بيان الثقة للحكومة ومتطلبات المرحلة الراهنة !!

2018 / 7 / 21

الحزب الشيوعي الأردني
"الجماهير "الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الأردني
بيان الثقة للحكومة ومتطلبات المرحلة الراهنة !!
قدم رئيس الحكومة عمر الرزاز بياناً منمقاً طالباً الثقة بموجبه من مجلس النواب. ويبدو جلياً أن هذا البيان حظي باهتمام كبير في الوطن يفوق أي بيان سابق لأي حكومة. والسبب واضح تماماً، لأن هذه الوزارة ولا سيما رئيسها قد جاءت في اعقاب هبة شعبية غير مسبوقة شاركت فيها غالبية الطبقات الاجتماعية والقوى السياسية في جميع المحافظات، وكانت هبة سلمية واضحة الأهداف ومحددة المطالب. الرفض الشعبي لمشروع قانون ضريبة الدخل فجر الحراك الشعبي الهائل الذي كشف عمق الغضب والقلق والاحتقان لدى الجماهير الشعبية وعدم رضاها عن الظروف القاسية المفروضة عليها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
الحراك الشعبي الواسع الذي استمر ما يقرب من أسبوع كامل في جميع المحافظات وفي جميع الساحات والمراكز الحكومية، وخاصة في عمان في الدوار الرابع امام رئاسة الوزراء، حمل مطالب محددة. صحيح في مقدمتها الغاء مشروع قانون ضريبة الدخل، ولكن الأهم المطالبة بإقالة حكومة هاني الملقي وحل مجلس النواب وتغيير النهج السياسي والاقتصادي الذي أوصل الوطن الى هذه الحالة المأساوية.
وخلال المسيرات والاعتصامات في جميع انحاء البلاد كان الناس يستذكرون ان هذا النهج قد قاد الى هبة نيسان 1989، وإذا استمر الخضوع له سيقود الى احتقانات وهبات ومآسٍ أخرى.
المطلب الأهم والهدف الرئيسي لهبة رمضان المجيدة كان التغيير سياسياً واقتصادياً واجتماعيا، والتأكيد بأن البلاد لم تعد تحتمل المزيد من الضغوط السياسية والمعيشية. ولا المزيد من الرضوخ لإملاءات صندوق النقد الدولي والمانحين الإمبرياليين. فالوطن كان وما يزال يدفع غالياً ثمن التبعية الاقتصادية والسياسية للدوائر الامبريالية. وان هذه التبعية من أهم أسباب تعميق أزمة البلاد المركبة اقتصادياً وسياسياً.
وتبين كم كانت سطوة صندوق النقد الدولي قاسية ومؤثرة على الحكومة الأردنية، حيث ساهمت في الزيادة غير المعقولة للضرائب وفي زيادة معدل البطالة والفقر، وأسهمت في زيادة المديونية العامة. وليس صحيحاً ان الاصلاح الاقتصادي بموجب برنامج الصندوق يهدف الى اخراج الأردن من أزمته، بلهو في الواقع يهدف الى تعميق تبعيته، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. وأثبتت تجارب العديد من الدول النامية صحة هذه الحقيقة، واتضح ان التحرر من سلطة المؤسسات المالية الدولية والمانحين، رغم كل الصعوبات هو الوسيلة الأهم لتحقيق حرية واستقلال هذه الدول. وأمامنا مثال ماليزيا، وموقف مهاتير محمد الصلب الذي أنقذ بلاده من براثن التغول الامبريالي وفسح لها مجال التطور المستقل.
ومن هنا تتضح أهمية الهبة الشعبية في الأردن، والتي في جوهرها النضال من أجل التغيير، الذي يقود الى تخليص الوطن من الأزمة المركبة والتي تكونت في ظل التراكمات الناجمة عن تطبيق النهج المعروف.
وفي ضوء أهداف الهبة التي فرضت اقالة حكومة هاني الملقي وسحب مشروع قانون ضريبة الدخل وإيقاف قرار زيادة أسعار المحروقات، يجب تقييم بيان الثقة.
الملاحظة الرئيسة والأهم على بيان الرزاز للثقة انه غيب الى حد كبير أهداف الهبة الشعبية التي جاءت به رئيساً للوزراء. فالبيان يخلو من استجابة حقيقية لمطلب الهبة في التغيير الشامل سياسياً واقتصادياً. صحيح ان البيان عدد التحديات التي تواجه البلاد واعتبرها أولويات لحكومته وهي تحديداً سيادة القانون ومحاربة الفساد ومعالجة مشكلتي الفقر والبطالة والمساواة بين المواطنين وتشجيع الاستثمار المحلي والاجنبي والإصلاح السياسي والإداري ورفع مستوى الخدمات. ولا شك ان هذه عناوين هامة وردت في غالبية، إن لم يكن جميع البيانات الوزارية للحكومات السابقة، وإن تفاوت مستوى التوسع في معالجتها.
لقد فشلت الحكومات السابقة في معالجة العناوين الواردة أعلاه، وفي كثير من الحالات تفاقمت الأوضاع وازدادت المصاعب، والسبب يعود الى غياب الإرادة السياسية الواضحة المستندة الى بيئة مؤاتيه والى حياة سياسية تسمح بالرقابة والمحاسبة، وفقدان الحكومات للولاية العامة وعدم الالتزام بالدستور، وعدم الالتزام الحقيقي بحرية الوطن واستقلاله وتغول السلطة التنفيذية.
ومن هنا يتضح ان المدخل الحقيقي للتغيير والاستجابة الفعلية لأهداف الهبة وتحقيق الخروج من الأزمة يكمن في الإصلاح السياسي أولاً.
فالإصلاح السياسي هو المدخل الحقيقي للتغيير والاداة الرئيسة لإخراج البلاد من أزمتها، ووضع الضوابط للدفاع عن حرية واستقلال الوطن.
وللإصلاح السياسي في ظروف بلادنا متطلبات واضحة جرى التغاضي عنها كثيراً في سياق التراجع المعروف عن الإصلاح السياسي وفي مقدمتها ومن أهمها :
1- تشريع قانون انتخاب يستند الى القائمة النسبية المغلقة، ويتيح وصول الأحزاب السياسية الى مجلس النواب، ويسمح بالمنافسة على أساس البرامج الانتخابية والتحالفات السياسية، ويؤدي الى انهاء تشويه الحياة البرلمانية الذي نجم عن قانون القائمة النسبية المفتوحة وقبلها قانون الصوت الواحد، الامر الذي يفسح في المجال الى الوصول الى برلمان أحسن تمثيلاً للشعب واكثر قدرة على ممارسة دوره في التشريع والرقابة ودوره في تشكيل الوزارات التي تمارس الولاية العامة.
2- اطلاق الحريات العامة وإلغاء جميع القوانين والأنظمة المحدة للحريات في مجالات التعبير عن الرأي والتنظيم والنشر. ووضع حد للقيود المباشرة وغير المباشرة على الحياة الحزبية التي أضعفت الحياة الحزبية وأحكمت الحصار على الحياة السياسية.
3- الفصل بين السلطات وضمان استقلاليتها وتعزيز الرقابة العامة من خلال ذلك، وتشديد الحملة على الفساد والتلاعب بالمال العام، ومقاومة التهريب وتجارة المخدرات والتصدي للفساد الذي ينشر الجريمة.
4- تعزيز الوحدة الوطنية ومحاربة جميع مظاهر التمييز على أساس الجنس او الانتماء الطائفي او الإقليمي، والتصدي بقوة لحملات تشويه وعي الجماهير وتضليلها، خاصة من خلال الخطاب الديني غير العقلاني ومحاربة أفكار وتنظيمات القوى الإرهابية، والاستفادة الفعلية من الطاقة البشرية المتقدمة في البلاد.
5- ضمان الحرية الحقيقية للصحافة ووسائل الاعلام وبناء إعلام وطني حقيقي يؤمن قيام اعلام دولة لا اعلام حكومة، ووضع حد لتدخل الأجهزة الأمنية في مختلف مناحي الحياة والتزامها بأحكام الدستور والقانون والدفاع عن سيادة الوطن واستقلاله.
6- تعميق وتطوير العلاقة النضالية الأردنية الفلسطينية، ودعم نضال الشعب الفلسطيني الشقيق في مواجهة الحملة الامبريالية الصهيونية، وحقه في دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين. والتصدي لحملات تهديد القدس ولمشروع صفقة القرن الذي يهدد الشعبين الأردني والفلسطيني على السواء.
هذه بعض القضايا الأساسية للإصلاح السياسي التي تساهم في حماية البلاد من الضغوط الخارجية الامبريالية – الصهيونية وتعمق حالة الاستقلال وتقوية الإرادة الوطنية.
اما في المجال الاقتصادي، فان الإصلاح يجب ان يستند ويعتمد على مستوى ودرجة الإصلاح السياسي. فالإصلاح السياسي العميق الذي يكرس الوحدة الوطنية ويأتي ببرلمان يمثل بحق الشعب الأردني، وخاصة فئاته الكادحة، وبحكومة وطنية تستند الى مبدأ الولاية العامة هو الذي يساهم في تحقيق الإصلاح الاقتصادي على طريق تغيير النهج الاقتصادي السائد والانتقال الى نهج جديد قوامه الاعتماد على الذات وعلى العلاقات المتوازنة مع الآخر، وتأمين فرص النمو المستقل الذي يساهم في مواجهة أسباب الفقر والبطالة ويؤدي الى بناء قاعدة اقتصادية، الأمر الذي يتطلب :-
1- اتخاذ خطوات جدية لتغيير النهج الاقتصادي من خلال حلول جديدة للمشكلات الاقتصادية، وخاصة المالية، تستند الى مبدأ اعلى قدر ممكن لتقليص النفقات الجارية ومكافحة الفساد والتهرب الضريبي واستعادة الأموال المنهوبة وتحصيل مستحقات الخزينة من المتنفذين وكبار الموظفين، ووضع سقف أعلى لرواتب ومكافآت كبار الموظفين، واتخاذ خطوات فعالة لدعم الصناعة الوطنية مع أوسع استثمار للموارد الأولية الوطنية كالصخر الزيتي والنحاس وأملاح البحر الميت وغيرها. وتوسيع انتاج الطاقة من الموارد المحلية المتجددة.
2- اتخاذ خطوات فعالة لفك الارتباط التبعي مع المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين، واحترام استقلالية القرار الوطني والمصالح الاقتصادية الوطنية، ووضع برامج للتنمية الوطنية بعيداً عن نفوذ وتدخل هذه المؤسسات والمراكز الامبريالية، وإقامة علاقات متوازنة مبنية على الاحترام والمصلحة المتبادلة مع الدول الشقيقة والصديقة.
3- اتخاذ خطوات جدية لمعالجة موضوع المديونية العامة بهدف تخفيضها وإلغاء بعضها وإيقاف الاستدانة إلا في حالة أن يكون الدين قادراً على المساهمة في خدمته وليس تحويله الى أداة لإرهاق الإيرادات العامة.
4- إعادة النظر في جميع إجراءات وخطوات الخصخصة والتراجع السريع عن الخطوات التي تتعارض مع المصلحة الوطنية، كالخصخصة في قطاع الطاقة، حيث ترتفع خسائر الشركة الوطنية بينما ترتفع أرباح قطاع التوزيع، ونفس الشيء يتم في قطاع انتاج المحروقات. ودمج المؤسسات المستقلة في الوزارات المعنية ذات الأنشطة والوظائف الموحدة.
5- دعم قطاع الزراعة، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة في الأرياف التي ستساهم ليس في وقف الهجرة من الريف الى المدينة، بل في العودة الى الريف وتحويله الى قطاع انتاجي فعّال في مجال الحبوب وتربية الحيوانات والصناعات الريفية، إضافة الى الى توسيع انتاج الخضراوات والفواكه وغيرها.
6- إعادة النظر في السياسات الضريبية بما يؤول الى حماية الطبقة الوسطى وأصحاب المداخيل المتوسطة والمتدنية، وجعل الضريبة أداة فعالة في دعم الاستثمار الإنتاجي في الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات. والاستناد الى مبدأ الضريبة التصاعدية الذي ينص عليها الدستور.
7- تقوية دور الدولة والقطاع العام في تعزيز الامن التمويني للمواطنين والتصدي للتلاعب بالأسعار وهجمات الغلاء المتلاحقة، والحفاظ على مستوى معيشي آمن للمواطنين.
8- التصدي بحزم لنظريات الليبرالية الجديدة التي تطالب بإطلاق حرية التجارة وحرية الأسعار، وانهاء دور الدولة في السوق وفي الأسعار، علماً ان الدول الامبريالية التي شنت أقسى حملة عالمية لإشاعة العولمة وحرية التجارة تخوض حرباً شرسة على هذه المبادئ، وهو ما تقوم به الولايات المتحدة في مجال التجارة الدولية حالياً.
وهكذا فاننا نؤكد من جديد، ان الحكومة الجديدة التي جاءت بها لسدة الحكم الهبة الشعبية، مطالبة بالاستجابة الى أبرز أهداف هذه الهبة، وهي التغيير سياسياً واقتصادياً. ونشير هنا الى بعض اهم خطوات التغيير في المجالين السياسي والاقتصادي، مؤكدين في حال عدم استجابة حكومة الرزاز الى متطلبات المرحلة، فإنها ستكون حكومة تهدئة مؤقتة، بينما المزاج الشعبي العام على استعداد لمباشرة النضال من جديد.


المصدر : الحزب الشيوعي الأردني......................
اضافة خبر | مركز الاخبار