التشويه الفاشي و ردّ الشيوعيّة الجديدة

شادي الشماوي
sonson2121@gmail.com

2020 / 5 / 15

جريدة " الثورة " عدد 633 ، 6 فيفري 2020
https://revcom.us/a/633/fascist-distortion-and-response-of-the-new-communism-en.html

في 3 فيفري 2020 ، في مقال " إحتجاجات إقالة الرئيس تنادى ب " ثورة غير عنيفة " لوضع نهاية ل " فاشيّة " الولايات المتّحدة " ، منشور في جريدة " الفدرالي " ( التي يمكن أن لا تكون منخرطة رسميّا في الجمعيّة الفدراليّة لكنّها بوضوح تشاطرهما الكثير من النظرة و الأهداف الرجعيّة اليمينيّة ) ، تهاجم كريستينا سكارك مختلف مجموعات متظاهري " آوت ناو ! " / " الرحيل الآن ! " بالتعبئة الجماهيريّة للمطالبة برحيل نظام ترامب / بانس الفاشيّ ، وهي تستهدف من صفوف المتظاهرين بوجه خاص أولئك الذين هم من أنصار الشيوعيّة التي تقدّم بها بوب أفاكيان .
و في بُعد ثاني ، يبدو واضحا أن سكارك على الأقلّ قد ألقت نظرة و قرأت أجزاء من " دستور الجمهوريّة الإشتراكية الجديدة في أمريكا الشماليّة " ، المؤلّف من قبل بوب بوب أفاكيان ، وهي تسرّب " نقدا " مفترضا لهذا الدستور عبر كامل هجومها على محتجّى " آوت ناو ! " / " الرحيل الآن ! " . بهذا الصدد ، يجب أن نقول تعليقا على جانب الوضع المحزن سياسيّا ، أن يتجشّم أحد مثل سكارك ، بنظرة يمينيّة ، في دعم للذة المكثّفة في نظام ترامب / بانس ، تعب التفاعل نوعا ما مع هذا الدستور بينما كظاهرة عامة أولئك الذين يعتبرون أنفسهم " يسارا " أو " تقدّميّين " أو " يقظين" ، و منهم أكاديميّون و أناس من الأنتلجنسيا عموما ( مثلما هي ) لم يزعجوا أنفسهم حتّى للقيام بذلك و عوضا عن ذلك إمّا تجاهلوا ببساطة و إستبعدوا أو إنخرطوا في تشويه و إفتراء فضّين ضد العمل ذي الأهمّية الحيويّة الذى أنجزه بوب أفاكيان و من ضمنه هذا الدستور . لكن لا ينبغي أن نمنح سكاراك ثقة لا تستحقّها : إنطلاقا من نظرتها و منهجها الرجعيين الخاصّين و غير العلميّين، ما قامت به سكارك لا يعدّ تفاعلا جدّيا و نزيها مع هذا الدستور ( و الشيوعية الجديدة التي يعتبر هذا الدستور تعبيرا مكثّفا عنها ) و لا مع متظاهرى " آوت ناو ! " / " الرحيل الآن ! " و منهم أنصار بوب أفاكيان و آخرون ذوى وجهات نظر متباينة كذلك . بالأحرى ، هجوم سكارك يساوى مزيجا من الجهل الفاضح و التشويه المحض . و منطلقا من موقف الشيوعية الجديدة ، سيركّز هذا الردّ على الإجابة على بعض اهمّ الطرق التى يتمظهر فيها هذا في هجومها على بوب أفاكيان و الشيوعية الجديدة ، و في الوقت نفسه يقدّم كذلك إجابة على بعض أكثر تشويهاها فحشا و تشويها للصورة في علاقة بمحتجّى " آوت ناو ! " / " الرحيل الآن ! ".
دستور الجمهوريّة الإشتراكية الجديدة في شمال أمريكا
كتبت سكارك :
" تحدّث عديد المحتجّين عن دستور شيوعي ألّفه بوب افاكيان ، قائد الحزب الشيوعي الثوري . و سيُشكّل هذا الدستور أمّة جديدة تسمّى الجمهورية الإشتراكية الجديدة في أمريكا الشماليّة . و مشرّعوها سيقع إنتخابهم عبر التصويت الشعبي ، و لا يمكن تمرير القوانين إلاّ بأغلبيّة أصوات في التشريع الوحيد للأمّة . و لاحظوا أنّه لا وجود لفصل بين السلط ، وهو شيء كان الكثير من المحتجّين يشكون من أنّ ترامب يسحقه سحقا . "
لكن ، على عكس ما تؤكّده سكارك ، يرتئى هذا الدستور نهائيّا و يؤسّس فصلا للسلط. في حين أنّ السلطة التشريعيّة تختار السلطة التنفيذيّة ، فإنّ السلطة التنفيذية التي وقع إختيارها منفصلة تماما عن و مستقلّة عن السلطة التشريعيّة ، و للسلطة التشريعية نهائيّا دور " المراقبة " في علاقة بالسلطة التنفيذيّة . و فوق ذلك ، هناك كامل السلطة القضائيّة ، و منها المحكمة العليا ، منفصلة عن و مستقلّة عن السلطتين التشريعية و التنفيذيّة و لها سلطات " مراقبة " السلطتين إيّاهما ، بما في ذلك سلطة الحكم على القوانين و الأعمال التشريعية و التنفيذية بعد دستوريّتها . و كلّ هذا واضح للغاية و مشروح في الفصل الأوّل من " دستور الجمهورية الإشتراكية الجديدة في شمال أمريكا " هذا ، و لا أحد يتفاعل بجدّ و نزاهة مع هذا الدستور بوسعه عقلانيّا الإخفاق في رؤية ذلك.
و تقول سكارك أيضا :
" في جنّة الشيوعيّة الجديدة ، كافة التعليم سيكون مُدارا مركزيّا من طرف الدولة و إجباريّا . و سينكبّ النظام التعليمي على تعليم " الفهم المادي الجدلي بأنّ الواقع برمّته متشكّل من مادة في حركة ... و لا شيء آخر ." يمكن نقاش التبعات الثقافيّة و التاريخيّة للدين ، هذا كلّ ما في الأمر . "
هنا نشاهد مثالا بارزا و فاحشا آخر عن الطرق غير النزيهة التي يتوخّاها الرجعيّون من مثل سكارك الذين لا يستطيعون دحض ما تقدّمه عمليّا الشيوعية الجديد كما يتجسّد مثلا في هذا الدستور المؤلّف من طرف مهندس هذه الشيوعية الجديدة ، بوب افاكيان . و بدلا من ذلك ، ما نحصل عليه هنا من سكارك لا يعدو أن يكون سوى تشويه واعى و مقصود لا غير . بداية ، الطريقة التي تقتطف ( تشوّه بها المقتطف ) سكارك جمل هذا الدستور ستحمل إنسانا لم يألفه على الإعتقاد بأنّه لن يُسمح بتدريس إلاّ " الفهم المادي الجدلي " في النظام التعليمي للجمهوريّة الإشتراكية الجديدة . و إليكم هنا ما ورد فعلا في الدستور الذى نحن بصدده ، في الجزء المفرد للتعليم ( في الباب I ، القسم 2 ) و منه إقتبست سكارك مقتطفها بطريقة جدّ " إنتقائيّة " :
" والفهم المادي الجدلي بأنّ الواقع برمّته متكوّن من مادة فى حركة، من مختلف الأنواع ، ولا شيء آخر، و تطبيق هذا الفهم و هذه المقاربة على جميع مجالات الطبيعة و العلوم الجماعية يجب أن يكون أساس التعليم و " لبه الصلب". و فى نفس الوقت ، كتطبيق ل " المرونة على أساس اللبّ الصلب " يجب أن توجد مقاييس لعرض وجهات نظر أخرى معارضة، بما فى ذلك المدافعين الشرسين عنها ، كجزء من برامج التعليم العام." ( التشديد مضاف )
من العسير إعتقاد - يصعب التصديق بسرعة أبعد من نقطة القطيعة المقبولة – بأنّ سكارك لم تلاحظ الجزء الذى وقع التشديد عليه هنا بما أنّه يأتي مباشرة بعد الجزء الذى إختارت إقتباسه ( جزئيّا ) . بالأحرى ، ما يحدث هنا هو بداهة أنّها بطريقة نموذجيّة لدى أناس لهم وجهة نظرها و منهجها ، تنطلق من أفكار مسبّقة إعتباطيّة مفادها أنّ الشيوعية تعادل كابوسا كليانيّا يقمع أيّ تفكير إبداعي و نقدي و معارض ، وهي تضع جنبا إلى جنب هذا المفهوم من الأفكار المسبّقة و العمل الفعلي ( في هذه الحال ، الدستور ) الذى تزعم تفحّصه و في الواقع ذات قسم هذا الدستور ( المخصّص للتعليم ) الذى منه إقتبست سكارك مقتطفا إقتباسا مشوّها بفضاضة للمضمون ، يشدّد على هذا المبدأ :
" يجب على النظام التعليمي للجمهورية الإشتراكية الجديدة فى شمال أمريكا أن يمكّن الناس من البحث عن الحقيقة مهما كان المكان الذى تؤدّى إليه ، بروح فكر نقدي و فضولية علمية ، و بهذه الطريقة المعرفة المستمرّة للعالم لإمتلاك قدرة أفضل على المساهمة فى تغييره وفق المصالح الجوهرية للإنسانية. " .
و هذا المبدأ الأساسي و هذه المقاربة عينهما ينسحبان على جميع مجالات النشاط العلمي و الفكري . إلى ذلك ، في علاقة بالفنّ و الثقافة و وسائل الإعلام ، و عامة عبر هذا الدستور برمّته ، يتمّ التأكيد ليس على حماية و توفير المجال للتعبير عن وجهات النظر و الآراء المتباينة و منها معارضة سياسات الحكومة و أعمالها ، و " الدعوة إلى الإطاحة بهذه الجمهوريّة و تعويضها بنوع آخر من المجتمع و الحكومة ". ( أنظروا الباب III ، القسم 2 ) . و هذا التوجّه و هذه المقاربة الأساسيّين معبّر عنهما بالذات في بداية هذا الدستور ، في توطئته ، و يتخلّلانه ، بإعتبارهما مسألة مبدأ و منهج أساسيّين ، كما هما مكثّفين في صيغة " اللبّ الصلب ، مع الكثير من المرونة ".
التبعات الحقيقيّة للرأسماليّة و الطبيعة الفعليّة للإشتراكية و الهدف النهائي للشيوعية
و وفق الخطوط ذاتها ، ينعكس مزج سكارك للجهل و التشويه المتعمّد في موقفها بأنّه ، ضمن المتظاهرين المطالبين بضرورة رحيل نظام ترامب / بانس الآن ! أنصار بوب أفاكيان ،
" يشيرون إلى هونغ كونغ كمثال للتمرّد السياسي الذى يرغبون في التشجيع عليه و لكنّهم لا يشيرون إلى أنّ الناس في هونغ كونغ يقاتلون حكومة شيوعيّة، نفس صنف الحكومة المسيطر عليها مركزيّا التي يرغب بطلهم بوب أفاكيان في تكريسها ."
