التشكلة الراسمالية العالمية وأزمتها الاخلاقية


لطفي حاتم
الحوار المتمدن - العدد: 6523 - 2020 / 3 / 26 - 16:22
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

تجتاح التشكيلة الرأسمالية العالمية أزمات كثيرة لعل أهمها ما أصاب البشرية من اضرار وقلق على مستقبلها من انتشار جائحة العصر التي عجزت دول العالم الرأسمالي المتسيدة لحد الان من التوصل الى أساليب علمية واضحة لمكافحتها وصيانة الامن الصحي لشعوب دول التشكيلة الرأسمالية العالمية.
- رغم مرور فترة ليست قصيرة وتكاثر اعداد الضحايا لازالت دول العالم الكبرى عاجزة عن إيقاف الزحف البطيء والقاتل للمرض الجديد وبهذا المسار تساهم مؤسسات كثيرة بإثارة الرعب والقلق لدى شعوب دول المعمورة.
اعتماداً على عجز دول الرأسمالية الكبرى دعونا نتوقف عند الجوانب الأخلاقية للنظام السياسي الدولي وعجز دوله المتسيدة عن حماية مواطني دوله الوطنية.
بهذا السياق نتوقف عند محاور ثلاث نتناول فيها قضايا عدة أهمها--
أولا –الرأسمالية العالمية والامن الدولي.
ثانياً-—الرأسمالية المعولمة والتغيرات الدولية.
ثالثاً- ملامح العلاقات الدولية الجديدة.
استنادا الى تلك الرؤى نتناول المحور الأول الموسوم.
أولا –الرأسمالية العالمية والامن الدولي.
ليس جديدا التأكيد على ان التشكيلة الرأسمالية العالمية عاجزة عن الاقرار بمسؤوليتها الأخلاقية إزاء الكارثة الدولية الجديدة باعتبارها نظاما دوليا سائداً يتحمل مسؤولية مصير البشرية ومستقبلها في كل ما يلحق بها من أضرار.
انطلاقاً المضمون الفكري المشار اليه نتوقف عند الجوانب الأخلاقية لهذه المسؤولية تماشياً ومراحل تطور الرأسمالية وكفاحها من اجل التسيد والهيمنة لذلك سنعتمد تاريخية عجزها- الرأسمالية- الأخلاقي في صيانة الامن الدولي طوال مراحل هيمنتها الدولية.
1 -- المرحلة الكولونيالية –
-- عمدت الرأسمالية في المرحلة الكولونيالية الى استعمار الدول الأخرى ونهب ثرواتها الوطنية بهدف صيانة وتطوير بنيتها الدولية بغض النظر عن افقارها وتهميشها للدول الوطنية عامدة بذات الوقت الى الحاقها بعجلة اقتصادها وجعلها -الدول - امتداداً لسوقها الوطنية ومستودا لنهب ثرواتها الوطنية.
-- لم تكتف الدول القائدة في التشكيلة الرأسمالية العالمية بهيمنتها الكولونيالية بل عمدت استناداً لروحها التنافسية الى اشعال الحرب العالمية الأولى التي حصدت الملايين من النفوس البشرية واهدرت الثروات الوطنية وافقرت الدول والشعوب الأخرى.
-- ساهمت الحرب الرأسمالية الأولى رغم الخراب والدمار في نمو وتطور حركة التحرر الوطني العالمية المطالبة بالاستقلال الوطني وصيانة ثرواتها الطبيعية من هيمنة الدول الكولونيالية.
-- افضت نتائج الحرب العالمية الأولى الى انقسام دول العالم الى نظامين اقتصاديين اجتماعين حيث حصلت البشرية لأول مرة على دولة اشتراكية مدافعة عن الجوانب الأخلاقية المتسمة بالأخوة والسلام والعمل المشترك.
- ترافقت المنافسة بين النظاميين الاجتماعيين رأسمالي -اشتركي ودخول الرأسمالية العالمية مرحلتها الاحتكارية التي استندت على تطوير اقتصاداتها الدولية المنبثقة من السيطرة الاستعمارية وتخريب الدول الوطنية.
-- عمدت التشكيلة الرأسمالية لغرض فرض هيمنتها الدولية الى مناهضة الدولة الاشتراكية عاملة على تخريبها بكل الوسائل الاقتصادية والسياسية وذلك بهدف القضاء على نموذج التطور الاشتراكي.
-- أشاعت الدولة الاشتراكية اخلاقية إنسانية جديدة تتجسد بحفظ كرامة الانسان العامل وصيانة خبزه وعمله بالضد من النظام الرأسمالي التي حكمته قوانين الربح والتضحية بالأخلاق الإنسانية وما نتج عن ذلك من استهانة بكرامة الكادحين وسرقة ثمار عملهم.
--الحرب العالمية الثانية وظهور المنظومة الاشتراكية.
-- الأهداف التي وضعتها الدول الإمبريالية بالقضاء على منافسها الاشتراكي اثمرت نتائج عكسية فقد كافح الاتحاد السوفيتي ودولته الاشتراكية من أجل انقاذ البشرية من العبودية الفاشية وفتح أفاق جديدة لتطور استقلال الدول الوطنية.
-- مهدت التغيرات السياسية الدولية الطريق امام إقامة علاقات دولية تستند الى الاتفاقات المتكافئة وتطوير السيادة الوطنية واعتمادها مرتكزاً اساسياً في العلاقات الدولية.
