مفهوم المتون العربية وفلسفته في القرن ال21

حاتم الجوهرى
free3ever@hotmail.com

2023 / 3 / 18

اشتهرت عدة مصطلحات واردة من القاموس الغربي/ الأوربي بين المشتغلين العرب بالثقافة، ومن ضمنها مفاهيم مثل المركز والهامش، المركز والأطراف، المركز والتخوم، وفي القاموس والذائقة العربية كانت تحضر كلمة المتن والهامش، في سياق البحث أو التأليف العلمي إشارة إلى ما يكتب في صدر الصفحة بالمتن، وما يكتب في ذيل الصفحة بخط صغير بالهامش.

تأثير المركز الأوربي واستقبال الهامش العربي!
ولقد ازدهرت ما يمكن تسميتها بـ"فلسفات الهامش" والترويج والانتصار لها صعودا من تسعينيات القرن الماضي في المشهد العربي، تأثرا بانتشار الترجمة والشروح عن فلسفات ما بعد الحداثة ومدرسة الدراسات الثقافية البريطانية، كان العقل الأوربي الثقافي أو الأكاديمي في مرحلة ما بعد الحداثة قد وصل إلى حالة من القطيعة مع أفكاره المركزية التي انتهت بانتصار مشروع "الليبرالية الديمقراطية"، واعتبر أن مجاله الوحيد الممكن العمل فيه هو بعيدا عن مجال عمل تلك الأفكار المركزية، فوجد في مساحة الهوامش والانتصار لها مجالا للتنفيس عن نفسه والتعبير عن عجزه الوجودي وإفلاسه وغياب قدرته على مواجهة أفكاره المركزية.

ليست "قيما اتفاقية" مطلقة أبدا
أين فلسفة العلم/ الدرس الثقافي/ علم اجتماع المعرفة؟
وحينما تلقى العرب أفكار ما بعد الحداثة ومذهب مدرسة الدراسات الثقافية الغربية لم يقترب الكثير منهم من فلسفة العلم التي تقف خلف تلك التمثلات، ولم يقفوا كثير على علم اجتماع المعرفة عند النخب التي أنتجت تلك الأفكار، ولم يُعملوا منهج الدرس الثقافي نفسه للبحث في النسق الثقافي ومنظومة القيم التي تقف خلف تلك الأفكار... بل استقبلوها بوصفها "قيما اتفاقية" حصلت على الرواج والانتشار العالمي، ومن ثم تعاملوا معها بصفتها قيمة جاهزة من يندرج تحتها يحصل على اعتراف بالتحقق العلمي والمعرفي!
وتلك كانت ربما الخطيئة التي وقع فيها العارفون والمشتغلون بالمعرفة العرب، حتى العاملين منهم بالفلسفة والمشتغلين بها، فلقد كرروا الخطأ نفسه الذي وقع فيه فلاسفة الأيديولوجيا في القرن العشرين من العرب، حينما اكتفوا بتقديم الشروح للأيديولوجيات الغربية/ الأوربية وأهملوا النظر في ظروف انتاجهم، او مروا عليها عابرين...

صارت المشكلة غياب المتون وليس الهوامش
بحثا عن الذات العربية
وهنا كانت تلك البداية في تصوري العلمي والفلسفي لطرح مفهوم "المتون العربية" وإخراجه من سياقه اللغوي التقليدي (عن التدوين في الكتب بين المتن أو الصدر والهامش أو الذيل)، واعتباره مفهوما رافعا وفلسفة ضرورية للذات العربية في القرن الحادي والعشرين، بعدما ضربت الذات العربية حمى فلسفات الهامش وتفجير التناقضات، ومنح ذلك "تقييما اتفاقيا" زائفا وكأنه نوع من العمى أو التقليد الأعمى، والبحث عن اعترافات دون جرأة طرق الأبواب الحقيقة والبحث عن المفاتيح المناسبة لها.
من ثم كانت المشكلة في عكس الاتجاه الذي تسير فيه الجماعة الثقافية العربية والمصرية تحديدا، كانت المشكلة هي غياب المتن العربي في القرن الحادي والعشرين، وتغول المتون الإقليمية والدولية على حضوره! ولم تكن المشكلة أبدا في غياب "الهامش" الذي أصبح ختما أو صكا لاعتماد أوراق القبول في شبكات العلاقات العربية الثقافية، التي ترتبط بشكل ناعم وخشن بمسارات الثقافة الاوربية/ الغربية بشكل ضمني أو صريح.

السير عكس الاتجاه الرائج
والمسئولية الثقافية
وكان عليَّ أن أسير في عكس الاتجاه وأتحمل في هذا الطريق كل ما يتحمله أصحاب المشاريع الذين يسيرون في عكس الاتجاه، منهج الدرس الثقافي/ القيمي ليس حكرا على مذهب مدرسة الدراسات الثقافية الغربية، وفلسفتها عن الانتصار للهوامش ليست مقدسا يجب التسليم به، بل نحن في لحظة تاريخية أحوج ما تكون لتفعيل منهج الدرس الثقافي من خلال مدرسة علمية جديدة تبحث عن فلسفة استعادة المتون العربية، والانتصار لها... لأن الغرب/ أوربا كان لديه رفاهية حضور متن قوي مركزي بما يمكنه من التمرد عليه، في حين تعاني الذات العربية من تفكك متونها التاريخية وتسعى للبحث عن طريق رافع لها في القرن الحادي والعشرين.
من هنا خرجت فلسفة استعادة المتون العربية وتجاوز التناقضات التي تفجرت وإدارة التنوع لصالح المجموع المعبر عن كافة أجزائه، فاعتبرت أن المتون العربية هي عكس الهوامش العربية والفلسفة الشائعة حاليا عن الانتصار لها والترويج لتمثلاتها وتقيمها "تقيما اتفاقيا" مرتفعا شائعا ورائجا، وأن فلسفة الاستعادة تكون بالحدود الدنيا الممكنة ثم العمل على زيادة مساحتها وتوسعتها كلما أمكن وعلى معظم المستويات.

المتن العربي هو البحث عن سردية جديدة رافعة
وللتوضيح أكثر؛ فالمقصود بالمتون العربية أي تلك الأفكار والسرديات والأنساق الفكرية والثقافية والحضارية بخطوطها العامة السائدة في الدول العربية، من ثم فلسفة استعادتها تعني الاهتمام بالمشاريع والتصورات الفكرية والثقافية السائدة في الدول العربية والعمل لاستعادة بروزها وازدهارها وحضورها، وفق مذهب "المشترك الثقافي" وفلسفته الأكبر(1)، وخروجا من فلسفات الهامش العربي وتيهها الذي وقعت فيه الثقافة العربية تحت تأثير "الدراسات الثقافية" الغربية ومتلازماتها الثقافية عن الصراع الحدي بين المتون والهوامش، بسبب سيادة متون الليبرالية ورأسمالية الدولة بجذورها التي ترجع لهيجل، وتنحي أو هزيمة البديل الشيوعي الذي يرجع لماركس تلميذ هيجل، فانتصروا للهوامش نتيجة عجزهم عن مواجهة المتون المنتصرة خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.

