قراءة من منظور المدرسة النقدية الكونية وفلسفة الأمل بقلم Ibrahim Othmane في النصوص الهايكوية لـِ فاطمة الفلاحي


فاطمة الفلاحي
2026 / 6 / 9 - 18:12     

غيومٌ عاجزة~

تتوسدُ ضلعَ الظلامِ المكلوم،

منفى الحنين!



حقلُ قمح~

تختبئُ تحتَ ثناياهُ،

رقصةُ فلامنكو.



كسحابةٍ رمادية~

تخلعُ أوردتَكَ في دمي،

نجومٌ مغمور



فراغٌ مزدحم~

أتقرفص حد موعد الفجر،

سغبُ مشيئة!



نهاية القصة

الخلسةُ الأخيرة

التناصاتُ جائزة



خارج النص : " لا معذرة للفارق بين المواقيت"

فاطمة الفلاحي

الأديب الناقد إبراهيم عثمان يقول:

قراءة هذه النصوص الهايكوية لـِ فاطمة الفلاحي من منظور المدرسة النقدية الكونية وفلسفة الأمل بوصفها شذرات شعرية تتجاوز اللحظة الجمالية إلى بناء وعي إنساني كوني، حيث يتحول الوجدان الفردي إلى تجربة وجودية مشتركة، ويتحوّل الانكسار إلى أفق رمزيّ للأمل المتألم. لا يبدو الهايكو هنا مجرد التقاطٍ للطبيعة أو ومضة تأملية، بل خطابا أنطولوجيا مكثفا يختبر هشاشة الإنسان وعلاقته بالزمن والمنفى والغياب واللغة.
أولا: الهايكو بوصفه أنطولوجيا للانكسار الإنساني
في النص الأول:
غيومٌ عاجزة~
تتوسدُ ضلعَ الظلامِ المكلوم،
منفى الحنين!
تبدو الصورة الشعرية قائمة على مفارقة كونية: الغيوم ـ وهي رمز المطر والانفتاح والخصب ـ تتحول إلى كائن عاجز، متكئ على “ضلع الظلام المكلوم”. من منظور المدرسة النقدية الكونية، يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه تمثيلا لوضعية الإنسان المعاصر الذي يعيش اغترابا وجوديا داخل عالم فقد يقيناته. فالحنين هنا لا يعود إلى مكان، بل إلى إمكانية إنسانية مفقودة.
أما في فلسفة الأمل، فإن “منفى الحنين” لا يعني موت الرجاء، بل يكشف عن حضور أمل مؤجّل؛ لأن الحنين نفسه علامة على أن الذات لم تستسلم بعد للفقد النهائي. الحنين فعل مقاومة ضد العدم.
ثانيا: جدلية الجسد والفرح الكوني
في النص الثاني:
حقلُ قمح~
تختبئُ تحتَ ثناياهُ،
رقصةُ فلامنكو.
يحدث تداخل بين الطبيعة والثقافة: حقل القمح، رمز الخصب الأرضي، يحتضن رقصة فلامنكو، بما تحمله من انفعال جسدي وإيقاع حارق. هنا تقترح الشاعرة رؤية كونية للإنسان، حيث لا تعود الحدود الحضارية فاصلة بين الحقول والرقصات، بين الشرق والغرب، بل يصبح العالم مجالا لتجاور الرموز.
وفق فلسفة الأمل، تختبئ الرقصة “تحت الثنايا”، أي أن الفرح ليس غائبا بل كامنا في طبقات الواقع. إن الإنسان الكوني لا يُختزل في المأساة؛ إذ يحمل داخل هشاشته بذور الاحتفال.
ثالثا: النزف بوصفه معرفة وجودية
في النص الثالث:
كسحابةٍ رمادية~
تخلعُ أوردتَكَ في دمي،
نجومٌ مغمور
هذا النص كثيف الرمز، يقوم على امتزاج الذات بالآخر حتى حدود الألم. “خلع الأوردة” استعارة لانكشاف داخلي عنيف، لكن النهاية تأتي بـ “نجوم مغمور”، وهي صورة تحتمل الغرق والاختفاء.
من منظور نقدي كوني، تمثل النجوم المغمورة المعاني الإنسانية المكبوتة في عالم مادي صاخب. أما فلسفة الأمل فترى أن النجم، حتى وهو مغمور، لا يفقد ماهيته الضوئية؛ إنما ينتظر انقشاع العتمة.
رابعا: الازدحام الوجودي وفراغ الإنسان
في النص الرابع:
فراغٌ مزدحم~
أتقرفص حد موعد الفجر،
سغبُ مشيئة!
هذا النص يكاد يكون وجوديا بامتياز. “الفراغ المزدحم” مفارقة تصف حياة الإنسان الحديثة: كثافة العلاقات والمعلومات تقابل خواء داخليا. والتقرفص حتى الفجر يرمز إلى حالة انتظار، بينما “سغب المشيئة” يحيل إلى جوع الإرادة أو افتقار المعنى.
وفق المدرسة النقدية الكونية، يمثل النص نقدا للإنسان المعاصر الممزق بين الرغبة والعجز. لكن فلسفة الأمل تجعل الفجر علامة تحول: الانتظار نفسه يحمل وعدا ضمنياً بالخروج من العتمة.
خامسا: ما بعد النص وتفكيك الزمن
نهاية القصة
الخلسةُ الأخيرة
التناصاتُ جائزة
ثم تأتي العبارة خارج النص:
"لا معذرة للفارق بين المواقيت"
هنا تدخل الشاعرة منطقة الميتا-شعر؛ إذ يصبح النص واعياً بذاته، ويعلن أن “التناصات جائزة”، وكأن التجربة الإنسانية كلّها كتابة مشتركة لا ملكية فردية لها.
أما عبارة “لا معذرة للفارق بين المواقيت” فمن منظور كوني تُقرأ باعتبارها دعوة إلى توحيد الوعي الإنساني: الزمن النفسي والروحي للإنسان يتجاوز الحدود الجغرافية. الإنسان يتألم بالألم نفسه، ويأمل بالأمل نفسه، مهما اختلفت الساعات.
خلاصة كونية إنسانية
تكشف نصوص فاطمة الفلاحي عن شعرية تقوم على:
تكثيف الوجع الإنساني داخل صور كونية مفتوحة.
تحويل الطبيعة إلى مرآة للذات الوجودية.
إبقاء الأمل كامنا داخل العتمة لا بوصفه يقينا بل إمكانية.
تفكيك الحدود بين الثقافات والأزمنة لصالح حساسية إنسانية شاملة.
ومن منظور المدرسة النقدية الكونية وفلسفة الأمل، لا تُقرأ هذه النصوص باعتبارها ومضات هايكو فحسب، بل بوصفها بياناً شعرياً صغيراً لإنسانٍ يبحث عن ذاته داخل خراب العالم، دون أن يتخلى تماماً عن احتمالية الضوء.
إبراهيم عثمان