الاحالة والمقاربة في قصص ما لايتبقى للنسيان للقاص والروائي العراقي عبد الامير المجر

2019 / 9 / 16

الاحالة والمقاربة في قصص، ما لايتبقى للنسيان للقاص والروائي العراقي عبد الامير المجر
يعتير القاص والروائي عبد الامير المجر واحد من القصاصين المهمين الذين ظهروا او لمعت اسماءهم في تسعينيات القرن المنصرم وأثناء فترة الحصار الامريكي على العراق. عبد الامير المجر، قاص وكاتب مقال، فقد اصدر خمسة مجاميع قصصية بالاضافة الى روايتين. يمتاز اسلوبه بالسلاسة، ولكن، في ذات الوقت مكتنز بالمعاني العميقة التى نكتشف حين نمسك بها، ماتخبيء بين حروف السرد من مواقف من الحياة والناس والوطن. تحتاج على الرغم من بساطة السرد الى التوقف والتأمل أثناء القراءة لسبر اغوارها،المحملة بالدلالة على مواطن الخلل والقسوة والظلم في الحياة. تجربة القاص عبد الامير المجر، تجربة ناضجة سواء بالادوات او بالثيمات التى يحملها خطابه السردي، فقد نجح في تسويق ما يريد ان يوصله الى القاريء، سرديا وبأبسط واسهل وامتع اسلوب في حبكة قصصية محبوكة جيدا بما يجعل او يغري القاريء ويمتعه بمتعة تشكل دافعا قويا للقاريء، بمتابعة القراءة عندما يبدأ بقراءة السطور الاولى من القصة او السطر الاول منها. مفتتح تخلق جمله أو جملته، فضاءاً مغناطيسياً تتجول في مداره، كلمات تحمل على متن مبتدأ، القص، رمزاً أو احالةً أو مقاربةً ، سواء للمورث الشعبي أو تداعيات الحياة في القرية أو للواقع المعيش في المدينة أو في الحرب، مما يدفع القاريء، رغبة في الاكتشاف في متابعة دوران الكلمات حتى يصل الى تفكيك سر تلك الرموز والاحالات والمقاربات. هذا النوع من مدخل القص، يؤشر بوضوح على القص الناجح الذي يساهم مساهمة فعالة في زيادة مساحة القراءة وزيادة عدد القراء، وبالنتيجة يتعرف أكبر عدد من القراء على قول القاص الذي تظهره القصص بين كلماتها التى ترسم الاحداث ومواقف الشخصيات منها ووضعهم فيها، في زمان ومكان متغيرين وذي بعيدين دلالين .. عنوان المجموعة القصصية، ما لايتبقى للنسيان، هذا العنوان بحد ذاته يشير الى محطات في حياة أبطال هذه القصص، محطات لايمكن ان تنسى، تظل حية في الذاكرة، لتأثيرها كلي الفاعلية والتحكم في حياتهم حاضرا ومستقبلا.في قصص المجموعة؛ هناك الحرية والطير والانسان والحرب والحصار والوطن ولعبة الدول الكبرى ومدى تأثيرها على البلد والشعب.. حرية الطير وتمرده الذي لم يستطع حكما، البوح به، كونه لايمتلك او ليس في تكوينه البايلوجي والفزيولوجي ما يؤهله لهذا التمرد، لذا يظل حبيس القفص الذي صنعه الانسان له، وسلب به حريته التى هي جزء من كيوننته. في معادل موضوعي يكون هناك الانسان الذي هو الاخر من صنع ويصنع الاقفاص لأخيه الأنسان وأن أختلف المكان والبيئة والأهداف، ليكون سجين في معتقل سواء كان هذا المعتقل غرفة في مركز شرطة، تكاثرت هذه الغرف و زاد عدد ساكنيها أثناء الحصار او معتقل افتراضي لجيش في ساحة حرب بما يفرض من قيد غير منظور وجوديا بمواصفات السجن المعروف لغويا، لكنه موجود، وجودا ماديا، ميهمنا، على الانسان في الجيش، في ساحة الحرب.هناك اخرون لهم السلطة المستبده عليه،من جبابرة الحكم او جبابرة العالم، صنعوا له قفص الحرب والحصار، الذي يخصه. لنتعرف على هذا الاشتباك بين الأنسان والحرية والوطن وحرية الطير والحرب ولعبة الكبار فيها، وكيف أنها تستند على قاعدة مشتركة واحدة، من الدم المسال والخراب والدمار، وفقدان الحرية للشعب والوطن؛ في المقطع التالي من قصة الثمن الذي كان السرد فيها بضمير الغائب والبطل فيها لايحمل الأسم في لعبة ذكية من القاص ليحيلنا الى الشعب والوطن السجينين"..