العراق مجتمعية مضادة للكيانيه الوطنيه وللدوله/3
عبدالامير الركابي
2026 / 2 / 17 - 16:52
آن الاوان لان يعي الكائن البشري بان "تاريخ المجتمعية ماهو الا تاريخ مغادرة الجسدية" باعتباره الطور الثاني من عملية "النشوء والترقي"، بعد الاولى الحيوانيه، وانها مرعية ومواكبه من تدخلا من الطبيعه، بالصيغة المناسبه، بما يؤمن الديناميات وقانون التفاعل المفضي الى الهدف والمقصد النهائي، استنادا الى الكينونات المجتمعية، واشكال البنى المختلفة الموزعه على الكوكب الارضي، والمتباينه بحسب البيئة والجغرافيا، مع وحدة وسيلة الانتاج اليدوية واشتراطاتها العامه الارضوية الجسدية، والاستثناء اللاارضوي المنطوي وغير المدرك، هو وتوزعات واشكال الازدواج المجتمعي، الخاصية الاساس في الكينونه المجتمعية، كما في بنية الكائن البشري ( العقل/ جسديه) الاصل.
ومع ماقد سلف ذكره عن الاسباب البنيوية البيئية القاهرة المقصودة والمقررة بالادراك الفعال الاعلى الطبيعي عن "البؤرة اللاارضوية" المتوافقه مع الغرضية الابعد، واستمرارها حاضرة خارج الادراكية البشرية، يتاكد علو وتسامي الغائية الناظمه للوجود الحي ومساراته المتداخلة، المشحونه بالدلالات والتناقضات الحيوية والابداعية المتعدية للتصور اللحظي الادنى كما متاح، وبمقدمها سياقات عيش التفاعلية "الواقعية" من دون وعي ابعادها، وماهي منطوية عليه من غرضية ودلاله، بمايضعها كقصورية اعقالية بمثابة مدخر واجب كشف النقاب عنه، ويحيل المجريات المجتمعية الى عملية ادراك عقلي متعذر ابتداء، مع توفر كل اسبابه والمعطيات التي تبرره، واستمرارها عالي الحضور والاحتدام.
وكان من المفترض للعقل لو انه لم يكن تحت طائلة القصور، ان يتنبه مبكرا لخصوصية حالة ابتداء، بحيث يضعها كمقابل ونوع اخر، بدل القياس على نمطية بذاتها اعتبرت من البدء هي النموذج الاسمى، مايخالفها يوضع بباب الشذوذ والميل للفوضى، دلالة قصور تكويني، فالنموذجية العليا الكيانيه الوطنية، والدولة المرتقية لدرجة الالوهيه النيلية المصرية، وجدت بالاحرى متوافقه مع حالة العقل ومستوى الادراكية الاولى الدنيا، وهو ماتحتاجه لكي تحوز موضع "الكمال" مقابل حالة اصطراع غير محددة كنوع، الامر الذي سيبقى مستمرا الى الساعه( مثال موقف طه حسين من تاريخ العراق)* دليلا على استحالة قبول العقل فكرة "النوعين" والنمطيتين، خصوصا اذا تطلب الامر القول بان المجتمعات تنشا وتبتديء نموذجية موافقة للكيانيه الوطنيه والدولة، تقابلها نموذجية اخرى مضادة لهما، وهي الطرف والكينونه المتفقة مع المستقبل المجتمعي الكياني، ومع الضرورة الناظمه للوجود المجتمعي ودوره كمحطة انتقالية، ذاهبة من الجسدية الارضوية الى العقلية.
وعلى مدى ثلاثة الاف سنه من تاريخ هذا الموضع الحيوي، لم يتعد حضوره ارض السواد وصولا الى بابل جنوبا في الدورة الاولى من تاريخ التشكل، بلا اي حضور او فعاليه ابعد من ذلك، علما بان ماقد وجد هو نمطية ازدواج اصطراعي، فبابل هي المنتهى الاصطراعي بين الارضوية واللاارضوية، ومالايتوقف بينها من محاولات بسط السيطرة من قبل الارضويين تظل تبوء بالفشل، مما استوجب قرارا بالانعزال داخل مدينه تقام على حافة اللاارضوية العليا، تكون محصنة اعلى تحصين، ومعزوله عن ماتحتها كمجتمعية اخرى، تمارس حلب الريع بالغزو الداخلي المكلف للغاية، بما يجعل من النزوع الامبراطوري الى خارج المكان شمالا وغربا، ضرورة، معها تكتمل اللاكيانيه واللا وطنيه من اسفل، حيث اللادولة هي الكينونه مع انتفاء التمايزية المجتمعية الارضوية، سلطة وملكية خاصة، ومن ثم وبفعل الاصطراع مع الكيانيه الامبراطورية المدينية التعبيرية الاارضوية بعد اكتمالها وتجبرها الافنائي، بصيغة الابراهيمية، التعبير المجتمعي الكوني اللاارضوي، فلا كيانيه "وطنيه" هنا، ولا "دولة تبسط سلطتها على الموضع التي هي منه ككيان" علما بان الطرف الاعلى الارضوي، يوجد ويظل متميزا بكونه معززا ومدعوما بالقصورية العقلية غير القادرة على ادراك الحقيقة الازدواجية المتعالية، وتبقى هي كما ينظر لها من قبل غيرها بداهة، باسم القصور العقلي، على انها "حاكمة العراق"، الامر الذي لااساس فعلي له.
ولعل اعلى اشكال القصورية التوهميه التي عاني منها هذا الموضع من المعمورة، ذلك العائد الى مايعرف بالنهضة والحداثة الغربيه ومنجزها النموذجي على صعيد الدولة والكيانيه، ماقد كرس سردية قهرية اكراهية، تبدا وتستمر الى اليوم محكومه الى الخطا الجوهري، والى التوهمية المفهومية التي تؤكد القصورية الاوربية كما تجلت ابان ابتداء الانقلاب الالي، وماترتب عليه من توهمية كبرى، توفرت لها اسباب الغلبه على مستوى المعمورة، وكمثال فان الراي المتعارف عليه بخصوص علاقة بريطانيه بالعراق يقول بان بريطانيه "احتلت العراق"، وهذه كذبه لااساس لها، فثورة العشرين هزمت الاحتلال الانكليزي، وكان الانكليز قد قرروا فعليا الانسحاب لولا فكرة اقامه "دولة من اهل البلاد تكون واجهه للنفوذ البريطاني"، وكما المعتاد فان القصورية التاريخيه الغت العراق بهذه المناسبة كعراق ازدواج ونمطية متفردة بذاتها، فلم يظهر اي راي على الاطلاق ينظر للاحتلال الانكليزي بمنطق الحقيقة الانبعاثية التاريخيه للعراق الحديث، المنبعث جنوبا في ارض سومر في القرن السادس عشر مع ظهور "اتحاد قبائل المنتفك"، ومن ثم المركز الانتظاري النجفي في القرن الثامن عشر كحقبة ثانيه اعقبت ثورة 1787 الثلاثية التي حررت ارض السواد من بغداد الى الفاو،مايلغي علاقة ثورة العشرين بالعراق الذي قرره الانكليز لاحقا والذي ماكان موجودا يوم تفجرت الثورة من الرميثه في العراق المنبعث حديثا.
هذا ونحن نتحدث كما المعتاد عن كيانيه فوق كيانيه، لاتتشكل بصفتها موضعا محليا مستقلا كينونة، في الماضي كما اليوم، ثورتها غير الناطقة، ثورة "الطوب احسن لو مكواري" تتعدى العراق الويرلندي التدبيري البراني (المرتكز للبرانيه التاريخيه التي حلت بعد سقوط بغداد 1258 وتحول عاصمة الامبراطورية الثانيه بغداد الى موضع تتناوب عليه منذ هولاكو، الحكومات والدول واشباه الامبراطوريات البرانيه بظل توقف الاليات الازدواجية مع حلول طور الانقطاع التاريخي الثاني)، ماقد وجد لاحقا كرد فعل احتلالي، تحت طائلة فعلها، مع مجمل الحضور الانكليزي بما يحمله من دلالة انقلابيه "حداثية" توهمية، ثورة العشرين هي افتتاح تصويبها، والخروج بها من نطاق الارضوية، الامر الذي سيكون محور التاريخ الرافديني التحققي كسيرورة تاريخية راهنه ثالثه، فوق يدوية، اوربا اعجز من ان ترتقي لمتطلبها الكوني، وان كانت موضع الافتتاح الالي، بموازاة الدورة اللاارضوية التحققية المستمرة من القرن السادس عشر، بعد الدورتين الازدواجيتين الكبريين، الاولى السومرية البابلية الابراهيمية، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية وما بينهما من انقطاعين هما نتاج القانون الناظم لتاريخ هذا المكان من المعمورة.
ـ يتبع ـ