بَغْدَدَة.. سَلَالِمُ القُرَّاص -1-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 6501 - 2020 / 2 / 28 - 09:04
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

ما زلت أخيط في سترات البجع.. لا أنا انتهيت.. ولا اللعنة زالت..

ومما يزيد ألم الغزل أن الخيطان مصنوعة من القرّاص.. قرّاص عذابات الشباب.. صرخات الأمهات.. أصوات بكاء العاشقين والأطفال.. كلّ ما يمر على زمن العولمة مرور الكرام، فلا تلتفت إليه ضجة السخف.. التقليد والاستهلاك.

أغزلُ ستراتٍ من حقيقةٍ كاملة.. والحقيقة إن كملت.. آلمت جميع الأطراف، فكرهها الجميع.. وحده الله يضمن لها النجاة، والمرور من جيل إلى جيل..
كلُ أنصاف الحقائق تتكور هنا.. بغضِّ النظر عن محاولة كل طرف أن يجلب لي صوفًا من مدينته فقط.. قطنًا من حدوده فقط.. خيطانًا من حزن معارفه تحديدًا.. وقماشًا من أطر معتقداته وحسب...

ما يجعل ستراتي سحريّة هو أنّها تتحدث بلسان الجميع.. كل طرف فيها نصف حقيقة يحكي قصة مكان نشأته.. كلّ طرف يظنّ أنه على حق كامل.. فيهمل بقية الأطراف.. بينما السترة بكلّها حقيقة ونجاة...

كما في الأساطير.. يجب أن أصمت عن تضييع الوقت في التبريرات الجوفاء وأنا أغزل هذا الكتاب:
التبريرات التي ملأت كلام المعارضين عندما وقفوا مع حق الموالين في الوطن وفي الحياة...
التبريرات التي صبغت أقوال الموالين عندما قالوا بحق المعارضين في الوطن وفي الحياة...

لا يحقّ لي البكاء.. ولا الصراخ.. لا الضعف ولا الاستسلام...
لوحدي هنا، منبوذة مع حقيقتي في زمن الحرب الأهليّة والسياسة المغلفة بالدين.
********


لم يبقَ من عليّ منذ سافر إلى سوريا إلا قصاصات أوراق محادثاته..
كتبتها بخط يديّ كيما أعيدها بكامل حواسي، لا بعينيّ فقط.. ثم نشرتها في كامل أرجاء المنزل…
عاملتها كتمائم حظ، أو ربما كانت الشاهد الوحيد على حزني وشظايا قلبي المبعثر بين الشرق والغرب…

كلّ ما أعرفه أنّ السوريّ دخل الأراضي السوريّة من الشمال.. كانت تلك رسالته الأخيرة…
حاولت كثيرًا أن أسأل الناس عن الشمال السوري، أوضاعه، أمانه.. فسمعت خمسة أجوبة مختلفة..
 يا الله كيف لا نعلم شيئًا مما يحدث في زمن العولمة، التلفاز والإنترنت.. يا ربي كيف تخيط مليارات أنصاف الحقائق هذه لتحاسب الناس؟ 

مرضي وباعتباره أحد أمراض المناعة الذاتية هاج وماج مع سوء وضعي النفسي.. لم يكن حديث سوريا أو العراق وحرقه لقلبي أشد وجعًا يومًا مما هو في هذه الأيام.. 
حاول الكثيرون أن يعرفوا لماذا أهتم جدًا بالعراق.. أنا دمشقيّة مسقط الرأس كما يقولون..

لهذا حكايات طويلة يا أصدقاء.. ليس أولها أنّي سكنت العراق لسنوات بحكم عمل أهلي فيه.. وليس آخرها تلك العائلة العراقيّة التي ساعدتنا يومًا في الجزائر عندما عمل أبي هناك لمدة سنتين...
أمّا أهمها فتلك النبوءة في كون العراق أصل بلاد العرب كلها.. وبداية خارطة الشرق الأوسط...

لِعليّ أيضًا في حكايات حب العراق كبير النصيب.. فهو حكى لي عن تفاصيله.. وحواديت أعياده ومآتمه...
عمل هناك لعدة سنوات، ورافق حمزة.. وحمزة عراقي يعود نسب أمه إلى آل البيت.. عائلته ذات شأن كبير في العراق، ويقال إنه تواسط يومًا في العفو عن شخص مرتد عن الإسلام ونجح في تأمين تأشيرة دخول لذلك الشخص إلى السويد.

عندما حكى عليّ لي تلك الحكاية العام الماضي غلبتني الدهشة:
-مرتد؟ كيف عرفوا بارتداده؟
-أحد المستفيدين لفق التهمة له لأنه حاول محاربة فساده...
-بالله تتكلم جد؟
-أجل.. الموضة السائدة في العراق، والتي دعمتها الأحزاب الدينية هي تشريع التكفير.. والسماح للجهلة ممن لا يفكون الحرف بالتحكم بمصائر العقول التي تريد الإصلاح أو التغيير.. حمزة عرف ذلك، وعرف أن الشاب مؤمن أكثر من كلّ من كفرّه.. وبحكم نفوذ نسبه استطاع المساعدة...
-كم من الناس لا حمزة لهم؟ كيف يجرؤ أحدهم على التكلم بلسان الله فيكفر.. ويرمي أثواب الإيمان على من أراد...
-كل بلداننا تحتاج فصل الدين عن القانون.. فصل الجوامع عن الجامعات.. العراق إن تحرر.. إن قام.. فُتِحَتْ لبلادنا كلها الآفاق...


*************

هكذا بقيتْ العراق في صلواتي مع سوريا وكل بقعة تعاني في هذا العالم في كل يوم..
وخبرت التشابه بين الشعوب في القصص وحتى في الثورات، فتضاعف حزني..
حزنت على أوطان فقيرة بينما أرضها منجم ثروات.. وشعوب أصيلة عريقة تتغرب كالغجر بحثًا عن حيوات كريمة.. وصقلني الحزن حدّ شجاعةٍ دخلت أحلامي وملأت إرادتي أملًا.

تعرف بأنّ عقلك وضميرك يسيراك لا أحقادك.. عندما تنصر المظلوم في منطقتك.. بلدك.. بلد شقيق.. بلد غريب.. بلد عدوّ..
أن تنصر المظلوم يعني نصرته في أي بقعة من الأرض…
الإنسانية لا تتجزأ.. لا تعترف بحدود الجغرافيا.. ولا بأكاذيب التاريخ.

إن كان الله يراك، فما حاجتك للبشر؟!

بغض النظر عن ذلك الذي استغل أعمالك، وتلك التي استغلت استمرار مساعداتك..
بغض النظر عمّن نعتّك بما ليس فيك.. وعمّن حاربك بسلبياته هو...
وعن الذين ساعدتهم مرة، فأصبحت مساعدتك لهم حقهم على حسابك وحساب أولادك...
بغض النظر عمّن أساء لطيبتك.. 
وعمّن طعن ظهرك في غيبتك..
من يطعن ظهرك.. يغرس سكينه في روح الله فيك…
الله يرى.. ويأخذ حق السماء وحقك..
الحمد لله على من -بطعنهم لظهورنا- جعلوا الله نصيرنا...
الحمد لله على كلّ ما حدث ليجعل عملك خالصاً لوجهه...
اللهم أَكْثِرْ طعنات الظهر لا القلب...


يتبع…

بَغْدَدَة.. سَلَالِمُ القُرَّاص: الجزء الثاني من رواية علي السوري…
قيد الطبع و التوزيع عبر موقع الأمازون حول العالم…