إقليم البصرة: حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى إدارة للانهيار


ليث الجادر
2025 / 12 / 29 - 14:04     

لا يمكن فهم عودة مطلب تحويل البصرة إلى إقليم خارج السياق البنيوي للدولة الريعية العراقية. فالمسألة لا تتعلق بالبصرة بوصفها حالة استثنائية، بل بوصفها تجلياً مكثفاً لمنطق الريع عند لحظة الانسداد. هنا لا يعود الدستور عقداً سياسياً، بل يتحول إلى أداة ضغط تستخدمها الأطراف حين تفشل الدولة في أداء وظائفها الأساسية.
تحويل البصرة إلى إقليم داخل دولة ريعية متفككة لا ينتج لامركزية رشيدة، بل يُنتج لادولة محلية: سلطة ريعية مصغّرة، منفصلة عن أي إطار سيادي جامع، وقابلة للاختطاف السياسي والأمني. فالدولة الغائبة في المركز لا تُستعاد عبر استنساخها بصيغ إدارية محلية، بل يُعاد إنتاج غيابها بأشكال متعددة.
الريع بوصفه منتجاً للتفكك
في الدولة الريعية، لا تُدار الأطراف بوصفها مجتمعات، بل بوصفها مخازن موارد. وحين يعجز المركز عن إعادة توزيع الريع بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار، تبدأ الأطراف بالبحث عن صيغ تفاوضية بديلة، لا لتغيير بنية السلطة، بل لتحسين شروط التفاوض معها. هنا تظهر الأقاليم لا كفعل سياسي، بل كحل إداري داخل الانسداد.
البصرة، بما تمثله من ثقل نفطي وملاحي، ليست محافظة “مظلومة” فقط، بل عقدة الريع العراقية. لذلك، فإن مطلب الإقليم لا يعبّر عن صعود سياسة محلية، بل عن تآكل السياسة ذاتها وتحولها إلى إدارة تقنية للصراع على الموارد.
الوهم الإداري والواقع الجيوسياسي
تُقدَّم فكرة إقليم البصرة أحياناً بوصفها انتقالاً نحو حكم ذاتي فعّال. غير أن هذا الطرح يتجاهل الواقع الجيوسياسي القائم. فالبصرة، وفق موازين القوة الفعلية، ليست فضاءً محايداً يمكن أن يُدار بمنطق إداري صرف، بل بيئة مرشحة للتحول إلى إمارة إسلامية شيعية، مرتبطة عضوياً بإيران اقتصادياً وأمنياً.
هذا المسار لا يقوم على النوايا، بل على الشروط الموضوعية:
سلاح خارج الدولة،
اقتصاد نفطي بلا رقابة سيادية،
وحدود مفتوحة على نفوذ إقليمي مباشر.
في مثل هذه الشروط، لا يكون الإقليم خطوة نحو التنظيم، بل نحو تثبيت التفكك.
التوظيف الإيراني بوصفه وظيفة ريعية
تذهب بعض القراءات إلى ربط عودة ملف الإقليم بمساعٍ إيرانية، تحسّباً لاحتمال تراجع نفوذها في حكومة المركز، ويُستشهد بنداءات علنية صدرت عن قادة مليشيات ولائية دعت أهالي البصرة إلى دعم المشروع. هذا الطرح ليس وهماً، لكنه يصبح مضللاً حين يُقدَّم بوصفه تفسيراً كاملاً.
فالبصرة تمثل لإيران عمقاً اقتصادياً ولوجستياً على الخليج، ومع اهتزاز السيطرة على بغداد يصبح تفكيك النفوذ إلى مساحات محلية خياراً عقلانياً. كما أن التحول اللافت في خطاب قوى كانت ترفض أي فدرلة جنوبية ثم باتت تروّج لها اليوم لا يُفهم إلا بوصفه تحول مصلحة لا مبدأ.
لكن اختزال المطلب بهذا البعد الخارجي يُخفي الحقيقة الأعمق:
إقليم البصرة لم تصنعه إيران، بل صنعه فشل الدولة الريعية. الدور الإقليمي هنا ليس اقتحاماً لدولة قائمة، بل ملء لفراغ سيادي أنتجته بنية الريع نفسها.
الخطر البنيوي
الخطر الحقيقي لا يكمن في فكرة الإقليم، بل في اختطافها داخل منطق الريع. حين تُنزَع من كونها أداة ضغط اجتماعي، وتُعاد صياغتها كمشروع أمني لإعادة تموضع قوى مسلحة، يتحول الإقليم من مطلب لإدارة الثروة والمسؤولية المحلية إلى ريع محلي محروس بالسلاح، لا يختلف عن ريع بغداد إلا بالعنوان الجغرافي.
الأقاليم وانقراض المعارضة
في هذا السياق، لا يمكن فصل مطلب الإقليم عن انقراض المعارضة الطبقية. فحين يغيب الصراع الاجتماعي المنظم، تتحول المطالب من تغيير بنية السلطة إلى مطالب إدارية داخلها. لا يجري التنازع على من يحكم، بل على من يدير. ولا يُطرح سؤال العدالة، بل سؤال الصلاحيات.
لهذا، لا يخدم مشروع إقليم البصرة الطبقات المحلية الضعيفة. فالريع يبقى ريعاً، والفساد يبقى فساداً، مع تغيير الجهة التي توقّع العقود وتحرسها. ومن دون سلطة سيادية أعلى قادرة على فرض قواعد عامة وتفكيك الريع، لا معنى لأي وعود تنموية.
الكونفدرالية بوصفها تنظيماً للواقع لا إنكاراً له
في مقابل ذلك، تُطرَح الكونفدرالية العراقية بوصفها استجابة اضطرارية لانهيار شرط الدولة الريعية. فهي لا تُنشئ واقع التفكك، بل تنظّمه وتضع له حدوداً مكتوبة. وتحافظ، في الحد الأدنى، على وحدة الكيان شكلياً، مع الاعتراف بتعدد مراكز القرار، ووضع سقوف واضحة للتدخلات الإقليمية بدل تركها تعمل في الظل.
ضمن هذا التصور، لا تُفهم البصرة ككيان معزول أو إمارة محتملة، بل كجزء من كيان أوسع يمكن تسميته بلاد وادي الرافدين، أحد أطراف كونفدرالية تقوم على وحدة المجال الاقتصادي والتاريخ الاجتماعي، لا على الطائفة ولا على الريع.
خلاصة
إقليم البصرة ليس حلاً، بل إدارة للانهيار داخل منطق الريع:
ترسيخ للادولة، إعادة إنتاج للفساد، وتمهيد لسلطات محلية مختطفة.
أما الكونفدرالية، فرغم محدوديتها، فتمثل الصيغة الممكنة لتنظيم التفكك القائم إذا كان الهدف خدمة المجتمع لا الشبكات، والإنسان لا السلطة، والدولة كفكرة لا كغنيمة.