هل الماركسية لا زالت حاضرة في عصرنا؟

محمد الحنفي
sihanafi@gmail.com

2020 / 3 / 22

تقديم:

كثر الكلام، مؤخرا، عن الماركسية كفكر، وكممارسة، وكمنهج علمي، له قوانينه، وكثورة على الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وكسعي مستمر إلى تغيير الواقع، مما يجعله في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

وأول من أنتج الماركسية، والفكر الماركسي، ورسخ، في الواقع، منهج التحليل الملموس، للواقع الملموس، هو ماركسن ورفيقه أنجلز، اللذين قضيا حياتهما بحثا، وتدقيقا في الفكر، وفي الممارسة، وفي صياغة المنهج الماركسي، إلى أن بلورا معا، ما صار يعرف بالماركسية، التي أدخلت الرعب على الرأسمالية، وعلى الرأسماليين، وعلى الإقطاع بكل تلاوينه، وعلى البورجوازية، بكل فئاتها، وعلى المستبدين بالحكم في كل أنحاء العالم لا لأن الماركسية كفكر، وكمنهج، في التعامل مع الواقع المادي، والمعنوي، صارت ترعب المستغلين أنى كان لونهم لأنها فكر يرشد الممارسة، أو لأنها منهج للتفكير، والتعامل مع الواقع، بل لأنها تنقل الوعي، من خلال الفكر الماركسي، ومن خلال الممارسة الماركسية، إلى العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، مما اضطر المستغلين إلى توظيف مرضى الاشتغال على التحريف، من أجل تحريف الماركسية أولا، ومن أجل وصف المقتنعين بالماركسية، بأوصاف خبيثة، لبناء سد منيع بينهم، وبين العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، باعتبارهم القاعدة التي يبنى عليها إنتاج فائض القيمة، الذي يقف وراء النمو الرأسمالي، الذي يتضاعف باستمرار. ومع ذلك، نجد أن عروش الاستغلال، تهتز، عندما نذكر الماركسية. الأمر الذي يترتب عنه: بروز توجهات فكرية، ومنهجية، للتصدي للفكر الماركسي، وللمنهج الماركسي، من أجل البرهنة على أن الماركسية، أصبحت متجاوزة، على جميع المستويات: المادية، والمعنوية، والفكرية، والمنهجية، في الوقت الذي نجد فيه: أن الماركسية، والفكر العلمي الماركسي، والمنهج العلمي الماركسي، لم تتح له الفرصة، من أجل العطاء الباني، والفاعل في الواقع، خاصة، وأن المرضى بالتطلعات الطبقية، الذين يحلمون بتبوإ مراكز البورجوازية، والإقطاع، والتحالف البورجوازي / الإقطاعي المتخلف، يعملون كل مباضعهم، لتشويه صورة الماركسية، والفكر الماركسي، ولتكريس القول الباطل: بأن الماركسية أصبحت متجاوزة، وأن النضال من أجل التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، الذي أدى ضريبته العديد من الشهداء، وبالدرجة الأولى: الشهيد عمر بنجلون. والمستفيدون من الريع النضالي، والحقوقي، هم الذين يخوضون في الماء العكر، من أجل إنتاج خطابات محرفة للماركسية، حتى لا تقوم الماركسية بدورها، لصالج العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

إن الفكر الرصين، المتفاعل مع الواقع، والقابل للتطور، انطلاقا من ذلك التفاعل، هو الفكر الماركسي، وأن الممارسة الوحيدة، المتفاعلة مع الواقع، والقابل للتطور، انطلاقا من التفاعل مع الواقع، هي الممارسة الماركسية، وإن المنهج الوحيد المتفاعل مع الواقع، والقابل للتطور انطلاقا من ذلك التفاعل، هو المنهج الماركسي.

فكيف لفكر، لا يمكن اعتباره جامدا، ويتطور باستمرار، انطلاقا من تحولات الواقع، أن يصير متجاوزا؟

وكيف لممارسة، لا يمكن اعتبارها قوالب جاهزة، وتتطور باستمرار، انطلاقا من تحولات الواقع، أن تصير متجاوزة؟

وكيف لمنهج، لا يمكن اعتباره جامدا، ويتطور باستمرار، انطلاقا من التحولات التي يعرفها الواقع، أن يصير متجاوزا؟

إن من يدعي التجاوز، بالنسبة للفكر الماركسي، وللممارسة الماركسية، ولمنهج الماركسي، هم مجرد مرضى، ليس من مصلحتهم أن يسود الفكر الماركسي، وأن يقتدي العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بالممارسة الماركسية، وأن يمتلك العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، المنهج الماركسي، باعتباره الوسيلة الأنجع، للتحليل الملموس، للواقع الملموس، المفضي إلى امتلاك رؤيا علمية دقيقة، من أجل العمل على تغيير الواقع، لصالح الكادحين.

وحين نضع النقط على الحروف، فإننا سنتوقف عند مفهوم:

(هل الماركسية لا زالت صالحة في عصرن؟)

متناولين ما يميز الماركسية، كخطاب، عن غيرها من الخطابات الأخرى، على مستوى المنطلقات، وعلى مستوى البناء المنهجي، وعلى مستوى النتائج، وعلى مستوى تحول النتائج، إلى منطلقات جديدة، ومتناولين أيضا نوع الماركسية، التي نريد: كفلسفة ماركسية، وكعلم ماركسي، وكمنهج علمي ماركسي، ومستعرضين اعتبار الماركسيين أنفسهم فلاسفة، وعلماء، وموظفين للمنهج العلمي الماركسي. ومن خلال مناقشتنا للموضوع، سنقف على ما هو مفيد للواقع: فلسفيا، وعلميا، ومنهجيا، ومعرجين على ما يجعل الواقع يتغير، مبرزين الدور الذي تقوم به الماركسية، وما يقوم به العلم الماركسي، وما يقوم به المنهج العلمي الماركسي، وموضحين: أن الماركسية تتطور باستمرار، بفعل التطور المستمر الذي تعرفه العلوم، والتقنيات الدقيقة.

فالفلسفة الماركسية تتطور، والعلم الماركسي يتطور، والمنهج العلمي الماركسي يتطور.

ولتغيير واقع معين، لا بد أن نسعى إلى بناء نظرية ماركسية للتغيير، الذي يستهدف واقعا معينا، باعتماد الفلسفة الماركسية، والعلم الماركسي، والمنهج العلمي الماركسي، مستخلصين: ما يفيدنا في عملية التغيير، سواء تعلق الأمر بالفلسفة الماركسية، أو بالعلم الماركسي، أو بالمنهج العلمي الماركسي، وموضحين اعتبار الماركسية صالحة لكل زمان، ومكان، على مستوى الفلسفة الماركسية، وعلى مستوى العلم الماركسي، وعلى مستوى المنهج العلمي الماركسي، وواقفين على تغيير الواقع، بفعل الماركسية، على مستوى الفكر، وعلى مستوى الممارسة، وعلى مستوى تحطيم الهياكل القائمة، وبناء البديل، وفق ما يقتضيه التصور الماركسي، المبني على أساس: تفعيل المنهج العلمي الماركسي، في أي نظام تعمل الماركسية على إقامته، وفي أي مجتمع تسعى الماركسية إلى إعادة تشكيله، على أنقاض التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية القائمة، بفعل التأثير الماركسي، الذي يسعى إلى إقامة تشكيلة جديدة، مرحلية، قبل الوصول إلى التشكيلة النهائية، حتى وإن كان، هناك، من يعتبر أن التشكيلة الشيوعية غير واردة أصلا.

فكأن الإنسان قاصر عن التحكم في مصيره.

فالماركسية كفلسفة، مهمتها طرح السؤال حول مجمل القضايا المتفاعلة في الواقع: الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.

وطرح السؤال، يستلزم البحث عن الجواب المناسب، لأي سؤال تطرحه الفلسفة الماركسية، من أجل الوصول، من خلال الإجابات العلمية الدقيقة، على الأسئلة النوعية، التي تطرحها الفلسفة الماركسية، وصولا إلى صياغة العلم الماركسي، الذي يترتب عنه طرح أسئلة نوعية جديدة، وفق ما يقتضيه المنهج العلمي الماركسي، الذي يتسلح به جميع الماركسيين، المقتنعين بالفلسفة الماركسية، وبالعلم الماركسي، وبالمنهج العلمي الماركسي، المعتمد في التحليل الملموس، للواقع الملموس، كما فعل القادة الثوريون، الذين عملوا على تغيير واقعهم الخاص، باعتماد الفلسفة الماركسية، والعلم الماركسي، والمنهج العلمي الماركسي، الصالح لكل زمان، ولكل مكان، وللتعامل مع كل الخصوصيات، مهما كانت، وكيفما كانت.

تميز الماركسية عن غيرها:

إن أهم ما يجعل الماركسية، والفكر الماركسي، منذ ظهورهما، في القرن التاسع عشر، وإلى يومنا هذا، وإلى ما لا نهاية، هو تمييزها عن غيرها، من التيارات الفكرية، والثقافية، والسياسية، فلسفة، وعلما، ومنهجا، وممارسة، وسعيا مستمرا إلى إعداد العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وعيا، وتنظيما، وانخراطا في النضال، من أجل تغيير الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، بما تقتضيه مصلحة العمال وباقي الأجراء وسائر الكادحين، والعمل على بناء الدولة الاشتراكية، التي تضمن التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية.

وهذا التميز، الذي لا زال يحظى بالاهتمام الكبير، لا يمكن تفعيله بالمعنى الصحيح للتفعيل، إلا في إطار ممارسة الصراع الطبقي، الساعي إلى نفي الاستعباد، وممارسة التحرر، ونفي الاستبداد، وممارسة الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ونفي الاستغلال، وتحقيق التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، على جميع أفراد المجتمع، مهما كان لونهم، أو جنسهم، أو عقيدتهم، أو لغتهم، لضمان المساواة فيما بينهم ،على جميع المستويات، حتى يتمتعوا بجميع الحقوق الإنسانية، كما تراها الماركسية، في إطار الدولة الاشتراكية، التي يقيمها العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، والتي تنتفي فيها العبودية، والاستبداد، والاستغلال، وكل أشكال الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.

وتتميز الماركسية عن غيرها، بناء على أن:

1) الماركسية فلسفة. ومهمة الفلسفة، هي طرح السؤال. والسؤال الماركسي، يستهدف الجوهر، ولا يكتفي بالقشور التي تبلى مع الزمن. واستهداف الجوهر، يعني البحث في عمق إشكالية الوجود البشري برمته، وكيف نجعل هذا الوجود، مصدر التحرر الإنساني من العبودية، ووسيلة لاجتثات جذور الاستبداد، ومجالا للتخلص من الاستغلال المادي، والمعنوي للإنسان، في مقابل تحقيق الديمقراطية، والاشتراكية.

