ريتسوس الوطن حين يُكتب بالشعر

2018 / 9 / 20

يانيس ريتسوس
الوطن حين يكُتب بالشعر
عبدالرحمن الرياني
صدر حديثاً -عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر بالقاهرة -الأعمال الشعرية الكاملة - الجزء الثاني للشاعر العالمي اليوناني يانيس ريتسوس ترجمة وتقديم كلٌ من عبدالكريم قاصد وجمال حيدر، و احتوى الجزء الثاني على مجموعة من الدواوين الشعرية بدايةً من ديوانه الموسوم " سوناتا ضوء القمر ومروراً بديوانه" القدر "المسودة بالدخان " ورائعته الشعرية التي حملت عنوان البعيد و "ثلاثياث"ثلاثيات 3111× وتضمن الغلاف الأمامي صورة للشاعر تعود الى ثمانينيات القرن الماضي قبل وفاته بعقد زمني وهو يلقي إحدى قصائده وملامحه تشبه حالة المنتصر، وهنا نقتبس بعضاً مما ورد في التقدمة - يانيس ريتسوس (1909-1990) أكثر شعراء اليونان المعاصرين وأغزرهم نتاجاً ،الشعر لديه فعل حياتي يومي ، لذا فلا غرابة أن يكون من أغزر الشعراء في القرن الماضي ، مكثفا الكتابة وموسعا مداها ، لتشمل حتى التفاصيل اليومية المهملة التي أقام عليها فضاءه الشعري الواسع ،لم يكن ريتسوس في تجربته المعذبة ذاتا في مواجهة العالم ،وإنما كان ذاتاً في القلب من العالم وورد في جزئية أخرى من التقدمة ثمة ثلاث حلقات أساسية في مسيرة ريتسوس الشعرية :مونمفاسيا(مكان ولادته ونشأته الأولى )وأثينا باعتبارها آصرة التواصل مع المستقبل ، ومركز مصحات معالجة مرض السل ، إلى جانب المعتقلات والمنافي البعيدة والمقفرة .وحول البنيوية الجمالية في شعرهٍ نورد ما يلي لعل أكثر قصائده تمثيلا لعمله هي تلك التي يبدو الصفاء الظاهر منسجما مع الغموض النابع أصلاً من طبيعة الواقع الذي ترسمه رؤياه الذاتية ،جاعلة منه أحد أهم رواد اعتماد اليومي السردي والتشكيل البصري الذي تصخب به قصائده ، مؤسساً عبر ذلك عالمه الخاص وتراكيب لغته المميزة وأبعاد صوره الشعرية وهو عالم يأبى التصنيف المسبق لأن عمقه الفلسفي غالبا ما يستحوذ على مداه الأفقي ،كما أن لعبته الشعرية التي يجيد صنعتها تمثل جانباً إبداعيا معقداً رغم سهولته الظاهرة ، إذ غالباً ما تستدرج قصيدة ريتسوس المتلقي إلى شرك محكم .انتهى الاقتباس
لكنني سأحاول من خلال هذه التناولة تسليط الضوء على مراحل لمفردات حياتية عن الشاعر وهي محاولة تجعل من قراءة شعره أكثر قرباً من الوضوح وأكثر فهماً للقصائد التي أستطيع القول أنها أشبه بالسيرة الذاتية لحركية دائمة بالشعر ومفعمة بالسردية ليوميات صنعتها حيواته المتعددة بدواوينه التي لا تنطفئ كضوء موسيقى ينثر ضوءه في الحلكة المظلمة ، فأن يكون الشاعر حالة اعتراضية ترتقي إلى الظاهرة في مدينة كأثينا التي شهدت الخليقة الأولى للديموقراطية (ديمو كراسي ) فهذا يعني أنك كشاعر لابد أن تصبح خارجاً عن كل القواعد والممكنات التي تضفي القداسة وترفض أن تحدد خاصيتك الأخرى التي تشبه بركات ذلك الساكن في الأعالي ، لقد كانت حياته أشبه بتراجيديا مفعمة بالخوف والرعب والألم مصبوغة بالحزن المُنبجس دوماً عندما يفقد أكبر أشقائه بسبب إصابته بالسل وما أن يبدأ بتناسي ألم الفراق الأبدي حتى يفاجأ برحيل والدته بعد ثلاثة أشهر بداء السل أيضا الذي أصاب كامل القرية الصغيرة . لتكتمل تلك اللوحة المفجعة بتحوله الى عالم الفقراء بعد أن خسر والده البالغ الثراء كل أمواله بسبب القمار. لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد فهنا تتكرر المعاناة بطريقة أخرى عندما يأخذ الصراع القديم الجديد منحى آخر لا يلتزم بقواعد وأخلاقيات اللعبة إنه الصراع الأزلي القائم بين السلطة والمثقف منذ سقراط وأفلاطون وجان جاك روسو الذي بدأ في عام 1949من جدران الزنازين المعتمة واقبية التعذيب للشرطة السرية في سجن "ماكرونيسوس" فكان ديوانه زمن الحجر ناقداً لجلادّيه ومعبرا عن فترة الإعتقال الرهيب وفي عام 1950 تم نقل ريتسوس إلى سجن آخر وهناك يمضي عقوبته بثلاثة من أروع داواوينه الشعرية ،: "رسالة إلى جوليو ـ كوري"، و"أزقة العالم"، و"النهر ونحن". في هذه الأثناء يقدم الشاعر الفرنسي والشيوعي العتيد "لويس أرا غون "مبادرته الشهيرة الى عدد من المثقفين في أوروبا التي تشتعل حينها بالمهرجانات التضامنية مع ريتسوس وبعد الضغوط القوية يتم الإفراج عنه ويقوم بكتابة ديوانه الجديد الرجل ذو القرنفل". في عام 1954 يجمع بعض القصائد التي كتبها في السجن ويطبع كتابه "سهر" وبعد زواجه من "فاليستا جيورجياديس "التي كان قد تعرف عليها خلال الحرب، تنجب له في 1955 ابنته "أري" ويكتب لها "نجمة الصبح" ويزور الاتحاد السوفييتي سنة 1956 ويكتب قصيدته الطويلة "سوناتا في ضوء القمر " مسمى يرمز لرائعة "لودويج فان بيتهوفن" أحدُ أعظم المؤلفين الموسيقيين في تاريخ الموسيقى الغربية، الرجل الذي أشعل ثورةً طالت كل أشكال الكتابة الموسيقية وهي تلك القصيدة التي نالت الجائزة الوطنية الكبرى للشعر الهيليني سنة 1956 ،وكمناضل ثوري انتمى إلى حركة اليسار الأوروبي كان من الطبيعي أن يكون له ذلك الحضور في بعض العواصم التي كانت ضمن المنظومة الاشتراكية في الحقبة السوفيتية و الذي عادة ما كان يتسم بتلك الحالة من الاحتفائية كما حدث معه أثناء زيارته لموسكو في عام 1956م أو زيارته إلى العاصمة الرومانية بوخارست أو العاصمة التشيكية براغ التي زارها في عام 1962م والتقى فيها بشاعر تركيا العظيم ناظم حكمت تلك الحالة من الاحتفاء كانت تنم عن الاعتراف به باعتباره المثقف الأممي ورمزية ذات دلالة لصمود الأمة اليونانية ،فها هو ذا يقدم رائعته العذبة إلى ذلك المناضل الإفريقي المغدور باتريس لومومبا قصيدة "القديس الأسود" الذي اُعدم على أيدي قوات الجنرال العميل تشومبي وحليفه موبوتو سيسي سيكو إبان الاحتلال البلجيكي للكونغو ، صبيحة يوم 21 إبريل عام (1976)أعلن عن قيام مجموعة من ضباط الجيش اليوناني بالاستيلاء على السلطة وتعليق العمل بالدستور وإلغاء مظاهر الحياة السياسية وبات المجلس العسكري اليوناني هو السلطة الحاكمة في البلاد حتى يوليو عام 1974واُلقي القبض على يانيس وسجن في جزيرة ياروس وتم منعه منالكتابة ثم نقل إلى مخيم في جزيرة "ليروس"، وسمح له فيه بالكتابة والرسم. وفي آب 1968وبسبب تدهور حالته الصحية تم إدخاله قسراً جناح السرطان في أحد مستشفيات أثينا ثم أعيد إلى جزيرة "ليروس". وأطلق لويس أراغون حملة جديدة وواسعة للتضامن معه شملت أشهر الأدباء الأوروبيين كانت نتيجتها إطلاق مشروط ليانيس ووضعه تحت الإقامة الجبرية في بيته العائلي في كارلوفاسي. على إثر ذلك ساءت حالتاه النفسية والجسدية بعد شهر من إطلاق سراحه ولم يتمكن من السفر إلى أثينا إلا في سنة 1970 لإجراء بعض الفحوصات الطبية. وكتب فيها مجموعته "الممشى والدرج" ، في سنة 1974 يسقط النظام العسكري في اليونان بفعل التداعيات التي شهدتها قبرص ويصعد نظام "الوحدة الوطنية" وتمنحه جامعة "تسالونيك" شهادة الدكتوراه الفخرية: "لكونه يشمخ منذ أربعين سنة كركيزة للأمة اليونانية وكصوت لها".
أثناء أزمة قبرص بفعل مؤامرة العسكر و الإطاحة بنظام "مكاريوس" كتب ريتسوس قصيدته الرائعة "ترنيمة ورثاء لقبرص " و في ذات العام الذي شهد سقوط العسكر وصعود نظام "الوحدة الوطنية" وتمنحه جامعة "سالونيك" شهادة الدكتوراه الفخرية: "لكونه يشمخ منذ أربعين سنة كركيزة للأمة اليونانية وكصوت لها" يحصل على الجائزة الدولية الكبرى للشعر
شكّل صعود اندرياس باباندريو إلى السلطة سنة 1981 علامة فارقة في تاريخ اليونان السياسي؛ إذ أنهى نصف قرن من حكم القوى المحافظة. وكان من إنجازات حكومته الاعتراف الرسمي بالمقاومة اليونانية ضد المحور، وتمرير القانون 1264 لسنة 1982 الذي كفل حق الإضراب ومنح العمال حقوقًا غير مسبوقة، وتعديل 1985ـ1986 الدستوري، الذي عزز النظام البرلماني وقلّص سلطات الرئيس المنتخب بشكل غير مباشر، في أجواء كهذه نلمس أن الرواية وإعتباراَ من عام 1983 كان لها حضورها لدى الشاعر فقد كتب مجموعة من الروايات وكأنه بذلك أراد أن يوثّق ليومياته الشعرية وللمرحلة بالرواية وكل ديوان كانت بمقابله رواية "رقصة صائدي الاسفنج" و"تير يسياس" قابلها في الأعمال الروائية ما أغربها من أشياء وفي عام 1984 اقتصر على أعمال شعرية تانغريات والمنتصرة وبين عامي 1985 والعام الذي يليه تفرغ للرواية " ربما تكون هكذا والعجوز برفقة طائراته الورقية وموسوم بابتسامة واخيرا رواية الأسئلة تتناقض ، أنها قصة وطن كُتبت بالقصيدة أنها ردة فعل متزامنة مع الحدث تقرئ المعانات وتفلسفها لتصنع عوالم افتراضية أخرى بعيدة عن القمع والإقصاء لقد كان ريتسوس ظاهرة اعتراضية لوطن يفك قيده تدريجياً ، تم ترشيح يانيس ريتسوس 9 مرات لنيل جائزة نوبل في الأدب ل 9 سنوات مختلفة لكنه لم يحصل عليها , لكنه حصل على (جائزة لينين للسلام , وكانت تعرف باسم جائزة ستالين للسلام قبل عام 1956) لأن أشعاره كانت ممنوعه في اليونان بسبب توجهاتها اليسارية , وقد قال عقب حصوله على الجائزة : حصولي على هذه الجائزة هو أكبر من حصولي على جائزة نوبل.
واختم هذه التناولة بعبارات وردت على الغلاف الأخير للجزء الثاني طبعة أروقة والتي يقول فيها موجهاً كلامه إلى يانيس ريتسوس ..
أغنيتك معجونة بدم الآلهة المقدس
آتية من النعيم
هواء الفجر النقي يعلن عن ولادة نهار جميل
ولادة موجة مؤثرة في بحر ألابداع الازرق الصافي
نتنحى جانبا كي تمر أنت أيها الشاعر

*كاتب من اليمن


المصدر : عبدالرحمن الرياني
اضافة خبر | مركز الاخبار