قبل كلّ شيء ، مثلما يفهم أنصار بوب أفاكيان ن و مثلما سيكشف أي تحليل علمي – في حين يواصل الحزب في السلطة في الصين ، زورا و بهتانا ، إستخدام نعت " الشيوعي " ، الحزب و المجتمع الذين يتحكّم فيهما منذ مدّة طويلة قد كفّا عن أن يكونا " شيوعيين " ( أو بصيغة أدقّ ، على الطريق الإشتراكي بإتّجاه هدف الشيوعيّة ) و بدلا من ذلك ، لأكثر من أربعة عقود الآن ، عقب وفاة ماو تسى تونغ ، إتّبعت الصين الطريق الرأسمالي ، مع بعض المؤسّسات و السيرورات الخاصة المختلفة عن مؤسّسات و سيرورات الرأسماليّة في الولايات المتّحدة و بلدان مشابهة ، و الصين راهنا هي نسها بلد رأسمالي – إمبريالي صاعد و متزايد القوّة .
و تتابع سكارك لتقول عن أنصار بوب أفاكيان :
" إنّهم يندّدون بالرأسماليّة لأنّها تضطهد الفقراء غير انّهم لا يأخذون بعين الإعتبار الملايين الذين أنقذتهم الرأسماليّة من الفقر."
بصورة باعثة على السخرية ، و كمظهر ثانوي للأشياء – لكنّه ليس شيئا غير مناسب تماما أو عدم الأهمّية ، نظرا لمقاربة سكارك و تأكيداتها – الواقع هو أنّ جزءا كبيرا من أولئك الذين قد " أُنقذوا من الفقر " في الصين ( أجل ، الرأسماليّة ) التى تدين نظامها سكارك .صحيح أنّه ، كما يدّعى حكّام الصين ، هناك طبقة وسطى بارزة ( و ابعد منها مجموعة أصغر من أصحاب الملايين و المليارات ) قد نمت بتكريس الرأسمالية و بسيرها في ذلك البلد ، لكن هذا جزء من صورة عامة – و حقيقة أوسع – وفقها جماهر الشعب في الصين مستغَلَّة بمرارة في ظلّ هذا النظام الرأسمالي ، و تظلّ مئات الملايين غاقة في الفقر ؛ و قد تحوّلت الرعاية الصحّية في الصين من أكبر الأنظمة عدالة صحّية ( زمن كانت الصين عمليّا على الطريق الإشتراكي ) في العالم إلى أقلّها عدالة ؛ و الأمراض الإجتماعيّة كالبغاء و الإدمان على المخدّرات التي تمّ القضاء عليها على نطاق واسع في المرحلة الإشتراكيّة ، عادت للظهور و غدت ظواهرا إجتماعيّة كبرى – و تطوّر الاقتصاد الصيني غير منفصل عن إستغلال الرأسمال الصيني للفقراء أيضا في أفريقيا و عديد أنحاء العالم الأخرى .
و هناك واقع أنّ الصين لمّا كانت على الطريق الإشتراكي ، في ظلّ قيادة ماو ، مستوى عيش الجماهير الشعبيّة عرف تحسّنا ملموسا كبيرا ( من ذلك أمل الحياة تضاعف من حوالي 32 سنة إلى 63 سنة ، فيما توسّع العدد الجملي للسكّان ، و عديد الأمراض المدمّرة قد وقع القضاء عليها أو وقع تقليص إنعكاساتها بصفة هامة ، و نسبة وفاة في مدينة كشنغاي صارت أدنى منها في جهات من الولايات المتحدة ، و ما إلى ذلك ) ، و جرى هذا عبر تطوير الاقتصاد و المجتمع ككلّ على أساس التحرّك و إجتثاث الإستغلال و الإضطهاد و دعم النضالات الثوريّة في أنحاء أخرى من العالم .
عن كلّ هذا ليس لدى سكارك أي شيء تقوله – إنّها إمّا جاهلة بهذا الواقع أو هي تختار عن وعي تجاهله ، أو مزيج ما من الإثنين .
و منحها ثقتها للرأسمالية على أنّها أنقذت الملايين من الفقر يتقاطع إلى حدّ كبير مع رأي من يزعمون أنّ السود في الولايات المتّحدة يجب أن يكونوا من الشاكرين للرأسماليّ’ لأنّ – عقب قرون من الوحشيّة و الإضطهاد القاتل و الإخضاع الذى لا يوصف في أمريكا – وُضعت نهاية للعبوديّة أخيرا في هذه البلاد ( في حين أنّ الإضطهاد الفظيع للسود قد تواصل في الواقع مذّاك ، بأشكال جديدة و أخرى مستمرّة لوقت طويل و منها تأبيد بعض أشكال من العبوديّة ، لا سيما عبر نظام السجون ، لفترة حتّى بعد الحرب الأهليّة ). أمّا بالنسبة للفقر و نتائجه ، يفيد الواقع بانّه فيما تراجع عدد الفقراء خلال عديد العقود الماضية ، الحقيقة هي ، مثلا ، أن حوالي ستّة ملايين طفل في العالم يموتون سنويّا بسبب الجوع و الأمراض القابلة للوقاية منها . و يجرى هذا في عالم حيث قوى الإنتاج الموجودة ( الأرض و التكنولوجيا ، و الناس بمعارفهم و قدراتهم ) قد أرست أساس منذ مدّة طويلة أساس القضاء – في الواقع على الفقر و الحرمان و الإخضاع جميعهم – في العامل بأسره ، و السبب الجوهري لعدم بلوغ ذلك هو الملكيّة الخاصة لوسائل الإنتاج بيد الرأسماليين المتنافسين ، و إنعكاسات ذلك على جماهير الإنسانيّة ، بما فيها التنامى السريع لتدمير البيئة ، في حين أنّه مع إلغاء الملكيّة الخاصّة لوسائل الإنتاج و إستغلال جماهير الشعب ، و إرساء ملكيّة جماعيّة لوسائل الإنتاج هذه ، في مجتمع إشتراكي على الطريق صوب عالم شيوعي ، من الممكن القضاء على العذاب الرهيب و غير الضروري الذى تكابده جماهير الإنسانيّة و تجاوزه .
و تدّعى سكارك أنّ الذين كانوا يدعون إلى الشيوعيّة الجديدة التي طوّرها بوب أفاكيان ، " يغضّون النظر بسذاجة عن فظائع الشيوعيّة المقترفة في روسيا و الصين و كمبوديا ، و هم مقتنعون بأنّه بوسعهم إنجاز أفضل ".
الواقع هو أنّه بينما الكثير من هذه " الفظائع " من إختراع و تشويهات أناس أمثال سكارك ( و بالمناسبة " ليبراليّون " مدّاحون للرأسماليّة – الإمبرياليّة ) ، و بينما التجربة العامة للمجتمعات الإشتراكيّة على الطريق صوب الشيوعيّة كانت نهائيّا إيجابيّة و ملهمة ، و ثانويّا ، وُجد في هذه التجارب التاريخيّة ، مشاكل و أخطاء حقيقيّة ، بعضها يبعث على الأسى ، و في أعمال بوب أفاكيان ، طوال عقود أربعة ، ثمّة تفحّص نقديّ علمي للتاريخ الفعلي للحركة الشيوعيّة – مكاسبها الكبرى و كذلك ، ثانويّا و إن كانت هامة ، أخطاها الجدّية و تراجعاها الشديدة – بما فيها تجارب الإتّحاد السوفياتي و الصين ( الذين كانا على الطريق الإشتراكي لعدّة عقود ، قبل إعادة تركيز الرأسماليّة في هذه البلدان ، في أواسط الخمسينات في الإتّحاد السوفياتي و أواسط السبعينات في الصين ) و كمبوديا التي لم تكن أبدا على الطريق الإشتراكي بل مثّلت إنحرافا عنه و تشويها للشيوعيّة . و هذه الدراسة العلميّة ، إلى جانب التفاعل الجدّ مع و إستخلاص الدروس من عدّة مجالات هامة أخرى من النشاط الإنساني ، قد قاد تحديدا إلى الخلاصة المتجسّدة في الشيوعية الجديدة ، و أجل ، هذه الشيوعية الجديدة ستسمح للذين يتبنّونها و يطبّقونها كمنهج علمي حيويّ ، بإنجاز حتّى ما أفضل .
أمّا بالنسبة لإستبعاد سكارك المعجب بنفسه للمجتمع الإشتراكي المرتأى في الشيوعية الجديدة ، و المتجسّد في " دستور الجمهورية الإشتراكية الجديدة في شمال أمريكا " ، على أنّها " جنّة الشيوعية الجديدة " ، فإنّه مرّة أخرى يعرض مزيجا من الجهل و التشويه المتعمّد النموذجي لدى الذين لهم ذات وجهة نظرها . الشيوعيّون ، و بوجه خاص أنصار الشيوعيّة الجديدة ، كمنهج و مقاربة علميين صريحين ، لا يفكّرون بمفاهيم " جنّة " – ذلك أنّها مجال و من أوهام الدين و خاصة الأصوليين الدينيين . ففي ذات بداية هذا الدستور ، و على طوله و عرضه ن يتمّ توضيح أنّه بينما يُمثّل قفزة كبرى إلى الأمام صوب تحرير الإنسانيّة ، ليس المجتمع الإشتراكي و لا يمكن أن يكون ضربا من الخيال . بالأحرى ، هو مجتمع إنتقالي - من الرأسماليّة التي جرت الإطاحة بها إلى العالم الشيوعي الذى يهدف إليه - و مثلما يشرح بجلاء هذا الدستور :
" كما أثبتت التجربة التاريخية، سينطوى المجتمع الإشتراكي – لمدّة زمنية غير وجيزة- و يولّد بالفعل عناصر إستغلال و لامساواة و إضطهاد إجتماعيين تكون لا محالة موروثة عن المجتمع القديم ولا يمكن إجتثاثها و القضاء عليها مرّة واحدة، أو بأسرع وقت إثر تركيز الدولة الإشتراكية. و فضلا عن ذلك ، ستكون بالأحرى فترة مديدة خلالها توجد الدولة الإشتراكية الوليدة فى وضع محاصرة ، إلى هذه الدرجة أو تلك ، من قبل الدول الإمبريالية و الرجعية التى ستواصل ممارسة تأثير و قوّة هامين ، و يمكن أن تحتلّ حتى موقعا مهيمنا فى العالم لفترة من الزمن. و ستسفر هذه العوامل ، لفترة زمنية طويلة و بصورة متكرّرة عن قوى صلب المجتمع الإشتراكي ذاته، و كذلك صلب أجزاء من العالم الواقعة تحت هيمنة الإمبريالية و الرجعية ، و التى ستسعى للإطاحة بأية دول إشتراكية لإعادة تركيز الرأسمالية هناك. وقد بيّنت التجربة التاريخية أنّه نتيجة لهذه التناقضات ، ستظهر قوى فى صفوف الحزب الطليعي ذاته ، بما فى ذلك فى صفوف قياداته العليا ، ستصارع من أجل خطوط و سياسات ستؤدّى عمليّا إلى تقويض الإشتراكية و إعادة تركيز الرأسمالية. و كلّ هذا يشدّد على أهمّية مواصلة الثورة داخل المجتمع الإشتراكي ، و على أهمّية القيام بذلك فى إطار شامل من النضال الثوري عبر العالم و بتوجه أممي لإعطاء الأولوية الجوهرية لتقدّم هذا الصراع العالمي بإتجاه تحقيق الشيوعية ،وهو أمر ممكن فقط على النطاق العالمي - و أهمّية هذا النضال داخل الحزب ذاته ، مثلما فى المجتمع بأسره، للحفاظ على الطابع و الدور الثوريين للحزب و تعزيزهما للإستمرار فى تحمّل مسؤوليات العمل كقيادة مواصلة الثورة نحو الهدف النهائي للشيوعية ، و إلحاق الهزيمة بمحاولات تحويل الحزب إلى نقيضه، إلى أداة لإعادة تركيز المجتمع القديم الإستغلالي و الإضطهادي. " ( من مدخل هذا الدستور )
و زيادة على ذلك ، من المظاهر المميّزة للشيوعية الجديدة إعترافها بأنّه مع بلوغ الشيوعيّة ، عبر العالم ، لن يوجد ضرب من الوضع الطوباويّ بل بالأحرى وضع سيكون فيه الإستغلال و الإضطهاد و ما يتناسب معهما من تناقضات إجتماعيّة عدائيّة قد ألغيت ، لكن ستظلّ هناك تناقضات سيحتاج الناس على مواجهتها و تغييرها بإستمرار . سيظلّ الناس يواجهون الضرورة بأشكال مختلفة و سيحتاجون إلى رفع التحدّى الذى ياجههم لتطوير وسائل – و من ذلك عبر الصراع غير العدائي في صفوفهم – من أجل تغيير الضرورة إلى حرّية ... و هذا بدوره سيكون جزءا من ضرورة جديدة ستحتاج بدورها إلى التغيير إلى حرّية ... و هكذا دواليك . و الإختلاف ، مرّة أخرى ، هو أنّ الإستغلال و الإضطهاد و ما يتناسب معها من تناقضات إجتماعيّة – و النظرة الناجمة عن هذا الوضع الاجتماعي – سيكون قد وقع تجاوزه و تخطّيه و لن يشكّل بعدُ حاجزا أمام إنجاز سيرورة تغيير العالم . و على عكس المجتمعات السابقة القائمة على الإستغلال و الإضطهاد ، هناك بُعدٌ جديد تماما للحرّية بالنسبة للإنسانيّة – حتّى ، مجدّدا ، و إن وُجدت حاجة مستمرّة إلى تغيير الضرورة الجديدة إلى حرّية جديدة .
الأصوليّة المسيحيّة – العامود الفقريّ و اللبّ الصلب للقوّة الفاشيّة
على الضد من أحد العناوين الفرعيّة لمقال سكارك ، لا أحد – و بالتأكيد ليس أنصار الشيوعية الجديدة – يؤكّد أو يعتقد أنّ " المسيحيّة هي الفاشيّة " . ما تقوم به سكارك هنا هو خدعة " خفّة يد " نموذجيّة لدى الذين هم بالفعل مسيحيّون فاشيّون : السعي إلى " تقديم أنفسهم كضحايا " و تصوير معارضة محاولاتهم فرض التيوقراطيّة الأصوليّة على المجتمع على أنّها قمع و إضطهاد للمسيحيّين و للمسيحيّة . لا ، ليست المسيحيّة في حدّ ذاتها و إنّما الأصوليّة المسيحيّة – و بصورة خاصة كما جرى التعبير عنها سياسيّا و إيديولوجيّا في الولايات المتّحدة طوال العقود العديدة الماضية ، و كما إجتهد في الواقع بالفعل لبلوغ طغيان تيوقراطي في هذه البلاد – هي الفاشيّة . و قد أنجز بوب أفاكيان تحليلا عمليّا مطوّلا لهذه الظاهرة في عدد من الأعمال ( المتوفّرة من خلال موقع أنترنت http://www.revcom.us
و كذلك معهد بوب أفاكيان
.( http://www.thebobavakianinstitute.org
في صيغة تلخّص الكثير جوهر هذا ، تحدّث بوب أفاكيان عن الفاشيّين في الولايات المتحدة ، و الأصوليون المسيحيّون قوّة أغلبيّة ضمنهم و عامودهم الفقري ، فساق هذه الملاحظة الهامة للغاية :
" هناك خطّ مباشر من الكنفدراليّة إلى الفاشيّين اليوم ، و علاقة مباشرة بين تفوّق البيض لديهم ، و كرههم و إزدرائهم الجليّين للمتحوّلين جنسيّا و كذلك للنساء ، و نبذهم المتعمّد للعلم و المنهج العلمي ، ونعرتهم القوميّة الضارة " أمريكا أوّلا " و الزعيق ب " تفوّق الحضارة الغربيّة " و التصرّف العدواني للسلطة العسكريّة ، بما في ذلك تعبيرهم المتعمّد و تهديداتهم البارزة بإستخدام الأسلحة النوويّة بتحطيم بلدان .
و بهذا الصدد ، يستحقّ الإستشهاد بفقرات مطوّلة نوعا ما لرجل الدين الأفريقي – الأمريكي هوربارت لوك :
" بسبب التدمير الجائح الذى أنزله الحكم الفاشيّ لألمانيا بالعالم ، إتّجه إنتباهنا – و عن صواب – للتركيز على فترة الإثنتي عشرة سنة في السلطة . خلال هذه الفترة ، جامس لوثر أدامس – أحد رجال الدين المبجّلين لجيلي ، الذى درس بشيكاغو و هرفارد – ذهب إلى ألمانيا مثلما كانت حينها العادة في صفوف كافة الذين يحرزون لأوّل مرّة الدكتوراه أين واصل دراسته ما بعد الدكتوراه – و قد شاهد آدامس الصدام بين الكنيسة و الفاشيّة الألمانيّة في البداية . قبل ربع قرن ، مع مشاهدته ظهور اليمين الديني في هذه البلاد كقوّة سياسيّة مكرّسة ل " إعادة الأمّة إلى طريق الإلاه " ، قال آدامس لتلامذته إنّهم سيجدون أنفسهم يقاتلون " المسيحيين الفاشيّين " في هذه الأمّة . و قد حذّر من أنّ يتقدّم الفاشيّون الأمريكان مرتدين رسوما على شكل صليب و قمصان بنّية . و الصنف الأمريكي ، قال ، سيتقدّمون و هم يحملون صليبا و ينشدون الإلتزام بالولاء .
يجب أن لا نخطأ أبدا حول ما هو موضوع رهان في هذه المعركة مع اليمين الديني . ليس صدفة أنّ حركة تستقى قوّتها و تجد دعمها رئيسيّا في ما يسمّى أرض قلب الأمّة و خاصة في الساحات الجنوبيّة . هذا هو الجزء من الولايات المتّحدة الذى لم يكن قط راضيا عن أمريكا ما بعد الحرب العالميّة الثانية . و الفترة القصيرة من الحياة العاديّة عقب الحرب إتُّبعت بعقد من ثورة ضد العنصريّة متأخّرة عن موعد إستحقاقها و، قبلت قرونا من الثقافة و التقاليد ، لا سيما في الجنوب . و الإحباط ، بعد عقدين ، جراء حرب غير شعبيّة في جنوب شرق آسيا هزّت أسس الوطنيّة التقليديّة المتعارف عليها في الحياة الأمريكيّة ، تُبع في العقد التالى بثورة جنسيّة أغضبت بعمق الرؤى المتخندقة في صفوف هذا الجزء من عامة الأمريكيين حول المكانة التابعة للنساء في المجتمع و لا مكانة للمثليّين جنسيّا في الحياة الأمريكيّة . هذه الهزائم السياسيّة و الإجتماعيّة و الثقافيّة قد إنبعثت الآن في معركة مقدّمة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء بشأن نصف القرن الماضي و العودة بأمريكا إلى نقاء ما قبل الحرب . و ليس دون دلالة أن يكون تدريس فكر الخلق في المعاهد ، على سبيل المثال ، جزءا بارزا من أجندا اليمين الديني . كانت تلك معركة خسرها اليمين أواسط عشرينات القرن الماضي لكنّها معركة لم يعترف اليمني أبدا بخسارتها – بالضبط مثلما أنّ بعض العنيدين لم يعترفوا أبدا بخسارة الحرب الأهليّة . و من ثمّة إعادة التركيز التي يبحث عنها اليمين هي إعادة بعث نمط حياة إضمحلّ من الأمّة قبل نصف قرن .
و لئن كان كلّ هذا مجرّد معركة من أجل قلوب و عقول الأمريكيين ، كنّا سننظر إلى النزاع بقدر أقلّ بكثير من الإنشغال ، واثقين أنّ الحكمة و اللياقة الإنسانيّة ستنتصر في آخر المطاف على الجهل و التعصّب . لكنّ هذه المعركة معركة من أجل السلطة – إنّها معركة من أجل المسك بمقاليد الحكم ، و التصرّف في المحاكم و القرارات القضائيّة ، و التحكّم في وسائل الإعلام والتدخّل في كلّ دقائق حياتنا و علاقاتنا الخاصة ، لكي يسود في أمريكا ما يرتئيه اليمين الديني على أنّه إرادة الإلاه. ( " أفكار حول الردّ الديني لمعهد المحيط الهادي على اليمين الديني " ، للدكتور هوربارت لوك ، وهو متوفّر كذلك على موقع http://www.revcom.us ؛ و التشديد مضاف ).
و تستخدم سكارك تكتيك التهكّم تجاه متظاهري " الرحيل الآن ! " معتبرة زعما غريبا أنّ هناك أدلّة على أنّ هذه الفاشيّة ، و خاصة عامودها الفقري و رأس حربتها المسيحي الأصولي ، قد تقدّمت واقعيّا في تكريس فهمها للحكم و القانون و المجتمع ككلّ. و هذا – قد يكون بفعل جهل عملي ، لكن على الأرجح لجهل متعمّد و للتشويه – يخفق ( أو يرفض ) الإعتراف أو الإقرار بهذه المعطيات البارزة ، من ضمن عديد المعطيات الأخرى :
مع صعود نظام ترامب / بانس ، بات المسيحيّون الفاشيّون بأنّه بات لديهم ذراع تنفيذي موالى جدّا و مناصر لأهدافهم. و بانس نفسه مسيحي اصولي متزمّت و مسيحيّون فاشيّون عدوانيّون مشابهون متموقعون عبر مفاصل هذا النظام بما أنّ أولئك الذين يحتلّون المواقع الحاسمة في الحكومة ، مثل سكرتير الدولة مايك بنبيو والوكيل العام وليام بار ، الذى يعلن الحرب على العلمانيّة ، معتبرينها العدوّ الشيطان المسؤول عن كافة الأمراض الاجتماعية بالبلاد .
و مع هذا النظام في السلطة ، تصاعدت الهجمات على حقّ الإجهاض و التحكّم في الولادات بصورة كبيرة ، و يتعرّض حقّ الإجهاض الآن إلى تهديد وهو عمليّا غير متوفّر في عدّة أنحاء من البلاد بينما نجح هذا النظام في تعيين عدد كبير من القضاة اليمينيين ، بعدّة مستويات قضائيّة ،و منها أعلى المستويات جدّا ، و هم يعارضون بوضوح حقّ الإجهاض ( كما هو متجسّد في قضيّة رو مقابل وايد ) ، و قد أكّد بعضهم على قرار قضيّة براون مقابل بورد أف أدكيشن الذى خطّأ عدم قانونية التمييز في التعليم ، ( و بالتالى يجب التراجع عنه ).
أطلق الوكيل العام بار تهديدات منذرة بالشرّ ضد مجموعات السود التي تتجرّأ على الإحتجاج على العنف البوليسي و على جرائم القتل ، بينما تقتل الشرطة ألف شخص سنويّا ، عدد غير متناسب منهم من الناس الملوّنين والكثير منهم غير مسلّحين، و ينفث ترامب بفضاضة سمّ تفوّق البيض و يشجّع على عنف عصابات أنصار تفوّق البيض، و على يد الشرطة وآخرين.
و يقع دوس حقّ اللجوء السياسي و في الوقاع يسحق سحقا من قبل هذا النظام إذ يتمّ ترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين بسرعة ( وهو أمر لا يحتمل ) ، و يُوضع الآلاف في معسكرات تجميع و يُفصل الكثير من الأطفال عن آبائهم بالقوّة .
و يهاجم هذا النظام و أتباعه الفاشيّون بصورة متكرّرة العلم ، خاصة في علاقة بالأزمة البيئيّة و كذلك بالفهم الجوهري بأنّ التطوّر و منه تطوّر النوع البشري ، المركّز جدّا في الوقاع علمي و احد أكثر النظريّات رسوخا في كلّ العلم و دونه لا يمكن للعلم حقّا أن ينجز و يتطوّر .
و في أكثر من مرّة ، هدّد ترامب بإستخدام الأسلحة النوويّة و تحطيم دول .
و كلّ هذا يجرى و يتسارع نسقه إلى جانب عدّ تحرّكات أخرى لإرساء حكم فاشيّ ،و ليس أقلّ تلك التحرّكات سخريّة ترامب الفاحشة من حكم القانون كما ثبت ذلك مثلا في رفضه الإلتزام بإحترام نتائج انتخابات لا يكون فيها الفائز ، و كذلك زعمه أنّ الدستور يعطيه سلطة للقيام بكلّ ما يريد ،و نزاعه المفتوح مع و دوسه لمبادئ الدستور و ضوابطه مثلما إنكشف ذلك خلال دعوة عزل الرئيس ، بما في ذلك إعاقته البارزة لأعمال الكنغرس .
و واقع أنّ هذا النظام لم يُعزّز بعدُ تماما حكمه الفاشي و لم يطبّق تماما برنامجه الفاشي بحذافره ليس مدعاة أبدا للراحة و السلبيّة السياسيّة ( فما بالك لنوع خداع سخيف تعبّر عنه سكارك تجاه الذين يعملون على المطالبة برحيل هذا النظام قبل أن يتوصّل إلى إنجاز التعزيز و التكريس التامين لذلك ) لكن ، بالعكس ، ينبغي أن يكون بمثابة صيحة فزع لكافة الذين – عشرات الملاين – الذين يمقتون بعمق هذا النظام و كل أهدافه ، ليلتحقوا بمتظاهرى " الرحيل الآن ! " و دعوتهم للجماهير الشعبيّة للتحرّك ، و تحوّل الآلاف إلى ملايين من المحتجّين تحقيقا لإحتجاج غير عنيف و مستمرّ غايته ليست " الإنقلاب على نظام حكمنا " كما تدّعى زورا سكارك ، بل ترحيل النظام الفاشي قبل أن يُصبح الأم متأخّرا .
الإنهاء الفعلي للإضطهاد العنصري
و في الختام ، ردّا على تشويه مهمّ و نموذجي آخر لسكارك ، يجدر بنا أن نتفحّص التالى حيث كتبت :
" الحلّ الذى يقترحه بوب أفاكيان للعنصريّة في أمريكا له شقّان . أوّلا ن سيتمّ المنع القانوني لكلّ شكل من أشكال التمييز ( كما لو أنّ ذلك بهذه السهولة ). و ثانيا ، سيتمّ توفير فرصة للأفارقة – الأمريكيين تقرير إن كانوا يرغبون أم لا في تشكيل مناطق حكم ذاتي ، شيء شبيه بمعسكرات حشد للهنود الحمر. و الشيء نفسه ينسحب على ذوى اللغة الإسبانيّة في الجنوب الشرقي . و كبديل قد تفكّر الحكومة الجديدة في أن تعيد للمكسيك الأرض التي إفتكّتها " الولايات المتّحدة الإمبرياليّة " أثناء الحرب المكسيكيّة الأمريكيّة ".
و يشمل هذا ، مع ذلك مرّة أخرى ، مبالغة في التبسيط و التشويه الكبيرين لما هو متجسّد في هذا الدستور في ما يتّصل بتخطّى الإضطهاد العنصري . ففي توطئة هذا الدستور ، و كذلك في الفصول التالية ، حيث يناقش التوجّه الأساسي و السياسة الملموسة في ما يتعلّق بالعديد من أبعاد المجتمع المتنوّعة ،و يُشدّد على تجاوز " الجرائم و الإضطهاد و الظلم الفاحشين التي إقترفتها الطبقة الحاكمة السابقة و حكومات الولايات المتحدة الأمريكية ضد أقلّيات قوميّة متنوّعة " ( الباب II ، القسم 3 ) . و لا يجرى مجرّد التأكيد على أنّ " التمييز ضد الأقلّيات القوميّة ، في كلّ مجال من مجالات المجتمع ، بما في ذلك التمييز في السكن و التعليم و غيرها من المجالات ، ينبغي إدانتها قانونيّا و منعها "، بل يجب إتّخاذ إجراءات و خطوات ملموسة و تطبيقها من قبل الحكم المركزي و في المستويات الأخرى ، لتجاوز تبعات التمييز والفصل العنصريين، و كامل إرث الإضطهاد الذى تعرّض له هؤلاء الناس ".
كلّ هذا القسم من الفصل الثاني الذى يمتدّ على صفحات عشر من الدستور يتحدّث بالملموس عن كيفيّة وجوب تطبيق هذا على يد المؤسّسات الحكوميّة و سيرها و سياستها ؛ كما يتمّ التطرّق لهذا في القسم الرابع من الباب التالي أي الثالث .
و لتناول تشويه كبير آخر في " نقد " سكارك لمناطق الحكم الذاتي الذى يقول هذا الدستور إنّه من الممكن إنشاؤها في علاقة بالأقلّية و القوميّات ( المضطهَدَة سابقا ) ليست قطعا " شبيهة بمعسكرات حشد الهنود الحمر ". فهذه الأخيرة ، القائمة راهنا ضمن الإطار العام الذى تهيمن عليه الطبقة الحاكمة الرأسمالية – الإمبريالية لهذه البلاد ، تركّزت تاريخيّا ليس على أساس إرادة هؤلاء الناس – كما سيكون الحال في الجمهوريّة الإشتراكيّة الجديدة في شمال أمريكا – و إنّما عبر سياسة و أعمال الإبادة الجماعيّة على يد حكومات الولايات المتّحدة و النظام التي تخدمه و الذى فكّك أوصال الشعوب الأصليّة و أجبرها على الإلتحاق بتلك الأراضي و على نمط حياة لم يكن من إختيارها ، و عمل على الحفاظ على الناس هناك في ظروف حرمان و إضطهاد . و في معارضة مباشرة و جوهريّة لهذا ، مثلما يعرض" دستور الجمهوريّة الإشتراكية الجديدة في شمال أمريكا " ، مسألة إرساء جهات أو مناطق حكم ذاتي " ذات عدد سكّان هام مجمّع من أقلّيات قوميّة كانت مضطهَدَة داخل حدود الولايات المتحدة الإمبريالية السابقة " ، يجب أن يتمّ تقريره عبر انتخابات لا تشمل سوى أعضاء القوميّة المعنيّة.
و بجوه خاص في ما يتّصل بالأمريكيين الأصليين ، يُشدّد هذا الدستور ( في الباب II ، القسم 3 ) على أنّه :
" حيث يمكن تركيز جهات حكم ذاتي للأمريكيين الأصليين فى الجوار العام للأوطان التاريخية لمختلف الأمريكيين الأصليين، ستعمل الحكومة المركزية كذلك على ضمان ليس فقط ان تكون هذه للجهات ذات الحكم الذاتي المجالات الترابية الضرورية بل أيضا الموارد التى ستسمح بإزدهار فعلي لهذه الشعوب، ضمن الإطار العام للجمهورية الإشتراكية الجديدة. و ستتولى الحكومة المركزية للجمهورية الإشتراكية الجديدة فى شمال أمريكا تقديم المساندة و الدعم الخاصين لكلّ جهة ذات حكم ذاتي للأمريكيين الأصليين ، على قاعدة المبادئ و الأهداف الواردة فى هذا الدستور. "
و في الباب الثالث ، القسم الرابع ، وقع التشديد على :
" كما بدا بديهيّا من التجربة التاريخية للقوميّات المضطهَدَة فى الولايات المتحدة الإمبريالية ( ومن التجارب حول العالم ) فإنّ تخطّى اللامساواة بين الجهات وثيق الإرتباط بإجتثاث الإضطهاد القومي. لهذا حكومة الجمهورية الإشتراكية الجديدة فى شمال أمريكا ستولى ،على وجه الخصوص ،إهتماما و جهودا و إعتمادات خاصة لتطوير الجهات التى ظلّت جراء حكم الطبقات المستغلة و الديناميكية الرأسمالية ، و عوامل أخرى ، فى ظلّ النظام القديم ، فى وضع أكثر تخلّفا ، و لتجاوز الإختلافات بين الجهات ، و كذلك الإختلافات الكبرى بين المناطق المدينية و الريفية ( بهذا الصدد ، أنظروا الباب الرابع)."
و ختاما في ما يخصّ هذه المسألة الهامة ، نظرا لتواصل تجربة الإضطهاد المريع للسود على طول تاريخ الولايات المتّحدة و نظرا لوضعهم الراهن كأمّة مضطهَدّة داخل الولايات المتّحدة ، يدافع " دستور الجمهوريّة الإشتراكية الجديدة في أمريكا الشماليّة " كذلك عن حقّ السود في الحكم الذاتي ،وصولا و بما في ذلك حقّ الإنفصال عن الجمهوريّة الإشتراكيّة الجديدة و تشكيل بلد منفصل – و يوفّر السيرورة و الوسائل التي عبرها يمكن تنظيم تصويت السود لتحديد هذا .
و جميع هذا تعبير عن المبدأ الأساسي المصرّح به في مدخل هذا الدستور :
" الجمهورية الإشتراكية الجديدة فى شمال أمريكا دولة متعدّدة القوميّات و اللغات ، قائمة على مبدأ المساواة بين مختلف القوميات و الثقافات وأحد أهدافها الجوهرية هو التخطّى التام للإضطهاد و اللامساواة القوميين اللذان مثّلا جزءا أساسيّا من الإمبريالية الأمريكية عبر التاريخ . و فقط على قاعدة هذه المبادئ و الأهداف يمكن تجاوز الإنقسام فى صفوف البشرية إلى بلدان و أمم تجاوزا تاما و يمكن إيجاد مجتمع عالمي لتجمّع حرّ للبشرية . و يتجسّد هذا التوجّه أيضا فى مختلف مؤسسات الدولة و فى تسيير الحكومة فى الجمهورية الإشتراكية الجديدة فى شمال أمريكا . "
النضال ضد الفاشيّة و الأمل الحقيقي للإنسانيّة
يمكن أن نكتب المزيد و المزيد ردّا على هجوم سكارك غير أنّه ممّا تقدّم يتجلّى أنّ هذا ليس نقدا مبدئيّا معتمدا على الوقائع و ليس نقدا عقلانيّا لكلّ من " الرحيل الآن ! " و للشيوعية الجديدة ، لكن مثلما أشرنا إلى ذلك في بداية هذا المقال ، بل هو يمثّل مزيجا نموذجيّا من الجهل الفاضح و التشويه المتعمّد في خدمة نوع الفاشيّة المكثّف في نظام ترامب / بانس و سكارك من مدّاحيه وهو يمثّل تهديدا حقيقيّا جدّا و مباشرا و أجل ، مريعا لوجود الإنسانيّة و مستقبلها ذاتهما . و في تعارض مع هذا، ما يمثّله متظهرو " الرحيل الآن ! " و ما يدعون إليه – و بالمعنى الأكثر جوهريّة ، ما يتجسّد في الشيوعيّة الجديدة – يمثّل أملا حقيقيّا و رفعا لمستوى أمل الإنسانيّة و مستقبلها .
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------



http://www.ahewar.org/lc
مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار