لم الضجة؟ عن لقاء رائد فهمي بعمار الحكيم نتحدث
قاسم علي فنجان
2026 / 9 / 23 - 20:12
ضجت بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي باللقاء الذي جرى بين سكرتير الحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي برئيس تيار الحكمة عمار الحكيم، فما بين مندهش ومستفهم ومستنكر ومعارض وطالب تفسير وما بين مؤيد للخطوة ويراها تأتي للحفاظ على السلم الاهلي، فاللقاء جاء تحت عنوان "قضية نزع سلاح الميليشيات"؛ على العموم فأن هذا اللقاء كتب عنه الكثير، ولن تتوقف الكتابات والمنشورات، خصوصا وان الحزب الشيوعي مقبل على عقد مؤتمره الثاني عشر، والذي يريد منه -البعض من كوادره المنضمة فيه والخارجة منه- ان يخرج بنتائج مغايرة، وهي تتأمل كثيرا بهذا المؤتمر.
الحزب الشيوعي العراقي لم يحقق اية نتائج في انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة 2023 او الانتخابات البرلمانية 2025، رغم انه تحالف مع قوى ليبرالية معروفة "البديل" باتجاهاتها الامريكية ممثلة ب "عدنان الزرفي"، الا انه لم يحقق شيئا، وقد انعكست تلك الهزيمة على اعضاءه واصدقاؤه، وطالبوا -كعادتهم- بتغيير قيادة الحزب، وهذه هي مشكلة عقلية اعضاء الحزب نفسه، يختزلون المشكلة بأشخاص محددين، يعتقدون اذا ما تم تغييرهم سيتغير الحزب نفسه وسيحقق النتائج المرجوة، وهذا منطق ليبرالي صرف داخل حزب شيوعي، فهو لا يرى في المنهجية السياسية للأحزاب انها هي المشكلة، بل يعتقد بأن الشخص "س" او "ص" هما المشكلة؛ وهذه قضية تاريخية داخل الحزب، الى الان تشتغل بقوة، فمثلا النجاحات التي حققها الحزب يوما ما تعزى الى اشخاص معينين "سكرتير او مجموعة اعضاء"، والفشل والانتكاسات التي اصابت الحزب ايضا تعزى قيادة الحزب "سكرتير او اعضاء المكتب السياسي"، واليوم ذات المنطق نراه بعد اي هزيمة او انتكاسة يمر بها الحزب.
ولأن منطق الفرد هو الذي يحكم عقلية اعضاء الحزب الشيوعي العراقي، فقد صبوا جام غضبهم على رائد فهمي بعد اللقاء بعمار الحكيم، مثلما غضبوا منه بعد الهزائم الانتخابية، وقد حملوه انهيار الحزب بوضع يده بيد احد اكثر الفاسدين في العملية السياسية عمار الحكيم، لكن هل صحيح ان السيد رائد فهمي هو الذي يجتهد بهذه السياسات ام ان هناك منهج سياسي يحكم الحزب؟
تاريخيا فان الحزب الشيوعي لا يمكنه العمل السياسي بمفرده، وهذا ليس ناجما عن ضعفه، فقد مرت سنوات من عمر الحزب كان فيها هو القوة الاولى في المشهد السياسي، لكنه كان يريد التحالف مع القوى الموجودة، رغم انه ليس بحاجة لها، حتى قبل احداث 1958، لكن هذا المنهج السياسي تغول وتعملق كثيرا بعد شباط 1963، منهج صار هو الحاكم الفعلي للعقلية السياسية داخل الحزب، رغم الانتكاسات والويلات التي جرها ذلك المنهج السياسي، الا انه يبقى هو الركيزة الاساسية في العقل السياسي للحزب.
رائد فهمي لم يكن الاول الذي يلتقي ال الحكيم، فقد سبقه الراحل حميد مجيد موسى بلقاءاته المتكررة مع باقر الحكيم، وقد اشتركوا في مجلس الحكم الانتقالي، لكن لم تحدث ضجة كالتي نراها اليوم، بسبب ان اعضاء الحزب الحاليين يرون ان عمار الحكيم فاسد وناهب، اما باقر الحكيم فلا، وهو ذاته منطق "الاشخاص الافراد" الذي يحكم عقل اعضاء الشيوعي العراقي.
الشيوعي العراقي في الآونة الاخيرة بدأ بطرح فكرة "توحيد اليسار" وقضية "العمل المشترك" بين القوى اليسارية، واراد تأسيس "جبهة وطنية"، وعقد مؤتمر ضم قوى يسارية ومدنية، لكن كالعادة لم يكتب لهذا المسار السياسي النجاح، بسبب المنهج الذي يحكم الحزب، فبعد اللقاء بعمار الحكيم سارعت احدى القوى المنظمة بالانسحاب من ملتقى "الحوار الوطني" الذي اسسه الحزب ذاته.
لنتوقف عند عمار الحكيم، هو احد قادة قوى الاسلام السياسي الحاكم، هو الشخصية الاكثر تطرفا من قوى الاطار التنسيقي، هو الذي نسف قانون الاحوال الشخصية 188 واستبدله بالمدونة الجعفرية، 188 قانون سنه الشيوعي العراقي حصرا، وعلى اثر ذلك القانون جاءت فتوى جد عمار الحكيم .. محسن الحكيم "الشيوعية كفر والحاد" والتي راح من جراءها الالاف من الشيوعيين والتقدميين، واليوم تتحدث بعض الاوساط المرتبطة بتيار الحكمة عن اعادة تلك الفتوى، وقد نشرت منظمة "السلام والتقدم" مقالا مطولا يوضح هذا التوجه لدى تيار عمار الحكيم. فضلا عن كل ذلك فان عمار الحكيم هو الشخصية الاكثر فسادا، فالحملة "الوهمية" الاخيرة "ضد الفاسدين" اطاحت بأشخاص هم اعضاء بتيار الحكمة ومن المقربين جدا لعمار الحكيم.
مشكلة الشيوعي العراقي انه يلتقي بأي شخص او يتحالف مع اي جهة او يتبع أي توجه، وهذا هو جوهر العمل السياسي للحزب الشيوعي؛ المتأملين بهذا المؤتمر او أي مؤتمر، هؤلاء تحكمهم ذات العقلية عند القيادة الحالية والسابقة والتي ستأتي، المشكلة ليست افراد انها منهج سياسي خالص لا يمكن التخلص منه، لأنه بأساس التكوين والبناء، فلا داع للضجة.