيولوجي الحقيقي
- بايدن يرد على سؤال حول إدراج الحوثي بقوائم الإرهاب.. إليكم م ...
- خبير حول التحقيق مع رئيس الوزراء البريطاني: ربما لن ينجو.. ا ...
- دول أوروبية تحث إسرائيل على وقف بناء المستوطنات في القدس الش ...
- كوريا الشمالية تلمح إلى استئناف محتمل لتجاربها النووية والصا ...
- فولكس فاغن تكشف عن -قاتلة Passat- الجديدة
- CIA تصدر -نتائج مؤقتة- حول الإصابة بـ-متلازمة هافانا-
- محاكمة طبيب سوري بألمانيا يشتبه في ارتكابه جرائم ضد الإنساني ...
- هل يمهد انتخاب -حسين الشيخ- لتنفيذية منظمة التحرير لخلافته ا ...


المزيد.....

- النيوليبرالية تشلنا وتلومنا! / طلال الربيعي
- الانسان / عادل الامين
- الماركسية وتنظير الجنسانية والسياسة الجنسية 2 / طلال الربيعي
- الفكرة التي أدلجت الإستبداد والقهر والإنتهاك / سامى لبيب
- العلم والخرافة او الأساطير! / طلال الربيعي
- نعمةُ آلمعرفة فلسفيّاً / العارف الحكيم عزيز حميد مجيد
- الفلسفة من أجل التغيير الثوري والنهوض التقدمي الديمقراطي في ... / غازي الصوراني
- حوار مع فيلسوف عربي / عبدالرزاق دحنون
- الذات عينها كآخر في فلسفة التسامح والتضامن / قاسم المحبشي
- خراب كتاب عن الأمل / مارك مانسون


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - قاسم حسين صالح - نحو بناء نظرية في الابداع وتذوق الجمال في العالم العربي (الحلقة الأولى )