عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق الأجيال إلى حساب الوصاية الدولية
مظهر محمد صالح
2026 / 7 / 4 - 08:48
ليست جميع الثروات نعمة، كما ليست جميع الحسابات المصرفية أوعيةً للادخار. فالتاريخ يعرف حساباتٍ تُفتح لتراكم الثروة وصناعة المستقبل، كما يعرف حساباتٍ تُفتح لإدارة الأزمات وتوزيع الأعباء. وبين هذين المعنيين يقف عام 1996 شاهدًا على واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في التاريخ الاقتصادي والسياسي الحديث.
في ذلك العام، انطلق حسابان في بلدين جمعهما النفط وافترق بهما المصير. كان الأول في النرويج، حيث تأسس الصندوق السيادي النرويجي (Government Pension Fund Global – GPFG)، المعروف بصندوق النفط، ليكون وعاءً لاستثمار عائدات النفط والغاز لصالح الأجيال المقبلة. وبعد ثلاثة عقود، أصبح هذا الصندوق أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم، بأصول تقارب 2.2 تريليون دولار أمريكي، موزعة على آلاف الشركات والسندات والعقارات حول العالم، بما يجسد فلسفة تحويل المورد الناضب إلى رأسمال دائم للأمة.
أما الحساب الثاني فقد وُلد في العراق ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء (Oil-for-Food Programme – OFFP) الذي أقرّته الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 986 لعام 1995، ونُفّذ عبر مكتب برنامج العراق (Office of the Iraq Programme). ولم يكن هذا الحساب صندوقًا للادخار، بل آلية لإدارة عائدات النفط تحت إشراف دولي، هدفها تمكين استيراد الغذاء والدواء لتلبية الحد الأدنى من احتياجات شعبٍ أنهكته الحروب وأثقلته العقوبات، بعد أن فقدت الدولة استقلالها في إدارة جانب واسع من مواردها النفطية.
وبموجب هذه الآلية، كانت حصيلة صادرات النفط العراقي تُودع في حساب خاص باسم الأمين العام للأمم المتحدة لدى مصرف Banque Nationale de Paris (BNP) في نيويورك، الذي تولّى دور الوكيل المالي للبرنامج. وكانت المدفوعات لا تُصرف إلا وفق إجراءات واعتمادات يقرّها مجلس الأمن ولجانه المختصة. كما خضعت الإيرادات لاستقطاعات متعددة، إذ خُصصت نسبة 30% لصندوق الأمم المتحدة للتعويضات المرتبطة بحرب الكويت، إضافة إلى 3% لتغطية نفقات لجان التفتيش الخاصة بأسلحة الدمار الشامل، ليبلغ إجمالي الاستقطاعات 33% من قيمة الصادرات النفطية، فيما خُصصت النسبة المتبقية (67%) لتمويل واردات الغذاء والدواء وبعض الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
لقد بدأ الحسابان من المصدر ذاته: برميل النفط. غير أن أحدهما انتهى إلى بناء ثروة سيادية تُراكم الرفاه للأجيال، بينما انتهى الآخر إلى آلية لإدارة الحاجات الأساسية تحت إشراف دولي. ولم يكن الفارق في النفط، بل في فلسفة الدولة التي أدارت النفط، وفي نوعية المؤسسات التي حكمت القرار، وفي الرؤية التي اختارت بين الاستثمار في المستقبل أو الاستنزاف في الحاضر.
فالنفط مادة صامتة لا تصنع الحضارة ولا الخراب بذاتها ، إنما تصنعهما الدولة التي تدير الثروة، وطبيعة النظام المؤسسي الذي يوجّه القرار الاقتصادي والسياسي. ففي النرويج، جرى التعامل مع النفط بوصفه رأسمالًا ناضبًا يجب تحويله إلى أصل مالي دائم يخدم الأجيال. أما في العراق، فقد جرى التعامل مع الريع النفطي في سياقٍ سياسي اتسم بتركيز القرار، وتغليب منطق التعبئة والصراع، وتراجع الاعتبارات التنموية أمام أولويات الحرب والحصار، حتى أصبحت السياسة الاقتصادية امتدادًا لضرورات القوة لا لتراكم التنمية.
ولم يكن ما آل إليه العراق نتيجة عاملٍ واحد أو ظرفٍ طارئ، بل حصيلة مسار طويل من القرارات الاستراتيجية التي جعلت من الحرب أداة مركزية في إدارة الدولة خلال العقود السابقة، بدءًا من الحرب العراقية–الإيرانية، مرورًا بغزو الكويت وما أعقبه من نظام العقوبات الدولية. وقد أفضى ذلك إلى استنزاف واسع للموارد، وانكماش في القاعدة الإنتاجية، وتآكل تدريجي في القدرة المؤسسية على إدارة الاقتصاد وفق منطق التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، لم يعد النفط العراقي موردًا سياديًا يُدار داخل الدولة، بل أصبح جزءًا من منظومة مالية خاضعة لإشراف دولي مباشر. وهنا تتجاوز المسألة بعدها الاقتصادي إلى بعدها السيادي، حيث تعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواردها، وبين الثروة وقرار استخدامها.
إن المقارنة بين النرويج والعراق ليست مقارنة بين احتياطات أو أرقام إنتاج، بل بين نموذجين في بناء الدولة. فالثروة الطبيعية لا تمنح الأمم ازدهارًا تلقائيًا، كما أن وفرة الموارد لا تحصّنها من الفشل. إنما يصنع الفارق نظامٌ سياسي ومؤسسي قادر على تحويل الريع إلى استثمار، والموارد إلى رأسمال، والإنفاق إلى تنمية، بدل تحويله إلى أداة لإدارة الأزمات أو تغطية آثار الصراع.
وهكذا، لم يكن عام 1996 مجرد لحظة مالية عابرة، بل نقطة افتراق بين رؤيتين للدولة: رؤية جعلت من النفط جسرًا إلى المستقبل فادخرته واستثمرته، ورؤية جعلت منه موردًا لإدارة الحاضر تحت ضغط الأزمات حتى انتهى إلى الوصاية الدولية. وبين الحسابين كُتب فصلٌ مكثف من تاريخ الاقتصاد السياسي الحديث، لا يفسره اختلاف الثروة، بل اختلاف العقل الذي يديرها.
وفي المحصلة، فإن الدرس الذي يقدمه هذا التاريخ يتجاوز النرويج والعراق معًا ،فالأمم لا تُقاس بما تملكه تحت الأرض، بل بما تملكه فوقها من مؤسسات ورؤية وقدرة على اتخاذ القرار. فالثروة قد تمنح الدولة فرصة، لكنها لا تمنحها مستقبلًا. أما المستقبل، فلا تصنعه إلا دولة تُعلي من شأن العقل على المغامرة، والتنمية على الصراع، والإنسان على كل ما عداه.