تردي في الخدمات والحقوق العامة والامن والسياسة الخارجية والداخلية وضبابية الرؤيا والتحوطات أدت الى مانحن عليه من تخلف في معظم الامور

2019 / 6 / 16

العراق امام مخاض كبير وتحدي واسع ، تدفع به رياح تنطلق من مصادر متعددة وباحجام مختلفة تعمل على تمزيق الوطن الى اشلاء صغيرة وضعيفة ، والشيء المثير للدهشة ، هو ان كل من تلقاه او تقرأ تصريحاته او تسمع احاديثه ، يدرك ذلك ويعرفه ، بل قد يضيف الى ذلك ، مايجعلك تتخلى عن تحفظك واتزانك ، فيبدو عليك القلق والاضطراب . من الاحتمالات السود والصفر والرمادية ، التي تنتظرنا اون ننتظرها . ومع ذلك فلا احد منهم من يدفعه عمل الخير ، والتقرب لله!فيرش وجوها شاحبة قلقة ، بالماء البارد ، فيطمئن النفوس المتوترة!
من هنا بات الضغط يتزايد على الحكومة . لايجاد صيغة جديدة قادرة على غلق منافذ التأثيرات المركزية او الجانبية ، الجوهرية او الهامشية ، الداخلية او الخارجية ، ولا عذر لها . فكل الاعذار ، تنهار امام الضرورات الملحة للقيام بمبادرات جادة وصادقة وحقيقية للخروج من المأزق . وعليها ان لاتنتظر الحل من غيرها . لماذا ..؟سؤال يتبادر للذهن عاجلاً .. عندما يتناول المسألة من زاوية ، كون هناك مايوصف بـ " العملية السياسية " ويشارك في هذه العملية ، عدد كبير من التيارات والكتل والاحزاب ، ومطلوب من الناحية المبدئية ان جميع من يشارك في العملية السياسية ويتمتع بامتيازاتها وحقوقها ، عليه مسؤولية السعي لايجاد حل او حلول لهذه الازمة.هذا الرأي من الناحية العملية ، رأي افتراضي وليس عملياً ، اي بمعنى ان ليس هناك من لديه استعداد للاسهام في ايجاد حل . وذلك لثلاثة اسباب جوهرية:
الاول : ان الثقة بين الاطراف المشكلة والمكونة للعملية السياسية ضعيفة ، او لنقل غير موجودة اصلاً . وعلى ذلك فما يطرحه "س" من التيارات المشاركة في العملية السياسية ، لايستقبل من قبل الحكومة على محمل حسن النيه وبالتالي فابداء الرأى او وجهة النظر قد تؤدي الى تعميق الفجوة وليس التي ردمها.
الثاني : ان هناك تجارب كثيرة مرت بالعملية السياسية خاض بعض اطراف العملية السياسية غمارها وقدموا المشورة والتدخل الايجابي والتصرف الحكيم في وقت استدعى ذلك ، وكانت النتيجة الخروج من مأزق ومعالجة ازمة ، كما حصل ذلك في اربيل في ازمة تشكيل الحكومة الحالية.
الثالث : ان هناك من بين من شارك في العملية السياسية تعامل معها على انها فرصة للوثوب الى السلطة اما بدوافع افرزتها سنوات التهميش والتغييب والاعلى من ذلك الاضطهاد والتعسف . واما بدوافع افرزتها الاحساس بضياع "حق" مكتسب كونه الخطأ التاريخي المتراكم او نتيجة الجهل بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
لقد فقد الوطن (مركز) السيطرة والتحكم ، نتيجة لهذه الامور وغيرها ، وبدأت الاخطاء ومضاعفاتها ترسم طريقاً واهية باتجاه الانحدار نحو الضعف وبات الانفجار قاب قوسين او ادنى ، حتى كان يبدو للعيان وكأن من يملك مفاتيح الموقف واعني الحكومة ، عازمة على تجاهل الحقائق على الارض . فيما يرى البعض من المحسوبين عليها ، ان هذا الاستنتاج ، غير واقعي وغير حقيقي ، وان الاوضاع تسير باتجاه الانفراج.وبعيداً عن هذا وغيره . اتساءل : ترى هل نحن الان نملك ستراتيجية ، تحدد مانحن فيه والى اين نمضي وماهي التحديات التي تواجهنا او تلك التي ستواجهنا من هم اصدقاؤنا ..؟ ومن هم اعداؤنا .. ؟ ماهو فهمنا للامن الوطني او الامن الاقليمي وكيف السبيل الى الوصول الى مايحقق الاساس المنطقي والقراءة الموضوعية للاوضاع الجيوسياسية الوطنية والاقليمية.المؤكد ان تداعيات الوضع ، ترسم على ارضية الواقع ، شواهد وشواخص لاتشير الى مايوحي بوجود شمعة في نهاية النفق المظلم ، رغم ان الجميع في الوطن ، يدفعون ثمناً باهظاً لكل ما حصل ويحصل . ومايزيد من ذلك هذا الضياع المركب الذي نعيش فيه ويطرح مظاهر وظواهر مؤلمة ومؤذية منها:
1ـ اننا البلد الوحيد في العالم الذي لديه اعداء ولايملك اصدقاء.
2ـ اننا البلد الوحيد في العالم الذي يملك ثروة طائلة ولديه شعب جائع.
3ـ اننا البلد الوحيد في العالم الذي يملك تاريخاً تليداً وحاضراً قلقاً ومستقبلاً مجهولاً..
طبعاً الانصاف يدعونا الى ان لانحمل عبء هذه الظواهر لزمن معين او لشخص بعينه . ولكن من الانصاف ايضاً ان نقول : ان الحاضر الوحيد الذي يتحمل مسؤولية التغيير والاصلاح لانه الوليد الشرعي لمخاض طال انتظاره.
إن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الاحتلال الأمريكي ومجالس نوابها وقضائها وإعلامها باتوا يعيشون في زوايا محدودة من العراق لا تتجاوز المنطقة الخضراء في بغداد وبعض الدوائر الرسمية خارج العاصمة. هذه السلطات كان ينبغي أن توفر الأمن والأمان وتقوم بمسؤولية رعاية شعبها خصوصا الفقراء وعوائل الشهداء. والقيام بواجب بناء وصيانة البنى التحتية من مجار وماء وكهرباء ومدارس ومستشفيات وشق الطرق والشوارع، إضافة إلى توفير العمل للمواطنين واحياء وتطوير القطاع الزراعي جنبا إلى جنب الصناعة الزراعية.
منذ أكثر من خمسة عشر عاما بالإضافة إلى فشل العملية السياسية ودستورها السيئ الصيت فقد تخلت الدولة عن مسؤولياتها الإعمارية والتنموية لبناء العراق اقتصاديا وعجزت عن توفير الأمن الاجتماعي والأمان والسلم الأهلي للمواطنين. أضحت السلطات الرسمية الحالية لا تهتم إلا بجني الضرائب المفروضة على وسائل النقل وتحصيل الأتاوات من صغار التجار واقتطاعات متعددة من رواتب الموظفين لإدامة واستمرارية الحروب ضد ما يسمى بالإرهاب.في حين أضحى رؤساء الكتل ووكلاؤهم فوق القانون لا سيما قوانين الضرائب. بات العراق ساحة مفتوحة لجشعهم وطمعهم الذي لا يحده حدود. فقد مارسوا الفساد وسرقوا قوت الشعب فأصبحت رواتبهم الفلكية لا تكفي سد أطماعهم فأضحوا يبنون المولات الكبار والتجمعات التجارية الضخمة ويشيدون محطات بيع البنزين الخاصة. دون أن يدفعوا الاستحقاقات الضريبية للدولة فهم يعتبرون أنفسهم مجاهدي ومحرري العراق من الدكتاتورية. لقد أصبحوا اغنياء واثرياء بين ليلة وضحاها حيث استغلوا الخصخصة لجني أرباح لشركاتهم الخدمية غير الانتاجية التي دخلت إلى دوائر الدولة وكانت تلك الخدمات تقدم للشعب مجانا.في المقابل رفعت الدولة يدها وتخلت عن مسؤولياتها من صيانة البنى التحتية في سائر البلاد كالمجاري وما سببته وتسببه من كوارث بيئية وطبيعية. في حين صرفت المليارات لتحسين هذه المشاريع الحيوية على شركات وهمية لتذهب الأموال في نهاية المطاف الي جيوب الفاسدين من الحكومة وذيولها. يدفع الشعب العراقي اليوم نتيجة تلك السرقات المزيد من تردي الخدمات والفيضانات المتكررة فما إن تهطل الأمطار حتى تتحول ساحات وشوارع المدن والقرى إلى بحيرات آسنة. فالأطيان تغطي أراضي تلك الأماكن وتمنع تماما حركة وسائل النقل والمواطنين على السواء.
لم تتمكن الحكومة من تبليط الشوارع او صيانتها في العاصمة والمدن المهمة الأخرى. فقد حدثني قبل مدة من الزمن أحد الأصدقاء من القاطنين في بغداد بقوله انظر إلى هذا الشارع قلت له أي شارع قال لي نعم انه غير موجود على ارض الواقع لكن ينبغي ان تتصور وتتخيل ذلك. قلت له نعم اذن وماذا تريد أن تقول في نهاية الامر. أجابني أن هذا الشارع الذي تتخيله بلط وافتتح أربع أو خمس مرات على الورق. إنها أحد الوسائل لسرقة الأموال الطائلة اذ ان هنالك الكثير من المشاريع على هذه الشاكلة والتي تسمى في العراق بالمشاريع الفضائية. هناك أيضا القوائم الطويلة والكثيرة من الجنود والضباط الفضائيين الذين يستلم المفسدون رواتبهم من الجيش أو الحشد.
إن هناك أيضا إهمالا وعدم صيانة لأبنية ومؤسسات الدولة التي شيدتها العهود السابقة. فلا تزال تلك البنايات تخدم مؤسسات ووزارات هذه السلطة. لم تستطع السلطات الجديدة لحد الآن من النجاح في تدشين مشروع حيوي يخدم العراقيين. فكل العراقيين يعلمون ما آل إليه مشروع ميناء الفاو الكبير الذي كان من المفترض أن يكون منافسا لمشروع الميناء الكويتي المسمى مبارك الكبير. كما أن مشاريع بناء الوحدات السكنية لذوي الدخل المحدود لم تر النور بعد. بل حصل تخريب لبعض المشاريع الحيوية الناجحة كالخطوط الجوية العراقية لصالح شركة طيران فلاي بغداد المملوكة لأحد الحيتان الكبار في العراق. تحولت ايضا ارصفة ميناء البصرة إلى شركات مافيوية تخضع للميليشيات والأحزاب المتنفذة لربح المال الحرام والتي تصدر النفط لبيعه في السوق السوداء لصالح أحزابها الحاكمة.
من المؤكد أن أي بلد متحضر في هذا العالم يتوجب عليه تأمين الغذاء أولا وقبل كل شيء. فالدول الصناعية الكبرى كأمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا تعتمد في قوة اقتصادها وصيانة استقلالها على تأمين مصادر رزقها من خلال تطوير القطاع الزراعي. إن هذه الدول تنفق النفقات الضخمة للخدمات الزراعة وترعى وتدعم الفلاحين في عملهم. كما أنها تمنح الأولوية لتصريف واستهلاك وبيع منتجاتها المحلية رغم العولمة والتجارة الحرة.أما في العراق الذي كان بلدا زراعيا عريقا والذي كان يصدر الشعير لبريطانيا في فترة ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. تحول الان إلى بلد مستهلك من الدرجة الأولى في المنطقة. أصبحت السوق العراقية المستهلك الأساسي للبضائع الزراعية الإيرانية والتركية والأردنية والمصرية. لقد تدهورت الزراعة كثيرا نتيجة اهمال السلطات المتعمد لتجريف الجداول والأنهار الصغيرة والكبيرة التي تنقل المياه لتسهيل سقي المزارع ودعم الفلاحة والاعتماد على الزراعة.
لم يستطع العراق ايضا تصفية المياه العادمة لاستصلاح الأراضي الزراعية ومراعي الحيوانات. فضلا عن فشله في توفير المياه الصالحة لشرب المواطنين. رغم أن تكنولوجية اعادة تدوير المياه وتصفيتها للشرب باتت سهلة وسالكة ورخيصة كما هو الحال في الكويت والسعودية والإمارات. دون أن نذكر مرة أخرى المشكلة المزمنة لتوفير الطاقة الكهربائية هذه المشكلة الحبيسة بين الابتزاز الإيراني والضغوطات الأمريكية.لكن التحديات الكبرى الأكثر خطورة وتعقيدا تتعلق بقطاعي التعليم والصحة. فقد تعمد القادة الجدد التخلي عن رعاية الدولة لقطاع الصحة العام وعملوا كل ما في وسعهم لتغيير المنهاج الدراسي ومعايير القبول بالجامعات. فباتت حياة الناس الفقراء في خطر ومستقبل اجياله ضائع مجهول. لقد فتحت الأبواب على مصراعيها لفساد الأحزاب وميليشياتها والحيتان الجدد من أقارب وعوائل السياسيين للتلاعب في هذين القطاعين الحيويين.ففيما يتعلق بالقطاع التعليمي المدارس العامة الابتدائية والمتوسطة والثانوية كما ترهل أيضا مستوى الجامعات الحكومية كبغداد والمستنصرية والبصرة والموصل. اذ استبدلت بمدارس وجامعات أهلية غير كفؤة او متخصصة تفتقر إلى الحد الأدنى من العلمية والمهنية. فبات مستقبل الطالب لا يخضع لمستواه العلمي وكفاءته وجديته انما يخضع لمستواه المعاشي وعلاقاته بالسلطة السياسية ومراكز القرار.انتشر الغش وساد قانون القوة المادية والسياسية في الامتحانات فالنجاح والدراجات العليا لأهل الحظوة والمتنفذين. تخرج طيلة هذه السنين جيوش من الفاشلين الجهلة إثر قرارات وزارة التربية بمنع رسوب الطلاب. مما أفقد عامل المنافسة وبذل الجهود للتحصيل العلمي وحط من مستوى التعليم الذي وصل إلى أدنى مستوى على النطاق الإقليمي والعربي والدولي.أما القطاع الصحي فقد تدهور بصورة مذهلة. لقد تدنى القطاع العام من المستشفيات والصيدليات والأطباء والممرضين والمراكز الصحية والكليات إلى مستويات رديئة لا تتوفر فيها أدني الخدمات ولا تمتلك ابسط الوسائل الصحية لعلاج المواطن. أما القطاع الخاص فقد تمكن من خلق مافيا خاصة به عمودها الثلاثي الطبيب الصيدلية المختبر. فباتت معاينة الطبيب تصل إلى اربعين دولارا كما ان شراء الدواء وفحوصات المختبر قد يزيد تكاليف المريض إلى ضعف هذا السعر. إذا ما علمنا أن هناك اتفاقا مسبقا لتقاسم نسب الأرباح بين هذا الثلاثي. لقد أهملت المستشفيات العامة لصالح المستشفيات الخاصة والتي يفتقد كادرها الطبي إلى ابسط الأخلاق الإنسانية. فالدكتور الجراح يتعامل ويفرض على المريض واهله مبالغ طائلة للشروع في اجراء أي عملية. بل انه قد لا يقوم باي علاج دون استلام المبلغ الباهظ التكاليف مسبقا.هذه الإطلالة ما هي إلا غيض من فيض في بلد ينزف من كل جوانبه وتعتريه الأمراض العضال حتى أضحى المخلصون يجهلون أولويات الإصلاح فهل يجب أن يبدأوا بإصلاح قطاع الخدمات أم العملية السياسية برمتها. هذا التساؤل يعيدنا إلى مشكلة هل الدجاجة من البيضة ام البيضة من الدجاجة. بالإجمال فتساءل الناس هو هل سيسمح السياسيون بمثل هذا الإصلاح الذي يهدد وجودهم من جهة وهل تسمح أمريكا وإيران تغيير العملية السياسية. أم أن هناك طريقا ثالثا يختاره العراقيون يبدأ من الإصلاح الثقافي الذاتي فيغيرون ما بأنفسهم إيذانا بالتغيير المنشود.


المصدر : أ.د.صادق وحيد جاسم
اضافة خبر | مركز الاخبار