ومعلوم، أن سؤال الماركسية، يحمل في مضمونه، عناصر الجواب العلمي، الذي ينمي فينا التمتع بالعلم الماركسي، الذي لا يمكن أن يكون، كذلك، إلا إذا قام على أساس امتلاك المنهج العلمي، الذي يمكن اعتباره وسيلة للتحليل الملموس، للواقع الملموس، لتكون الماركسية، كفيلة بطرحها للسؤال الفلسفي الماركسي، لا تسعى إلا إلى إنتاج العلم الماركسي، الذي لا يتوقف، مما يترتب عنه طرح اسئلة ماركسية لا تتوقف.

2) الماركسية علم، ومهمة العلم، هي تقديم المعرفة العلمية بالواقع، حتى يصير في متناول العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، الذين يحرصون على تغييره لصالحهم: ماديا، ومعنويا، والسعي إلى إنماء تلك المعرفة، وتطورها، حتى تستوعب المنهجية العملية، التي تعمل على تغيير الواقع، في مستوياته الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، من أجل جعله في خدمة الإنسان، أنى كان هذا الإنسان، وكيفما كان؛ لأنه هو المفكر، وهو العامل، وهو الكادح، وهو المترجم للعلم الماركسي، إلى واقع ملموس، يقتضي طرح المزيد من الأسئلة، التي تفرض أجوبة علمية محددة، تساهم بشكل كبير في نماء العلم الماركسي، بدون حدود.

3) الماركسية منهج للعلم . والماركسية لا يمكن أن تكون ماركسية، إلا بمنهجها المادي الجدلي، والمادي التاريخي، المتطورين باستمرار، بقوانينهما: المادية الجدلية، والمادية التاريخية، التي يمكن توظيفها في التحليل الملموس، للواقع الملموس في تطوره، الذي يمكننا من معرفة الواقع المتطور، معرفة علمية دقيقة ومتطورة، في نفس الوقت، تمكننا من امتلاك نظرية عن الواقع المتطور، القائم في الزمان المتحول والمكان المتغير، وفي نفس الوقت، معرفة ما يجب عمله، من أجل تغييره، في أفق التحرر، والديمقراطية، والاشتراكية، وإقامة الدولة الاشتراكيةن التي تضمن التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية على العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين؛ لأن المنهج الماركسي، هو الذي يعطي للماركسية مدلولها، وهو الذي يجعلها متميزة بالدرجة الأولى، عن المنهج الإقطاعي، وعن المنهج البورجوازي / الرأسمالي، وعن المنهج البورجوازي الصغير، وعن منهج اليمين المتطرفن وعن منهج اليسار المتطرف، وعن مناهج مؤدلجي الدين الإسلامي... إلخ.

4) المنطلقات المنهجية في الفلسفة الماركسية، وفي العلم الماركسي، وفي المنهج الماركسي، منطلقات مادية، بدل المنطلقات الغيبية المعتمدة في المنهج الإقطاعي، وفي المنهج الرأسمالي وفي منهج التحالف البورجوازي / الإقطاعي، وفي المنهج البورجوازي الصغير، وفي منهج اليمين التطرف، وفي منهج اليسار المتطرف، وفي مناهج مؤدلجي الدين الإسلامي... إلخ، سواء كانت هذه المنطلقات خرافية، أو ما ورائية ـ مثالية، أو متعددة، أو موحية بالتطرف اليميني، أو اليساري، أو دينية؛ لأنه، في الماركسية، لا يتم الأخذ بالخرافة، أو بالما ورائيات ـ مثاليات، أو بما يوحي بالتطرف، أو بالدين، التي تلعب دورا أساسيا، في تضليل المتلقية، أو المتلقي، حتى لا يشعر لا بالذات، ولا بالواقع، وحتى لا يدرك موقعه من علاقات الإنتاج: الإقطاعية، أو الرأسمالية. وهو ما تعمل الماركسية: كفلسفة، وكعلم ماركسي، وكمنهج ماركسي، على تنفيذه جملةن وتفصيلا؛ لإثبات أن المنطلق المادي، هو الذي يمكننا من معرفة دقائق الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي. وهو الذي يمكن العمال، وباقي الأجراء، وسائر زم|الكادحين، وهو الذي يجعلهم يمتلكون الوعي بالذات، وبالواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، ويدركون أهمية معرفة الموقع من علاقات الإنتاج القائمة، وأهمية دور العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، في العملية الإنتاجية، على مستوى المؤسسة الإنتاجية، وعلى المستوى العام؛ لأنه بدون المنطلق المادي، سيصاب العمال، وباقي الأجراءن وسائر الكادحين، بالتيهان، عندما يعتمدون منطلقات خرافية، أو ما ورائية ـ مثالية، او متعددة، أو موحية بالتطرف، أو حتى دينية؛ لأن هذه المنطلقات اللا مادية، لا يمكن أن تقود إلى معرفة الواقع، أو إلى امتلاك وعي معين بالذات، أو بالواقع، بقدر ما تقود إلى التيهان، الذي يستفيد منه الإقطاعيون، أو الرأسماليون، أو البورجوازية الصغرى، أو اليمين المتطرف، أو اليسار المتطرف، أو مؤدلجي الدين الإسلامي، في إطار التشكيلة الإقطاعية، أو الرأسمالية.

5) الماركسية بفلسفتها الماركسية، وبعلمها الماركسي، وبمنهجيتها الماركسية، تسعى إلى تغيير الواقع تغييرا جذريا، في اتجاه التحرر، والديمقراطية، والاشتراكية، التي تنتفي معها العبودية، والاستبداد، والاستغلال، والعمل على بناء الدولة الاشتراكية، التي تتجاوز مهمتها المتمثلة في تنظيم المجتمع، إلى الإشراف على التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنويةن حتى لا تبقى الثروة محتكرة، من قبل الإقطاعيين، في التشكيلة الإقطاعية، أو من قبل البورجوازيين، ومن يدور في فلكهم، في التشكيلة الرأسمالية؛ لأن التشكيلة الإقطاعية، والتشكيلة الرأسمالية، قائمتان على الاستغلال المادي، والمعنوي، لكل الكادحات، والكادحين، كيفما كانوا، وأينما كانوا.

أما التشكيلة الاشتراكية المتطورة، والمنفتحة على المستقبل، فلا تهتم إلا بالإنسان، المنتج للثروة المادية، والمعنوية، والتي من حقه أن يتمتع بها، مما لا يمكن أن يتم إلا بقيام الدولة بالإشراف على التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، على جميع أفراد المجتمع الاشتراكي، مهما كان لونهم، أو معتقدهم، أو جنسهم، أو لغتهم؛ لأن غاية الاشتراكية، هي تحقيق العدالة.

6) أن الماركسية تستفيد من تطور العلوم، والتقنيات الدقيقة، والفكر، والفلسفة، والآداب، والفنون، لصالح تحقيق رفاه الإنسان، الذي يتوفر له وقت أكثر، من أجل التمتع بملذات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ولا تهتم، أبدا، بتكديس الثروة، التي يجب أن تصير في خدمة الإنسان، وليس العكس، بخلاف الإقطاع المحتضن للخرافة، التي تشتغل عليها العقول، التي تصير منشغلة عن ممارسة الإقطاعيين، لاستغلال عبيد الأرض، وبخلاف البورجوازية، التي لا تعتمد إلا على الفكر الغيبي، الذي لا يتأذى منه إلا العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، الذين يغرقون في المثاليات، ويصيرون حالمين، بتحولهم، بين عشية، وضحاها، إلى بورجوازيين كبار، ليصيروا، بأحلامهم، مجرد متطلعين، لتحقيق التطلعات الطبقية، التي لا يمكن تحقيقها، إلا بممارسة العمالة الطبقية، التي تلحق أضرارا كبيرة، بالعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

وإذا كانت الماركسية، توظف الاستفادة من التطور، الذي تعرفه العلوم، والتقنيات، والآداب، والفلسفة، والفنون، لصالح تحقيق سعادة الإنسان، فإن الإقطاع لا يهمه أن يستفيد من تطور العلوم، والتقنيات بالخصوص، إلا إذا كان ذلك يخدمه، في إرهاب عبيد الأرض، الذين لا يزدادون إلا ارتباطا بالأرض، وخدمتها، حتى تنتج أكثر، لصالح الإقطاع، حتى يضمن الاستمرار في خدمة الأرض، وبإخلاص، وأن البورجوازية التي لا تسعى إلا إلى مضاعفة أرباحها، فإنها تستفيد من التطور، الذي تعرفه العلوم، والآداب، والتقنيات، في تطوير البضائع، التي تنتجها، حتى تدر عليها تلك البضائع، المزيد من الأرباح، التي تجعل الرأسمال البورجوازي ينمو، بحسب متوالية هندسية، ترفع من شأن البورجوازية، التي تستطيع إنجاز ما تريد، من مؤسسات صناعية، وخدمات، بالإضافة إلى مضاعفة استغلال العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، من أجل الاستمرار في مضاعفة الرأسمال، الذي يمتص كل ما في الجيوب.

فالماركسية كفلسفة، تبقى متميزة عن باقي الفلسفات، على مستوى منطلقات التفكير الفلسفي، وعلى مستوى الرؤيا الفلسفية للعالم، وللكون، ولتصور الرؤيا، ولطرح السؤال.

والماركسية كعلم، تبقى متميزة عن باقي العلوم غير الماركسية، على مستوى اعتماد القوانين العلمية، التي تصوغها، على مستوى تفعيل تلك القوانين، في التعامل مع واقع معين، بما في ذلك التاريخ، الذي يتحول إلى علم مادي.

والماركسية كمنهج، تبقى، كذلك، متميزة على مستوى المنطلقات، وعلى مستوى القوانين الموظفة، في تفعيل المنهج الماركسي، في التحليل الملموس، للواقع الملموس.

والماركسية كمنطلق منهجي مادي، تختلف عن المنطلقات المنهجية المثالية، في التعامل مع الواقع المادي، لنصل إلى نتائج مختلفة، علمية، وغير علمية.

والماركسية كفلسفة ماركسية، وكعلم ماركسي، وكمنهج علمي ماركسي، تسعى إلى تغيير الواقع، بخلاف الفلسفات، والعلوم، والمناهج الإقطاعية، والبورجوازية، لا تسعى إلى تغيير الواقع، بقدر ما تسعى إلى إعادة إنتاج نفس الهياكل الإقطاعية، أو البورجوازية، التي تتجدد باستمرار، من أجل إطالة عمرها، حتى لا تتغير، من بين ما يتغير، بتفعيل المنهج الماركسي، في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، الذي يصير، بفعل الماركسية، في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، إما جزئيا، أو كليا.

الماركسية التي نريد:

إن هناك من يعتبر الماركسية، مجرد تجارب، يجب استنساخها، حتى نكون ماركسيين قولا، وعملا، كما هو الشأن بالنسبة للتجربة اللينينية، والتجربة الماوية، وتجربة كورية الشمالية، والتجربة الفيتنامية، والتجربة الكوبية، وغيرها من التجارب، التي وصلت إلى تحقيق الثورة الاشتراكية، بنفس الفلسفة الماركسية، وبنفس العلم الماركسي، بنفس المنهج، مع اختلاف الخصوصيات، وهذه التجارب، التي لا زالت تتوالد حتى الآن، ليست إلا تجارب خصوصية، نجحت فيها الثورة الاشتراكية، المستلهمة من الفكر الماركسي، الذي تحول، بفعل التجارب الماركسية، إلى توجهات ماركسية، تتناحر فيما بينها، في مختلف الميادين، عبر العالم. وكل معتنق لتجربة معينة، يعتبرها هي التي تمثل الماركسية قولا، وفعلا. مع أن أي تجربة، ترتبط بالخصوصية المحددة في الزمان، والمكان، وطبيعة البشر، ودرجة قبوله باعتناق وعي معين. وهو ما يعني: أن التجربة اللينينية، مرتبطة بخصوصية الاتحاد السوفياتي السابق، في زمن معين، وفي مكان معين. والتجربة الماوية، ترتبط بخصوصية المجتمع الصيني، في زمن معين، وفي مكان معين. والتجربة الكورية الشمالية، ترتبط بخصوصية المجتمع الكوري الشمالي، في زمن معين، وفي مكان معين. والتجربة الفيتنامية، ترتبط، كذلك، بخصوصية المجتمع الفيتنامي، في زمن معين، وفي مكان معين. والتجربة الكوبية، ترتبط، أيضا، بخصوصية المجتمع الكوبي، في زمن معين، وفي مكان معين... إلخ.

وهذه التجارب، المذكورة أعلاه، والتي لم نذكرها كلها، انطلقت من الفلسفة الماركسية، ومن العلم الماركسي، ومن المنهج الماركسي، مع مراعاة خصوصية المجتمع، المستهدف بتحقيق الاشتراكية؛ إلا أنها، ومع تعددها، سعت فقط إلى تحقيق الاشتراكية، على حساب التحرير، بمفهومه الشامل، والعميق، وعلى حساب الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية؛ ولكن إهمال تحرير الإنسان، وتحقيق الديمقراطية، لا يعني أبدا أن تحقيق الاشتراكية، لم يكن لصالح العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين؛ بل إن جميع التجارب الاشتراكية، كان لكل منها رأي في التحرير، وفي الديمقراطية، مما يجعلها لا تدعي إهمال التحرير، وإهمال الديمقراطية، بقدر ما تعتبر نفسها تخطط، وتنفذ، ما يفيد الإنسان في المجتمع الاشتراكي، في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. وهو ما رفع شأن البلدان الاشتراكية، وخاصة الاتحاد السوفياتي السابق، الذي كان يرعب الدول الرأسمالية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي لا زالت مرعوبة حتى من روسيا الرأسمالية، التي ترفض أن تصير روسيا، تابعة للنظام الرأسمالي العالمي، برعاية الولايات المتحدة الأمريكية.

وإبداعات الأنظمة الاشتراكية، المختلفة الخصوصيات، رفعت من شأنها في جميع المجالات، وعلى مختلف المستويات، ومنذ انتصار الثورة الاشتراكية، في الاتحاد السوفياتي السابق، وإلى يومنا هذا، ما دامت البلدان، والدول التي تحققت فيها الاشتراكية، انطلاقا من تفعيل قوانين التحليل الملموس، للواقع الملموس، سعيا إلى التغيير المنشود، المفضي إلى البناء الاشتراكي، وإلى إقامة الدولة الاشتراكية، التي تدخل بدورها في التحول المستمر، المفضي إلى تحقيق التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الشيوعية.

وإذا تم الإقرار، باعتماد استنساخ التجارب الاشتراكية، وتطبيقها في واقع مختلف، وفي خصوصية مختلفة، فإن مشكلتنا تكمن، في اعتقادنا، أننا نبني الماركسية، في الوقت الذي نلجأ فيه إلى تخريبها؛ لأن الماركسية، لا تتجسد في استنساخ التجارب الناجحة، والعمل على تطبيقها في واقع مختلف، بخصوصية مختلفة.

ولذلك، فالتجربة اللينينية الناجعة، في الاتحاد السوفياتي السابق، والذي ناسبت خصوصيته، المنهج الذي اتبعه لينين، حتى تحقيق الاشتراكية، وأملا في الانتقال إلى المرحلة الشيوعية، لا يمكن أن تكون ناجعة، في بلد مختلف، بخصوصية مختلفة، كما أثبتت التجارب النضالية ذلك.

والتجربة الماوية، التي تعاملت، من منطلق فلسفي علمي منهجي ماركسي، مع خصوصية الصين، والشعب الصيني، الذي كان، حينذاك، شبه مجتمع زراعي، لا يمكن، أبدا، أن نستنسخ هذه التجربة، وأن نطبق ذلك الاستنساخ، في بلد مختلف، كما هو الشأن بالنسبة للمغرب.

والتجربة الكورية الشمالية، التي تعامل فيها الثوار، انطلاقا من المنهج العلمي، مع خصوصية كورية الشمالية، لا يمكن استنساخها، وتطبيقها، في أي بلد مختلف، بخصوصية مختلفة، لا علاقة له بخصوصية كورية الشمالية.

وبناء عليه، فجميع التجارب تبقى مرتبطة بالخصوصيات، التي نجحت فيها، ولا يمكن أن تنجح في التعامل مع خصوصيات مختلفة، الأمر الذي يترتب عنه: أننا عندما ندرس تجارب اشتراكية معينة، لا ندرسها من أجل استنساخها، والعمل على تطبيقها، في واقع مختلف؛ بل من أجل الاستفادة من إيجابياتها، وتجنب سلبياتها، لأن الإيجابيات، تساعدنا على تفعيل المنهج العلمي، بشكل صحيح، حتى تحقيق الهدف، من تفعيل المنهج العلمي، والعمل على تجنب الأخطاء، المصاحبة لوقوع السلبيات، حتى نتجنب تكرار نفس الأخطاء، في تفعيل القوانين العلمية المعتمدة، في التحليل الملموس، للواقع الملموس. وهو تحليل، يمكن أن يقوم به كل متمكن من توظيف القوانين العلمية، في تحليل الواقع، تحليلا علميا دقيقا، من أجل معرفة القوانين التي تتحكم فيه، والعمل على تعويضها بقوانين مختلفة، تعمل على تغييره، انطلاقا من التصور النظري، لعملية التغيير في شموليتها.

وما رأيناه في الفقرات السابقة، يفضي بنا إلى القول: بأن الماركسية كفلسفة، والماركسية كعلم، والماركسية كمنهج علمي ماركسي، في تفاعلها المستمر، مع ما تعرفه مختلف المدارس الفلسفية من تطور، وما تعرفه مختلف العلوم والتقنيات، والتقنيات الدقيقة، من تطور مستمر، لا يتوقف أبدا، وما تعرفه مختلف المناهج من تطور مستمر، لا يتوقف أبدا. فإنها، هي أيضا، تتطور باستمرار، الأمر الذي يترتب عنه: صلاحيتها كفلسفة ماركسية، وكعلم ماركسي، وكمنهج علمي ماركسي، لكل زمان، ولكل مكان، بينما تبقى التجربة محدودة في الزمان، والمكان، ولا يمكن أن تطبق في أي بلد مختلف، عن أي خصوصية مختلفة.

وهذا الاستنتاج، هو الذي يمهد الطريق، أمام إمكانية اعتبار الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي، هي التي يجب أن تعتمد، كموحد لمختلف المدارس، والتوجهات الماركسية، وتجاوز الخلافات القائمة فيما بينها، والتفرغ لتركيز الجهود المختلفة، في أفق مواجهة الاستعباد، والاستبداد، والاستغلال، وتحقيق التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، والانخراط المباشر في بناء الدولة الاشتراكية، لتحصين المكاسب المتحققة، لصالح العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

إن الماركسية، هي العدو الأول للظلامية، والظلامية هي العدو المركزي للماركسية، لاعتبارات نذكر منها على سبيل المثال، لا على سبيل الحصر:

1) أن الماركسية ذات طبيعة علمانية، لها خصوصيتها، ولا تسعى إلا إلى احترام كافة المعتقدات، التي تتساوى، فيما بينها، في المجتمع، الذي تسود فيه الماركسية، والذي يصبح متحررا، وديمقراطيا، واشتراكيا. وإذا وجدنا غير ذلك في المجتمع الماركسي، فلأن الماركسية صارت محرفة، والمحرفون يفرضون إرادتهم، بفرض عبودية الاشتراكيين، والاستبداد بحكمهم، وعدم تحقيق العدالة فيما بينهم، وبالتالي فإن أي تحريف يلحق الماركسية هو من أجل الاستعباد، والاستبداد، والاستغلال، وليس من أجل التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية.

2) أن هدف الماركسية، الثلاثي الأبعاد: تحرير ـ ديمقراطية ـ اشتراكية، لا يتحقق إلا ب:

ا ـ بناء الأداة الثورية، التي لا تتجاوز أن تكون إلا حزبا ثوريا، يضع برنامجه المرحلي، والإستراتيجي، ويسعى إلى تحقيق كل ذلك. والحزب الثوري لا يكون إلا حزبا للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

ب ـ ارتباط الحزب الثوري بالعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، عن طريق الارتباط بالنقابات المبدئية، والمبادئية، والمناضلة، من أجل تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

ج ـ ارتباط الحزب الثوري، بالجمعيات الحقوقية، والتربوية، والثقافية، والتنموية المبدئية، والمبادئية، من أجل قيام كل جمعية بتحقيق أهدافها الحقوقية، والتربوية، والثقافية والتنموية، وغيرها من الأهداف، التي لها علاقة بالعمل الجمعوي.

د ـ تفعيل الحزب الثوري، لبرنامجه المرحلي، والإستراتيجي، في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة.

ه ـ إشاعة الفكر الاشتراكي العلمي الماركسي، في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، التي يجب أن تصير مقرونة بمواجهة الفكر الظلامي، والغيبي، والمثالي، الذي لا علاقة له بمعتقدات الأديان المختلفة، التي تحترمها الماركسية.

و ـ إنشاء مدارس تكوين الأطر النقابية، والجمعوية، والحزبية، التي يجب أن تقوم بدورها، لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، وأن تسعى إلى تحقيق التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية.

ز ـ الاستفادة من مختلف التجارب الاشتراكية، التي عرفها العالم، من أجل تقوية الذات الحزبية، ومن أجل تجنب الأخطاء التي وقعت فيها كل تجربة على حدة، حتى يتطور الحزب الثوري، ويتطور أداء الحزب الثوري، في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، في أفق تحقيق الأهداف الكبرى.

ح ـ المساهمة في تطور، وتطوير الاشتراكية العلمية، بقوانينها: المادية الجدلية، والمادية التاريخية، بالاستفادة من التطور الذي تعرفه الفلسفة، والآداب، والعلوم، والتقنيات، حتى يصير الدور الذي يقوم به الحزب شاملا، وعميقا.

3) أن سعي الماركسية إلى تحقيق أهدافها، لا يكون إلا شاملا، ولا يتوقف عند حدود محددة مسبقا، بل يبقى مفتوحا على التفاعل مع الشروط الموضوعية القائمة، في الزمان، وفي المكان.

فإذا استطاعت الماركسية، بفلسفتها، وبعلمها، وبمنهجها العلمي الماركسي، كأسلحة فتاكة، أن تفكك بتلك الشروط، فإنها تستطيع أن تفرض البديل الماركسي، المتمثل في:

ا ـ تحرير العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وباقي الفئات الشعبية، من العبودية المفروضة على الشعب، أي شعب يعاني من عبودية الحكام، ومن العبودية الطبقية، التي تجعل المستعبدين يذلون الفئات الشعبية المقهورة، التي لا حول لها، ولا قوة، إلا ما تبيعه من قوة عملها العضلي، أو الذهني، وتحرير العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، يجعلهم ينفلتون من العقال، الذي يكبلهم، ويجعلهم غير قادرين على تحدي المستعبدين، وفارضين إرادتهم عليهم، من أجل أن يتمكنوا من فرض التمتع بحقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، كما تتصورها الماركسية.

ب ـ تحقيق الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى يتمكن المواطنون، والمواطنات، من التمتع بالحق في الديمقراطية، بكل المضامين المذكورة، مما يجعل الاستبداد في ذمة التاريخ، سواء تعلق الأمر بالاستبداد الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الثقافي، أو السياسي؛ لأن الاستبداد، مهما كان، وكيفما كان، لا يمكن أن ينتج إلا المزيد من الحرمان الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.

والديمقراطية بالمضامين المذكورة، هي العدو اللذوذ للاستبداد القائم، في كل مظاهره، والاستبداد، هو العدو اللذوذ للديمقراطية بالمضامين المذكورة.

ج ـ تحقيق العدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، حتى يتمتع جميع الكادحات، والكادحين، بالحق في الثروة المادية، والمعنوية، الشيء الذي يجعل منهن، ومنهم، بشرا، كباقي البشر، الذي يعيش في هذه الحياة، ويتمتع بالممارسة الإنسانية، التي ترفع مكانة البشر، بعد التخلص من الاستغلال المادي، والمعنوي للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

ومعلوم أن الجماهير الشعبية الكادحة، عندما تنتزع حقها في التحرر، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، في أفق الاشتراكية، فإنها لا تنطلق في فعله المنتج، إلا من الوعي بالذات، وبالأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ويدرك كل فرد منها موقعه من علاقات الإنتاج، كما يدرك أهمية ممارسته للصراع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.

والماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي، عندما ترفع وعي العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بالذات، وبالواقع في نفس الوقت، وعندما تجعلهم ينخرطون في الصراع ضد عبودية الحكم، وكل المستغلين من أجل التحرر، من العبودية، كمدخل لتحقيق الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ولتحقيق العدالة الاجتماعية، تكون الماركسية، قد أدت دورها كاملا، لصالح العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

4) أن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي، تتفاعل مع تحولات الواقع، المتطور باستمرار. وذلك التفاعل، يجعلها متطورة باستمرار، وقادرة على استيعاب العناصر المتطورة في الواقع، وساعية إلى بناء الأدوات الفاعلة في الواقع، والمطورة له، والمتفاعلة مع مستجداته، والمتطورة، بناء على تفاعلها مع تلك المستجدات، في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ومدركة لما يجب عمله، من أجل الفعل في الواقع، في أفق تغييره تغييرا جذريا، حتى يصير في خدمة سائر الكادحين، مهما كان جنسهم، أو لونهم، أو معتقدهم، بعد تحريرهم من العبودية، وتحقيق الديمقراطية، بمضامينها المذكورة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، في أفق الاشتراكية، التي تقتضي من الكادحين، الشروع في بناء الدولة الاشتراكية.

وانطلاقا من هذا النقاش المعمق، فإن الماركسية التي نريد، ليست هي ماركسية لينين، أو ماركسية ماوتسي تونك، أو ماركسية كورية الشمالية، أو ماركسية كوبا، أو غيرها؛ لأن هذه الماركسيات، هي مجرد تجارب، تم تحقيقها، انطلاقا من خصوصيات معينة، ومحددة في الزمان، وفي المكان.

والتجربة، أي تجربة، لا يمكن أن تستحضر إلا من أجل الاستفادة منها؛ بل إن الماركسية التي نريد، هي ماركسية الفلسفة، وماركسية العلم، وماركسية المنهج العلمي الماركسي، بقوانينه المادية الجدلية، والمادية التاريخية؛ لأنها هي التي لا تكون صالحة لكل زمان، ولكل مكان، وهي التي لا يمكن أن توظف في التحليل الملموس، للواقع الملموس، الذي هو المنطلق، من أجل العمل على تغيير واقع معين، محدود في الزمان، وفي المكان، من أجل تحقيق الأهداف الماركسية، التي من أجلها وجدت الماركسية في الأصل.

الماركسيون والماركسية:

وبعد أن وقفنا على نوعية الماركسية التي نريد، والتي اعتبرناها موحدة لكل التوجهات الماركسية، على المستوى الوطني، والقومي، والعالمي، والمتمثلة في الماركسية كفلسفة، والماركسية كعلم، والماركسية كمنهج اشتراكي علمي، معتبرين، في نفس الوقت، كل التجارب الماركسية، مجرد تجارب تحققت فيها الأهداف الماركسية، الصالحة في الزمان، والمكان، بسبب اختلاف الخصوصيات.

والمنهج الماركسي وحده، هو الصالح للتعامل مع مختلف الخصوصيات، في أي زمان، وفي أي مكان.

وبعد وقوفنا على الاستنتاج أعلاه، ننتقل إلى مناقشة الماركسيين، وعلاقتهم بالماركسية من خلال الاسترشاد بطرح الأسئلة المحفزة الاتية:

هل الماركسيون هم المقتنعون بالماركسية؟

هل الماركسيون هم المساهمون بإضافتهم الثرية في البناء الماركسي؟

هل الماركسيون هم المشتغلون على الفلسفة الماركسية فقط؟

هل الماركسيون هو الممارسون للعلم الماركسي؟

هل الماركسيون هم الموظفون لقوانين المنهج الماركسي في التحليل الملموس، للواقع الملموس؟

هل الماركسيون هم العاملون على تغيير الواقع، وفق ما تم استنتاجه من نظريات علمية، بعد إنجاز عملية التحليل الملموس، للواقع الملموس؟

هل الماركسيون هم المنخرطون في عملية البناء الاشتراكي، في إطار قيام التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الاشتراكية، القائمة على أنقاض التشكيلة الرأسمالية؟

هل الماركسيون هم المحافظون على ما حققته البشرية من تغيير لصالحها، في أفق تحقيق المزيد من التغيير الأفضل، لجعل الواقع في خدمة الإنسان؟

وإذا كان مفهوم الماركسية، هو السير في هذه الحياة، على أساس الاقتناع بالفلسفة الماركسية المتطورة باستمرار، وعلى أساس تفعيل العلم الماركسي المتطور، وعلى أساس توظيف المنهج الماركسي، الذي لا يعرف حدودا للتطور، فإن الماركسيين هم المقتنعون بالماركسية كفلسفة متطورة، وبالعلم الماركسي كعلم متطور، وبالمنهج الماركسي كمنهج لا يعرف حدودا للتطور؛ لأن كل شيء في هذا الواقع، لا يعرف الثبات، مما يؤدي، بالضرورة، إلى القول: بأن الماركسية، بدورها، لا تعرف الثبات أبدا؛ لأنها متحركة أبدا، وفي تحركها، تفاعلها مع مستجدات الواقع، مما يجعلها تتطور باستمرار، بفعل تطور تلك المستجدات.

وانطلاقا من هذا المعطى، فإن الماركسيين المقتنعين بالماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي، يدفعهم اقتناعهم إلى البحث في تاريخ الماركسية، وتاريخ فلسفتها، وتاريخ علمها الماركسي، وتاريخ منهجها الاشتراكي العلمي، وصولا إلى الوقوف على ما كانته الماركسية، وما مرت منه، وما صارت عليه، وما يمكن أن تصير عليه.

ولماذا هذا العداء المطلق للماركسية، والماركسيين؟

وماذا يمكن أن يؤول إليه الواقع، بفعل الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي؟

وانتهاء بالوقوف على جوانب النقص، في الفلسفة الماركسية، والعمل على تعويض ذلك النقص، بما يقتضيه الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، حتى تزداد الماركسية قوة، وحتى يتضاعف فعلها في الواقع، من أجل أن تنفي الأعداء الطبقيين، من طريقها، في البلد الذي تنتصر فيه الماركسية، بعد إنضاج شروط انتصارها في المكان والزمان.

ويمكن أن نعتبر أن الماركسيين، المشتغلين على الفلسفة الماركسية، والباحثين فيها، والعاملين على تطويرها، بعد جعلها مستوعبة لكل المستجدات الفلسفية، التي تسير على نفس اتجاه الفلسفة الماركسية، ماركسيين: قولا، وفعلا؛ لأنه بدون استيعاب الفلسفة الماركسية لمستجدات التطور الفلسفي، وتطويرها لا تعرف التمكن من الواقع؛ لأن عدم التمكن سيبقى ملازما لها، وستعجز عن طرح الأسئلة المناسبة، التي تقتضي تطور وتطوير الفلسفة الماركسية، كما تقتضي تطور وتطوير الأجوبة على الأسئلة الفلسفية الماركسية، في أفق توسيع العلم الماركسي، وإغنائه، مما يترتب عنه قيام الفلاسفة الماركسيين، بطرح أسئلة فلسفية ماركسية جديدة، تقتضي أجوبة جديدة، تترتب عنها أسئلة جديدة، ليقوم الماركسيون المشتغلون على البحث في الفلسفة الماركسية، وعلى إنضاج شروط تطورها، وتطويرها، بدورهم كاملا، في مجال الفلسفة الماركسية، التي تزداد قيمة وتطورا، وتطويرا، بفعل الأبحاث التي يقوم بها الماركسيون كفلاسفة.

