النفاق الديني والتحديات العسكرية والأمنية - محمد


طلعت خيري
2025 / 11 / 15 - 12:17     

تعتمد آلية تعزيز القدرات العسكرية بالعدة والعتاد والسلاح على دخل الفرد ، أما الذين ليس لديهم إمكانية مالية يتم تجهيزهم من أموال المنفقين في سبيل الله ، البخل كان وراء انشقاق بعض المؤمنين عن إيمانهم وخاصة بعد التطورات العسكرية والأمنية التي دعتهم الى الإنفاق والقتال ، فمنهم من بخل حرصا على أمواله ، ومنهم من تعذر خوفا على حياته ، وبالرغم من المكاسب الأمنية التي نالتها المدينة ما بعد سنة 5 للهجرة ، إلا ان المنافقين تظاهروا بعدم علمهم بآيات القتال ، مبعدين أنفسهم عن العداوة والبغضاء التي تشكلت ما بين محمد والتحالف المكي الرأسمالي ، طالبين من محمد سورة صريحة ومحكمة تحث مؤمنو المدينة على القتال ، وفي احد التجمعات المعنوية التي أقامها محمد في المدينة استهزأ المنافقون بالإنفاق والقتال ، وفي موضع أخر أبدى المنافقون الموافقة الشكلية على بعض وصايا التنزيل بتوجيه من شياطين الدين السياسي لأهل الكتاب ، اتضح بعد ذلك ان ما طرحه الدين السياسي لأهل الكتاب على المنافقين ، كان يهدف الى شق وحدة صف المؤمنين ، عرض التنزيل على المنافقين المصير الأخروي للعمل ألنفاقي ، قائلا ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ، وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ، لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ{32}

لم يتوقع مؤمنو المدينة ان مجريات الأحداث الميدانية ستصل الى تحديات عسكرية وأمنية وقتال وإنفاق في سبيل الله ، ظانين ان الإسلام مجرد إيمان بالله واليوم الأخر ، الأمر الذي أدى الى تخلي البعض منهم عن إيمانه ، وخاصة الذين انقطعت مصالحهم الاقتصادية مع أهل الكتاب ، ما لا يقبل الشك ان للمنافقين أعمال إيمانية صالحة كالصلاة والصيام والصدقات ، لكنهم تولوا عن الإنفاق والقتال ، ولكي لا تذهب أعمالهم الصالحة هباء منثور يوم القيامة خاطبهم الله قائلا يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، ولا تبطلوا أعمالكم ، ولا تبطلوا أعمالكم ، بالامتناع عن الأنفاق والقتال

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ{33}

ثمة أسباب ميدانية وعسكرية وأمنية ألزمت المؤمنين بالاستمرار على القتال ، منها اتساع رقعة التحديات على المستويين الدولي والإقليمي وخاصة بعد خسارة التحالف المكي الرأسمالي في بدر سنة 2 للهجرة ، وجلاء المشركين من أهل الكتاب ناقضوا اتفاقية السلام سنة 4 للهجرة ، وجلاء المشركين من أهل الكتاب ناقضوا الاتفاقية الأمنية سنة 5 للهجرة ، بالإضافة الى فقدان التحالف المكي الرأسمالي بعض حلفائه العرب في صلح الحديبية ، فالمعطيات الميدانية تشير الى ان التحالف المكي الرأسمالي بدء يخسر نفوذه الديني في شبه الجزيرة العربية ، فعد العدة لمعارك شرسة حاسمة تهدف الى القضاء على محمد وأتباعه ، لموازنة قوى شدد التنزيل على الإنفاق والقتال ، حاسما موقف المنافقين بآيات عقائدية صارمة وصفتهم بالكفار وأبعدتهم عن المغفرة الاخروية ان ماتوا على النفاق ، قال الله ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ، ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ{34}

بعد صلح الحديبية سنة 7 للهجرة ، انقسمت شبه الجزيرة العربية الى قسمين ، القسم الأول التحالف المكي الرأسمالي ويضم بعض القبائل العربية ، والقسم الثاني حلف محمد ويضم ما تبقى منها ، ولقصر مدة الصلح سارع التحالف المكي الرأسمالي الى تعزيز قدراته العسكرية استعدادا لحرب شامله على المدينة ، لموازنة القوى في المنطقة شكل محمد جيشا من المؤمنين لحماية المدينة من التهديدات الخارجية ، ذلك مما جعل مصالح زعماء القبائل العربية في خطر ، وخاصة الذين تربطهم مصالحهم السياسية والاقتصادية مع إمبراطوريات المنطقة ، كالإمبراطورية الفارسية ، والإمبراطورية الرومانية ، فبعض زعماء العرب في اليمن وشبه الجزيرة لهم مصالح سياسية واقتصادية مع زعماء فارس فكانوا يمدونهم بالأسلحة للتصدي لمحمد ، كما ان جلاء النصارى العرب من أهل الكتاب حلفاء الإمبراطورية الرومانية عن شبه الجزيرة الى بلاد الشام ، أدى الى تشكيل مجاميع تجسسية تنطلق من بلاد الشام الى المدينة بتوجيه من قادة الجيش الروماني مهمتها دراسة الوضع العسكرية متخذة من مسجد ضرار وكرا لها ، ونظرا لاتساع التهديدات الأمنية والعسكرية على الصعيد الدولي والإقليمي ، اقترح المؤمنون والمنافقين على محمد صلح شامل ينهي التوتر في المنطقة ، رد التنزيل عليهم قائلا ، فلا تهنوا وتدعوا الى السلم وانتم الأعلون ، الأعلون عسكريا وامنيا والله معكم ولن يتركم أعمالكم

فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ{35}

المترفات الدنيوية والأهواء الرغبوية والبخل والتنافس على مراكمة رأس المال ، من الأسباب التي دفعت بالمنافقين على رفض الإنفاق والقتال في سبيل الله ، لذا قلل التنزيل من شأن الدنيا مقارنة مع اجر الخلود الأخروي ، قال الله إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وان تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ، بمعنى لا يسألكم الله عن أمولكم لأنها زائلة مع الدنيا ، ولو سألكم لفرض عليكم نسبة من الإنفاق ولشدد على دفعها حينها ستبخلون فيخرج اضغانكم ، قال الله ان يسالكموها فيحفكم تبخلوا ، ويخرج اضغانكم ، فيحفكم تعني إلحاح وتشدد ومبالغة في الإنفاق

إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ{36} إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ{37}

دون إلحاح ومبالغة وتشدد في الإنفاق اعرض البعض عنه ، فكيف إذا فرضنا نسبة على أموالكم ، ان تبخلوا فان الله هو الغني وانتم الفقراء ، وان تتولوا عن الإنفاق البديل مطروح قوما لا يكونوا أمثالكم ، قال الله هاانتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ، فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، والله الغني وانتم الفقراء وان تتولوا ، يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم

هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ{38}