الجذور الحضارية والمجتمعية للتسلطية في سورية القسم الثاني

محمد شيخ أحمد
mhd.s2012@gmail.com

2020 / 5 / 12


6-استيلاء البعث على السلطة:
خلفية المشهد:
ما بين آذار/ مارس 1963 وتشرين الأول/ نوفمبر 1970، من سيطرة البعث السوري على السلطة، طرأت متغيرات جوهرية على الصعيدين العسكري والمدني في سورية، إذ وقعت ثلاثة انقلابات عسكرية، وثلاثة محاولات انقلابية، عكست حالة المشهد السياسي الدموي واتساع دائرته المجتمعية، واستخدمت فيه مختلف أصناف أسلحة الجيش، بهدف أوحد وهو الهيمنة الكاملة على الفضاء المجتمعي السوري عسكرياً وسياسياً وحزبياً، وهذا بدوره طبع الحياة السياسية في سورية بسمة وحيدة، حيث انتقل النفوذ الواقعي والفعلي إلى الأجهزة الحزبية البعثية العسكرية والمدنية، وذلك على حساب المؤسسات الدستورية، إضافة إلى صعود جيل جديد من العسكريين والسياسيين، وإلى تصاعد وتيرة الصراع ضمن الحزب لاحتكار السلطة القرار ([1]).
  جذور الصراع والانقسام:
عند أي مقاربة لمحاولة تفكيك بنية حزب البعث، بهدف فهم الظاهرة العنفية التي تجلى فيها على امتداد تاريخه، سوف يطغى عليها الوجه العسكري بشكل أساسي، بما يحمله من عقيدة صارمة من الإرث الماضوي بالدرجة الأولى، وطغيان العقلية التآمرية، مع توافر عوامل مؤسسة أخرى لا تقل عنها أهمية كالعامل السياسي الإيديولوجي الذي تبنى مفهوم الانقلاب، واليمين واليسار، والقومي والقطري، والعامل الاجتماعي الذي تصدره الجيل المؤسس التقليدي القديم مع الجديد اليساري المتطرف، ومن ثم العامل الطائفي المستند إلى مفهوم الغبن التاريخي. ويبقى العامل الأهم الكاريزما السياسية للشخصيات العسكرية التي تصدرت المشهد.
 كما أن تلك البنية لم تكن متجانسة في الأصل، إذ ما كونها مجموعات، كل مجموعة تعبر عن منهل إيديولوجي واجتماعي وحتى حضاري مختلف، وهذه المجموعات هي:
1-مجموعة ميشيل عفلق.
2-مجموعة جلال السيد.
3-مجموعة زكي الأرسوزي.
4-مجموعة أكرم الحوراني.([2])
وأتت تجربة الوحدة لتعري إيديولوجية البعث، وكان من نتيجتها حصول العديد من الانشقاقات طالت الفرع القومي والقطري للحزب، وكان أخطرها على مستوى بنية الحزب فصل أكرم الحوراني ومجموعته في عام 1962([3])، على أرضية الخلاف حول الوحدة وجمال عبد الناصر.
   وباستلام البعث السلطة نشأت الخلافات بين القيادتين القومية والتي تمثل الرعيل الأول للحزب، والقطرية وتمثلت بالجيل الثاني للحزب الذي التف حول صلاح جديد، بعد ارتفاع وتيرة الصراع بين اليسار واليمين داخل البعث.
أتى انقلاب "البعث" السوري في آذار 1963 ، بعد شهر من انقلاب "بعث" العراق. وتلاقت الحركتان على خلفية التهرب من استحقاقات معطلة في كلا البلدين. واستولت فيه اللجنة العسكرية للفرع الإقليمي السوري لحزب "البعث" على السلطة، ولكنها بالآن نفسه دفعت إلى واجهة الحدث الضباط العسكريين القدامى المحسوبين على المستقلين والناصريين، إضافة إلى القادة المؤسسين لحزب البعث.