والمشتغلون على العلم الماركسي، يعتبرون كذلك ماركسيين، لتفرغهم لإنماء العلم الماركسي، وتجذيره في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، ولإشاعة العلم الماركسي بين العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وبين جميع أفراد الشعب في نفس الوقت، حتى يصير العلم الماركسي متداولا بين جميع أفراد المجتمع.

ونحن عندما نعتبر المشتغلين على العلم الماركسي، ماركسيين فعلا، فلأن ما يشتغلون عليه، وما يعملون على تطويره، وما يفعلونه في الواقع، بتجلياته المختلفة، يبرهن على أن الماركسية، والماركسيين المقتنعين بها، يحرصون، جميعا، على جعل العلم الماركسي مرتبطا بالقول، وبالعمل في نفس الوقت، باعتبار ذلك الارتباط، هو الزينة، وهو العمل الصحيح، المثبت لما تقوله الماركسية، وتفعله، وما يسعى إليه الماركسيون، الساعون إلى جعل الماركسية فاعلا مغيرا للاختيارات اللا ديمقراطية، واللا شعبية، التي تحل محلها الاختيارات الديمقراطية، الشعبية، العلمانية، والعادلة، بين جميع أفراد المجتمع، من خلال العمل على تحقيق ما ذهب إليه الشهيد عمر بنجلون، في تقديمه للتقرير الأيديولوجي، في المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي، للقوات الشعبية، في يناير 1975، حين اقتنع الحزب، حينذاك، بالاشتراكية العلمية، كإبداع علمي ماركسي.

لقد صاغ الشهيد عمر بنجلون، الأهداف الملرحلية / الإستراتيجية التي تناضل من أجلها الماركسية: تحرير ـ ديمقراطية ـ اشتراكية لتحرير الإنسان من العبودية، والاستبداد، والاستغلال.

وهذه الأهداف المرحلية / الإستراتيجية، هي التي تبرهن على أن الماركسيين قاموا بدورهم، قولا، وعملا من أجل الإنسان العامل / الأجير / الكادح.

اما الماركسيون العاملون على تفعيل المنهج الماركس،ي فإن ماركسيتهم تدفعهم إلى العمل على تفعيل المنهج الماركسي، من خلال توظيف القوانين العلمية، في التحليل الملموس، للواقع الملموس، من أجل امتلاك رؤيا علمية متحولة عن الواقع العلمي، المتحول، يمكن أن تعتمد في عملية التغيير، التي يسعى إليها الماركسيون، لأي واقع محدود في الزمان، وفي المكان؛ لأن المنهج العلمي المتطور، والمتفاعل مع الواقع المتطور، والمختلف في الزمان، وفي المكان، مما يجعل هذا المنهج صالحا لكل زمان، ولكل مكان.

والماركسيون الذين يحترمون روح الماركسية، ويحرصون على تفاعلها مع الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، يسعون إلى الحفاظ على الماركسية، في تطورها، تبعا لتطور العلوم، والتقنيات، والتقنيات الحديثة، والآداب، والفلسفة، حتى تبقى دائما، بعيدة عن أن تكون محرفة، كفلسفة ماركسية، وكعلم ماركسي، وكمنهج علمي ماركسي، وإلى جعلها فاعلة في الواقع الإنساني، الذي لا يعرف التوقف أبدا؛ لأن المجتمع البشري متحرك باستمرار.

ودور الماركسية، والماركسيين، في جعل الحركة قائمة، وفاعلة لصالح الإنسان، العامل / الأجير / الكادح، من خلال مقاومة عوامل الكبح، والجمود، كالظلامية، والمثالية، والفكر الغيبي، والخرافة، وغير ذلك، مما يمارسه الحكم المستبد، والمستعبد للبشر، وما يقوم به الإقطاع المتخلف، والبورجوازية الهمجية، والتابعة، وما يقوم به التحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف، وكل مؤدلجي الدين الإسلامي، مهما كان مذهبهم، أو توجههم، أو تصورهم للدين مختلفا، حتى وإن كانوا يظهرون في الحياة الدنيا، بأنهم يحابون الخمر، أو النساء الأتراب العرب، وكل الرأسماليين، مهما كانت طبيعة رأسماليتهم؛ لأن مهمة الماركسية الأساسية، هي قيادة الصراع الطبقي، في أبعاده الأيديولوجية، والسياسية، والتنظيمية، في أفق التحرير، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، من أجل تجسيد الاشتراكية، على أرض الواقع.

الماركسية هي الأفيد للواقع:

إن جميع التجارب التي عرفتها البشرية، منذ القدم، بما في ذلك تجارب الحكم، التي لا زالت قائمة حتى الآن، من غير التجارب الماركسية الناجحة، والتي لا زالت قائمة حتى يومنا هذا، هي تجارب إقطاعية، أو رأسمالية فاشلة، سواء كانت ملكية، أو جمهورية، أو غير ذلك، مما يمكن القول معه بأن غياب التحرر، والديمقراطية، بمضامينها: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والعدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، في أفق تحقق الاشتراكية، وتجسيد المساواة فيما بين البشر، على جميع المستويات.

وبناء على هذه الخلاصة، فإن الحكم العبودي، مهما كان، والحكم الإقطاعي، مهما كان، والحكم الرأسمالي، مهما كان، وسواء كانت أنظمة هذه الأشكال من الحكم، التي لا يمكن وصفها إلا بالتسلط، ملكية، أو جمهورية، بما في ذلك الدولة الدينية، والحكومة القائمة على استغلال الدين، والدولة التي تتسلط فيها البورجوازية الصغرى على الحكم، غير مفيدة للواقع.

وإذا كانت الأنظمة الماركسية الناجحة، حتى الآن، هي المفيدة للواقع، في كل زمان، وفي كل مكان، بعد وجود الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي؛ لأن تلك الأنظمة، قائمة على أساس التحليل الملموس، للواقع الملموس، كمنطلق لإيجاد النظرية الثورية، التي يعتمدها الحزب الثوري، أو الجبهة الوطنية الثورية، للنضال من أجل التغيير، لتغيير واقع معين، وبأساليب التغيير التي يراها، أو تراها الجبهة، مناسبة للزمان، والمكان، في أفق نفي الحكم العبودي، أو الإقطاعي، أو الرأسمالي، أو البورجوازي الصغير، أو المؤدلج للدين الإسلامي، الذي يعتبر حكما دينيا، سعيا إلى إقامة الحكم الاشتراكي، الذي يشرف على التوزيع العادل للثروة: المادية، والمعنوية، وإلى تمكين جميع أفراد المجتمع، من الحقوق الإنسانية، ومن حقوق العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وإلى جعل التحرر، والديمقراطية، بمضمونهما الاشتراكي، والعدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة: المادية، والمعنوية، من سمات المجتمع الاشتراكي، الذي يجب أن يتجذر في الواقع: الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، حتى تصير الاشتراكية من الهويات، التي تحرص المجتمعات البشرية، على الاتصاف بها، حتى تتخلص من الأنظمة الاستغلالية، التي تنهكها، وتمتص مقدرات المغرب: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى لا يستمر الامتصاص عن طريق الاستغلال.

وحتى تستمر الماركسية مفيدة للواقع، ومستفيدة منه، فإن على الدولة الاشتراكية، أن تعمل على:

1) تحرير الأجيال المتعاقبة، عن طريق التربية على الاشتراكية، وعلى التخلص من العبودية، ومن الاستبداد، ومن الاستغلال، عن طريق التحرر، من كل الدواعي المؤدية إلى إعادة إنتاج العبودية في المجتمع، وعن طريق الالتزام بالديمقراطية، بمضمونها: الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، حتى يتم قطع الطريق أمام إعادة إنتاج الاستبداد، وعن طريق التوزيع العادل للثروة: المادية، والمعنوية، لقطع الطريق أمام إعادة إنتاج التراكم الرأسمالي، عن طريق استغلال النظام الاشتراكي، بقيام المرضى بعقلية البورجوازية الصغرى، بتحقيق التطلعات الطبقية، المفضية إلى إعادة إنتاج الرأسمالية، كما حصل في كل الدول، التي التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي السابق، بما في ذلك روسيا.

2) إعداد الأجيال المتعاقبة، على التربية على التحرر، والديمقراطية، بمفهومها الاشتراكي، وعلى العدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة: المادية، والمعنوية، بين جميع أفراد المجتمع، الذين تتم المساواة فيما بينهم، على جميع المستويات، لا فرق في ذلك بين الرجال، والنساء، حتى تنشأ تلك الأجيال على التحرر، وعلى الديمقراطية، وعلى الاشتراكية، ومن أجل أن تتمسك بها، وأن تعمل على حماية الدولة الاشتراكية، ودعمها، وتقويتها، من أجل أن تقوم بدورها كاملا، في مواجهة الرأسمالية التبعية، والرأسمالية المركزية العالمية، ومن أجل الوقوف في وجه ما صار يسمى بالدولة الدينية، التي تدعم الرأسمالية، وتعادي الدولة الاشتراكية عداء مطلقا، وأن تعمل على محاصرة أدلجة الدين الإسلامي، بصفة خاصة.

3) جعل العلمانية، من سمات النظام الديمقراطي الاشتراكي العادل، والتعامل مع جميع المعتقدات القائمة في المجتمع، أي مجتمع، على أساس المساواة فيما بينها، على أساس الفصل بين أي معتقد، مهما كان، وبين السياسة، بما في ذلك الدين الإسلامي، وديانة موسى، وديانة عيسى، والديانة البوذية، وغيرها من الديانات الأخرى، من منطلق: أن الاعتقاد شأن فردي، وأنه لا يمكن أن يتحول إلى شأن عام، أو سياسي، وأن المؤسسات الدينية، بما فيها المساجد، والكنائس، والبيع، وغيرها من المؤسسات الدينية، إنما هي أمكنة، يتم الحرص على نظافتها (طهارتها)، من أجل ممارسة الطقوس الدينية، بشكل جماعي، وليست من أجل العودة بالمجتمعات البشرية إلى الوراء.

فممارسة طقس معين، شأن فردي، ولا علاقة له بالشأن الجماعي، أو العام.

وممارسة السياسة باسم دين معين، تجب مواجهتها أيديولوجيا ـ فكريا، وسياسيا، واستئصالها من المجتمع الاشتراكي، نظرا لدورها في تخريب الاشتراكية، وفي خدمة النظام الرأسمالي / التبعي، والرأسمالي / المركزي / الصهيوني / الرجعي، كما برهنت ورشة صفقة القرن، التي انعقدت في البحرين.

