150 عامًا على ميلاد لينين (1): مسيرة حافلة من النضال الثوري على درب الاشتراكية

خليل اندراوس
aljabha.org@gmail.com

2020 / 5 / 16


هناك أفراد – وهم قلة في تاريخ الإنسانية – مع أنهم أنفسهم نتاج تحول كارثي ناضج، يلونون بأنفسهم عهدًا كاملًا.

ومن هؤلاء العمالقة في الروح والإرادة فلاديمير إيليتش لينين... ومهما يكن عمالقة التاريخ هؤلاء أقوياء، ففيما يرمزون إليه، وفي المبدأ المجمع الذي يجسدونه يتحلل ويختفي كل شيء فردي ضيق.



لا ينطبق عليهم المعيار الاعتيادي للسجايا والمعايب، والأهواء المميزة لأناس ذلك العهد. وليست المسألة تكمن في طبائع وصفات لينين الشخصية، بل فيما يرمز إليه... فقد جمع في نفسه، وكأنما في بؤرة، كل ما في الثورة من إرادة، وجبروت، وتحطيم لا رحمةَ فيه، وخلق عنيد.

وكل من يعتز بما تحمل الثورة العمالية معها في العاطفة التنظيفية، لا يمكن إلا أن يكون عزيزًا عليه، وقريبًا إليه، رمزها وتجسيدها – فلاديمير إيليتش لينين. (هذا ما كتبته كولونتاي أ.م 1872- 1952 ديبلوماسية سوفيتية – شاركة مشاركة فعالة في ثورة أكتوبر وعرفت لينين عن قرب).

ولد فلاديمير إيليتش اوليانوف المعروف بـ لينين في 22 أبريل عام 1870 في مدينة سيمبرسك تعرف اليوم باسم اوليانوفسك، الواقعة على ضفة النهر الروسي الكبير- الفولغا. وتوفي في 21 يناير عام 1924. كان قائدا ثوريا ماركسيا وقائدا للحزب البلشفي والثورة البلشفية – قائد ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، وفيلسوفا أسس المذهب اللينيني السياسي وطور الفلسفة الماركسية ومارسها على أرض الواقع من خلال نضاله وعمله الثوري الذي تكلل بنجاح ثورة أكتوبر.



تحدر والده إيليا نيقولا ييفيتش أوليانوف من صلب أب فقير ينتمي الى البرجوازية الصغيرة بمدينة أستراخان. وذاق مرارة العوز منذ نعومة أظافره. ولولا ما أظهر من دأب وما حبى من مواهب لما استطاع من إنجاز التحصيل العالي. وبعد تخرجه من جامعة قازان، اشتغل مدرسًا في الثانويات، ثم مفتشًا، وبعد ذلك مديرًا للمدارس الابتدائية بمديرية سيمبيرسيك. كان رجلًا واسع الثقافة تقدميًا في زمنه وكرس حياته كلها لقضية تعليم الشعب.

أما والدة لينين، ماريا الكسندروفنا فقد ولدت لأب طبيب. تعلمت في البيت، وأتقنت بضع لغات أجنبية واطلعت على الإنتاج الأدبي وكانت شغوفة بالموسيقى. نشأت صلبة الإرادة قوية الشكيمة، وكانت تتصف بالحصافة والهدوء والبشاشة، وقد كرست حياتها كلها للعائلة، للأطفال.

ماريا وإيليا والدا لينين أنجبا ستة أطفال: أنّا، الكسندر، فلاديمير، أولغا، ديمتري، ماريا. وقد بذل الوالدان قصارهما لتعليمهم وتثقيفهم أوسع ثقافة، ولتربيتهم على حب العمل، على الاستقامة والتواضع والانتباه لحاجات الشعب. وليس من باب الصدف أن أصبح جميع أطفال عائلة أوليانوف ثوريين.



عاش لينين ضمن عائلة كبيرة متماسكة. وكان شابًا نشيطًا مرحًا مفعمًا بالحيوية ومولعًا بالألعاب الصاخبة التي تتطلب الحركة، كان يحب السباحة والقيام بنزهات بعيدة مع الرفاق، كما كان يحب التزلج. تعلم القراءة قبل بلوغ الخامسة من عمره. ودخل الصف الأول من ثانوية العلوم الكلاسيكية بسيمبرسيك (أوليانوفسك حاليًا ) في التاسعة من عمره. وكان مجدًا في الدراسة وتميز بمواهبه الكبيرة.

كان فولوديا (لينين) ينتقل من صف إلى صف حائزًا مكافآت من الدرجة الأولى. كان يقدم العون إلى رفاقه عن طيب خاطر ويشرح لهم الدروس الصعبة. قرأ فلاديمير (لينين ) الكثير من الكتب، وتعمق بدراسته مؤلفات كبار الكتاب الروس: الكسندر بوشكين، وميخائيل ليرمنتوف، وإيفان تورغينيف، ونيقولاي نكراسوف، وميخائيل سالنيكوف، شيدرين وليون تولستوي. ولمؤلفات الديمقراطيين الثوريين فيساريون بيلينسكي، والكسندر غيرتسين، ونيقولاي تشيرنيشيفسكي، ونيقولاي دوبروليوبوف وديمتري بيساريف. بما في ذلك مؤلفاتهم التي كانت تعتبر ممنوعة في ذلك الحين، مكان هام بين الكتب التي قرأها. تكونت سجايا فلاديمير ( لينين ) ونظراته بتأثير التربية العائلية، وبتأثير ما قرأ من الأدب الروسي التقدمي، وكذلك كنتيجة لتأملاته في الحياة المحيطة. فطغيان الحكومة القيصرية وتعسف كبار ملاكي الأراضي والرأسماليين وبؤس العمال والفلاحين وحرمانهم من الحقوق، كل ذلك قد أفعم قلب الشاب فلاديمير (لينين) بالحقد على الظالمين وبالتضامن وبالأساس للمظلومين.

تبدت ميولهالثورية مذ كان تلميذًا في الصفوف العليا من المدرسة الثانوية وذات يوم قال له مدير المدرسة محذرًا وهو يعيد إليه وظيفة الإنشاء: "وما هي هذه الطبقات المظلومة التي تكتب عنها هنا، وما هو مكانها هنا؟"

كان يحب أخاه الأكبر الكسندر أكبر الحب، وقد تأثر به جدًا. وكان الكسندر يتعلم في جامعة بطرسبورغ، وكل الدلائل تنبئ بأنه سيصبح عالمًا من فحول العلماء. غير أنه قد إختار النضال الثوري ضد الحكم القيصري المطلق وفي سبيل حياة أفضل للشعب هدفًا رئيسيا لحياته. وكان من حيث نظراته في الطريق من الشعبية ("إرادة الشعب" جمعية شعبية سرية تنظمت في روسيا سنة 1879 بغية النضال الثوري ضد الحكم القيصري المطلق) الى الماركسية. ولأول مرة علم فولوديا (لينين) بوجود الأدب الماركسي من أخيه الأكبر.



تكريس حياته للنضال الثوري

كان فلاديمير لينين في سن اليفاع حين رزئ بخطب جلل. ففي سنة 1886 مات والده فجأة. وما كادت العائلة تسترد روعها من هول الخطب حتى نزل بها خطب أخر.

ففي أذار سنة 1887 اعتقل الكسندر في مدينة بطرسبورغ لاشتراكه في تحضير اغتيال القيصر الكسندر الثالث. وفي أيار من نفس السنة أعدم في قلعة شليسلبورغ.



لينين الذي كان عمره 17 عاما ريع فولوديا أوليانوف (لينين) لإعدام أخيه، غير ان الخطب رسخ عزمه على تكريس حياته للنضال الثوري. وقد انحنى إجلالا لما أظهر أخوه من البطولة وإنكار الذات ورفض، مع ذلك، الطريق التي اختارها. فالشاب أوليانوف () كان يعتبر النضال ضد الحكم المطلق بوسيلة قتل بعض ممثلي السلطة القيصرية وحتى القيصر نفسه نضالا مغلوطًا لا يمكنه ان يبلغ الهدف. وقد قال: "لا، لن نسلك هذا الطريق، ينبغي أن تسير في طريق أخرى". وأخذ لينين يبحث عن طريق أخرى لتحرير الكادحين.

وإذا كان الشاب يعد نفسه للنشاط الثوري، أعار العلوم الاجتماعية انتباها خاصا واتجه الى دراستها بعمق. وتخرج من المدرسة حائزا الميدالية الذهبية، وانتسب في آب سنة 1887 الى كلية الحقوق في جامعة قازان. اتصل في الجامعة بالطلاب الطليعين ذوي الميول الثورية. وفي أوائل كانون الأول سنة 1887 طُرد من الجامعة واعتقل لاشتراكه النشيط في اجتماع الطلاب. وفيما بعد روى لينين حديثه مع آمر مخفر الشرطة الذي رافقه الى السجن. فقد قال له الشرطي بلهجة الواعظ: "ما بالكم تتمردون أيها الشاب. أمامكم جدار" فأجاب لينين "جدار، لكنه عفن، فما أن ترعد، حتى ينهار". وهكذا سلك فلادميمير إيليتش لينين طريق النضال الثوري ضد الحكم القيصري المطلق شابا في السابعة عشر من العمر.

أبعد لينين الى قرية كوكوشكينو في مديرية قازان. ومنذ ذلك الحين أصبح تحت مراقبة البوليس. وانصرف الى القراءة مدة وجوده في القرية الصغيرة البعيدة كوكوشكينو، مكملا دراسته بنفسه. وبعد مضي سنة سُمح له بالعودة الى قازان. وقد سعى لدخول الجامعة من جديد وطلب إذنا للسفر الى الخارج لمواصلة التحصيل العلمي. غير ان السلطات القيصرية لم تلب طلبه إذ كان في قائمة "المشكوك في ولائهم". وهذا ما تفعله أنظمة الاستبداد الرأسمالي العالمي وأنظمة الاستبداد الرجعي العربي وأيضًا هنا داخل اسرائيل عندما تضع أسماء وقوائم لأشخاص "مشكوك في ولائهم وتعاونهم". وفي ذلك العهد كانت توجد في قازان جمله من الحلقات الماركسية السرية كان قد نظمها فيدوسييف، وهو واحد من الماركسيين الثوريين الروس الأوائل. وقد تعرف لينين بأعضاء هذه الحلقات وانتسب الى احداها.



إنصرف الشاب فلاديمير أوليانوف بكليته الى دراسة الماركسية، وقد كتب فيما بعد شارحًا جوهر تعاليم الماركسية بقوله: "إن مأثرة ماركس وانجلس العظمى ذات الطابع التاريخي العالمي تتلخص في كونهما قد بينا للبروليتاريين في جميع البلدان دورهم ومهمتهم ورسالتهم: أن ينهضوا الأول للنضال الثوري ضد رأس المال، وأن يوحدوا حولهم في هذا النضال جميع الكادحين والمستثمرين".

وللقيام بهذه المهمة التاريخية ينبغي أن يكون للطبقة العاملة حزبها الثوري الذي يسترشد بالنظرية العلمية ويبين للطبقة العاملة على الوجه الصحيح الهدف والمهام ويرأس نضالها في سبيل إحداث القفزة الاجتماعية، الثورة الاجتماعية في سبيل الاشتراكية. في تلك الفترة انصرف الثوريون الروس كذلك الى دراسة الماركسية ومنهم بليخانوف أول دعاة الماركسية البارزين في روسيا. ولما كان بليخانوف ورفاقه مضطرين الى الالتجاء الى الخارج اتقاء لملاحقات القيصرية، فقد أسسوا في جنيف (سويسرا) سنة 1883 أول جماعة ماركسية روسية باسم "تحرير العمل". وقد قام أعضاء الجماعة بترجمة كتب ماركس وانجلز الى اللغة الروسية وبإرسالها الى روسيا سرًا. وظهرت في سنوات العقد التاسع بواكير الحلقات والجماعات الماركسية في روسيا.

رأى لينين الشاب في الماركسية بالذات السلاح الفكري الذي يمكن للبروليتاريا الروسية، متى ملكته، أن تبلغ تحررها وانتصار النظام الاشتراكي. وقد أصبح لينين ماركسيا مؤمنا.

في عام 1889 تزوجت الشقيقة الكبرى للينين، آنا أحد مهندسي السكك الحديدية هو مارك بليزاروف وانتقلت أسرة آل أوليانوف كلها مع الابنة وزوجها للعيش في سمارا (مدينة على نهر الفولغا)، وواصل لينين هنا في سمارا دراسته الجادة لمؤلفات ماركس وانجلز. في عام 1892 نظم لينين أول حلقة ماركسية في سمارا. كان للسنوات التي قضاها لينين في سمارا أهمية كبرى من وجهة نظر نشاطه المقبل، ففي هذه المدينة قد تكون ايمانه الماركسي الشيوعي وتبلور وهكذا غدا لينين مواصلا لقضية ماركس العظمى.

عاش لينين في سمارا اربع سنوات ونصف السنة وقضى هذه السنوات في العمل الدائب والدراسة. واستمر لينين يدرس مؤلفات ماركس وانجلز بجد. وبما ان هذه المؤلفات، بمعظمها، لم تكن مترجمة الى اللغة الروسية، انصرف لينين الى دراسة اللغات الأجنبية ولا سيما اللغة الألمانية. وقرأ مؤلفات ماركس وانجلز بالألمانية. وفي تلك السنوات نقل لينين الى اللغة الروسية مؤلفا من أهم مؤلفات الماركسية، له طابع البرنامج وتعني "بيان الحزب الشيوعي" الذي وضعه كارل ماركس وفريدريك انجلز، وقد قرأت مخطوطة الترجمة في حلقات الشباب الثوريين. وقام لينين في سمارا ايضا بنشر التعاليم الماركسية. ولكنه طمح الى السفر الى بطرسبورغ وكانت عاصة روسيا في ذلك الوقت، وبلغ عدد سكانها المليون نسمة أغلبهم من البروليتاريا الصناعية.



إبان خريف عام 1893 انتقل الى بطرسبورغ. وخلال سنوات وجوده في بطرسبورغ عمل بمثابرة من أجل انشاء الحزب الثوري "اتحاد النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة"، وكان عمره 23 عاما، وكان الماركسيون في بطرسبورغ وموسكو يرون بلينين انسانا بارزًا، وكان لقبه الحركي السري ايضا دليلا على الاحترام الذي كانوا يكنونه له، فقد كان يلقب "بالشيخ".

وكتب رفيق نضاله القديم الثائر المعروف جليب كريجيجانوفسكي في مذكراته: "دفع فلاديمير ايليتش ثمن جبهته العريضة الصلعاء وسعة اطلاعه الكبيرة ان اطلقوا عليه لقب "الشيخ"، الأمر الذي كان يتعارض بحدة مع خفة حركته كشاب وطاقة الشباب التي تدب في أوصاله. ولكن هذه المدارك العميقة التي كان يجيدها هذا الشاب بطلاقة وقدرته غير العادية على أن يكون وسط العمال الذين كان لا يعاملهم كمعلم متعجرف شامخ، بل قبل كل شيء كصديق ورفيق، قد ثبت هذا كله اللقب الذي أطلقناه عليه". في تلك الفترة وخاصة خلال ضيف عام 1894 جمع لينين كل مذكراته وملخصاته بخصوص النقد الحاد لحركة نارودنايا فوليا ("ارادة الشعب") والتي كان قد بدأ كتابتها في سمارا وأصدرها في كتاب هو: "ما معنى "أصدقاء الشعب" وكيف يحاربون ضد الاشتراكيين الديمقراطيين" (أصبح في ذلك الوقت الماركسيون الروس يسمون أنفسهم بالاشتراكيين الديمقراطيين، كما هو الحال بالنسبة للماركسيين في البلدان الأوروبية الأخرى. وبهذا يبرزون أنهم يعتبرون أنفسهم مفرزة من مفارز الحركة الاشتراكية الدولية). وأثبت في هذا الكتاب ان أكثر القوى ثورية في المجتمع الروسي هي الطبقة العاملة. وأنها هي وحدها القادرة على انهاض جميع الكادحين الآخرين في النضال من أجل مناوأة الملكية والاستغلاليين من كبار ملاك العقارات والبرجوازية التي كانت تكتسب قوتها.



تحالف الطبقة العاملة وطبقة الفلاحين

في هذا الكتاب بالذات أفصح لينين عن فكرة عظيمة هي أن تحالف الطبقة العاملة وطبقة الفلاحين هو القادر وحده على تحقيق النجاح في هذا الكفاح. ولكي تدرك الطبقة العاملة دورها التاريخي، ولكي تستطيع ان تقود وراءها كافة المقهورين والواقع عليهم الاستغلال من أجل اقتحام العالم القديم، كان عليها من أجل تحقيق ذلك أن تستوعب أفكار الاشتراكية العلمية والقيام على هذا الأساس الفكري بانشاء منظمات راسخة متينة تستطيع تحويل التمردات والاضرابات المتفرقة ومحاولات الاحتجاج على اصحاب الأعمال وطبقة رأس المال الى معارك طبقية مدروسة مثابرة وواعية. والذي يجب ان يقود هذا النضال والكفاح الثوري الطبقي هو حزب العمال الاشتراكي الثوري الموحد. ولذلك عمل لينين على مدى العقد التالي من اجل انشاء حزب يُوحد كل الحلقات الماركسية المنفردة في روسيا.

وإبان شتاء عامي 1894 – 1895 تعرف لينين على ناديجدا قسطنطينوفنا كروبسكايا، التي كانت تعمل معلمة في مدرسة الأحد المسائية العمالية وكان كثيرين من تلامذتها أعضاء في الحلقات التي يقودها لينين. وكانت القضية المشتركة أساسًا للصداقة العميقة التي ربطت لينين وتاديجدا قسطنطينوفنا بوشائجها.



وفي ربيع عام 1895 سافر لينين الى الخارج بناء على تكليف من الماركسيين في بطرسبورغ، وذلك بقصد اقامة الروابط مع جماعة "تحرير العمل" – بليخانوف واكسيلرود – واتفق معهما على التعاون في اصدار مقالات باسم "رابوتنيك" (الشغيل). وبعد ذلك سافر الى باريس وبرلين. وفي هاتين المدينتين حضر لينين اجتماعات العمال الفرنسيين والألمان ودرس حياة البروليتاريا في أوروبا الغربية. وفي باريس تعرف برجل من رجالات حركة العمال الفرنسية والأممية البارزين – بول لافارغ صهر ماركس.

وكان شديد الرغبة في التعرف بزعيم البروليتاريا الأممية ومعلمها العظيم فريدريك انجلس، ولكن الأخير كان آنئذ طريح الفراش يعاني من مرض شديد الوطأة.

في خريف 1895 وحد لينين حلقات عمال بطرسبورغ الماركسية في منظمة سياسية واحدة أطلق عليها إسم "اتحاد النضال في سبيل تحرير الطبقة العاملة".

وكانت هذه المنظمة النطفة التي تكون منها الحزب الماركسي الثوري في روسيا. وكانت تستند الى حركة العمال وتقود نضال البروليتاريا الطبقي. وأخذ "اتحاد النضال" يحقق لأول مرة في روسيا، الجمع بين أفكار الاشتراكية العلمية وبين حركة العمال.

أنزلت الحكومة القيصرية بـ "اتحاد النضال" ضربة قاسية. ففي أوائل كانون الأول سنة 1895 جرى اعتقال قسم كبير من أعضاءه وكان لينين في مقدمة المعتقلين. زج لينين في سجن بطرسبورغ، وقضى أكثر من 14 شهرا في زنزانة منفردة، ولكنه استمر في نضاله الثوري حتى وهو سجين. فقد وجد لينين السبيل والوسائل لقيادة "اتحاد النضال".

اتصل بالرفاق غير المعتقلين وكتب الرسائل والمناشير والكراسات وأرسلها الى خارج السجن. وفي السجن كتب لينين أول مشروع برنامج للحزب الماركسي مرفقًا بشرح.

كتب لينين الوثائق السرية بالحليب بين أسطر الكتب والمجلات، وكان يصنع من الخبز "محابر" صغيرة كان يأكلها بسرعة حين ظهور الحارس. وقد كتب لينين يقول مازحًا في احدى رسائله: أكلت اليوم ست محابر". وبدأ لينين وهو في السجن كتابة مؤلفه الكبير "تطور الرأسمالية في روسيا".

ولجمع المادة اللازمة درس لينين مئات من الكتب والمجلات. وكان يضمن رسائله الى اهله قوائم الكتب التي يحتاجها في عمله. وكانت أخته آنا، تحمل له هذه الكتب الى السجن.

وقد وضع لنفسه نظامًا صارمًا. فقد كان يملأ كل نهار بالعمل ويزاول التمارين الجمبازية قبل النوم بانتظام.

وقال لينين فيما بعد متذكرًا تلك الأيام: "كان يحدث ان لا يبقى في الجسم عضو لم يندعك، فيشيع في الجسم الدفء، حتى حين يشتد القر اشتدادًا تتجمد معه كل زاوية في الزنزانة يصبح النوم أهنأ جدًا".

وفي 13 شباط سنة 1897 اصدرت المحكمة حكمها على لينين بالنفي الى سيبيريا الشرقية لمدة ثلاث سنوات. وهكذا عاقبت السلطات القيصرية لينين على نشاطه الثوري. وبذلك بدأت مرحلة جديدة من حياة لينين ونشاطه.

في أيار سنة 1897 وصل الى قرية شوشينسكويه، من قضاء مينوسينسك بمديرية اليينيسي، وهي القرية التي عينت له مكانًا يقضي فيه مدة النفي.

وفي ذلك العهد كانت شوشينسكوية قرية سيبيرية تبعد أكثر من 600 كم عن سكة الحديد، ونحو 4 آلاف كم عن العاصمة. وكان البريد من بطرسبورغ الى هذا المكان يستغرق 13-14 يومًا.

كابد لينين الكثير من الحياة في هذا المكان البعيد عن العاصمة في المنفى السيبيري منفصلا عن العمل الثوري المباشر. ولكن لم يضعف معنوياته، ولم يفقده نشاطه ومرحه، لقد عمل بجد ودأب ودرس بانتباه ظروف المعيشة في القرية السيبيرية وحالة الفلاحين وقد أحاط سكان الناحية لينين بالاحترام والاجلال. وذات يوم قصده في طلب المشورة عامل من عمال مناجم الذهب لم يدفع له رب العمل أجرته، وقد ساعد لينين العامل على ربح دعوى أقامها ضد الصناعي مالك مناجم الذهب وبعد ذلك أصبح الفلاحون يترددون عليه ويحدثونه عن أشجانهم ويطلبون منه العون.

وقد قال لينين بعد خمس وعشرين سنة متذكرًا ذلك العهد: ".. حينما كنت في سيبيريا بالمنفى حدث لي أن كنت محاميًا. كنت محاميا سريا لأني كنت محكوما بالنفي الاداري الذي يحظر ممارسة المحاماة، ولكن نظرا لعدم وجود محامين قصدني الشعب وحدثني عن بعض الأمور". وكان لينين يقدم النصح للسكان المحليين ويبين لهم طرق اتقاء مظالم الأغنياء والسلطات المحلية.

وبعد مضي سنة وصلت ناديجدا الى قرية شوشينسكوية. إذ كانت قد اعتقلت ايضا في بطرسبورغ لقضية "اتحاد النضال في سبيل تحرير الطبقة العاملة". ونفيت الى مديرية أوفا. ولكن سمح لها ان تقضي مدة النفي في قرية شوشينسكوية بوصفها خطيبة لينين. وفي شوشينسكوية أصبحت زوجة لينين وظلت حتى وفاة لينين صديقته الحميمة ومساعدته الوفية.



http://www.ahewar.org/lc
مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار