جامعاتنا والتحديات

2018 / 3 / 20

مرت بلادنا العزيزة بمطبات وانتكاسات ومحن قاسية على مرالأزمان, وكانت من أحلك تلك الفترات واخطرها على مستقبل البلاد والعباد هي فترة ظهورعصابات داعش الأرهابية التي جعلت أول أهدافها تحطيم كل مقدرات البلد وحضاراته وطمس معالمه والعودة به الى عهود الظلام والتخلف والجهل وبث روح الفرقة وتقسيم البلد الى طوائف ودويلات كارتونية هزيلة تتيح لهم التحكم بمصير الشعب العراقي العظيم.
ومن الملاحظ أن أولى الاهداف التي إستهدفتها عصابات داعش قبل غيرها, هي مؤوسسات التعليم وصروح المعرفة, وقد نالت الجامعات وأساتذتها وطلبتها ومكتباتها حصة ألاسد من هجماتهم وأحقادهم, وقاموا خلال إحتلالهم المدن بتصفية عدد من أساتذة الجامعات وقتلهم بدم بارد أمام الناس ناهيك عن الخمس مائة أستاذ جامعي عراقي الذين تمت تصفيتهم من قبل داعش والقاعدة ومشتقاتهم بين أعوام 2003 و2012 . أن التنظيم استهدف عن عمد وأصرار الأكاديميين الذين تربطهم علاقات مع الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الغربية الأخرى, مما يؤكد على أن التنظيم الارهابي يملك مخططا تخريبيا مقصودا, يركز على استخدام أساليب نفسية قذرة لعمل غسيل دماغ مبرمج لنشرفكره التكفيري الهدام الذي يبيح قتل الانسان وزرع الأحقاد والفتن, وصولا الى مجتمع مسخ هجين شاذ.
لقد رأينا بكل وضوح كيف استهدف الارهابيون الجامعات وحولوها الى أوكارللشر, ورأينا كيف نهبوا أجهزتها ونقلوها الى سوريا, وسرقوا مواد مختبراتها لكي يستخدموها بصنع مختلف الاسلحة التقليدية والمحرمة مثل مادة الخردل التي أنتجوها في مختبرات جامعة الموصل. ووصف أحد المؤرخين وهو أستاذ في جامعة الموصل فترة ما بعد دخول داعش للمدينة بمدة قصيرة قبل ان يفر منها، قائلا: " ان تنظيم داعش تسبب بحرق ألاف الكتب بعدما شاهدوا بينها كتبا لشكسبير ورواد ألادب الانكليزي وكتب أخرى لشعراء عرب وأجانب وأعتبروها كتبا فاسقة !!" وقاموا بنهب بعض من الكتب النادرة ونقلوها ويؤكد الباحث" أن اكثر من مائة الف مخطوطة ووثيقة نادرة تعود لقرون من التعليم تم تدميرها، من ضمنها مخطوطات ووثائق مسجلة لدى اليونسكو في قائمة النوادر.
وألاغرب أنهم وضعوا تصنيفا عجيبا لبعض العلوم فقاموا بتصنيف بعض العلوم المهمة كعلوم كُفرية مضلة, وصنفوا علوما أخرى كعلوم فاسقة, وأطلقوا تسمية علوم شيطانية على بعضها!. وبعد تحرير المدن وإنتهاء العمليات العسكرية صارمن المهم توجيه الجهود الجبارة الى إعادة إعمار الجامعات والنهوض بها مجددا, خصوصا وأن هناك إدراكا باهمية قطاع التعليم العالي في البلد من قبل الجميع, وصارمن المهم أن يقوم المجتمع الدولي بمساعدة الجامعات العراقية من خلال عدة نقاط منها : السماح للجامعات العراقية بالوصول إلى المصادرالمكتبية الإلكترونية و توفير “مختبرات تجريبية عن بعد”، خاصة في ضوء عودة خدمات الانترنت, والتبرع بالمعدات والمصادر، وتقديم الاستشارة فيما يخص التخطيط الاستراتيجي لتحسين الجودة المؤسسية و التعاون في الإشراف على بعض الأبحاث لطلاب الدراسات العليا وإستخدام نموذج “التعليم المزيج” والذي من خلاله يمكن لأكاديميين أجانب التعاون في تدريس بعض المساقات مع أساتذة عراقيين متواجدين في الفصول الدراسية في الجامعات العراقية, وتكمن أهمية هذا النموذج في كونه وسيلة للتغلب على نقص عدد الأكاديميين الأكفاء نتيجة نزوح أعداد كبيرة منهم وقتل البعض منهم .
وقد أبدى الكثير من الأكاديميين العراقيين الذين تحدثت إليهم إصرارا كبيرا ليس فقط على إعادة بناء المباني الجامعية واستبدال المعدات، لكن على تحسين الكفاءة الأكاديمية لتصبح أفضل مما كانت أيضاً خصوصا في خضم توجهات المسؤولين في وزارة التعليم العالي على تحسين جودة التعليم وأللحاق بالتطور الهائل الذي يشهده العالم, وتحسين تصنيف الجامعات العراقية لترتيبها بين الجامعات العالمية. غيرأن هناك مجهودا جبارا يستلزم من الجامعات في المدن المحررة بذله لتخطي مرحلة قلقة وحساسة حتى تستعيد مكانها الطبيعي والقيادي في بناء مجتمع سليم معافى يستند الى المعرفة والعلم, وعليها أولا وقبل كل شئ أن تحارب التطرف الديني والفكري وتكون رأس الحربة في مواجهة و فضح كل الأفكارالتخريبية الهدامة وإشاعة ثقافة التسامح والوطن الواحد والمصير المشترك, والتركيزعلى التفوق والتطور والمثابرة. أننا أحوج ما يكون اليوم بعد تحرير المدن الى تحريرالعقول والضمائر من التخلف والجهل والفوضى الذي تسببت به عصابات داعش وكل من وقف معهم. وليفهم الجميع أن دوره ألان ضروري في التواجد والعطاء في الجامعات لتعويض ما فاتنا من وقت, وألابتعاد تماما عن ألانانية والمصالح الشخصية والتنافس على المراكز والكراسي. وكلنا ثقة أن يأخذ التدريسيون في الجامعات المحررة دورهم الوطني ألصحيح من خلال التواجد داخل جامعاتهم لثلاثين ساعة في ألاسبوع بين طلبتهم ودروسهم وأبحاثهم كما جاء في التعليمات الجامعية, وعلى البعض منهم أن لا يضغطون دروسهم المقررة ويكتفون بالحضورالى الجامعة أوالكلية لساعتين في الاسبوع, وأحيانا يحضرون لأربع ساعات ثم يختفون عشرة أيام !!, بعد أن ينسقون جداولهم ويكلفون زملائهم بالتوقيع والحضور نيابة عنهم, ثم يحضرون بهاتين الساعتين ليتحدثون عن الدين والحلال والحرام دون أدنى خجل أوخوف !!.


المصدر : محمدعلي شاحوذ
اضافة خبر | مركز الاخبار