خمسون سنة على يوم كوكب الأرض الأوّل : أفكار حول الكارثة التي تمثّلها الرأسماليّة – الإمبرياليّة

شادي الشماوي
sonson2121@gmail.com

2020 / 5 / 17

ريموند لوتا – جريدة " الثورة " عدد 645 ، 27 أفريل 2020
https://revcom.us/a/645/50-years-since-earth-day-1-en.html

يتطرّق هذا المقال إلى جوانب حيويّة من حالة الطوارئ المناخيّة و الأزمة البيئيّة الأشمل . وتعالج الأفكار الواردة به كيف أنّ النظام الرأسمالي – الإمبيالي هو السبب الكامن وراء هذه الأزمة – و لماذا يمثّل هذا النظام عائقا جوهريّا أمام مواجهة الإنسانيّة مواجهة واعية و جماعيّة و بصفة ملحّة و على المدى المطلوب لحالة الطوارئ البيئيّة.
--------------------
I – مؤشّرات تسارع الأزمة و التدمير و القوّة الكبيرة للإجرام
+) كانت سنة 2019 أحرّ سنة سُجّلت أبدا . فمنذ ستّينات القرن العشرين ، كان كلّ عقد أحرّ من العقد السابق ، بدرجات هامة . سنة 2016 ، عند إمضاء إتفاق باريس حول التغيّر المناخي من قبل أكثر من 190 بلدا تعهّدوا بالتخفيض من إنبعاثات غازات الإحتباس الحراري ، كان الكوكب قد تجاوز عتبة هاوية ديوكسيد الكربون في الجوّ : 400 من الجزيئات في المليون .
ملاحظة : نصف مجمل الإنبعاثات العالميّة للكربون منذ الثورة الصناعيّة ( التي تعود تاريخيّا إلى 1751 ) حدثت بين 1988 و 2014 – أي منذ أن قدّم العالم جامس هنسن إكتشافاته الهامة بصدد غرتفاع حرارة الكوكب ، منذ إنعقاد قمم الأمم المتّحدة حول تغيّر المناخ . و تقريبا في الأربع سنوات من إمضاء إتّفاق باريس ، و لا باعث من الباعثين الكبار للكربون يقترب من الهداف المرسومة . و في غضون ذلك ، البلد المسؤول عن أكبر قدر من إنبعاثات ديوكسيد الكربون المراكمة في الجوّ – الولايات المتّحدة – يترأّسه نظام فاشي يُنكر واقع ارتفاع حرارة الكوكب جملة و تفصيلا ، بينما يرفع من إنتاج الوقود المستحاثى .
و في القسم التالى استند على مقال مقال لبيل ماك كيبان " سنة حارة جدّا " (1) و أعود إلى الوراء لأبيّن كيف تعبّر الديناميكيّة الرأسماليّة الكامنة عن نفسها .
+) يلاحظ ماك كيبن أنّ النماط المستخدمة من طرف العلماء قبل عشرين و ثلاثين سنة للتوقّعات في ارتفاع الحرارة قد ثبُت أنّها دقيقة بصورة ممتازة - حوالي درجة سلسوس ، كمعدّل حول الوكب ، على حدّ الآن . لكن تأثير إنعكاس / حدّة ارتفاع حرارة الكوكب قد وقع الإستهانة بها بصورة كبيرة . فقد عانى الكوكب بشكل ملحوظ من خسارة أكثر من نصف جليد البحر في الأركتيك و عرف بداية تداعى الأرصفة المرجانيّة . و يذكر ماك كيبن دراسة أوروبيّة أجريت في نوفمبر 2019 شخّصت تسعة نقاط حرجة كبرى مركّزة في الغرينلاند و صفائح الجليد بالأركتيك ، والغابات الشماليّة و التربة الصقيعيّة بالشمال ،و الغابات الممطرة للأمازون و الأرصفة المرجانّة في المناطق الإستوائيّة . و الإستنتاج هو أنّ خطر " حدوث تغيّرات فجئيّة و غير قابلة للإصلاح " كان أعلى من المتوقّع في البحث السابق .
ملاحظة : لم يقع دقّ ناقوس الخطر و ما من عمل على إعادة التفكير بشكل راديكالي ن لا تحرّكات جريئة على أعلى مستويات السلط الحاكمة .
+) الولايات المتّحدة أكبر منتج في العالم للنفط و الاز الطبيعي ( للتذكير ، إدارة أوباما " الواعية بالوضع المناخي " كانت على رأس أكبر ارتفاع في إتاج النفط في تاريخ الولايات المتحدة و في ظلّ أوباما غدت الولايات المتحدة أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم ). و من المتوقّع أيضا أن تنتج الولايات المتحدة 80 بالمائة من التزويد الجديد بالنفط و الغاز خلال الخمس سنوات القادمة .
ملاحظة : هذا التوقّع الذى ذكره ماك كيبن سابق على جائحة فيروس كورونا و التراجع الحاد للإقتصاد العالمي . لكن ، وهذا أمر جدّ معبّر ، في المراحل الأولى للوباء ، كانت روسيا و العربيّة السعوديّة تتبارزان في حرب أسعار لتأمين و توسيع الحصص في سوق النفط العالمي . كيف ؟ بضخّ المزيد من النفط ، ما هدّد موقع صناعة الولايات المتّحدة للنفط الإستحاثي في السوق العالمي. عندئذ تحرّك نظام بانس / ترامب ليدعم أسعار نفط الولايات المتحدة غير أنّه مع زيادة الوضع سوءا بسبب الوباء و التراجع الحاد في إستهلاك النفط ، إنهارت أسعار النفط .
+) لأجل تحقيق هدف قمّة المناخ بباريس و كبح تصاعد الحرارة في حدود 1.5 درجة سلسوس ، ينبغي على العالم أن يقلّص الإنبعاثات ب 7.6 ى السنة طوال العقد القادم . و سيتطلّب هذا إقتطاع ضخم في إستهلاك الوقود الإستحاثي . و كما لاحظ ماك كيبن ، و لا بلد واحد ( و بالتأكيد ينسحب هذا على الاقتصاد العالمي ككلّ ) قد قلّص إنبعاثات الكربون بذلك النسق في سنة واحدة .
ملاحظة : الواقع هو أنّ إلتزاما فعّالا و منسّقا للحفاظ على هكذا مستوى من تقليص الكربون ، بصفة مستمرّة طوال عقد كامل ، في تعارض صارخ مع الآفاق القريبة المدى لرأس المال و أسس الاقتصاد الإمبريالي – العالمي المربحة القائمة على الوقود الإستحاثي ...و يصطدم مرّة أخرى بحدود إتّخاذ القرار الخاص / الدولة القوميّة في عالم من الرساميل المتنافسة و الدول القوميّة – الإمبرياليّة . و مجدّدا ، فكّروا في التالى : و لا أحد من الممضين الكبار لإتّفاق باريس الخاص بالمناخ على طريق تحقيق أهدافه . إنّنا نعيش في عالم 80 بالمائة من الطاقة العالميّة فيه توفّرها طاقة غير قابلة للتجدّد ، و يشمل هذا النفط و الفحم الحجري و الغاز الطبيعي .
--------------------------------------
II- تناقض مبنيّ في العلاقات الخاصّة – التنافسيّة للرأسماليّة كما تطوّرت تاريخيّا : التعويل على الوقود الإستحاثي و توسيع نطاق إستعماله ...
الحواجز أمام و حدود التقنية الخضراء في إطار هذا النظام الرأسمالي
في مقاله المؤرّخ في 12 مارس 2020 ، يذكر ماك كيبن حسابات " الفايننشال تايمز " بانّه لأجل تحقيق هدف باريس بإرتفاع ب 1.5 درجة سلسوس ، و هذا بعيد جدّا عن اللازم ، سيكون على صناعة الوقود الإستحاثي أن تترك 84 بالمائة من إحتياطيّاتها في الأرض ، ماحية فعليّا قيمتها . ( الإحتياطيّات تشير إلى ما يقدّم من كمّية من النفط الخام التي تتحكّم فيها الشركات الخاصّة و التابعة للدول التي يمكن إستخراجها في ظلّ ظروف التقنية و السعار الراهنة ).
لنتفحّص لماذا الإبقاء على إحتياطي الوقود الإستحاثي في الأرض رأي لاموزون في إطار الرأسمالية – الإمبرياليّة .
+) إنّ شركات / المستثمرون فى الطاقة النفطيّة / الغاز الطبيعي تعتمد على التمويل نفقات رأسمال قار ضخمة ( التجهيزات التقنيّة ، و و البنية التحتيّة إلخ ) : لأجل التنقيب عن و تطوير مخزونها / إحتياطيها النفطي ... و في نهاية المطاف لإستخراج النفط و الغاز الطبيعي بهامش ربح . إنّها " تكاليف إستثماري عميقة " في تلك الإحتياطيّات . و يحيل هذا على المعرفة الإجتماعيّة ( الهندسة إلخ ) التي يقع اللجوء إليها على نطاق خاص ؛ و على تقنية التطوير الزلزالي لحقول النفط المكرّس ،؛ و بنية النقل المشيّدة في المكان - تكاليف لا يمكن إسترجاعها متى تركت الشركات التي تقوم بهذه الإستثمارات الصناعة . و في آخر المطاف ، هذه الإستثمارات أسلحة في المعركة الرأسماليّة من أجل الأسواق و التوسّع و البقاء على قيد الحياة .
+) هناك هذه الخصوصيّة في قطاع إستخراج النفط و الغاز الطبيعي : أن تصبح مشاريع الوقود الإستحاثي الخاصة مربحة – يتطلّب سنوات ... سنوات من الإستثمار الضخم من رأس المال كي يستعيد المالكون الخواص الأموال و يحقّقوا الأرباح.
و لا يمكن لذلك أن يحصل إلاّ عبر دورات إنتاج مستمرّة . و إن لم تستمرّ هذه الدورات من انتاج – تحقيق البيع – إنتاج جديد – لن تتحقّق إستعادة المصاريف و كسب المزيد من الأرباح . هناك ضرورة تواجه هذه الوحدات الفرديّة من رأس المال ل " تكسب " من هذه الإستثمارات ن ما يعنى تطوير و إستخراج النفط من هذه الإحتياطات ، و الإنتاج و مزيد الإنتاج – بكلّ التداعيات السلبيّة لذلك على صحّة الكوكب .
حساب التفاضل و التكامل هذا الرأسمالي لتحقيق الأرباح و العودة إلى أعمال الإستثمار من جديد ، يمحى فعليّا الإستجابة لتوصية عقلانيّة لعلماء المناخ ، و مطلب من أكثر المطالب " عقلانيّة " لعديد نشطاء المناخ : ترك النفط في الأرض ".
حساب التفاضل و التكامل هذا لتحقيق الأرباح الرأسمالي الفظيع نابع عن ضرورة منطق التوسّع أو الموت لدى رأس المال، وهو كذلك جزء من سبب أنّ فكرة و توقّع يبتلعهما عديد التقدّميّين - حينما يتراجع سعر تقنية الطاقة النظيفة و المتجدّدة ، سنكون بالتأكيد على مسار مختلف ( إيجابي ) – خاطئين بمرارة .
+) و إليكم ملاحظة بارزة حول الطاقة الخضراء ساقها دافيد والاس والس في كتبه سنة 2019 ، " الأرض التي لا يمكن السكن بها : الحياة بعد ارتفاع حرارة الكوكب " ( كتاب ننصح بقراءته ) :
" "ثورة " الطاقة الخضراء المبشّر بها كثيرا ... لم تجعل حتّى الرسم البياني لتطوّر إنبعاثات الكربون يسجّل تراجعا . بكلمات أخرى ، نحن متأخّرون مليارات الدولارات و آلاف الإختراقات الدراماتيكيّة على وجه الضبط نحن حيث بدأنا لمّا كان الهيبييّون يلصقون لوحات شمسيّة على قبابهم الجيوديسيّة . و يعزى هذا لكون السوق لم يستجب إلى هذه التطوّرات بإستبعاد سلس لمصادر الطاقة الملوّثة و تعويضها بمصادر طاقة نظيفة. لقد إستجاب ببساطة بإضافة قدرة جديدة لهذا النظام. فطوال الخمسة و العشرين سنة الماضية ، سعر الوحدة من الطاقة المتجدّدة تراجع كثيرا بحيث بالكاد يصعب تقدير السعر اليوم ، مستخدمين ذات المعايير ( فقط منذ 2009 ، على سبيل المثال ن تكاليف الطاقة الشمسيّة تراجعت بأكثر من 80 بالمائة ) ، و طوال الفترة عينها للخمسة و عشرين سنة قسم إستخدام الطاقة العالميّة المستخرجة من الطاقات المتجدّدة لم ينمو و لو بقدر ضئيل . الطاقة الشمسيّة ليست بصدد التقليص من إستخدام الوقود الإستحاثي ، بكلمات أخرى ، و لا حتّى ببطئ ، إنّها لا تفعل سوى دعمه . بالنسبة للسوق هذا نموّ ؛ و بالنسبة للحضارة الإنسانيّة ، هذا تقريبا إنتحار ". ( التشديد مضاف ، صفحة 178 )
+) هناك ما يسمّى " تبعيّة الطريق ": قدر كبير من رأس المال مرتبط بالوقود الإستحاثي ، بظرا لأنّ ثمن هذا الوقود بخس و الوقود متوفّر على نطاق واسع ؛ و نظرا لأنّ الإنتاج القائم على هذا الوقود كان أساسيّا للسير المربح للنظام الرأسمالي – الإمبريالي ؛ بما في ذلك سلاسل التزويد العالميّة ببنيتها التحتيّة " الملوّثة " ( المعتمدة على الوقود الإستحاثي ) . و متحرّكة خارج نطاق صناعة الطاقة ، تواصل صناعة السيّارات إنتاج آلات تشتغل بالوقود الإستحاثي و إنتاج محرّكات افحتراق الداخلي – مع مصاريف بحث و بنية تحتيّة مجهّزة للنقل و الآلات التي تشتغل بالبنزين . هذا " الطريق " من الإنتاج القائم على الوقود الإستحاثي يعزّز نفسه ، و قد وقع مزيد تعزيزه بالتوسّع الكبير للتنقيب الهدروليكي عن النفط و الغاز الطبيعي. ( و النفقات الهائلة للرأسمال القار في هذا القطاع ). ما يقع وصفه هو حاجز ضخم أمام " تفكيك " أنظمة طاقة الوقود الإستحاثي .
+) مشكل الطاقة الخضراء في الإطار الرأسمالي – الإمبريالي
لقد إزدادت نصيب تجارة الطاقة المتجدّدة كالطاقة المستخرجة من الرياح و الشمس . بيد أنّ هذه الطاقة المتجدّدة تستجيب لهدف تحصيل الأرباح وهي أيضا عُرضة لتنافس إقتسام السوق . لذا وُجد وضع كان فيه كلّ من إدارتي أوباما و ترامب تفرضان تعريفات جمركيّة ( ضريبة ) على اللوحات الشمسيّة المصنوعة في الصين . و في التراخى الحالي للإقتصاد العالمي نتيجة الوباء ، تتخبّط المؤسسات العاملة في الصناعات الالمتّصلة بالطاقة الشمسيّة و الرياح للبقاء على قيد الحياة و المنافسة من أجل قروض بنكيّة و قروض تمدّها بها الحكومات . و الطاقة / التكنولوجيا الخضراء كما تطوّرت مطبوعة بهيكلة و سير هذا النظام . و تشمل الصناعة الراهنة لللوحات الشمسيّة العمل المنجمي و دمج الكوارتز و الفحم الحجري ، وهي مرتهنة بسلاسل التزويد العالمي و بإستثمارات هامة في الوقود الإستحاثي . فالبطّاريّات التي توفّر الطاقة لآلات شركات الجنرال موتورس و تلسا ألكتريك لن تشتغل دون الكوبالت المستخرج من مناجم في ظروف رهيبة من منتهى الإستغلال ، و منها تشغيل الأطفال في جمهوريّة الكنغو الديمقراطيّة . و تركّز أوروبا مراوح هوائيّة في شمال أفريقيا في ما يعادل نوعا من " إستعمار الطاقة الخضراء " . و تساعد اللوات الشمسيّة على مدّ السجون و معتقلات التعذيب بالطاقة في القواعد البحريّة للولايات المتّحدة في غوانتنامو بكوبا . و هذا كلّه لقول إنّ إستخدام بنية تحتيّة قائمة على وقود إستحاثي للإقتصاد الإمبريالي للولايات المتحدة ، بمستوياته التي من غير الممكن إستدامتها من الإستهلاك و نهبها للكوكب ، ليست شيئا حسنا بالنسبة للإنسانيّة و بالنسبة للأرض .
+) حديث جانبي مقتضب عن التجديد و " المخاطرة ".
يمدح إيديولوجيّو الرأسماليّة ميزات " المخاطرة " : " رجال أعمال بارعون " " يقومون بعمليّات مقامرة جريئة " و " رأسماليّون مغامرون " يذهبون إلى حيث لا أحد آخر يتجرّأ على الذهاب. لكنّهم لا ط يخاطرون " بشيء واحد ، و لن يخاطروا به أبدا ... ألا وهو عدم إتّباع مبدأ الربح و الإمبراطوريّة ، وهو ذات المنطق الذى يتسبّب في تدمير الكوكب .

+) النفط سلعة إستراتيجيّة .
النفط أكبر من أكسون موبيل ، أكبر من السياسيّون – النفطيّون الجهات المانحة للمال لليمين و من الفاعل في المجال شارل كوش ، و أكبر من أضخم البنوك التي موّلت بجنون موجة الوقود الإستحاثي لتوسّع رأس المال في العقد الماضي . النفط سلعة إستراتجيّة . فالسيطة على مخزون النفط و أسواق النفط تجلب معها التحكّم في الاقتصاد العالمي . النفط مسألة مركزيّة بالنسبة للجيش و قدرات شنّ حروب الإمبراطوريّة الأمريكيّة . إنّه سلاح إستراتيجي للتنافس و التهديد . و على سبيل المثال، رفع إمبرياليّو الولايات المتّحدة من إنتاج النفط و الغاز الطبيعي لتوسيع مجال التآمر ضد الإمبرياليّة الروسيّة و تهديد بلدان من مثل إيران و فنزويلا – اللذين يرتهنان بمبيعات النفط بإعتبارها شرايين حياة إقتصادهما – لإخضاعهما .
لكافة هذه الأسباب التي حلّلنا – ربحيّة الإنتاج القائم على النفط ، و الرأسمال القار المرتبط بذلك و " تبعيّة الطريق " ، و دور النفط كسلعة إستراتيجية – إلى جانب عوامل أخرى ، لم تتحوّل الأسواق الرأسماليّة و الدول الرأسماليّة تحوّلا سريعا نحو " التكنولوجيا الخضراء ".
لكن على أساس القيام بثورة تُطيح بهذا النظام ... و تُرسى سلطة دولة إشتراكيّة جديدة و إقتصاد جديد يكفّ عن أن يكون قائما على الملكيّة الخاصة و الإستغلال – و يضع نهاية للإمبراطويرّة الأمريكيّة ، بشبكتها من المعامل الهشّة و القواعد العسكريّة – سنتمكّن من التحرّك مبتعدين بصفة حاسمة عن الوقود الإستحاثي . يمكننا فعل ذلك كجزء حيويّ ( مشدّدين على انّ هذا لا يزال جزءا فحسب ) من إعادة تنظيم راديكاليّة و شاملة للمجتمع و إعادة هيكلة الاقتصاد بإتّجاه الإستدامة الإشتراكيّة .
إقتصاد إشتراكي حقيقيّ سيمنح و يعيد منح موارد على مستوى إجتماعي . سيتمتّع بإمكانيّة إعادة توجيه و دعم إستثمار ماليّ و سحب آخر – و التعديل الواعي للنموّ . بوسعه القيام بذلك لأنّ إطار ملكيّة الدولة – المجتمع تسمح لنا بمشركة و تركيز فائض المجتمع و بالتوجيه و التنسيق الواعيين للتطوّر الاقتصادي عبر التخطيط الشامل و المندمج المسترشد بالأهداف / المعايير الثلاثة المعروضة في " دستور الجمهوريّة الإشتراكيّة الجديدة في شمال أمريكا " الذى ألّفه بوب أفاكيان و ما يرتبط بها من " بعض المبادئ المفاتيح للتطوّر الإشتراكي المستدام ".
-------------------------
III - " السلع العامة " في عالم الملكيّة الرأسماليّة
الإنسانيّة جزء من الطبيعة . فقد تطوّرنا مع و نحن مرتبطون بالبيئة الماديّة و تفاعلها مع الكائنات الحيّة الأخرى . و الأنظمة البيئيّة الحسنة السير توفّر لنا الأكسيجين و الغذاء و الوقود و المواد الأساسيّة للبقاء على قيد الحياة و التمتّع بالرفاه و الحماية من العواصف و الأمراض و إشعاعات الشمس و تعديل المياه و المناخ . و لا يفوتنا ذكر الجمال العجيب الملهم للفنّ .
+) إنّ النماذج الاقتصادية و أنظمة التسعير لدى الرأسماليّة ليس بوسعها أن تدرك المقياس الحقيقي لعناصر الطبيعة هذه . غنّها بصورة نظاميّة " تستهين " بالطبيعة تاريخيّا ، لأنّ هذه المنافع من الأنظمة البيئيّة تقدّم " مجانا " على أنّها " سلع عامة " – و قد كانت تستغلّها أكثر من اللازم بصورة نظاميّة بما أنّ الإمبريالية تحوّل المزيد و المزيد من الطبيعة بلا هوادة و على نطاق واسع إلى سلع . التصدير – الإنتاج في البلدان الفقيرة الثريّة بالموارد الطبيعية يعتمد على الإستغلال / تحويل " السلع العام " كتحويل غابات المنغروف إلى مزارع جمبرى للتجارة . لكن أسعار التصدير لا تدخل في حسابها عامل " التكاليف البيئيّة " : تأثيرتها على المدى القصير و البعيد محلّيا و عالميّا . و يتفاقم المشكل بحكم أنّ البلدان الغنيّة بصفة غير متناسبة تستخدم ما يسمّى ب " البالوعة البيئيّة " – مثل الغطاء الجوّي و الغابات الإستوائيّة الممطرة – لتتشرّب مستوياتها العليا من إنبعاثات الكربون .
على المدى القصير ، لرأس المال الباحث عن أقصى الأرباح تأثيرات سلبيّة كبيرة " خارجيّة " نسبة للحدود الخاصة للملكيّة و العمليّات و التكاليف و الأرباح . إنّها أمور بيئيّة خارجيّة عير مدفوعة الثمن .
------------------------------------
IV – نصيب البلدان الفقيرة و نصيب البلدان الغنيّة و تغيّر المناخ
+) لقد كانت الولايات المتّحدة و أوروبا الغربيّة مسؤولتين مباشرة عن 52 بالمائة من مجمل إنبعاثات ديوكسيد الكربون منذ الثورة الصناعيّة . و وحدها الولايات المتّحدة تتحمّل مسؤوليّة 25 بالمائة وهي بكلمات عالم المناخ جامس هنسن ، " إلى درجة كبيرة ، تتحمّل أكبر مسؤوليّة من أيّة أمّة أخرى "عن ارتفاع حرارة الكوكب . النصف الفقير من سكّان العالم – 3.5 بليون إنسان – مسؤول فقط عن 10 بالمائة من إنبعاثات الكربون مجمّعة .(2)
+) في 2050 سيسفر ارتفاع حرارة الكوكب عن عدد لاجئين بسبب المناخ يبلغ مليار إنسان ، أغلبهم من أمم العالم الفقيرة - وفق توقّعات منظّمة الهجرة العالميّة التابعة للأمم المتّحدة .
+) و بين 1961 و 2000 ، بلدان مجموعات الدخل المتدنّى و المتوسّط و العالي مسؤولة تباعا عن 13 بالمائة و 45 بالمائة و 42 بالمائة من إنبعاثات غازات الإحتباس الحراري . و " الأضرار المناخيّة " الناجمة عن ذلك قدّرت حسب التوزيع التالى تباعا 29 بالمائة و 45 بالمائة و 25 بالمائة . (3)
+) خلال الخمسين سنة الماضية ، حوالي 69 بالمائة من الوفايات جرّاء حوادث قصوى متّصلة بالطقس – كالجفاف و الحرائق البرّية و الفيضانات و الإنزلاقات الأرضيّة ، و موجات الحرارة و الإعصارات الكبرى – حدثت في البلدان الأفقر . و منذ سنة 2000 ، نسبة الوفايات في هذه البلدان الفقيرة تضاعفت عدّة مرّات نسبة لما هي عليه في البلدان الغنيّة. (4)
+) و عامل معرفته محدودة على أنّه مساهم لد دلالته في هذا الوضع هو أنّ شركات الولايات المتّحدة كمارت و جنرال موتورز و آبل تستعين بمصادر خارجية للتلويث في الصين و بنغلاداش و بلدان أمريكا الوسطى و غيرها من الأماكن . إنبعاثات الكربون الأمريكيّة العامة عبر العالم هي عمليّا 14 بالمائة أعلى من ما تكشفه الأرقام المحلّية ، حينما يتمّ إحتساب غازات الإحتباس الحراري المنبعثة من مصانع السيّارات و الملابس و منتوجات أخرى ما وراء البحار و يقع إستهلاكها في الولايات المتّحدة . (5)
+) دراسة نشرها علماء جامعة ستانفورد سنة 2019 تقدّر أنّ البون بين الإنتاج الاقتصادي لأغنى بلدان العالم و أفقرها هو 25 بالمائة أكبر اليوم ممّا كان سيكون عليه دون ارتفاع حرارة الكوكب ؛ و من سنة 1961 إلى 2010 ، خفّض ارتفاع حرارة الكوكب من الثروة الشخصيّة للفرد الواحد في أفقر بلدان العالم ب 17 – 30 بالمائة .(6)
+) في عالم اليوم ، إضطرّ قرابة 70 مليون لاجئ إلى مغادرة ديارهم : 23 مليون منهم ، حوالي ثلث مجمل اللاجئين ، و تقريبا جميعهم من بلدان ما يسمّى بالعالم الثالث ، غادروا جرّاء أحداث طقس في منتهى القساوة بصدد التحوّل إلى أحداث متواترة و مدمّرة بفعل ارتفاع حرارة الكوكب . و تضاعف عدد المهاجرين من أمريكا الوسطى المضطرّين إلى هجرة بلدانهم ، نظرا في جزء كبير منه للتغيّر المناخي ، خمس مرّات بين 2010 و 2015. و تلك كانت سنوات جفاف غير عاديّة تركت الكثيرين دون غذاء . (7)
----------------------------------
V- التجارة العالمية الإمبريالية ، الصناعات الزراعيّة و تدمير أنواع من الكائنات الحيّة
في ماي 2019، أصدرت أرضيّة علم – سياسات ما بين الحكومات التابعة للأمم المتّحدة حول التنوّع البيئي و خدمات الأنظمة البيئيّة تقريرا أوّليّا . و إكتشافها الحيويّ كان أنّ مليونا من أنواع الكائنات الحيّة يواجه الإضمحلال في العقود القليلة القادمة طالما لم تتّخذ إجراءات للتقليص من شدّة العوامل الدافعة نحو خسارة التنوّع البيئي .و يحدّد التقرير عواملا خمسة تدفع نحو الإضمحلال و خسارة التنوّع البيئيّ : التغيّرات في إستخدام الأرض و البحر ؛ المبالغة في الإستعمال غير القابل للإستدامة ؛ التغيّر المناخي ؛ التلوّث ، و غزو أنواع ليست وليدة أصليّة للبيئة المعيّنة . و ما هي بعض العوامل المفاتيح لهذه المسارات ؟ لقد تمّ تلخيص هذا في مقال بموقع جريدة " الثورة " revcom.us ؛ و عنوانه " الرأسمالية – الإمبرياليّة تخنق الحياة على الكوكب " (8) .
+) التجارة العالميّة .
و يشير تقرير الأمم المتّحدة إلى أنّ التجارة العالميّة قد تضاعفت عشرة أضعاف في الخمسين سنة الماضية . و مردّ هذا هو العولمة الإمبرياليّة المدفوعة بالربح و إنشاء إقتصاد مندمج عالميّا ، بتصنيع / معامل هشّة العمل فيها رخيص الثمن مثله مثل المواد الأوّليّة .و السلع المنتجة في البلدان المضطهَدَة لجنوب الكوكب تُنقل عبر العالم في سفن شحن ضخمة تستهلك كمّيات هائلة من الوقود النفطيّ بما يساهم في التلوّث و ارتفاع حرارة الكوكب . و أنظمة سلاسل / نقل التزويد تتطلّب بنية تحتيّة متزايدة كالطرقات و خطوط أنابيب النفط ، و هذا يفجّر الأنظمة البيئيّة ( و تبعاته كمنع قدرة الحيوانات على السفر مع تغيّر الفصول ).و ترفع التجارة العالمية كذلك من نسق إنتشار الأنواع الغازية ( ليست وليدة المنطقة ) . و قد إرتفع عدد هذه الأنواع الغازية ب 70 بالمائة منذ 1980 فحسب ، مفكّكة و عادة متسبّبة في ضرر كبير للأنظمة البيئيّة .
و عامل من العوامل الجالبة للمرض المنتشر في جزء منه بسبب التجارة العالميّة مسؤول عن إضمحلال على الأقلّ 200 نوع من الضفادع عبر العالم .
+) تحطيم الأراضي الرطبة من أجل التجارة .
تأوى هذه الأراضي الرطبة حيوانات عالية التمركز. و العديد من هذه الأراضي الرطبة تمّ تجفيفها لتوفير مجال للصناعات الزراعيّ’ المستخدمة للأسمدة و المبيدات السامة التي تتسبّب في تسمّم الرض و المياه . و قد كانت الأراضي الرطبة مهدّدة بالتطوّر المديني الذى لا يتوقّف و بالتطوّر الصناعي – المديني الذى يُفرز تلوّثا و ديوكسيد كربون يسرّع في تغيّر المناخ.
+) تغيّر المناخ الناجم عن الوقود الإستحاثي .
و يشدّد التقرير على أنّ تغيّر المناخ " يفاقم بصفة متزايدة من تأثير عوامل أخرى ...و على أنّ عدّة أنواع غير قادرة على التأقلم محلّيا مع النسق السريع لتغيّر المناخ ، سواء عبر السيرورات التطوّريّة أو السلوكيّة ، و أنّ بقاءها على قيد الحياة سيرتهن كذلك بمدى قدرتها على الإنتشار و على إتّباع الظروف المناخيّة المناسبة و الحفاظ على قدرتها على التطوّر ".
-------------------------------
VI- كوكب مترابط و مندمج بفعل العولمة الرأسمالية – الإمبرياليّة كوكب تشتدّ فيه و تتسارع الكارثة البيئيّة ...كوكب على نار .
+) لماذا ؟ لأنّ الرأسمالية – الإمبرياليّة ، في سعيها بلا رحمة و الفوضوي لتحقيق الأرباح و الميزة التنافسيّة ، لم تدمّر البيئة فحسب بل هي مدفوعة لمواصلة القيام بذلك ، باعثة المزيد و المزيد من ديوكسيد الكربون في الجوّ في حركة لا تتوقّف لكتل متنافسة من رأس المال من أجل الربح و المزيد من الربح. هذا نظام فيه الوقود الإستحاثي " فعّال من حيث التكلفة ".
+) و لإرتفاع حرارة الكوكب تداعيات رجع صدى متتالية : ما ينجرّ عن المناخ من تلف المحاصيل و نقص في المياه و أمراض و أوبئة نتيجة ارتفاع حرارة الكوكب – إمكانيّة هجرة حشرات إلى المناطق الإستوائيّة المتّسعة ؛ ؛ الفيروسات المتحوّلة ؛ ارتفاع مستويات البحر بصفة تهدّد تهديدا شديدا فضاءات مكتضّة بالبشر في المدن الساحليّة ؛ و هواء لا يمكن تنفّسه ؛ تحميض و ارتفاع حرارة المحيطات التي تستنفذ مصايد السمك و تساهم في أحداث و كوارث الطقس بأكثر تواتر و حدّة ؛ إمكانيّة خسارة مليون من الأنواع ؛ الهجرة جرّاء المناخ و نزاعات بسبب ندرة الموارد .
+) ترابط عالمي دون تعاون عالمي .
و نقتبس مجدّدا فقرة من كتاب " الأرض التي لا يمكن السكن بها ..." :
" إن كان علينا أن نخترع تهديدا كبيرا بما فيه الكفاية ،و عالميّا بما فيه الكفاية ، لكي نكون عقلانيّين و ندخل في نظام من التعاون العالمي الحقيقي ، سيكون تغيّر المناخ هو مُرادنا – التهديد في كلّ مكان وهو مهيمن و كلّي " . ( كان هذا قبل كوفيد – 19 ، لكن هذا هو العالم الذى نعيش فيه ! ) و ما نراه هو النقيض التام " التعاون العالمي الحقيقي " . وعدم القدرة هذه على التنسيق و التعاون هي مهمّة الرأسماليّة – الإمبرياليّة ، مهمّة الرأسمال الراسي فى الأسواق القوميّة تحافظ عليه الدول القوميّة الإمبريالية ، نظام عالمي منقسم إلى بلدان مضطهِدة و بلدان مضطهَدَة ، تشقّه تناقضات طبقيّة عدائيّة و إنقسامات إجتماعيّة . نظام الملكيّة الخاصة و التملّك الفردي في نزاع مع الإنتاج العالمي الاجتماعي و المترابط .
+) لا يجب أن يكون الوضع على ما هو عليه الآن.
وحدها ثورة تطيح بهذا النظام و تركّز سلطة دولة إشتراكيّة جديدة و إقتصادا جديا قصد إنشاء مجتمع إشتراكي كمرحلة إنتقاليّة نحو الشيوعيّة العالميّة – ثورة تسترشد بالشيوعيّة الجديدة التي طوّرها بوب أفاكيان – قادرة على توفير فرصة حقيقيّة لإنقاذ الكوكب . فقط بالقيام بهذه الثورة نجعل من أنفسنا مقدّمو رعاية للكوكب لخدمة للأجيال الراهنة و المستقبليّة ، و لإيجاد مجتمع عالمي حقيقي للإنسانيّة .
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
هوامش المقال :
1. New York Review of Books, March 12, 2020.

2. James Hansen, Climate Change in a Nutshell: The Gathering Storm, 18 December 2018, p. 15 “World’s richest 10% produce half of carbon emissions while poorest 3.5 billion account for just a tenth,” Oxfam, December 2, 2015.
3. Data from U.T. Srinivasan, et al., “The debt of nations and the distribution of ecological impacts from human activities,” Proceedings of the National Academy of the Sciences of the United States, February 5, 2008.
4. “Time to redress the globally unjust cost of climate change,” International Institute for Environment and Development, September 2019.
5. Brad Plumer, “You’ve Heard of Outsourced Jobs, but Outsourced Pollution? It’s Real, and Tough to Tally Up,” New York Times, September 4, 2018.
6. “Global warming has increased global economic inequality,” Noah S. Diffenbaugh and Marshall Burke, Proceedings of the National Academy of Sciences of the Unites States, May 14, 2019.
7. The climate crisis, migration, and refugees, Brookings Institution, July 25, 2019 Groundswell: Preparing for Internal Climate Migration, World Bank, August 2018 “Central American Farmers Head to the U.S., Fleeing Climate Change,” New York Times, April 13, 2019 “Climate Change Threatens the World’s Food Supply, United Nations Warns,” New York Times, August 8, 2019.
8. “Capitalism-imperialism is Strangling Life on the Planet,” revcom.us, May 13, 2019.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------



http://www.ahewar.org/lc
مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار