على حافة الرصاص… حين تتحول لقمة العيش إلى هدفٍ مُستباح
محمد زهدي شاهين
2026 / 4 / 18 - 09:06
في مشهدٍ يتكرر حتى بات جزءًا من الذاكرة اليومية، يقف العامل الفلسطيني عند الفجر، لا يحمل سوى أدواته البسيطة وأملٍ هشّ في يومٍ يضمن فيه قوت أطفاله. يتجه نحو الجدار والحواجز، لا كخيارٍ حر، بل كقدرٍ مفروض. هناك، حيث تختلط العيون المتعبة بعيون البنادق، يتحول الطريق إلى العمل إلى ممرٍ للموت والإذلال، وتصبح الرصاصة احتمالًا قائمًا في كل لحظة عبور.
إن إطلاق النار على العمال الفلسطينيين أثناء محاولتهم اجتياز الجدار أو الحواجز ليس حادثًا عابرًا، بل هو انعكاسٌ صارخ لسياسةٍ تقوم على التضييق والإذلال المنهجي. فالعامل الذي يُمنع من الوصول إلى عمله عبر الطرق القانونية، ويُحاصر اقتصاديًا، يُدفع دفعًا نحو المخاطرة بحياته. وهنا تتجلى المأساة بأبشع صورها: إنسانٌ يُجبر على الاختيار بين الجوع أو الرصاص.
هذه السياسة لا يمكن فصلها عن منظومة أوسع من العقاب الجماعي، تبدأ من الحواجز ولا تنتهي عند اقتطاعات أموال المقاصة، تلك التي تؤثر بشكل مباشر على رواتب الموظفين، وتنعكس على كل بيت فلسطيني. إن هذه الإجراءات ليست مجرد أدوات ضغط مالية، بل رسائل سياسية واضحة مفادها: إخضاع المجتمع الفلسطيني، وكسر إرادته، ودفعه نحو القبول بوقائع يفرضها اليمين الإسرائيلي المتطرف، ضمن ما يُعرف بخطط الحسم التي تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني قبل الأرض.
لكن الأخطر من ذلك، هو السعي إلى تفكيك النسيج الداخلي الفلسطيني، من خلال خلق حالة من الاحتقان الاجتماعي، وتأليب الناس على بعضهم البعض. حين يُحرم الموظف من راتبه، ويُطارد العامل في لقمة عيشه، ويُترك المواطن وحيدًا في مواجهة أزماته، يصبح الانفجار الداخلي احتمالًا قائمًا، وهو ما يخدم—بلا شك—أهداف الاحتلال في إضعاف الجبهة الداخلية.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: كيف وصلنا إلى هذه الحالة، ونحن ما زلنا في مرحلة تحرر وطني؟
إن جزءًا من الإجابة يكمن في الداخل، لا في الخارج فقط. لقد طالبنا مرارًا بمكافحة الفساد، وفتح ملفات المساءلة، وبناء مؤسساتٍ قائمة على الشفافية والعدالة، لكن هذه المطالب لم تجد طريقها إلى التنفيذ الجاد. فحين تغيب المساءلة، وتُهدر الموارد، ويُترك التخطيط للمستقبل جانبًا، يصبح المجتمع أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للضغط الخارجي.
ما نعيشه اليوم لم يكن حتميًا بالكامل. كان بالإمكان تفادي كثيرٍ من هذه الأزمات، لو وُجدت رؤية استراتيجية تُحصّن الداخل، وتُدير الموارد بكفاءة، وتضع سيناريوهات لمواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية. فوجود الاحتلال لا يُلغي ضرورة التخطيط، بل يجعلها أكثر إلحاحًا.
إن التحرر من القيد المالي لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية. لا يمكن لمجتمعٍ يسعى إلى الحرية أن يبقى رهينةً لاقتصادٍ مُقيّد، أو لإرادات خارجية تتحكم بلقمة عيشه. وهذا يتطلب إعادة النظر في مجمل السياسات الاقتصادية، والبحث عن بدائل تعزز الصمود والاستقلال النسبي.
اليوم، نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة، لا تقتصر على التشخيص، بل تمتد إلى الفعل. مراجعة تُعيد ترتيب الأولويات، وتفتح باب المساءلة في كافة المؤسسات الوطنية، دون استثناء. فمحاسبة كل من تورط في نهب المال العام، أو أساء استخدام السلطة، ليست مطلبًا شعبيًا فحسب، بل شرطٌ أساسي لبقاء المشروع الوطني نفسه.
نحن بحاجة إلى قرارٍ شجاع—قرارٍ يعترف بالأخطاء، ويُصارح الناس، ويبدأ بإصلاحٍ حقيقي يعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته. فالمعركة ليست فقط على الحواجز، بل في الداخل أيضًا؛ معركة وعي، وعدالة، وكرامة.
وعندها فقط، لن يكون العامل الفلسطيني مضطرًا لعبور الجدار تحت تهديد الرصاص، بل سيكون جزءًا من مجتمعٍ يقف خلفه، ويحميه، ويصون كرامته… حتى ينكسر الجدار ذاته، لا الإنسان.