عندما تغتال البيروقراطية والمحسوبية كفاءة الأوطان مثال : مارشال الإتحاد السوفياتي الجنرال غريغوري كوليك


يوسف محمد لمين
2026 / 6 / 18 - 09:07     

عندما تغتال البيروقراطية والمحسوبية كفاءة الأوطان مثال : مارشال الإتحاد السوفياتي الجنرال غريغوري كوليك

تلعب كفاءة الإدارة الدور الحاسم في بقاء الدول أو انهيارها، وحين تتحول المناصب الحساسة والمصيرية إلى هدايا تُوزع بناءً على الولاء الشخصي والمعرفة المتبادلة بدلاً من الجدارة العلمية، فإن النتيجة الحتمية هي السقوط في هاوية التراجع الممنهج. إن التاريخ العسكري والسياسي يزخر بنماذج حية تجسد هذا الخلل الهيكلي في بنية السلطة، ولعل السيرة المهنية للجنرال السوفيتي غريغوري كوليك تظل النموذج الأبرز والأكثر قتامة لكيفية تحول "أهل الثقة" إلى عبء انتحاري يهدد كيان الأوطان بأكمله في لحظات التحول التاريخية، ويتحول إلى سلاح فتاك يهدم المؤسسات من داخلها بأسرع مما يفعل العدو الخارجي.
​لم يكن غريغوري كوليك مجرد جنرال ميداني عابر أخطأ في تقدير تكتيك معركة، بل كان القائد العام لسلاح المدفعية السوفيتية والمسؤول الأول عن تصنيع وتطوير الدبابات والمدافع في الحقبة الممتدة بين عامي 1935 و1941، وهي الفترة الحرجة التي سبقت وواكبت الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك، تجمدت عقليته العسكرية ومعرفته بالتكنولوجيا عند حدود عام 1918. قاد كوليك بكل عناد وتحجر حملة رجعية ضد التطوير، فعارض دمج المدرعات في وحدات مستقلة، وعطل إنتاج ذخائر ومدافع الدبابة الأسطورية "T-34" لأسباب نفعية وسياسية ضيقة تتعلق بالمصنع الذي كان يشرف عليه، واستهزأ براجمة الصواريخ الشهيرة "الكاتيوشا" قائلاً إن المدفع الذي تجره الخيول هو الأساس، بل وصل به الجهل الفكري إلى منع زرع حقول الألغام الدفاعية معتبراً إياها "سلاح الضعفاء"، مما كلف الجيش الأحمر نزيفاً حاداً واستسلام مئات الآلاف من الجنود وتوغل القوات الألمانية لمئات الكيلومترات يومياً دون عوائق، ولم تتوقف مآسيه عند هذا الحد، بل تجسد فشله الميداني في هزائم مهينة متتالية؛ من الحرب البولندية السوفيتية عام 1919، إلى حرب الشتاء ضد فنلندا عام 1939، وصولاً إلى التسبب المباشر في كارثة حصار لينينغراد عام 1941 قبل أن يتم استبداله بالجنرال غيورغي جوكوف وتجريده من رتبه، لينتهي به المطاف بالإعدام رمياً بالرصاص عام 1950 بتهمة الخيانة العظمى.
​إن اللغز الكامن وراء صعود شخص بهذا القدر من الجهل والتحجر إلى قمة الهرم العسكري يكمن بالكامل في قوة المعرفة الشخصية وشبكة العلاقات الضيقة؛ فقد كان المؤهل الأسمى لكوليك، والذي جبّ كل كفاءة علمية أو تطور فكري، هو صداقته التاريخية القديمة مع جوزيف ستالين وفوروشيلوف منذ أيام الحرب الأهلية الروسية في معركة "تساريتسين". في الأنظمة المركزية، تصبح المعرفة الشخصية والروابط الشللية بمثابة درع وحصانة مطلقة تحمي المسؤول الفاشل من النقد والمحاسبة، وتعمي أصحاب القرار عن الكوارث الإدارية؛ ولقد بلغ هذا الولاء الشخصي الأعمى حداً جعل كوليك يصمت تماماً عندما اختطفت المخابرات السوفيتية زوجته "كيرا سيمونيتش" وأعدمتها عام 1940 بناءً على أوامر ستالين، ففضل الحفاظ على منصبه وقربه من النفود، لتتم ترقيته بعدها بيومين فقط إلى رتبة مارشال، وهي مفارقة توضح كيف تبتلع المحسوبية الروابط الإنسانية والمصلحة الوطنية العليا لصالح البقاء الشخصي في فلك السلطة وتعيين الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب.
​من المنظور الفكري الشيوعي الراديكالي، وتحديداً من خلال أطروحات تروتسكي حول طبيعة اعتلال الدولة العمالية، لا يمكن فصل ظاهرة كوليك عن صعود "البيروقراطية الستالينية" أو ما يُعرف عمالياً بـ "الترميدور السوفيتي". لقد فكك تروتسكي في كتاباته هذا الانحراف الهيكلي الذي استبدل الوعي الثوري والكفاءة العلمية بالمنصاعين والبلهاء الذين يمتلكون ميزة واحدة وهي الطاعة العمياء والقرب من السكرتير العام؛ إن تصفية العقول العسكرية الفذة والمطورة، مثل ميخائيل توخاتشيفسكي (نابليون الأحمر)، لصالح عناصر شللية متحجرة مثل كوليك، هو النتيجة الطبيعية لتحول أجهزة الدولة إلى ملكيات خاصة تُوزع فيها المناصب كأعطايا وهدايا شخصية بين الأصدقاء الحزبيين، هذا المرض البيروقراطي هو السلاح الأكثر فتكاً بالمؤسسات، حيث تُغيب المحاسبة الموضوعية والرقابة الحقيقية لصالح حماية "أهل الثقة"، وكاد هذا النهج أن يهلك الاتحاد السوفيتي بأكمله في مواجهة الغزو الخارجي، لولا أن صدمة الواقع الحربي فرضت العودة مرغمة إلى منطق العلم والكفاءة على حساب الولاءات الضيقة، لتبقى سيرة كوليك درساً أبدياً يصرخ في وجه كل إدارة: لا تكن مثل غريغوري كوليك، ولا تقدم الولاء الشخصي على كفاءة الأوطان.