إسقاط النظام السابق في العراق: ذروة الهيمنة الأميركية… ومنح إيران تفويضًا غير معلَن لوراثة الدولة
ليث الجادر
2025 / 12 / 13 - 12:19
إن الخطوة الأولى التي خطاها النظام الدولي ذو القطب الواحد — وهي في جوهرها الخطوة الأخيرة التي اكتمل بها هذا النظام قبل أن يبدأ بالتآكل — كانت إسقاط النظام العراقي السابق. لم يكن ذلك مجرد حرب لإسقاط سلطة سياسية، بل لحظة تأسيسية أعادت تعريف طبيعة القوة، وحدود السيادة، وآليات التدخل في عالم ما بعد الحرب الباردة. في بغداد، أعلنت الولايات المتحدة نفسها قطبًا أوحد بالفعل لا بالخطاب، لكنها في الوقت ذاته دشّنت مسار الانحدار الهادئ لهذا التفرد.
إسقاط العراق بوصفه شرط اكتمال الأحادية
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت الهيمنة الأميركية ناقصة؛ قوة بلا اختبار شامل، ونظام بلا صدمة تؤكد استقراره. فجاء العراق ليكون هذا الاختبار. دولة مركزية في الشرق الأوسط، ذات تاريخ صدامي مع الغرب، وموقع جيوسياسي بالغ الحساسية. إسقاطها كان بمثابة إعلان أن الولايات المتحدة قادرة على إعادة تشكيل الدول بالقوة، متجاوزة القانون الدولي ومجلس الأمن، دون رادع حقيقي.
بهذا المعنى، لم تكن حرب العراق حدثًا استثنائيًا، بل كانت الذروة العملية للنظام الدولي أحادي القطب.
من إسقاط الدولة إلى تسليمها: العراق بوابة النفوذ الإيراني
لكن ما يميّز الحالة العراقية أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بإسقاط الدولة، بل أعادت تركيبها بطريقة فتحت المجال واسعًا أمام إيران. القرارات الأولى للاحتلال لم تكن ارتجالية: حلّ الجيش، تفكيك مؤسسات الدولة، اجتثاث النخبة الإدارية والسياسية، وإعادة بناء النظام السياسي عبر قوى كان معظمها مرتبطًا بإيران تنظيمًا أو إقامة أو عقيدة.
تراكُم هذه الخطوات لا يمكن فهمه إلا بوصفه سياسة متعمّدة، لا خطأ تقدير. لقد جرى تفريغ العراق من عناصر المناعة السيادية، وتركه مفتوحًا أمام النفوذ الإيراني، تحت عين الاحتلال الأميركي ورعايته الضمنية.
لماذا احتاجت واشنطن إيران في العراق؟
الولايات المتحدة كانت تدرك أن العراق لا يمكن تركه بلا “ضابط”. دولة بهذا الحجم، إن تُركت للفوضى المطلقة، ستنتج تهديدات غير محسوبة. فكان الحل هو تفويض قوة إقليمية محددة للعب دور الوكيل المحلي.
إيران كانت الأنسب:
قوة توسعية إقليميًا، لكنها غير قادرة على تهديد النظام الدولي.
تمتلك شبكات اجتماعية وسياسية جاهزة داخل العراق.
معادية للنظام السابق، ما يمنحها شرعية انتقامية وسياسية.
قابلة للضبط بالعقوبات والضغط غير المباشر.
هكذا تحوّلت إيران إلى قوة ضبط لا قوة سيادة.
إيران كشريك وظيفي: صراع معلن وتفاهم فعلي
رغم العداء الخطابي، حافظت واشنطن على إيران كشريك وظيفي داخل العراق. لم يكن الهدف إسقاط النظام الإيراني، بل إبقاءه قويًا بما يكفي لأداء دوره، ومحاصرًا بما يكفي لمنع تحوله إلى خطر دولي.
العقوبات لم تكن أداة إسقاط، بل أداة ضبط.
التصعيد لم يكن تمهيدًا للحرب، بل وسيلة تعديل سلوك.
والاشتباكات كانت محسوبة بدقة، تمنع الانفجار الشامل.
في العراق تحديدًا، تشكّلت معادلة ثابتة:
واشنطن تُمسك بالسقف السياسي العام، وطهران تُدير الأرض وتفاصيلها.
المفارقة الكبرى: إيران التي صُنعت لتخدم الأحادية ساهمت في تآكلها
النفوذ الإيراني الذي سُمح له بالتمدد داخل العراق ارتدّ لاحقًا على النظام الذي أنتجه. توسّع إقليمي، صراعات ممتدة، قوى مسلحة خارج السيطرة، واستنزاف أميركي طويل الأمد. العراق، الذي كان ذروة الهيمنة الأميركية، تحوّل إلى أحد أسباب إنهاكها، وفتح الباب أمام عودة روسيا وصعود الصين كلاعبين كابحين.
خاتمة: إيران بوصفها وكيلًا ضامنًا وموازنًا في تسوية دولية غير مُعلنة
إن منح إيران حرية الحركة داخل العراق لم يكن أمرًا اضطراريًا فرضته الفوضى، بل كان تعبيرًا عن توافق دولي غير مُعلن شاركت فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، في رسم موازين القوى في مرحلة انتقالية من النظام الدولي.
روسيا والصين، غير القادرتين آنذاك على كسر الهيمنة الأميركية مباشرة، وجدتا في الدور الإيراني حلًا انتقاليًا عقلانيًا: قوة إقليمية توسعية، لكنها غير مرشحة للتحول إلى قطب دولي، قادرة على تعطيل الاستقرار الأميركي دون إسقاطه. أما الولايات المتحدة، فرأت في إيران وكيلًا يضبط الفوضى، ويمنع عودة دولة عراقية قوية ومستقلة، ويبرّر استمرار الحضور العسكري والسياسي في المنطقة.
بهذا المعنى، لم تكن إيران خارج النظام الدولي، بل أداة داخله.
وكيلًا ضامنًا لاستقرار هش، وموازنًا يمنع اختلال المعادلة لصالح أي طرف واحد.
هكذا تشكّلت معادلة صامتة:
أميركا تُدير السقف، روسيا والصين تقبلان بالوكيل، وإيران تُنفّذ الدور.
ولذلك، فإن العراق لم يكن ساحة صراع أقطاب متناحرة بقدر ما كان مختبر تسوية دولية خشنة، أُعيد فيه توزيع النفوذ لا كسره. وفي هذا المختبر، كانت إيران أحد أهم الأدوات… لا الاستثناء.