إن كان الطير الذي ترك الفضاء المرتعب من هول القذائف، قد دفع ثمن ذلك، حين أسلم مقاديره له في ذلك اليوم ليضعه في قفص، أم أنه هو الذي دفع ثمن عدم ادراكه معنى الحرية حين وضع الطير في القفص ليحترق، ام انه والطير معا دفعا ثمن الحرب؟.." في قصة الاحلاف، السرد فيها، بضمير المتكلم الذي تتداخل وتشتبك عليه، صور الفلاش باك القادمة إليه بطيف حلم كابوسي أو من لحظة واقع معيش، يسترجع فيه ما كان قد اطلع عليه من كتب الحرب والاحلاف حين كان ينتظر مأزوما ما وعد التحالف الامريكي الثلاثيني بين ساعة وأخرى بحرب يشنونها على بلده. هنا ايضا البطل والذي هو ضابط شرطة لايحمل أسما يحدد هويته الشخصية، ليتحول الى مجتمع ووطن يحمله في عقله وروحه، ضابط الشرطة هذا، الذي يتلقى نداء بفض نزاع عشائري، عشيرتان تتخندقان في خندقين متقابلين. بعد ان ينجح في أنهاء النزاع بين الجمعين المتقاتلين، وهو يستريح في مكتبه، يسترجع ما كان قد شاهده في التلفاز قبل الذهاب لأنهاء نزاع العشريتين، من أجتماع التحالف الامريكي للتهيئة للحرب على وطنه، وما رافقها من صور مخيفة لأساطيل الرعب والجيوش..في مقاربة للوضعين وفي مستويين متضافرين من السرد، المستوى الاول هو نزاع العشيرتان المستند على التخلف في معالجة الخلاف والطمع المهيمن على العقول والنفوس، ليختاروا طريق السلاح في الصراع على حيازة الارض وما فيها من مغانم وبين نزاع الحدود بين العراق والكويت وما أكتنفه من سوء فهم،المشحون بالرغبة بالتمدد والسيطرة، التى قادت الى خطيئة غزو الكويت واحتلاله، المستوى الثاني؛ بين نزاع العشيرتين على الارض والمغانم وبين مسببات الحرب الامريكية الثلاثينية على العراق من أجل النفط والمغانم الاخرى.. أن العقل البشري على الرغم مما هو فيه من مدنية وتطور ورقي انساني تحوز عليه، شعوب الدول العظمى والكبرى، لكنه لم يتقدم في عقول صانعي السياسة فيها حتى ولو خطوة واحدة على طريق العدل والانصاف وحل النزاعات بالسلم والحوار.. لذا نلاحظ ان الدول العظمى والكبرى تعقد التحالفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لتكوين محاور وكتل متصارعة على مناطق النفوذ بما لايختلف من حيث الجوهر وأساس الفكرة وأجراءتها عن ما كان قائما في العصور الوسطى من غزو وأحتلال حين تعجز الاساليب الاخرى.".. وبينما كانت الفضائيات تبث مؤتمرا صحفيا لعدد من الجنرالات الذين يمثلون ( الحلف الدولي)، كانت شاشة الذاكرة تعرض أمامي صورا أخرى، تنز من أعماق رأسي، صورا لأطفال يمسكون بأذيال أمهاتهم، ونساء وشيوخ.. هاربين من حرائق معركة أخرى، عرضتها أمامي مخيلتي.. بل رأيت شفاها تتحرك وعيون تدمع، وأمهات يحتضن أطفالهن، أو ينحبن عليهم، والسهام والرصاص ما أنفكت تنهمر، فيما الجنرالات المتحالفين يضيقون الخناق على الكتل الهاربة، حاولت أن اتقدم باتجاه التلفاز، لكني لم استطع، وسط الشاشة الغائمة تقريبا، لمحت أبي وأمي، وهي تحتضن اطفالي الصغار،..ومثل رصاصات اخترقت أذني، كنت أسمع: لقد أعلن قائد الحلف، أن الحملة ستبقى مستمرة حتى تحقيق اهدافها. "وفي مقاربة ذكية، وبتقنية سردية ممتعة وناجحة في قصة" لعبة الكبار" يجتمع الأباء والامهات في أقامة حفل لمسرحية تحاكي ما كان قوم به زعماء الدول العظمى والكبرى، في الحرب العالمية الثانية، يقوم الأبناء بأداء أدوار قادة الدول الكبرى، هتلر، موسوليني، ترومان، تشرشل، ستالين. هذه المسرحية يجري تمثيلها من قبل الابناء، أمام الاباء والامهات، على خشبة مسرح المدينة بعد ان تمكن الناس من الخروج بحرية من بيوتهم، حين توقف الاقتتال بين المليشيات المتحاربة، فقد كانوا محاصرين فيها بسبب ذلك القتال.. خلال سنوات 2006الى نهاية 2008." لقد شهدت المدينة قتالا عنيفا بين مليشيات متناحرة،.... التى يبدوا أنها افرغت حمولتها بالكامل على بعضها وعلى الناس وعلى البيوت وكل مكان في المدينة، ولم يبق لديها من ذخيرة،... ليترك هذا فسحة صغيرة من سلام، مكنت العوائل من أن تلتقي وتقيم الحفلات، وتتندر... طلب القادة، بعد الجولة الاولى من المباحثات، مغادرة الجميع القاعة، فخرج الآباء والامهات وهم يضحكون..". بقية القصص يتشابه فيها، الخطاب السردي ودلالة نصوصها مع القصص أنفة الذكر الا بعض الاستثناءات كالحنين الى الحياة في القرية او ارهاب النهايات بالموت، والخوف من هذا الموت الذي يقف على الابواب..


المصدر : مزهر جبر الساعدي
اضافة خبر | مركز الاخبار