وترافق ذلك مع تسريح آلاف الكوادر العسكرية والأمنية وطلاب الكلية العسكرية ومن مختلف الرتب تحت ذرائع مختلفة([4])، وصدور قرار بتشكيل الحرس القومي في 15آذار، وفي 17نيسان صدور إعلان ميثاق الاتحاد الثلاثي بين سورية ومصر والعراق، والذي على إثره خرجت مظاهرات الناصريين إلى الشوارع في مدينة دمشق، وعلى إثرها أغلقت المدارس، وقمعت المظاهرات بالعنف المسلح، مسجلة كبادرة غير مسبوقة منذ الجلاء في استعمال العنف المسلح لقمع المتظاهرين، راح ضحيتها عشرات القتلى، وإحالة الكثيرين إلى محكمة أمن الدولة، التي شكلت في 24نيسان، وتسريح العديد من الضباط السنّة على خلفية انتماءاتهم السياسية. ليبدأ الصراع المفتوح بعدها بين اللجنة العسكرية والناصريين، والذي حسم إثر المحاولة الانقلابية التي قام بها جاسم علوان (ضابط ناصري)، وراح ضحيتها أكثر من 800 شخص([5]). ولم تتوقف عمليات التطهير عند هذا الحد، بل طالت أبناء العائلات العريقة أو الغنية أو المرتبطة بقوى سياسية غير "البعث"، ومن ثم اتجهت لتصفية الجناح المدني في الحزب.([6]) 
 كان مركز الثقل للقائمين على الانقلاب يتمثل في اللجنة العسكرية التي تشكلت في السر عام 1959، في مصر، واستناداً لأحمد المير فقد ضمت اللجنة محمد عمران والمقدم مزيد هنيدي والمقدم بشير صادق والرائد عبد الغني عياش([7]). بالمقابل يورد باتريك سيل بأن اللجنة نشأت في عام 1960، وتكونت من النقيب حافظ الأسد وأربعة ضباط آخرين وهم المقدم محمد عمران والرائدين صلاح جديد وأحمد المير والنقيب عبد الكريم الجندي([8]).
وبغض النظر عن الخلاف حول تركيب اللجنة العسكرية رغم أهميته، إلا أنها لم تبق على حالها، إذ طرأ عليها تغيرات بتعاقب الأحداث في سورية، إذ بلغ عدد أعضاءها إلى سبعة عشية الانقلاب على الوحدة عام 1961، وخمسة عشية انقلاب آذار مارس 1963، وثلاثة عشر بعيد الانقلاب، ووصل العدد إلى أربعة عشر ما بين تموز/ يوليو 1963 وكانون الأول/ ديسمبر 1964، وفي آب/ أغسطس1965 فرض المكتب العسكري لحزب البعث سلطته عليها، مع تراجع لدور محمد عمران في اللجنة، حتى نكسة حزيران/ يونيو 1967، والتي كان من نتائجها بروز تيارين في السلطة البعثية، العسكري ويقوده حافظ الأسد ببراغماتية سياسية، والمدني الراديكالي ويقوده صلاح جديد، لتنتهي رسمياً بانقلاب حافظ الأسد في تشرين الثاني/ نوفمبر 1970.([9])
  وبغض النظر عن الآراء التي ترى بأن قادة انقلاب الثامن من آذار1963 "أقاموا" حزباً "جديدا"ُ،على أنقاض الحزب الذي حل نفسه كشرط للوحدة مع مصر (عبد الناصر)، لأن إعادة لملمة شتاته بين كتل متعددة، ينسب بعضها لفرد أو لجماعة لم تحسم موقفها بين زعيم وآخر، كجماعة عفلق ومعه شبلي العيسمي وعبد الله عبد الدايم، وجماعة البيطار ومنها منصور الأطرش وخالد الحكيم، والمحتارون بين البعث وعبد الناصر، كجمال الأتاسي وسامي الدروبي وعبد الكريم زهور وسامي الجندي، أو بين البعث والحوراني، كرياض المالكي ووهيب الغانم([10]). فإن دل ذلك فعلى العقلية المافيوية السياسية، المثقلة بإرث حضاري استبدادي عريق. والتي انبثق منها نظاماً كان اللبنة الأولى في النظام التسلطي المستقبلي، متمثلاً في اللجنة العسكرية، والتي حسمت الصراع لصالحها بذلك الانقلاب.
إن إعادة هيكلة أو تأسيس حزب البعث كان يمثل ضرورة حيوية للجنة العسكرية التي قامت به، سواء على صعيد عقلية العقيدة العسكرية التي يمثلونها، وطموحاتهم في الاستئثار بالسلطة من جهة، أو على صعيد الولاءات  العشائرية أو الطائفية أو القبلية ما دون الوطنية، لأن كلا التوجهين يضمنان الولاء للزعيم أو القائد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذه الولاءات ستكون الأساس في مواجهة أي متغيرات سياسية أو زعامات سواء كانت مدنية أو عسكرية من مواقع مختلفة إن كانت مناطقية أو قبلية... مستقبلية مناوئة، وهذا ما نتلمسه في إعادة تشكيل القوات المسلحة فيما بعد، سواء عبر تعيين الضباط القادة أو تشكيلات بعض الوحدات العسكرية مثل كتيبة الدبابات التابعة للواء السبعين، حيث نجد طواقمها من العلويين وقادتها من السنة، ولذلك دلالاته الاستراتيجة البعيدة المدى، من حيث إضفاء انطباع بقبول المشاركة في صنع القرار والقيادة، من جهة، ومن جهة أخرى شل قدرات تلك القيادات بالسيطرة على عناصرها من خلال الولاء الطائفي أو المناطقي([11]).
واستكمالاً لهذا التوجه الجديد صدرت العديد من المراسيم الاشتراعية بتأميم العديد من الشركات المساهمة والمؤسسات الصناعية والزراعية، وتمت مصادرة أملاك الكثير من التجار ونهب المحلات التجارية ولم تسلم الورشات الصغيرة من ذلك، كل ذلك أدى إلى شلل الطبقة الوسطى السورية العمود الفقري للمجتمع السوري، وكان من نتيجة ذلك ضرب النهضة السورية على مختلف المستويات، تمهيداً للطريق أمام فئة طفيلية ستنمو وتتحكم بالبنية الاجتماعية السورية لقرون عديدة، وبالأخص للمدن الكبرى كدمشق وحلب، وتغلغل العنصر الريفي في العديد من المؤسسات والدوائر الرسمية وهو ما أثر على طابع وبنية تلك المدن ومجتمعاتها، وولد سخطاً كامناً لدى أبناء تلك المدن([12]). 
أما بالنسبة لانقلاب 23شباط 1966، كان نتيجة للصراع بين القيادتين القومية والقطرية لحزب "البعث" أو بين ما يسمى الحرس القديم المؤسس والجيل الجديد، وسياق لأحداث تعبر سيرورته عن تطور الصراع على السلطة في سورية، ضمن "البعث" الذي أحكم قبضته على المجتمع و"الدولة"، برؤية شمولية بيروقراطية، اعتمدت الذراع السلطوي الذي يتيح لها استخدم القوة لإعادة تشكيل السياسة والمجتمع بما يتلاءم مع رؤاها الإيديولوجية الشمولية لبيئة عانت من القهر الاستبداد والتغريب لقرون عدة.([13])
في الفترة الواقعة بين 1966 و1970 كان اهتمام "البعث القطري" مركزاً على استئصال القيادات العسكرية الموالية لـ"القيادة القومية" ، بحيث أصبح الصراع على السلطة مقتصراً على أعضاء الطائفة العلوية، بعد أن تم إخراج الشخصيات الدرزية والإسماعيلية من دائرة الصراع بالإبعاد أو التصفية أو التهميش. كما تم في الفترة ذاتها تحييد وتصفية أنصار صلاح جديد([14]).
أتى قرار المؤتمر القومي الاستثنائي العاشر لحزب "البعث"، (أواخر تشرين الأول 1970)، المتضمن إعفاء كلا وزير الدفاع حافظ الأسد ورئيس أركانه مصطفى طلاس من منصبيهما متأخراً حيث قام الجنرال الأسد باستباق الأمور بإجراء تغييرات هامة في الجيش، ونقل خلالها ما تبقى من أنصار صلاح جديد.
وفي 13تشرين الثاني بأمر من الجنرال الأسد احتل العسكر مكاتب القسم المدني للحزب والمنظمات البعثية الأخرى، وتم إلقاء القبض على أبرز أعضاء قيادة الحزب المدنية، ومن ضمنهم صلاح جديد ونور الدين الأتاسي، وفر آخرون إلى لبنان. ليُعلن في 16تشرين الثاني عن قيام "الحركة التصحيحية"، والتي حسم من خلالها ازدواجية السلطة المدنية والعسكرية لصالح الأخيرة، راسمة مساراً للمرحلة القادمة، والتي يُحصد ثمارها اليوم.
  وضماناً لاستمرارية العهد الجديد، واستنادا للخبرات التي اكتسبها في صراعه على السلطة، وبعد تصفيته واستبعاده لمعارضته، كان لا بد له من إعادة تأسيس البيت الداخلي للحزب فتشكلت قيادة قطرية جديدة تلتقي أمينها العام دورياً، إضافة إلى إعادة هيكلة الحزب من الأعلى إلى الأدنى، وتوسيع قواعد الحزب بتنسيب عناصر ترفع راية الولاء مسبقاً. الخطوة الثانية كانت في إعادة هيكلة مؤسسات (الدولة)، وعلى أساس ذلك تم إنشاء مجلس الشعب (المدجن)، تلاه إنشاء الجبهة الوطنية التقدمية (بقيادة حزب البعث )، واستكمالاً لشرعنة الفضاء العام لسورية العهد الجديد، أصدر دستور 1973، يقنون فيها قيادة "البعث" للدولة والمجتمع، والسلطة المطلقة للرئيس.([15])                                                                        
وبالآن نفسه أولى عناية خاصة للأجهزة الأمنية، وإطلاق يدها على كامل مؤسسات (الدولة) والمجتمع. كما أولى هذا النظام اهتماماً بالمؤسسات الأهلية والمجتمع المدني حيث أنشأ النقابات والجمعيات المهنية وحتى الطلابية المؤطرة بقيادة البعثيين، كحركة استباقية أمام أي بادرة مجتمعية حرة. 
أما بما يتعلق بالأحزاب المعارضة التي لم تقدم فروض الطاعة وتنضوي تحت جناح السلطة في (الجبهة) فكان نصيبها حملات تصفيات واعتقالات شرسة:
أ-البعث الديمقراطي (23 شباط): بعد زج صلاح جديد في سجن المزة بدأ الجنرال الأسد بعمليات التطهير لمؤيدي صلاح جديد سواء في الحزب أو في الجيش، وشن حملة اعتقالات واسعة في صفوفه، كما فر الكثيرون خارج سورية.
ب-الاتحاد الاشتراكي العربي (جناح جمال الأتاسي): شارك في احتجاجات 1979، وهو ما أدى لشن حملات واعتقالات ضد التنظيم ، كما اعتقل جمال الأتاسي وحسن عبد العظيم ومعظم كوادره، وأفرج عنهم فيما بعد.
ج-الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي- جناح رياض الترك): واستغل النظام أيضاً وقوف هذا الجناح مع حركات الاحتجاج والتي شاركت فيها العديد من النقابات المهنية إضافة إلى شرائح مختلفة من المجتمع السوري، ضد الممارسات القمعية، وبالأخص سرايا الدفاع، التي كانت رمزاً لمافيا سلطوية، ذات شحن طائفي، ونادت بإلغاء قانون الطوارئ سيء الصيت، ليقوم بحملة من التصفيات والاعتقالات والملاحقات ضده.
وعقب سقوط بغداد 2003، حدث تحول جديد في سياسة الحزب وبرؤية جديدة أطلقها رياض الترك تمثلت في نظرية الصفر الاستعماري، حيث تبلور على إثر ذلك تياران، التيار الليبرالي والتيار الوطني الديمقراطي، عقد الأول مؤتمره التأسيسي في 28نيسان/ أبريل 2005، تحت قيادة رياض الترك وفيه تحول اسم الحزب إلى (حزب الشعب الديمقراطي). والثاني عقد كونفرانس في 20أيار/ مايو2005، أعلن فيه استمرار الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي).
د-الحزب السوري القومي الاجتماعي: من الصعوبة تلمس أي تحرك للحزب أو نشاط نتيجة لتعرضه خلال مراحل مختلفة للتصفيات والملاحقات، إلا بعد دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، وهو ما نجم عنه انشقاقات، انعكست على البنية المادية للحزب في كلا البلدين سورية ولبنان.
هـ ـرابطة العمل الشيوعي (حزب العمل الشيوعي): أعلن عن تأسيس الرابطة عام 1976، في اللقاء الثالث الموسع للحلقات الماركسية –التي انتمت لمشارب متنوعة من ماركسية وشيوعية وقومية وديمقراطية- في مدينة حلب، وامتدت أذرع النظام الأمنية عليها منذ عام1977 إلى حملة عام 1992، والتي أدت إلى شل الحزب حينذاك.
و-الإخوان المسلمين: تميزت تجربة الإخوان عن غيرهم من المعارضات السورية بنقطتين أساسيتين، أولاهما القاعدة الاجتماعية العريضة، والحاضنة بالآن نفسه. وثانيهما العنف في المواجهة بينها وبين النظام منذ أحداث حماه 1964. كما أنها لم تخلو مثل غيرها من التنظيمات السياسية في سورية من الانقسامات، على خلفية العنف واستخدامه بالدرجة الأولى.
شكل دخول الجيش السوري عام 1976، إلى لبنان نقطة تحول مفصلية في الصراع في المنطقة، كان لها انعكاساتها اللاحقة على البنية والدور الذي سيرسم له في الداخل السوري..! وبالأخص تدعيم دائرة الفساد التي كانت قد استشرست بعد حرب 1973، من أموال المساعدات التي أغدقت عليها ونتج عنها شريحة من رجال أعمال "اغتنام الفرص". وبدخول الجيش السوري للبنان تمأسست بشكل ما عمليات التهريب، وبإشراف ضباط كبار في الجيش والأمن، وعلى ذلك فإن أي محاولة لمحاربة الفساد محكوم عليها بالفشل لأنه أصبح جزءاً عضوياً من النظام.([16])
شكل مليونيريي الفساد و"اغتنام الفرص" نواة الشريحة البرجوازية الجديدة، التي سيكون لها دوراً أساسياً في ذلك الانحدار السريع للطبقة الوسطى وكافة الشرائح الاجتماعية التي تشكل العمود الفقري للمجتمع السوري([17]). حيث وصلت معدلات التضخم إلى 60% وتجاوز سعر صرف الدولار عام 1990، 46ليرة سورية، وأصبحت تلك الشريحة تتحكم بأكثر من 80%من مقدرات البلاد، مقابل مزيد من الفقر والتهميش لباقي الشرائح الاجتماعية.([18])
 إن استنقاع المجتمع السوري كان الحصيلة النهائية لسياسات النظام على كافة الأصعدة، هذا الاستنقاع الذي أدى في نهاية المطاف إلى شكل من أشكال العبودية الطوعية لغالبية فئات المجتمع السوري، والتي تجلت في اللامبالاة والعدمية المطلقة.
 
7-من 2000- حتى الانفجار السوري الكبير:
بداية الغيث كانت بعقد جلسة استثنائية لـ(مجلس الشعب) من أجل تعديل المادة 83من الدستور.
وبغض النظر عن الأجواء المضطربة والسديمية التي سادت عملية انتقال السلطة، وبغض النظر عن القراءات (التوقعات) الناتجة عن تحليلات استندت للأجواء الدولية والدبلوماسية التي أحاطت بعملية الانتقال. إلا أن جو الرهبة والترقب في الداخل كان سيد الموقف، وأتى خطاب القسم أمام مجلس الشعب بتاريخ 17تموز/ يوليو 2000، ليبدد الوجوم الذي طغى إلى حد ما على الشارع السوري، بسبب آليات انتقال السلطة. إذ أن الخطاب وعد بإشراع الأبواب والنوافذ للحريات العامة، والنهوض بالاقتصاد، وتحسين مستوى المعيشة،...إلخ.
وسرعان ما ارتفعت الأصوات لتحرير المجتمع والشارع السوري من الوصاية، وإلغاء قانون الطوارئ، وابتدأت المنتديات بالظهور لتؤسس لمجتمع مدني سوري يعبر عن طموح هُشّم منذ عقود، في الإصلاح وبناء مجتمع ديمقراطي فعال. وتمت الدعوة إلى الحق في تأسيس الأحزاب.
بداية وُوجه هذا التوجه الجديد برسائل مبطنة عبر تصريحات إعلامية، إلى جانب الإغراءات المادية، إذ أن ما أرعب النظام في هذه الأصوات، أنها كانت تعبيراً عن الحرية بعفويتها، هادفة لاسترداد المجتمع وعيه بذاته ولذاته، كما أنها كانت حاملة لمبادرات فردية وشبه جماعية ومن مختلف الأوساط والقطاعات الاجتماعية، وهو ما كان ليتوافق مع المسار اللاحق للعهد الجديد، لأسباب بنيوية عصية على التغيير. ولأنه أطلق شعاره "التغيير في إطار الاستمرارية"([19]). إذ أن "العهد الجديد" اعتبر كل ما عصف بسورية في "العهد السابق" منجزات"..! ولا ضير من الاعتراف ببعض الأخطاء والسلوكات المرضية التي من الممكن معالجتها، من بين أهمها الفساد.. ولكن من منظوره ..! لأن فتح ملف الفساد على مصراعيه، يعني المس بمصالح الرموز الأساسية بالدرجة الأولى لأعمدة النظام سواء من عسكريين وأمنيين وعائلات وحزبيين..، إضافة إلى أنه سمة ليست عامة، بل ركيزة أساسية انتهجها النظام منذ العهد السابق كأداة يستخدمها وسيفاً مسلطاً على رقاب المستوى الثاني من المسؤولية وما دون، وإذا ما اضطر فالمستوى الأول، في وجه من يحاول الخروج عن القطيع، أو ككبش فداء عند الحاجة، كما حصل مع محمود الزعبي وسليم ياسين ومفيد عبد الكريم..والقائمة تطول..!([20])    
وما خدم السلطة الجديدة هو المتغيرات الدولية والإقليمية، والناتجة عن أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وما رافق ذلك من دعاية للحرب على الإرهاب، وغزو إفغانستان والعراق والتهديدات لسورية، واغتيال الحريري، والانسحاب من لبنان..إلخ.
وكما برع العهد السابق في اغتنام الفرص، اقتنص العهد الجديد الفرصة وبدأ بحملة تصفية لإجهاض ربيع دمشق، وإعادة ترتيب البيت الداخلي من قيادة الفرقة الرابعة إلى الأجهزة الأمنية إلى الهيمنة الاقتصادية على كبرى الشركات، كل ذلك ترافق مع انفتاح دولي على النظام السوري، وتمتين التحالف الإيراني- السوري، والمهم في هذا السياق هو التحول الجوهري في العلاقات السورية- التركية، من عام 2004، إلى عام 2009، حيث ألغيت تأشيرات الدخول بين البلدين، وفي عام 2010 وقعتا مذكرة تفاهم لإقامة سد على نهر العاصي بالتوازي مع ذلك غزت السلع التركية الأسواق السورية، والتي كانت سبباً مباشراً في إفلاس العديد من المصانع الصغيرة وإغلاقها.([21])
بالموازاة مع ذلك كان الداخل السوري يعاني من الذراع الأمنية بالسجن والاعتقال، الذي طال العديد من الناشطين المدنيين والسياسيين والصحفيين والكتاب والناشطين في مجال حقوق الإنسان.
وأمعن النظام في سياسته الاقتصادية الغاشمة، عبر تسليم رموز الفساد كامل مفاصل الاقتصاد السوري بالتدريج، ولا سيما منذ إعلان الحزب في مؤتمره العاشر عام 2005، بتوليفته بما سمي حين ذاك "اقتصاد السوق الاجتماعي" لتحل نسب تضخم لم يسبق لها مثيل حتى في النطاق الإقليمي، وهذا ما أدى إلى "تضخم" نسبة الفقر، وارتفاع مستوى المعيشة، وتدني القدرة الشرائية للنسبة الأكبر من الشعب السوري إلى ما دون خط الفقر.
كان من نتائج اللبرلة الاقتصادية المدعومة بالقرار السياسي والمحمية بالذراع الأمنية (القراقوشية)، هو تلك الشراكة غير المعلنة ما بين رجال الأعمال الجدد وكبار المتنفذين الحكوميين، الذين جيروا النشاط الاقتصادي، بما يتناسب والتوجه الاستثماري في قطاع الخدمات ذات المردود السريع والقصير، وبالأخص في مجال القطاع العقاري والخدمي والسياحة، وعلى حساب باقي القطاعات كالصحة والصناعة والطاقة. إضافة إلى إبرام عقود احتكار تبرم مع الشركات القابضة التي ولدت من رحم تلك الشراكة، بحيث غدا المجتمع السوري وما يسمى تجاوزاً (الدولة) السورية تحت رحمتهم.([22])
إن الانفجار السوري لم يكن فقط وليد ذلك الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات، والتي ازدادت بنسبة تفوق 500%، نتيجة عاملين الأول وسببه السياسة الليبرالية في الاقتصاد، والآخر أموال الفساد والتهريب وتجارة المخدرات والسلاح..، التي تجد في تلك العقارات ضماناً وتبييضاً بالآن نفسه.
كذلك لم يكن أيضاً وليد الفقر والجوع والتهميش، أو انحدار التعليم وفساد القضاء، أو البطالة وتهميش الريف واكتظاظ المدن، أو نهب الثروات الوطنية من قبل حفنة من اللصوص، أو فقدان الحرية والأمان وامتهان الكرامة، وإنما وليد كل تلك العوامل وغيرها، ولأنه لم يبق لديه ما يخسره، أو يخاف عليه. 
الخاتمة
عندما اعتبر النظام أنه بمأمن من الانتفاضات العربية، لانسجام الشعب معه في السياستين الخارجية الدولية والإقليمية، وكذلك عندما صرّح أحد أعمدة النظام بأن الانتفاضة السورية كانت مفاجأة..!؟ كان ينتزع ورقة التوت الأخيرة عنه، جداره الأخير، وقفصه الزجاجي "المفيم" الوحيد الذي كان يعزل به نفسه عن الشارع، وفرض عليه الشارع أن يسمع وأن يرى، إن تسلطه وجبروته غلفا نظره وأذنه بغلالة تمنعه من السماع والرؤية.
ولكنه بالآن نفسه زرع بذرة التسلط عبر تاريخه في كل مفصل من مفاصل الحياة اليومية، في مجمل مؤسسات (الدولة) والمجتمع، بحيث انعكست وطفت على السطح بفعل المواجهة معه، ولكن..! لم تقف عند هذا الحد بل طالت عناصر المواجهة أنفسهم في تعاملهم مع بعضهم كأفراد وجماعات وأحزاب، وانعكست على أدوات تواصلهم الإعلامية كافة. متجاهلين بأن أي مجتمع يزداد ثراء وغنى بتنوع روافده وخبراته وتجاربه، وكل منها يغتني بالآخر بغض النظر عن مدى اختلاف الرأي والخبرة والتجربة، ولا أحد يحوز الحقيقة المطلقة، ولا المعرفة المطلقة، ولا الأخلاق الكاملة، وبأن المحنة ستصهر الجميع في أتون واحد متنوع، أو تحيله إلى رماد.
 
17تشرين الأول/ 2019
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
1- الجيش والسياسة في سورية 1918- 2000، دراسة نقدية، د. بشير زين العابدين، دار الجابية ، لندن – بريطانيا، الطبعة الأولى 2008.
2- مذكرات أكرم الحوراني الجزء الرابع، مطبعة مدبولي- الطبعة الأولى القاهرة 2000.
3- تاريخ سورية المعاصر، كمال ديب ، دار النهار-بيروت، الطبعة الأولى 2011.
4- فلاحو سورية – أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شانا وسياساتهم، تأليف حنا بطاطو، ترجمة عبد الله فاضل ورائد النقشبندي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الطبعة الأولى بيروت 2014.
5- الأسد – الصراع على الشرق الأوسط، تأليف باتريك سيل ، إصدار شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – بيروت ، لبنان، الطبعة العاشرة 2007.
6- البعث السوري- تاريخ موجز،  حازم صاغية، دار الساقي بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2012.
7-  الصراع على السلطة في سورية، نيقولاوس فان دام، الطبعة الإلكترونية الأولى المعتمدة باللغة العربية- 2006.
8- سورية..لا خبز..لاحرية، تأليف آلن جورج، تعريب د.حصيف عبد الغني. نسخة إلكترونية غير موثقة، 2003.
9- العقد الأخير في تاريخ سورية- جدلية الجمود والإصلاح، محمد جمال باروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الطبعة الأولى 2012.
 


[1] - لتفاصيل أكثر راجع كتاب الجيش والسياسة في سورية 1918- 2000، دراسة نقدية، د. بشير زين العابدين، دار الجابية ، لندن – بريطانيا، الطبعة الأولى 2008.
[2] - لتفاصيل أكثر المرجع السابق.
[3] - في تشرين الأول 1950أسس أكرم الحوراني الحزب العربي الاشتراكي، ومقره الرئيسي في مدينة حماة، كانت قاعدة الحزب الأساسية من الفلاحين، وفي منفاه بلبنان اتفق مع ميشيل عفلق وصلاح البيطار دمج حزب البعث العربي (شكل ميشيل عفلق حركة الإحياء العربي عام 1940، وفي عام 1943 تبنى مؤسسوها اسم حزب البعث العربي) والحزب العرب الاشتراكي معاً. للمزيد حول ذلك راجع كتاب حزب البعث العربي، تأليف جلال السيد ، دار النهار للنشر، بيروت 1973.
[4] - لتفاصيل أكثر حول ذلك راجع : مذكرات أكرم الحوراني الجزء الرابع، مطبعة مدبولي- الطبعة الأولى القاهرة 2000.
[5] -  راجع كتاب تاريخ سورية المعاصر، كمال ديب ، دار النهار-بيروت، الطبعة الأولى 2011.
[6] - للمزيد حول ذلك راجع كتاب تاريخ سورية المعاصر ، تأليف كمال ديب ، دار النهار الطبعة الثانية 2012.
[7] - راجع كتاب فلاحو سورية – أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شانا وسياساتهم، تأليف حنا بطاطو، ترجمة عبد الله فاضل ورائد النقشبندي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الطبعة الأولى بيروت 2014.
[8] - راجع كتاب الأسد – الصراع على الشرق الأوسط، تأليف باتريك سيل ، إصدار شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – بيروت ، لبنان، الطبعة العاشرة 2007.
[9] - التركيبة الدينية للجنة العسكرية: - مرحلة التأسيس 1959: سنة2، علويون2، دروز1. 2- عشية انقلاب1961: - سنة2، علويون3، اسماعيليون2. عشية انقلاب 1963: سنة1، علويون2، اسماعيليون2. بعيد انقلاب 1963: سنة6، علويون3، دروز2، اسماعيليون2.
بين تموز/ يوليو 1963 وكانون الأول/ ديسمبر 1964: سنة2، علويون3، دروز2، اسماعيليون2 . راجع بهذا الخصوص كتاب فلاحو سورية ، ابناء وجهائهم الريفيين الأقل شانا وسياساتهم، حنا بطاطو، ترجمةعبد الله فاضل ورائد النقشيندي،مراجعة ثائر ديب صارد عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الطبعة الأولى 2014.
يورد حنا بطاطو في كتابه فلاحو سورية، ابناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، 
[10] - راجع كتاب البعث السوري- تاريخ موجز،  حازم صاغية، دار الساقي بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2012.
[11] - راجع كتاب الصراع على السلطة في سورية، نيقولاوس فان دام، الطبعة الإلكترونية الأولى المعتمدة باللغة العربية- 2006
[12] - للمزيد حول ذلك راجع كتاب الصراع على السلطة في سورية،. مرجع سابق.
[13] - للمزيد حول ذلك يمكن الرجوع إلى كتاب تاريخ سورية المعاصر ، مرجع سابق. وكتاب الجيش والسياسة في سورية مرجع سابق. كما يمكن الرجوع إلى كتاب فلاحو سورية ، مرجع سابق الفصل الثاني عشر سقوط التيار السائد من حزب البعث في الستينات وأسبابه، ص327.
[14] - للمزيد حول ذلك راجع كتاب البعث السوري، تاريخ موجز، مرجع سابق، وكتاب نيكولاس فتن دام، حيث يمكن الاطلاع  على نسب التمثيل الإقليمي والطائفي في الوزارات السورية، وفي القيادات القطرية لحزب البعث حتى عام 1995.
[15] - للمزيد حول ذلك راجع كتاب آلن جورج، سورية..لا خبز..لاحرية، تعريب د.حصيف عبد الغني. نسخة إلكترونية غير موثقة، 2003.
[16] - للمزيد حول ذلك راجع الصراع على السلطة في سورية، مرجع سابق.
[17] - للمزيد حول ذلك راجع كتاب  الصراع على الشرق الأوسط، باتريك سيل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، بيروت- لبنان، الطبعة العاشرة 2007.
[18] -للمزيد راجع تاريخ سورية المعاصر، مرجع سابق.
[19] - للمزيد راجع كتاب سورية لا خبز لا حرية ، آلن جورج، تعريب د.حصيف عبد الغني، 2003عن نسخة إلكترونية بلا توثيق.
[20] - المرجع السابق، ص12.
[21] - للمزيد راجع البعث السوري، مرجع سابق.
[22] - للمزيد حول ذلك راجع كتاب العقد الأخير في تاريخ سورية- جدلية الجمود والإصلاح، محمد جمال باروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الطبعة الأولى 2012.



http://www.ahewar.org/lc
مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار