جوهر نضال الطبقة الكادحة يكمن في الالتزام باليسارية الواقعية


عماد علي
2008 / 10 / 9 - 05:57     

أُستهل القرن السابق بثورة اكتوبر العظيمة و امتدت اهدافها و شعاراتها و ابعادها بسرعة قياسية الى العديد من بقاع العالم، و تجذرت مؤثراتها و حققت منجزات كبيرة، و كانت في خدمة الطبقات الفقيرة المعدمة كيفما كانت ، و انبثقت العديد من الاحزاب و التيارات و التجمعات اليسارية و قاومت الظروف القاسية ، و منها تكيفت من جميع النواحي مع واقعها و اعتمدت الاصلاحات و تغيرت اخرى بشكل واضح، الا انها بقت جميعا على الخط العام و الهدف الرئيسي هوهو خدمة الطبقة الكادحة و العاملة والفقيرة المعدمة بشكل خاص. و من اهم خصوصياتها هو نشر الثقافة اليسارية و تاثيراتها المباشرة على العقليات و الدفع بخطوات نحو الامام و التقدم الاجتماعي الاقتصادي الذي رافقها.
و من ضمن الكفاح الذي اعتمدته اليسارية هوهو الاستناد على المركزية من حيث الفكر و الايديولوجية او النهج سوى في العمل السياسي الحزبي او على الساحة السياسية، اي القطرية و الاممية في الفكر و التطبيق، و هذا ما ادى الى تهميش واضح لخصوصيات المكونات و الشعوب المتعددة ، و من دون قصد اضرً باوضاع بعض الفئات و عمل على تهميش الكثير من المكونات .
اما البعض الاخر كان اكثر واقعية و حاول بكل ما سمح له ان يربط النضال الوطني و الطبقي مع بعضها البعض و اعتمد على خصوصية المواقع و الارضية المتوفرة.
يجب ان لا ننسى ان اليسارية وصلت الى قمتها من حيث التاثير على وضع المجتمع منكافة المجالات الصناعية و الزراعية و توفير المستلزمات لحياة طبقات المستضعفة في حينها .
الا ان التطبيقات النصية المستوردة قلبا و قالبا من دون تكيفها مع الواقع و الارضية ،ادت الى انبثاق و النشوء الطبقي بدلا من انهاء الفروقات الطبقية الاجتماعية و اعتمادا على ان الفكر اليساري علم و بحوث مثبتة تعتمد على دلائل و مقومات من اجل التقدم و النمو وازالة الاستغلال و المساواة والكفاح من اجل العدالة الاجتماعية، و الضغط على تطبيق الافكار الماركسية و اليسارية العامة و التي كانت في ظل الحكومات البرجوازية السائدة في وقته اثرت على الحياة، و كما هو في العراق الستينات و في ظل قانون الاصلاح الزراعي و التي خففت من تاثيرات الاقطاع و المستغلين، غير ان هناك شواذ و انحراف في تطبيق اليسارية و تاويلاتها مما ادى الى عدم محو الفكر الاقطاعي بشكل كامل، و لم يكن النهج اليساري المتبع كخط فكري علمي بل اُعتمد كطريقة صوفية و استنادا على النصوص و كأنها مقدسة لا تحتمل التغيير و التكييف مع الواقع، على الرغم من ان النصوص الماركسية احتملت العديد من التاويلات و التفسيرات كما هو في النصوص الدينية و اختلفت الاتجاهات فيما بينهم حول العديد منها، و اعتمدت على المصالح الذاتية من دون الاعتماد على المصالح العامة، و لم يرافق نشر الفكر الماركسي او اليساري بشكل عام توفير المستلزمات و المقومات و بناء الركائز لنجاح تطبيق الفكر.
من المعلوم ان الماركسية او اليسارية ليست هدف بحد ذاتها و انما وسيلة للوصول الى الهداف المصيرية للطبقة الكادحة، و لكن استغلال هذه الوسيلة لاغراض اخرى سياسية هو انحراف واضح عن الفكر و الهدف الرئيسي.
من النظرة السريعة لما كانت عليه اليسارية في العراق و عند محاولة تشخيص السلبيات و تحديد الوضع الذي كانت عليه، يتبين لدينا انها لم تكن لينينية و لا ماوية و تروتسكية او اي اتجاه اخر ، لكوناه لم تسحب اليها البرجوازية و لم تؤثر عليها نحو التغيير بل كانت جل التاثيرات على الواقع البرجوازي لم تر بالعين المجردة ، اي ضئيل جدا ، و لم ترصف مع صفوفها مبدئيا الفلاحين بل كانت التظاهرات و المواقف مظهرية غير نابعة من الايمان بالفكر من العمق، و اما المثقفين الثوريين لم يظهروا الى السطح نتائجهم بشكل مؤثر و جذري ، و لم تتحول الى حركة اجتماعية عارمة، و لم تترسخ في تلك الفترة تدويل السلطة للطبقات و الاحزاب.
اي ان اليسارية التي اثرت شيئا ما على الوضع الاجتماعي لم تغير جذريا الواقع بل يمكن ان نقول انها كانت الى حد ما فقاعة سطحية غير متجذرة في كيان الشعب، اي الافكار المستوردة لم تتكيف مع الواقع الموجود لتترسخ بشكل واضح و نهائي.
مما سبق من التحليل يفرض علينا التفكير مليا لما يمكننا ان تعتمد اليسارية الواقعية و نستند عليها كنهج عام بعيدا عن تقديس النصوص و الصوفية في الفكر و العمل ، و انما الهدف العام الرئيسي هو خدمة الطبقة الكادحة و مصالحها ، و المناهج ليست الا وسيلة لهذا الهدف المنشود و يحتاج الى التدقيق و التمعن المستمر من اجل ضمان فرض المنهج اليساري نفسه في كافة جوانب الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية بشكل عام.