الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للركود الإمبريالي المُقدَّس
مظهر محمد صالح
2026 / 2 / 10 - 02:51
كانت المحاضرة شديدة الغرابة في تاريخ التطور الاقتصادي، وكنت وأنا أغادر قاعة الدرس أشعر بأن خلفي تاريخًا اقتصاديًا طويلًا ومعقدًا، محاولًا الفصل بين مفهومين رئيسيين: حالة الاستقرار (Steady State) والحالة الساكنة (Stationary State). فحالة الاستقرار هي وضع طويل الأجل يصل إليه الاقتصاد عندما تتوقف المتغيرات الاقتصادية عن التغير أو تنمو بمعدلات ثابتة، ويكون الاستثمار مساويًا للاندثار ، ويبقى رأس المال والإنتاج للفرد ثابتًا مع مرور الوقت. تُظهر نماذج اقتصاديات النمو الحديثة أن هذه الحالة تضمن ثبات حصة الفرد من الناتج دون تهديد الاستقرار الكلي، وتسمح باستمرار التنمية مع الحفاظ على استقرار طويل الأجل.
على العكس، تمثل الحالة الساكنة وضعًا أشد وطأة، حيث يتوقف النمو تمامًا ويظل الإنتاج الكلي ثابتًا، كما يبقى عدد السكان ورأس المال ثابتين، ويكون الاستثمار مساويًا للاندثار ، بحيث لا يوجد توسع ولا نمو إطلاقًا، ويصبح الاقتصاد في ركود مطلق. هذا المفهوم، في التحليل الكلاسيكي لمالتوس وريكاردو، ارتبط بفكرة المليار الذهبي والوظائف الإمبريالية في تقليل الضغط السكاني على الموارد، مما يعكس نظرة عصر الاستعمار الفكتوري وما تبعه من تحولات اجتماعية واقتصادية.
رغم التشاؤم الكلاسيكي، رأى جون ستيوارت ميل أن الحالة الساكنة يمكن أن تكون مرغوبة على حد زعمه، حيث يخفف استقرار السكان الضغط على الموارد، ويتيح التركيز على الثقافة والتعليم والتقدم الأخلاقي بدل السعي وراء التوسع المادي المستمر، كما يؤدي إلى أضرار بيئية أقل، ويترك مساحة للطبيعة والجمال، مع تحسين نوعية الحياة. ان هذه الرؤية تمثل الأساس للفلسفات المعاصرة حول التنمية المستدامة وفكرة النمو الصفري (Degrowth)، خاصة في المجتمعات الغنية ضمن النظام الرأسمالي المركزي، حيث يصبح الاستقرار الاقتصادي وسيلة لحماية البيئة وتعزيز رفاهية الإنسان بدلًا من تراكم الثروة بلا حدود.
في هذا السياق، تُعد السياسة الناعورية، كما يشير المفكر حسين العادلي، نمطًا من الممارسة السلطوية في الاقتصاد والسياسة الاجتماعية يقوم على إدارة المجتمع لإعادة إنتاج الحالة الساكنة بوصفها استقرارًا. تتميز هذه السياسة بحركة مستمرة بلا تقدّم، تُقدَّس انعدام النمو والخوف من تجاوزه، وتُعطل التحول التاريخي مع الحفاظ على دورة اقتصادية واجتماعية دائرية. على المدى الطويل، تؤدي هذه الآليات إلى تآكل القيم الاجتماعية والاقتصادية، وإلى نوع من الخدر الجماعي إزاء التراجع العميق في البنية التاريخية للزمن الاجتماعي للمجتمعات النازلة. السياسة الناعورية لا تُجمِّد الاقتصاد فحسب، بل تُعطِّل التاريخ نفسه، حيث لا يُفهم الحكم بوصفه مسارًا بل حركة، ولا يُنظر إلى الفشل كخلل بل كمادة تشغيل، ولا يُعامل الزمن كفرصة بل كمساحة استهلاك.
يتسلق مفهوم المليار الذهبي (The Golden Billion) في هذا الإطار الجيو-اقتصادي، بوصفه امتدادًا عالميًا للسياسة الناعورية، حيث يُحافظ على رفاهية أقلية محدودة، بينما تُبقي الأغلبية في حالة سكون تنموي أو نمو مُقنَّع لا يهدد مركز الامتياز. هذا السكون يُعاد إنتاجه عبر آليات السوق، والخطاب التنموي، واللاهوت الاقتصادي، بحيث يصبح تعطيل التاريخ في المجتمعات النازلة شرطًا موضوعيًا لاستقرار النظام الدولي داخل فضاء المليار الذهبي.
ختامًا، السياسة الناعورية والحالة الساكنة ليستا مجرد أدوات اقتصادية، بل هما آليات لتثبيت السلطة الاجتماعية والسياسية، حيث تحافظ على حركة دائرية للاقتصاد والمجتمع بلا تقدّم فعلي، وتضمن استمرار الامتيازات القائمة مع تحييد إمكانات التغيير البنيوي. فهي لا تُجمِّد الاقتصاد فحسب، بل تُعطِّل حركة التاريخ دون إيقافه، لتبقى المجتمعات في دائرة مستمرة من الركود، تُقاس فيها النجاحات بالاستمرارية وليس بالإنجاز، وبترحيل الأزمات لا بإزالة أسبابها.و هناك تشبيه ماثور للفيلسوف
كارل ماركس يرى فيها الحالة الساكنة والحركة الناعورية سيان، مشيرا بالقول :ستحول الراسمالية الحياة الى عملية ركض متواصلة، ينسحق فيها تحت الحشود كل من يتوقف ليلتقط انفاسه .