المفهوم بين الاصطلاح الجديد واللغة
وفي سياق فلسفة الاستعادة ومقارباتها؛ يمكن تعريف المتون العربية في هذا السياق التطبيقي وعلاقته بالهوامش، بأن المتون هي ذلك الكل المكون من مجموع أجزائه، وفي الوقت نفسه يأتي تعريف تلك الأجزاء بأنها سهم في بناء المتن وليست للاعتراض عليه، وذلك التصور هو صلب الفلسفة التي تطرحها الدراسة هنا وتجاوز الصراع الحدي القادم من السياق الأوربي/ الغربي، لبناء علاقة عضوية متكاملة ومتضافرة بين ما سمته الثقافة الأوربية متونا وهوامشا وفجرت بينهما التناقضات.
لغويا يخبرنا معجم لسان العرب أن "المَتْنُ من كل شيء: ما صَلُبَ ظَهْرُه، والجمع مُتُون... ومَتْنُ كشيء: ما ظهر منه، ومَتْنُ المَزادة: وجهُها البارزُ، والمَتْنُ: ما ارتفع م الأَرض واستوَى، وقيل: ما ارتفع وصَلُبَ.."(2)، وكأن تصور الدراسة يجعل صلب ظهر الجماعة العربية يجتمع عليه مركزها وهوامشها مع اختلاف الطبيعة التاريخية وحضورها لكل منهما، ويأتي هذا التصور التضافري في ظل نمط الحياة المعاصر شديد التفاعلية والقرب عبر التقنيات الحديثة للتواصل الافتراضي، وكذلك في ظل تقارب وتشابه أنماط الحياة وتقاليدها المعاصرة الأقرب للتوحد والتماثل الشديد، والتي جعلت من النسق الثقافي العام الخاص بجماعة بشرية مجالا مفتوحا للتأثير، وبناء الشخصية/ الجماعية/ القومية/ الجمعية لحد بعيد يقوم على فكرة الاختيار، من ثم على كل جماعة بشرية أن تختار التأكيد على "مشتركاتها الثقافية" المتشابهة والمتقاربة، لتستعيد حضور متنها الجامع في لحظة تاريخية عالمية حرجة وشديدة الارتباك، في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
وذلك مع الإشارة إلى التصور النقدي المعرفي والمنهج الموضوعي الذي يجب اتباعه، في النظر لكل من المتون والهوامش ومسارهما عند الذات العربية منذ تفجر التناقضات بينهما في القرن العشرين وحتى اللحظة الحالية في القرن الحادي والعشرين، ذلك التصور النقدي الذي يقدم ملاحظاته على مسار المتون العربية وما قد تكون وقعت فيه من سياسات تطبيقية غير موضوعية وغير فاعلة، وفي الوقت نفسه تفعل الشيء ذاته والنظرة النقدية نفسها مع الهوامش العربية وتبنيها سياسات التفكيك والعزلة التي تم الترويج لها.

نقد تاريخ المتون والهوامش معا
رؤية موضوعية
حيث يقوم هذا التصور النقدي المعرفي لاستعادة المتون العربية على نظرة موضوعية تفكك المشاكل والتناقضات التي قد تكون تم تغذيتها في جانبي المتون والهوامش العربية، والنظر للتاريخ والمسار الخاص بكل منهما من أجل تعبيد الطريق بينهما مجددا وبناء متن عام جامع جديد، يستعيد للذات العربية حضورها ويدافع عن مصالحها ومستودع هويتها.
مع الوضع في عين الاعتبار الملاحظات والمآخذ التي ارتبطت بالمتون العربية وأفكارها الثقافية وأنساقها القيمية، وما نسب إليها من تجاهل حضور الثقافات الفرعية أو ما يمكن تسميته الطبقات المتراكمة في مستودع هوية المنطقة العربية برمتها التي تشمل شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية والشام والعراق والخليج، وفي الوقت نفسه تنظر للمآخذ والملاحظات التي ارتبطت بفلسفة الانتصار للهوامش في البلدان العربية والمنطقة ذاتها، والتي اعتبرت أن تلك الثقافات الفرعية في صراع حدي وصفري مع متونها أو ثقافاتها السائدة في مراكزها.

ما بين المتن والمتون العربية
يبقى الأمل
مع اهمية الإشارة إلى استخدام المفهوم بصيغة الجمع وصيغة المفرد، أي مفهوم "المتون العربية" ومفهوم "المتن العربي"، إذ يميل استخدام مفهوم "المتن العربي" إلى وجهة نظر استشرافية جمعية مستقبلية، ويميل استخدام مفهوم "المتون العربي" إلى وجهة نظر واقعية تنظر لحالة المتون العربية الراهنة التي لم تستطع تعبيد الطريق نحو تصورات مشتركة للحياة بما يكفي، ويكون التصور أن المتن العربي الجامع والمنشود الوصول إليه لابد أن يقوم على متون قطرية قوية تجتمع معا لتصنع روحه الكلية المتضافرة.. ويبقى الأمل.




هوامش:
- للمزيد حول فلسفة المشترك الثقافي، انظر دراسة حاتم الجوهري: الدراسات الثقافية العربية المقارنة: فلسفة المشترك الثقافي وتحدياتها، ضمن كتاب: "فلسفة المشترك الثقافي: نحو دراسات ثقافية عربية مقارنة"، الذي ضم أبحاث مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر وتونس الواقع والآمال، الذي عقد بالقاهرة في 22مارس 2022م.
- معجم لسان العرب، النسخة الإلكترونية



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن