|
|
غلق | | مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار | |
|
خيارات وادوات |
|
|
المفاوضات الإيرانية الأمريكية: ترتيب قواعد المواجهة ومخاوف مصير العراق
تشهد العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، منذ أسابيع قليلة، تطورات تشير إلى أن ما يجري يتجاوز إطار المفاوضات الدبلوماسية التقليدية نحو مسار أعمق يوحي بترتيب غير مباشر لقواعد مواجهة عسكرية محتملة. فالتبادلات الحالية، سواء في مسقط أو جنيف، لا تبدو موجهة نحو حل سلمي حقيقي، بل تعكس تمسكاً صلباً من الجانبين ليس بمواقفهما فحسب، بل بتضاد كامل ومطلق في الأهداف السياسية الأساسية. هذا التضاد يجعل أي تسوية بعيدة المنال، ويحول المفاوضات إلى آلية لتحديد خطوط التصعيد والردود المحتملة، بدلاً من بناء جسور الثقة.من أبرز المؤشرات على هذا الاتجاه، حضور الإعلى الأميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، في المباحثات غير المباشرة بعُمان (مسقط) في أوائل فبراير 2026. لم يكن هذا الحضور مجرد مشاركة بروتوكولية إلى جانب الوفود الدبلوماسية، بل إشارة واضحة إلى أن النقاشات تشمل جوانب عسكرية مباشرة، مثل رسم حدود الردود العسكرية أو تقييم السيناريوهات الطارئة. رغم أن التحليلات الإعلامية لم تلتفت إليه بالقدر الكافي، إلا أنه يعزز الشعور بأن الدبلوماسية هنا غطاء لاستعدادات أكثر خطورة، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة حول البرنامج النووي الإيراني والاستقرار في الخليج.يأتي مضافاً إلى ذلك مشاركة روسيا والصين في مناورات بحرية مشتركة مع إيران بعنوان "حزام الأمن البحري 2026" في مضيق هرمز، والتي شهدت إطلاق ذخيرة حية وتمارين متقدمة لمكافحة الإرهاب البحري والبحث والإنقاذ. بدأت هذه المناورات في منتصف فبراير 2026، وتأتي في توقيت يتزامن تماماً مع جولات المفاوضات، مما يعكس تنسيقاً استراتيجياً يهدف إلى تعزيز الردع المشترك أمام الضغوط الغربية. مضيق هرمز، كونها شرياناً حيوياً للنفط العالمي، يصبح بذلك ساحة لإثبات القدرات العسكرية، ويوحي باستعداد لسيناريوهات احتكاك قد تشمل إغلاقاً جزئياً أو توترات بحرية.قبل هذه المناورات بأسابيع، كشفت تقارير عن دور روسي كوسيط بين إيران وإسرائيل في يناير 2026، حيث نقلت موسكو رسائل تفيد بعدم الاعتداء الأول من الجانبين. أكدت إسرائيل عدم مهاجمة إيران إذا لم تبدأ طهران أولاً، وردت إيران بالمثل عبر القنوات الروسية. على الرغم من عدم وجود إعلان رسمي عن ضمان روسي مباشر لحماية إيران من هجوم إسرائيلي، إلا أن هذه الوساطة تندرج ضمن إطار أوسع لاحتواء التصعيد، مع الحفاظ على خيارات الرد المفتوحة. هذا الدور الروسي يُضيف طبقة إضافية من التعقيد، إذ يجعل التوازن الإقليمي مرتبطاً بتحالفات دولية أكبر.توازي هذه التطورات تحضيرات عسكرية أمريكية مكثفة في الشرق الأوسط، تشمل نشر حاملتي طائرات "أبراهام لنكولن" و"جيرالد فورد"، بالإضافة إلى عشرات الطائرات المقاتلة المتقدمة مثل F-35 وF-22، وأنظمة دفاع جوي متطورة. تُفسر هذه التحركات كاستعداد لحملة عسكرية قد تمتد لأسابيع، خاصة مع تصريحات مسؤولين أمريكيين تشير إلى إمكانية "عملية عسكرية واسعة" إذا فشلت جولات جنيف الأخيرة، رغم التقدم الذي وُصف بـ"جيد" في بعض الجوانب. هذا الضغط العسكري يعمل كورقة تفاوضية قوية، لكنه يعزز الشكوك حول نوايا السلام الحقيقية.في سياق هذه التوترات، يبرز العراق كواحد من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات أي مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران وأمريكا، نظراً لموقعه الجيوسياسي الحساس وتاريخه في الصراعات الإقليمية. يخشى أن يتحول العراق إلى ساحة احتكاك غير مباشر، حيث قد تلجأ إيران، في حال شعورها بضعف عسكري جوي أو بحري أمام التفوق الأمريكي والإسرائيلي، إلى تكتيكات برية تعتمد على اختراق الأراضي العراقية. هذا السيناريو ليس مجرد افتراض بعيد، بل احتمال موضوعي مرتفع، إذ يوفر لطهران ممراً استراتيجياً لتهديد أمن إسرائيل براً عبر المناطق الغربية العراقية، مستفيدة من سيطرتها النسبية على ميليشيات محلية وشبكات دعم لوجستي.يعتمد هذا الاحتمال على عدة عوامل موضوعية تجعل من العراق هدفاً مفضلاً لإيران في حال التصعيد: أولاً، السيطرة الفعلية لفصائل موالية لإيران على مناطق حدودية واسعة في العراق، مما يتيح نقل قوات أو معدات دون مقاومة كبيرة من الدولة المركزية الضعيفة. ثانياً، القرب الجغرافي من إسرائيل عبر الأردن، حيث يمكن أن يشكل اختراق عراقي خطراً على خطوط الإمداد الإسرائيلية أو يفتح جبهة برية جديدة. ثالثاً، تاريخ إيران في استخدام العراق كعمق استراتيجي، كما حدث في صراعات سابقة مثل الحرب مع العراق في الثمانينيات أو التوترات الأخيرة مع داعش. في حال فشلت المفاوضات واندلعت مواجهة، قد يؤدي ذلك إلى تدمير واسع للبنية التحتية العراقية، نزوح جماعي، وانهيار اقتصادي، مع خطر تحول البلاد إلى فوضى طائفية جديدة.هذه المخاوف تتطلب من القوى الإقليمية والدولية، خاصة بغداد، تعزيز آليات السيادة العراقية فوراً، مثل تعزيز الحدود وتنسيق مع التحالف الدولي ضد أي استغلال للأراضي العراقية. ومع ذلك، تكمن جوهر اللعبة في تعقيدها الهائل، حيث يجعل تضاد الأهداف السياسية المطلق أي حل سلمي مستحيلاً ظاهرياً، بينما تُستخدم المفاوضات كوسيلة لرسم حدود المواجهة المحتملة بدقة. النتائج النهائية تظل غامضة، إذ لا تكفي التفاصيل المتاحة حالياً للتنبؤ بدقة بطبيعتها أو اتجاهها، مما يتطلب متابعة دقيقة للتطورات اللاحقة.
|
|
||||