ترامب، وأداء الحليف للنظام الإيراني


ليث الجادر
2026 / 1 / 1 - 02:12     

إذا ما جرى تعريف «الحليف» لا بوصفه من يشارك الخطاب أو يرفع الشعارات ذاتها، بل بوصفه الطرف الذي يُسهم فعليًا في تمكين طرفٍ آخر من تحقيق أهدافه الاستراتيجية، فإن كثيرًا من المسلّمات الشائعة في السياسة الدولية تصبح موضع مراجعة. فالعلاقات بين الدول لا تُدار دائمًا وفق ثنائية الصديق والعدو، بل وفق أدوار تؤديها السياسات على الأرض، أحيانًا من دون قصد أو تنسيق، وأحيانًا بعكس النوايا المعلنة.
انطلاقًا من هذا التعريف الوظيفي، تبرز مفارقة لافتة في التوازنات الإقليمية الراهنة: الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم تشدده العلني تجاه إيران واعتماده سياسة عقوبات قاسية ضدها، يعيق في الواقع المشروع الإسرائيلي الرامي إلى تدمير النظام الإيراني، ويضع له حدودًا سياسية واستراتيجية واضحة. وبهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى ترامب، في هذه النقطة تحديدًا، بوصفه حليفًا لإسرائيل، بقدر ما يؤدي ــ من حيث الأداء لا النيّة ــ دور «الحليف غير المقصود» لإيران.
فترامب لا يعمل على إسقاط النظام الإيراني، بل على إبقائه ضعيفًا، محاصرًا، وقابلًا للضبط. هذا الخيار لا ينبع من تعاطف أو تساهل، بل من براغماتية أميركية ترى في إدارة الصراع خيارًا أقل كلفة من حسمه. في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذا النهج باعتباره تعطيلًا مباشرًا لهدفها الجوهري القائم على إنهاء التهديد الإيراني من جذوره، لا احتواءه أو تأجيله. ومن هنا، لا ينشأ التوتر بين واشنطن وتل أبيب من خلاف تكتيكي عابر، بل من تباين أعمق في تصور نهاية الصراع ذاته.
يتجلى هذا التباين بوضوح في إعادة فرض سياسة «الضغط الأقصى» في فبراير/شباط 2025. فعلى الرغم من شدّة هذه العقوبات وتأثيرها العميق على الاقتصاد الإيراني، وما تسببت به من تراجع حاد في صادرات النفط، فإنها لم تُصمَّم بوصفها مقدمة لتغيير النظام أو تمهيدًا لمواجهة عسكرية شاملة. لقد جاءت كأداة استنزاف محسوبة، تهدف إلى إضعاف الدولة الإيرانية دون دفعها إلى الانهيار. وبذلك، تتحول العقوبات من وسيلة إسقاط محتملة، كما تراها إسرائيل، إلى آلية ضبط سلوك طويل الأمد، كما تراها واشنطن.
هذا المنطق نفسه يفسّر قرار ترامب رفض الخطة الإسرائيلية لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في يونيو/حزيران 2025. فالرفض لم يكن تعبيرًا عن تحفظ أخلاقي أو قانوني، بل انعكاسًا لحساب استراتيجي بارد. في الرؤية الأميركية، لا يشكّل رأس النظام الإيراني جوهر التهديد بقدر ما يشكّل غيابه خطرًا أكبر، إذ قد يفتح الباب أمام فراغ سلطوي وفوضى داخلية وإقليمية تشبه ما أعقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003. من هذا المنظور، يصبح بقاء القيادة، مهما كانت معادية، أهون الشرور.
ضمن هذا الإطار، تتخذ العلاقة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طابع الشراكة المتوترة. فالخلاف لا يقتصر على الوسائل، بل يمتد إلى الغايات. إسرائيل تسعى إلى حسم جذري ينهي التهديد الإيراني عبر تدمير البنى التحتية وإضعاف النظام إلى حد الانهيار، بينما يتعامل ترامب مع الصراع باعتباره مسارًا يجب ضبطه ومنع انفجاره، لا إنهاءه دفعة واحدة. لذلك، لم يتردد في دعم ضربات إسرائيلية محدودة ضد أهداف إيرانية حساسة، لكنه في الوقت نفسه رسم خطوطًا حمراء صارمة تمنع استهداف القيادة السياسية أو الانزلاق إلى حرب شاملة.
وقد لخّص ترامب هذه المقاربة بوضوح خلال لقائه مع نتنياهو في مارالاغو في ديسمبر/كانون الأول 2025، حين قال إن الهدف هو «تقليم أظافر إيران لا إسقاطها». هذه العبارة، رغم بساطتها الظاهرية، تعكس فلسفة متكاملة في إدارة الصراع: إضعاف الخصم بما يكفي لمنعه من التمدد، مع الحفاظ عليه كفاعل يمكن احتواؤه والتفاوض معه.
من هنا، يمكن فهم ما يبدو كمحاولة أميركية لدفع إيران نحو نمط من «التعاون المجبور». فهذا التعاون لا يعني تحالفًا أو تطبيعًا، بل قبولًا إيرانيًا ضمنيًا بقواعد اشتباك تفرضها موازين القوة، تشمل كبح البرنامج النووي، وضبط سلوك الوكلاء الإقليميين، وتجنب تجاوز الخطوط التي تستدعي ردًا أميركيًا مباشرًا. التهديد المستمر باستخدام القوة، مقرونًا بإبقاء باب التفاوض مفتوحًا، يعكس هذه المعادلة القائمة على الردع دون كسر النظام.
في المحصلة، نحن أمام توازن هش يقوم على توافق مصالح غير مباشر. الولايات المتحدة تحتاج إيران ضعيفة لكنها قائمة، قادرة على ضبط محيطها دون أن تتحول إلى مصدر فوضى مفتوحة. إيران، بدورها، تستثمر الضغط الخارجي لتبرير تشددها الداخلي وإعادة إنتاج شرعيتها. أما إسرائيل، فتجد نفسها مقيدة بسقف أميركي لا ينسجم مع رؤيتها للحسم، بل يعطل تحقيق هدفها المركزي.
وفق هذا المنظور، لا يعمل ترامب ضد إسرائيل بقدر ما يعمل ضد منطق الحسم الذي تتبناه. فهو، من حيث لا يقصد، يمنح النظام الإيراني فرصة البقاء بوصفه عنصرًا في معادلة ضبط الفوضى الإقليمية. غير أن هذا الدور، القائم على إدارة الصراع لا حسمه، لا يؤسس لاستقرار دائم، بل لتوازن مؤقت وقابل للاختلال. فالإبقاء على إيران ضعيفة دون إسقاطها، وعلى إسرائيل قوية دون تمكينها من الحسم، لا يحل الصراع بقدر ما يؤجله، في انتظار لحظة قد تنفلت فيها الحسابات من أيدي جميع الأطراف.