-- افضت العلاقات الدولية الجديدة الى بناء عالم جديد بعد ارسائه على أساس المساواة بين دول العالم والتأكيد على عدم التدخل في الشؤون الداخلية فضلا عن اختيار الدول المستقلة لطريق تنميتها الوطنية.
-- المنافسة السلمية والمباراة الاقتصادية بين اسلوبي الإنتاج الاشتراكي – الرأسمالي ترافقا وعزف الدول الرأسمالية على حقوق الانسان السياسية فضلا عن مساندتها النظم الديكتاتورية في اضطهاد القوى اليسارية- الديمقراطية ومنعها من المشاركة السياسية.
-- سباق التسلح ومحاصرة الدول الاشتراكية والعزف على حقوق الانسان السياسية فضلاً عن الصعوبات الوطنية في بناء النموذج الاشتراكي أدت الى انهيار الاشتراكية والعودة الى طريق التطور الرأسمالي المفعم بالأمراض واللامساواة الاجتماعية.
--ان انهيار نموذج التطور الاشتراكي أضاف مسؤولية أخلاقية جديدة على عاتق التشكيلة الرأسمالية العالمية تتجسد في الحفاظ على السلم والامن الدوليين ناهيك عن مكافحة الأوبئة والكوارث الطبيعية.
-- سيادة العلاقات الرأسمالية عالميا فسحت الطريق امام الكفاح الجماهيري المتعدد الاشكال والوسائل يتقدمها نضال الانسان من اجل الخبز والسلام والأمان والعمل.
ان الطور الجديد من التشكيلة الرأسمالية العالمية المتضمن تناقضات كثيرة يدعونا الى متابعة التغيرات الجارية في عالمنا المعاصر وانعكاسها على سلامة الانسان وحقوقه السياسية والاجتماعية فضلا عن صيانته من المخاطر المرضية.
ثانياً—الرأسمالية المعولمة والتغيرات الدولية.
تدني المسؤولية الأخلاقية لدول الرأسمالية المعولمة أدى الى سيادة كثرة من الظواهر السلبية في السياسية الدولية قادت الى انهيار روح التعاون بين الدول الرأسمالية الكبرى عاملين ايجازها بالعناوين التالية –
1 – افضى انهيار الدول الاشتراكية الى استبدال الفكر الاشتراكي بالنزعة الوطنية وما نتج عن ذلك من انهيار الفكر الكسموبولوتي وتنامي النزعة الوطنية في البناء السياسي والاجتماعي لدول العالم.
2- يرتكز مضمون النزعة الوطنية وطابعها الإنساني على التعايش الطبقي المستند الى صيانة الحقوق الأساسية الاقتصادية – السياسي للطبقات الاجتماعية في التشكيلات الوطنية.
3-تسعى النزعة الوطنية الى بناء نظم سياسية ديمقراطية تعمل على تلبية الحاجات الضرورية لشعوبها والحفاظ على مستقبلها وصيانتها من الكوارث الطبيعية والحروب العبثية.
4 – عززت الرأسمالية (المنتصرة) انقسام العالم الى ثلاث مستويات تتمثل-- بدول الرأسمالية المعولمة- ودول الرأسمالية القومية المتطورة - الدول الوطنية وما يشترطه ذلك من التعاون بين أطرافها.
5-افرزت المرحلة المعولمة من تطور التشكيلة الرأسمالية المعولمة ميول التبعية والتهميش في العلاقات الدولية.
6 – شجعت نهوج التبعية والتهميش الملازمة للرأسمالية العولمة على تعدد مظاهر التعاون بين الدول الرأسمالية المتطورة وبين الدول الوطنية الهادفة الى مكافحة ميول الهيمنة والالحاق.
7- عجز المراكز الرأسمالية المتطورة عن صيانة الامن الدولي وعدم قدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية والأوبئة المرضية.
8 – تزايد المطالبات الدولية الهادفة الى بناء علاقات دولية خالية من الحروب الاهلية والاوبئة المرضية الوافدة.
ثالثاً- ملامح العلاقات الدولية الجديدة.
في خضم التطورات الدولية المتسارعة التي أحدثها مرض كورنا وما نتج عنه من بوادر انهيارات اقتصادية -مالية - دولية تبرز أهمية تعاون الاسرة الدولية الهادف الى بناء علاقات دولية جديدة يمكننا ايجاز ملامحها بالمحددات التالية –
أولا –تطوير التعاون بين دول التشكيلة الرأسمالية العالمية على قاعدة العمل الدولي المشترك لإزالة الأخطار الناشئة من انتشار الكوارث الطبيعية.
ثانياً – الدفاع عن السلم والامن لشعوب الكرة الارضية ومنع النزاعات والحروب الاهلية بين القوى المتنازعة في التشكيلات الاجتماعية الوطنية.
ثالثاً – احترام تطور التشكيلات الاجتماعية الوطنية المستقلة ومساعدتها بحل النزاعات الوطنية ناهيك عن التخلي عن سياسة الانحياز لجانب أحد الأطراف المتنازعة.
رابعا -عدم التدخل في اختيار الشعوب لطرق تنميتها الوطنية الهادفة الى تطور وحماية طبقات تشكيلتها الاجتماعية.
خامساً–بناء علاقات دولية تستند على التعاون الدولي المشترك وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وما يحمله ذلك من ضرورة التخلي عن نهوج التبعية والتهميش والالحاق.
ان المسؤولية الأخلاقية تكمن في بناء عالم متكافئ بين الدول ومصالحها الوطنية مرتكز على التصدي لطبيعة المخاطر السياسية والاجتماعية والبيئية المواجهة لوحدة البشرية ومسار تطورها الأمن.