وبناء على ما رأينا، فعلمانية الواقع، تساعد على التطور، بأوجهه المختلفة، نظرا لأن العلمانية، تحرر المعتقدات من التوظيف الأيدييولوجي، والسياسي، وتحرر السياسة من التديين، وتحرر الواقع من سيطرة المعتقدات الخاطئة.

وكل معتقد يقبل بالتوظيف الأيديولوجي، والسياسي، هو معتقد خاطئ، يجب أن تتصدى له العلمانية، التي يجب أن تسود في الواقع، حماية له من التخلف المرحلي.

4) اعتبار حقوق الإنسان، وحقوق العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، والشغلية، كما هي في الاشتراكية، من المسائل التي لا تناقش في المجتمع الاشتراكي، وفي إطار قيام الدولة الاشتراكية.

فحقوق الإنسان، كما يتصورها الاشتراكيون، ومن خلال الأدبيات الاشتراكية العلمية، ومن خلال الوقوف على مختلف التجارب الاشتراكية، سنجد أن سبب الحرمان من الحقوق الإنسانية، وحقوق العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، ليس هو الاشتراكية، إلا إذا كانت تحريفية، يتحكم البيروقراطيون، الذين يستغلون الأنظمة الاشتراكية، الواقعة تحت سيطرتهم، لنهب المزيد من ثروات الشعب، وتهريبها، إلى الأبناك في البلدان الرأسمالية، استعدادا لإضعاف الدولة الاشتراكية، وانهيارها، حتى يستطيع التحريفيون ارتداء لباس النظام الرأسمالي / التبعي.

ولذلك، كان فرض احترام حقوق الإنسان، كما هي في فكر، وفي ممارسة الاشتراكيين، وكما يتصورونها، يصبح، كما هو واجب على كل اشتراكي، في إطار الدولة الاشتراكية، التي يصير من الواجب عليها، احترام حقوق الإنسان، وفرض ذلك الاحترام على أجهزتها المختلفة، وعلى كل المؤسسات، وفي ظل القانون المعمول به في الدولة الاشتراكية، والذي لا يكون إلا متلائما مع مقتضيات حقوق الإنسان، وحقوق العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين الاشتراكية، حتى يصير ذلك الاحترام، عاملا من عوامل التقدم، والتطور، الذي تعرفه الدولة الاشتراكية، في مواجهة الاستغلال الرأسمالي / التبعي، والرأسمالي / المركزي، كما يخطط له صندوق النقد الدوليـ والبنك الدولي، والمؤسسات المالية الدولية، التي تغرق البلدان الرأسمالية / التابعة، والبلدان الرأسمالية / المركزية، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، بالديون، من الرأس، إلى أخمص القدمين، مما يجعل هذه الدول، الغارقة في الديون كلها، لا تستطيع، في نموها، إلا خدمة الدين، الأمر الذي يترتب عنه: مضاعفة الديون، من أجل أداء فواتير الديون، كما هو الشأن بالنسبة للمغرب، وخاصة، في عهد حكومة العدالة والتنمية.

5) اعتبار التكوين الأيديولوجي، والسياسي، من المميزات التي تميز المجتمع الاشتراكي، حتى يحرص هذا المجتمع، على حماية هويته الاشتراكية، التي ترفع قيمتها، في مواجهة النظام الرأسمالي / التبعي، والنظام الرأسمالي / المركزي / العالمي، باعتبار التكوين الأيديولوجي، والسياسي، سلاحين ضرورين، في هذه المواجهة الشرسة، التي تأتي على الأخضر، واليابس، ومنذ بداية هذا الصراع الشرس، قبل تحقيق الثورة الاشتراكية الكبرى، المتمثلة في مهام الدولة الاشتراكية الأولى، التي صارت تحمل، فيما بعد اسم الاتحاد السوفياتي السابق، الذي انهار بفعل التحريف، والديكتاتورية، وانعدام الديمقراطية، بمفهومها الاشتراكي، وقيام خيانات في أجهزة الدولة العليا، الذين استغلوا ديكتاتورية القيادات البروليتارية، ليحولوها إلى ديكتاتورية القيادات الحزبية / التحريفية، ووقفت وراء وجود بورجوازية انتهازية، استطاعت أن تنسج علاقات مع الغرب، وأن تقف وراء انهيار التجربة الاشتراكية الأولى، وقيام ما صار يسمى بالدول المستقلة، التي صارت تسير وراء النظام الرأسمالي / المركزي / العالمي، وتحولت روسيا، التي عاصمتها موسكو، التي كانت عاصمة للدولة الاشتراكية العظمى، إلى دولة رأسمالية وطنية محتشمة، لتثبت الأيام، بعد ذلك، وخاصة بعد الأزمة المالية، التي عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية، والأزمات المتوالية، التي عرفتها البلدان الغربية المختلفة، بعد ذلك، تبينت أهمية ما جاء به ماركس وأهمية اليسار وأهمية المنهج الاشتراكي / العلمي، الماركسي، الذي يمكن الاستنجاد به، لمواجهة اليمين المتطرف، على المستوى العالمي، ولإيجاد الحلول للأزمات المالية الدولية، التي لا يمكن أن تكون تلك الحلول، إلا بالتوظيف العلمي للقوانين العلمية: المادية الجدلية، والمادية التاريخية، من أجل إيجاد نظريات قائمة على أساس التحليل الملموس، للواقع الملموس، ولكن كل هذا، لا يتأتى إلا بقيام أحزاب سياسية، يسارية، ثورية، تسعى إلى التغيير الضروري، لإيجاد الدول الاشتراكية، التي تقوم مقام الدول الرأسمالية، كبديل للأزمات الرأسمالية، التي أخذت تتراجع هيبتها الرأسمالية، التي قد تتحول، أمام جبروت الصين الاقتصادي، وأمام وطنية الرأسمال الروسي، إلى دول رأسمالية، لا تقوى على الاستمرار في القوة، والجبروت، اللذين عرف بهما النظام الرأسمالي / المركزي / العالمي.

وانطلاقا مما رأينا، فإن اعتبار الماركسية، والأحزاب الماركسية، وبناء الدول، أو الدولة الاشتراكية، وتفعيل المنهج الاشتراكي العلمي، هو الأفيد للواقع، الذي لم يأت هكذا، بل إن التجارب التي عرفتها البشرية، وخاصة خلال القرن العشرين، هي التي تبين، وبكامل الوضوح: أن الاشتراكية العلمية، باعتبارها إنتاجا ماركسيا خالصا، والتي تتطور، بفعل تفاعلها مع الواقع المتطور، وخاصة في العلوم الطبيعية، والفيزيائية، والكيميائية، والتقنيات، والتقنيات الحديثة، وبفعل تطور الفلسفة، والآداب، ونظرا لصلاحيتها للتعامل مع مختلف الخصوصيات، فإنها تبقى، هي الصالحة للواقع، في الزمان، وفي المكان.

أما النظام الرأسمالي، فقد أصبح نظاما للأزمات، التي لا تنتهي، إلا بحلول الاشتراكية، محل الرأسمالية، على المستوى العالمي.

الماركسية وتغيير الواقع:.....1

إننا عندما نتكلم عن الماركسية كفلسفة، وعن الماركسية كعلم ماركسي، وعن الماركسية كمنهج علمي ماركسي، إنما نتكلم عن أن بداية أسس التغيير، لا تتم إلا باعتماد الفلسفة الماركسية، بدل الفلسفة الإقطاعية، أو الرأسمالية؛ لأن اعتماد الفلسفة الماركسية، إنما هو شروع في التغيير، وخاصة، عندما يكون المنطلق في التفكير الفلسفي ماديا، بدل المنطلق الغيبي، أو المثالي، أو الديني، ولأن اعتماد العلم الماركسي، الذي تم التوصل إليه، بناء على المنطلق المادي في التفكير العلمي، بدل المنطلق المتافيزيقي (المثالي)، أو الغيبي، أو الخرافي، فإننا نشرع في التغيير، سواء تعلق الأمر بالفلسفة الماركسية، أو العلم الماركسي، أو المنهج الماركسي، من أجل الإنسان العامل / الأجير / الكادح، ولأن اعتماد التحليل الملموس، للواقع الملموس، من منطلق مادي، كأساس لبناء نظرية علمية عن الواقع، يمكن اعتمادها في عملية التغيير المنشودة.

فالفلسفة الماركسية، عندما تعتمد المنطلق المادي، فإننا نعمل على طرح السؤال الفلسفي، المادي الماركسي عن الواقع المادي، الذي يصير حافزا على الوصول إلى العمق الفلسفي، الذي يحيلنا على البحث الفلسفي العميق، الذي ينير طريقنا في اتجاه الفكر الماركسي، الذي يعتمد في إيجاد الجواب الماركسي، على السؤال الماركسي.

ونحن عندما نعتمد الطريقة السليمة في التفكير الماركسي، فإننا نبني فكرا علميا ماركسيا دقيقا، من أجل الإنسان، في تحولاته التي لا تنتهي، في علاقته التي لا تنتهي تحولاتها، في الواقع الخاضع، أبدا، للتحول المستمر، الذي لا ينتهي.

ونحن، كذلك، عندما نبني النظرية العلمية الدقيقة، على أساس مادي، فإن هذه النظرية التي نشرع مباشرة في تفعيلها، في واقعنا، فإن سلسلة تطرح علينا، حتى تجعلنا نبحث في الجزئيات، التي لها علاقة بتطبيق النظرية، في تفاعلها مع الواقع المستهدف.

وهذه الأسئلة المطروحة، لا تكون إلا فلسفية، تستهدف العمق الفكري الفلسفي، الذي يجعلنا نقوى على مواجهة الالتواءات، التي يعرفها الفكر النظري، عندما يحاول أن يعالج الإشكاليات التي تطرح علينا، قبل الوصول إلى إيجاد الإجابات العلمية الحقيقية، التي تساهم في تعميق الرؤيا الجزئية / النظرية، التي تجعلنا نسعى إلى جعل النظرية متمكنة من الفهم الجزئي، الذي يصب في توضيح الفهم الكلي، لعملية التغيير، نشرع فيها، بمجرد الانتهاء من بناء النظرية العلمية، التي تبنى على الأساس الفلسفي الدقيق للواقع في كليته، وفي جزئياته، التي هي المنطلق في عملية البناء النظري، التي لا تمس بالفهم الكلي، ولا تسيء إليه، ولا تجعل جوهره ينزاح عن الطريق الصحيح، في البناء النظري، وفي التطبيق العملي في عملية التغيير، في شموليتها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

وعندما تصير النظرية العلمية الماركسية مكتملة، فإنها تستلزم طرح أسئلة التطبيق الكبرى، التي تتفرع عنها أسئلة جزئية، تتفرع عنها أسئلة جزء جزئية، تستلزم أجوبة مركبة / جزء جزئية، تساهم في الأجوبة المركبة الجزئية، التي تساهم بدورها في الأجوبة المركبة / الكلية، التي تتلاءم تلاؤما مطلقا مع النظرية التي تتحول إلى واقع متغير في شموليته، اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، من أجل التحول إلى مجتمع نقيض، للمجتمع الذي كان قائما، قبل تطبيق النظرية في الماركسية، التي تجعل الواقع في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بدل أن يبقى في خدمة البورجوازية، والإقطاع المتخلف، وخدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين التي تتم على جميع المستويات:

1) على المستوى الاقتصادي، الذي يتم في إطاره التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، وينال فيه كل ذي حق اقتصادي، حسب النظرية الماركسية حقه، ويصير فيه كل عاطل عاملا، وكل فاقد للقدرة على امتلاك السكن في المجتمع الرأسمالي، متمكنا من سكناه، في المجتمع الاشتركي الماركسي، وكل عاجز على تكوين أسرة، مكونا لأسرته، حتى يمكن للمجتمع أن يكتمل نموه الاقتصادي، من خلال نمو دخل العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، الذين يتمكنون من الانخراط في المجتمع، عملا، ومساهمة في الاقتصاد الماركسي، الذي يضمن حق الدخل الذي يكفي للمتطلبات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى يتأتى للمجتمع أن يتمكن من التطور المستمر، عبر تطور الاقتصاد، وتطور الدخل، وتطور الخدمات، التي لا تكون في المجتمع الاشتراكي إلا مجانية، من منطلق أن تلك الخدمات، هي التي تساهم، بشكل كبير، في النمو السليم المتطور، لاقتصاد الدولة الاشتراكي؛ لأن من يتلقى تلك الخدمات المجانية، هم العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، كمساهمين فعليين في نمو اقتصاد الماركسية، التي ينعدم في إطارها البورجوازيون، والإقطاعيون، والتحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف، الذين يمارسون الاستغلال على جميع أفراد المجتمع، وينهبون الثروات العامة، ويفسدون الإدارة والسياسة على حد سواء، باعتبار ذلك الفساد، هو المدخل، للحفاظ على مصالحهم. وهو ما اقتضى أن تتخلص منهم الدولة الاشتراكية، على جميع المستويات.

2) على المستوى الاجتماعي، الذي يتم فيه جعل الخدمة الاجتماعية، كالتعليم، والصحة، والسكن، في متناول المواطنين، وبالمجان في الدولة الماركسية، التي تجعل كل الخدمات، وبالمجان، في متناول الجميع.

فأطفال ويافعو وشباب الدولة الاشتراكية، من حقهم الالتحاق بالمدرسة، والجامعة، وإعداد الشهادات العليا، إذا كانوا قادرين على ذلك، وأن لا أحد يستطيع أن يمنعهم من ذلك، مهما كانت الشروط التي يعيشونها كصغار، أو كيافعين، أو كشباب. وحتى إذا اضطرتهم الظروف إلى العمل، من أجل المساهمة في بناء الاقتصاد الاشتراكي، فإن من حقهم أن يتابعوا دراستهم؛ لأنه في الدولة الاشتراكية، لا حدود للتعلم إلا بالموت، كما لا حدود للإنتاج المعرفي، والعلمي، والتكنولوجي، والتيكنولوجي الدقيق، المتطور باستمرار، في الدولة الاشتراكية، التي تتجدد فيها الحياة.

والذي يقبل على العمل الإنتاجي، والخدماتي في الدولة، بعد التخرج، أو قبله، في ظل شروط محددة، فإنه لا يبقى بدون عمل، باعتباره أفضل وسيلة لتوزيع الثروة المادية، والمعنوية، خاصة وأن الخريج من المدارس، والمعاهد، ومعاهد التكنولوجية، والتكنولوجية الحديثة ـ الدقيقة، لا يكونون إلا مؤهلين، وقد يكونون مبدعين في المؤسسات الإنتاجية، وفي المؤسسات الخدماتية، مما يجعلهم يساهمون، بشكل كبير، في تطور، وتطوير العمل الإنتاجي، والخدماتي، في نفس الوقت، مما يشرع بتطور التشكيلة الاقتصادية، والاجتماعية الاشتراكية، في أفق تحقيق التشكيلة الشيوعية، التي تنتفي فيها سلطوية الاشتراكية، بعد انتشار الاشتراكية في جميع دول العالم، وفي كل القارات، حيثما صار الاستغلال منتفيا، بصفة نهائية.

وجميع الأفراد، مهما كان لونهم، أو جنسهم، أو لغتهم، أو معتقدهم، فإن من حقهم أن يعيشوا مرتاحين، مطمئنين على لونهم، أو جنسهم، أو لغتهم، أو معتقدهم، أو عدم اعتقادهم بأي شيء، وأن يصيروا جزءا لا يتجزأ من الدولة الاشتراكية، التي تحميهم، ولا تنتظر منهم إلا المساهمة الفعالة في العملية الإنتاجية، والخدماتية، والتمتع بكافة الحقوق الإنسانية، التي تكفلها الدولة الاشتراكية، في إطار المحافظة على سلامة الدولة الاشتراكية، من أي شكل من أشكال الخيانات، التي تتربص بالدولة الاشتراكية، من الداخل، والخارج، على حد سواء.

3) على المستوى الثقافي، الذي يتم فيه جعل الثقافة من حق الجميع، والتفاعل الثقافي من حق جميع المكونات الثقافية، التي لا يمكن أن تتطور إلا بالتفاعل فيما بينها، ولا يمكن أن تجتاز محنها، إلا بالذوبان في إطار الوحدة الثقافية، التي لا تلغي الخصوصية الثقافية، في إطار الدولة الاشتراكية الواحدة.

والتعدد الثقافي، في إطار الدولة الاشتراكية الواحدة، كأي دولة أخرى، مهما كانت، وكيفما كانت، يعتبر مسألة طبيعية، غير أن ما يميز الدولة الاشتراكية، عن الدولة الرأسمالية، أو الإقطاعية، أن الدولة الاشتراكية، تتيح الفرصة أمام التفاعل بين مختلف الثقافات، أو المكونات الثقافية القائمة في المجتمع، حتى تتوطد فيها عناصر قوتها، ومن أجل أن تتخلص من عناصر ضعفها، بينما نجد أن الدولة الإقطاعية، يتعصب فيها كل مكون ثقافي، إلى منظومته القيمية، حتى تصير، تلك المنظومة، هي المسيطرة في المجتمع، مما يؤدي، بالضرورة، إلى تعدد العصبيات. وهو ما يعني: أن التفاعل بين الثقافات، أو المكونات الثقافية، غير قائم في المجتمع الإقطاعي، وفي الدولة البورجوازية، حيث نجد انفراز نوع آخر من الثقافات، التي لا يمكن نعتها إلا بالطبقية. وبالتالي، فالطبقة الحاكمة، تعمل على أن تصير منظومتها الثقافية هي السائدة، عن طريق توظيف الوسائل التي تتحكم فيها، وتوظفها الوسائل التي تتحكم فيها يتم لقمع المنظومات الثقافية النقيضة، بالخصوص، ومحاولة تدجين الثقافات الطبقية، القريبة من منظومة الطبقة الحاكمة الثقافية. وهو ما يعني: أن الدولة البورجوازية، لا تقوم فيها إلا ثقافة الطبقة الحاكمة، التي لا تسمح لأي ثقافة أخرى، بالقيام بدور معين.

أما دولة البورجوازية الصغرى، والمتوسطة، فإنها تحاول أن تظهر بأنها تسمح بالتفاعل بين المكونات الثقافية المختلفة، إلا أنها، في الواقع، تعمل على توظيف الإمكانيات، والأدوات التي تتحكم فيها، من أجل جعل ثقافة البورجوازية الصغرى، المريضة بالتطلعات الطبقية السائدة، ولا تتخذ أي موقف، من المنظومات الثقافية الاستغلالية، التي تفسح المجال، من أجل الشيوع والاستثمار، بينما نجد أنها تعمل على قمع ثقافة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، عندما تستمر في الشيوع، والتجذر في المجتمع؛ لأن ثقافة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، عندما تشيع في المجتمع، فإنها تحول دون قيام البورجوازية الصغرى، والمتوسطة، بتحقيق تطلعاتها الطبقية، التي هي الغاية من وصول البورجوازية الصغرى إلى ناصية الدولة، والتحكم فيها.

الماركسية وتغيير الواقع:.....2

4) وعلى المستوى السياسي، الذي يتم فيه جعل السياسة هي المدخل للتحكم في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، سواء كانت الطبقة الحاكمة، التي تحكم، هي الإقطاع، أو هي البورجوازية، أو هي التحالف البورجوازي / الإقطاعي المتخلف، أو هي البورجوازية الصغرى، من أجل جعل البرامج الدراسية، وسيلة للتحكم، ومن أجل جعل البرامج الإعلامية المختلفة، وسيلة للتحكم، ومن أجل جعل الجيش، والأدوات القمعية الأخرى، وسيلة للتحكم، ومن أجل جعل الوصول إلى جعل الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، في خدمة الطبقة الحاكمة، وفي خدمة الحاكمين، الأمر الذي يترتب عنه إحكام الخناق على العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، ومن خلالهم، على الجماهير الشعبية الكادحة، التي لا نجد، في هذا الوطن، إلا ما يجعلها تغرق في بحر الألم، الذي لا مفر منه، حتى لا تستطيع هذه الجماهير، فعل أي شيء، إلا الهروب إلى العبادات، في البيعة، أو في الكنيسة، أو في المسجد، بحثا عن الخلاص من بحر الألم، إلي يوم القيامة.

والطبقة العاملة، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، تختلف، اختلافا جوهريا، عن الإقطاع، وعن البورجوازية، وعن التحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف، وعن البورجوازية الصغرى، في كونها لا تستغل السياسة، من أجل التحكم في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، في خدمة طبقة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بل من أجل تحقيق التحرير، لجميع أفراد المجتمع، ومن أجل تحقيق الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، في أفق الاشتراكية، التي هي الهدف الأسمى للبشرية، من أجل التخلص من العبودية، والاستبداد، والاستغلال.

وهذا الاختلاف بين الإقطاع، والبورجوازية، والتحالف البورجوازي / الإقطاعي المتخلف، مرده إلى أن الطبقات المستغلة، لا ترى إلا نفسها، وأن البورجوازية الصغرى، لا تسعى إلا إلى تحقيق التطلعات الطبقية، وأن الطبقة العاملة، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، هي وحدها التي لا تراعي إلا مصلحة المجتمع ككل.

وبعد وقوفنا على دور الفلسفة الماركسية، في تغيير الواقع، والعلم الماركسي في ذلك التغيير، نصل إلى الوقوف على مساهمة المنهج الماركسي، في ذلك التغيير، الذي يستهدف، بالدرجة الأولى، جوهر الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.
فالمنهج الماركسي، هو مجموع القوانين المكونة للديالكتيك المادي، والتي يمكن توظيفها في التحليل الملموس، للواقع الملموس، من أجل معرفة الواقع، كما هو، وتفكيكه، وإعادة تركيبه، وفق ما تقتضيه قوانين الديالكتيك، من أجل الخروج بنظرة للتغيير الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، من أجل جعله في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بدل أن يبقى في خدمة الإقطاع، والتحالف البورجوازي / الإقطاعي المتخلف، والبورجوازية، والبورجوازية الصغرى نسبيا؛ لأنه بدون المنهج المادي الدياليكتيكي الماركسي، لا نستطيع أن نمتلك نظرية عن الواقع، ولا يمكن أن نعمل على تغيير الواقع، بوجود نظرية للتغيير المادي، والمعنوي له، ولكون النظرية، في حالة وجودها، تسعى إلى إنتاج قوانين التغيير، التي تتناقض مع قوانين قيام الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي الرأسمالي، ومن قبله الإقطاعي، ومن قبله العبودي، لما تم الوقوف على ذلك، من خلال تطبيق قوانين الدياليكتيك على تطور البشرية، على مستوى التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، التي انتقلت من التشكيلة العبودية، إلى التشكيلة الإقطاعيىة، التي وقفت وراء وجود التشكيلة الرأسمالية، التي تسعى البشرية المعانية من الظلم، والحيف، والقهر، إلى التخلص منها، بقيام التشكيلة الاشتراكية، التي ستقف مستقبلا وراء قيام التشكيلة الشيوعية.

وهذه التشكيلات، في تطورها، قد تنطبق على المجتمع الأوروبي، الذي يمتص حاليا خيرات العالم، إلى جانب أمريكا الشمالية، وأستراليا، باعتبارها، جميعا، تنتمي إلى المنظومة الرأسمالية المركزية، وقد لا تنطبق على المجتمعات التابعة، التي تذهب خيراتها إما إلى جيوب الرأسماليين، وإما إلى حسابات الصناديق الرأسمالية، التي أغرقت المغرب بقروضها، ليصير المغرب مشتغلا على خدمة الدين، الذي يقترضه، من أجل أداء فوائد الدين الخارجي، لمختلف الصناديق الدائنة، الأمر الذي يترتب عنه: توقف، أو ضعف النمو الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.

وبناء على ما رأينا، فإن المنهج المادي الجدلي، هو منهج علمي، ماركسي، ثوري، متطور، ومتفاعل مع الواقع، في تطوره باستمرار، من أجل معرفة الواقع في تطوره، معرفة علمية دقيقة، ومن أجل الوقوف على ما يجب عمله، في أفق تغييره، مما يساعد على تطوره، في الاتجاه الصحيح.

وبما أن المنهج الماركسي، منهج يساري بامتياز، فإن اعتماد هذا المنهج، من قبل كل فصائل اليسار، على مستوى الدولة الواحدة، وعلى مستوى الدول المتجانسة، كما هو الشأن بالنسبة للبلاد العربية، وباقي بلدان المسلمين، وعلى المستوى العالمي، سيؤدي بالضرورة إلى وحدة اليسار؛ لأن أي يسار، لا يعتمد هذا المنهج، لا يمكن أن يكون يسارا.

فاليسار الحقيقي، لا يمكن أن يكون إلا ماركسيا، والماركسي الحقيقي، لا يمكن أن يوظف إلا المنهج الماركسي، والمنهج الماركسي، لا يمكن أن يعتمد إلا على قوانين الدياليكتيك، وقوانين الدياليكتيك، لا يمكن أن تكون إلا بمنطلقات مادية، والمنطلقات المادية، هي الدليل على أن الماركسية أفرزها الواقع المادي، والمنهج الماركسي، لا يمكن أن يرتبط إلا بالواقع، في تفاعله معه، وفي تطوره، وتطويره، عن طريق العمل على تغييره تغييرا جذريا، يجعله في خدمة الكادحين، وطليعتهم الطبقة العاملة، اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا.

فتغيير الواقع الآن، ينبني على شيوع الفلسفة الماركسية، وعلى إنتاج العلم الماركسي، وعلى توظيف المنهج الماركسي، في أفق قيام تشكيلة اقتصادية اجتماعية اشتراكية، على أنقاض التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية، أو الإقطاعية، أو تمثيلية التحالف البورجوازي / الإقطاعي المتخلف، التي لم تعد كلها تنتج إلا الأمراض الاقتصادية / الاجتماعية / الثقافية.

وتحقيق التشكيلة الاشتراكية، لا يعني إلا التخلص من كل أمراض الاستغلال المادي، والمعنوي.

تطور الماركسية بفعل تطور العلوم والتقنيات، والتقنيات الدقيقة:

إن حركية الواقع، لا تسير في خط مستقيم، بل في خط حلزوني. وإلا، فإن الرتابة ستلازم الواقع، وسيصاب الناس بالملل من هذه الحياة الرتيبة، التي لا تتغير أبدا، وما لا يتغير، يلازم التخلف، على جميع المستويات.

وبالتالي، فإن الحياة تتجدد باستمرار، وتجددها هو التغيير عن التطور، الذي لا يتوقف. وما يجعل الحياة تظهر على أنها واقفة، لا تتطور، هو فعل الطبقة الحاكمة، التي تقمع، بالقوة، كل تحول لا يعرفه الواقع؛ لأنه ليس من مصلحتها أن يتحول الواقع إلى الأحسن، مما يجعلها تفرمل عجلة التطور، التي تتجاوز ما هو قديم، ومتطور، عن طريق إعادة إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، مما يترتب عنه رتابة الحياة، التي تتناقض مع تحول الواقع، تناقضا مطلقا؛ لأن الرتابة لا تستمر، إلا بإعادة إنتاج نفس نمط الحياة.

وإذا كان سير الحياة في خط حلزوني، فإن معنى ذلك: أن حمايتها، لا تتم إلا بتطورها الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي. ذلك التطور الذي يكون معبرا عن التجدد المستمر، الذي يقتضي، من الإنسان، البحث الذي يكون معبرا عن التجدد المستمر، عن كل ما يستجيب إلى متطلبات الحياة المعرفية، والعلمية، والمنهجية، التي تمهد الطريق أمام التطور، الذي لا يتوقف أبدا.

ونحن عندما نزعم أننا نتطور، فإن زعمنا يبقى بدون مدلول، إذا وقفنا في وجه ما يقتضيه التطور المعرفي، والعلمي، والمنهجي، الذي يقود إلى إحداث ثورة معرفية، وعلمية، ومنهجية، عندما يتغير المنطلق الفلسفي، والعلمي، والمنهجي.

فالمعرفة التقليدية، والعلم التقليدي، والمنهج التقليدي، بمنطلق مثالي، أو خرافي، لا ينتج إلا الفكر المتخلف، الذي يعيد إنتاج الواقع المتخلف، الذي يجر البشرية إلى الوراء، ولكن عندما يتغير المنطلق المعرفي، والفلسفي، والعلمي، والمنهجي؛ فإن هذا التغيير، يعتبر بمثابة ثورة، وأول من قام بهذه الثورة: ماركس، ورفيقه أنجلز، اللذين جعلا كل شيء في هذه الحياة يمشي على رجليه، بعد أن كان يمشي على رأسه، بتغيير المنطلق المثالي / الخرافي / الغيبي، بالمنطلق المادي، ليتغير كل شيء في هذه الحياة.

وبناء على الاستنتاج أعلاه، فإن الفلسفة التي تعتمد المنطلق المادي، وهي هنا: الفلسفة الماركسية، تستطيع أن تطرح أسئلة منتجة للمعرفة العلمية الماركسية، التي لا تكون محكومة إلا بالمنهج العلمي الماركسي، الذي يحيلنا على القوانين الدياليكتيكية: المادية الجدلية، والمادية التاريخية، اللذين يجب توظيفهما، بقوانينهما، في النظر إلى الواقع، في تاريخيته، وفي مراحل تطوره، وفي واقعه المتحول، والمتجدد باستمرار، بحكم الرؤيا المادية المتجددة باستمرار، تبعا للمنهج المادي المتطور باستمرار، بفعل التطور الذي تعرفه العلوم، والتقنيات، والتقنيات الحديثة.

فما الذي يتطور في الماركسية؟

هل تتطور الفلسفة الماركسية؟

هل يتطور العلم الماركسي؟

هل يتطور المنهج الماركسي؟

وهل يؤدي تطور الفلسفة الماركسية، والعلم الماركسي، والمنهج الماركسي، إلى تطور اليسار المعتنق للاشتراكية العلمية، كفلسفة، وكعلم ماركسي، وكمنهج علمي ماركسي؟

وهل يستطيع اليسار، أن يتوحد في حركة يسارية واحدة، تقوم عل أساس الاقتناع بالاشتراكية العلمية؟

وهل يستطيع اليسار الموحد، المعتنق للاشتراكية العلمية، كفلسفة ماركسية، وكعلم ماركسي، وكمنهج علمي ماركسي، تغيير الواقع؟

إن الذي يتطور من الماركسية، هو مجمل الماركسية، التي لم تفرط في الأواليات، وتستوعب إيجابيات المستجدات، التي تصبح جزءا لا يتجزأ منها. ومن باب التجاوز، فإننا يمكن أن نقول:

1) إن الماركسية كفلسفة، تتطور بفعل تطور الفكر الفلسفي بصفة عامة، حتى وإن كان هذا الفكر الفلسفي، بمنطلق مثالي، أو خرافي، أو غيبي. والفلسفة الماركسية، بمنطلق مادي، في تفكيرها الفلسفي، كما تتطور الفلسفة الماركسية، بناء على التطور الذي تعرفه الآداب، على جميع المستويات، وفي جميع اللغات؛ لأن أي إبداع أدبي، كيفما كان نوعه، وبأي لغة كان؛ لأن أي أديب، وكيفما كان نوع إبداعه، لا بد أن يحتك بالفلسفة، ولا بد أن تكون له رؤيا فلسفية، ولا بد للفلسفة الماركسية، أن تتفاعل مع أي رؤيا فلسفية، لأي أديب، ولا بد أن تستفيد من تلك الرؤيا، إذا كانت متطورة، ويمكن أن تقف وراء تطور الماركسية، في اتجاه العمل على طرح السؤال النوعي، الذي يحفز على البحث، من أجل البحث في عمق الواقع الإنساني، الذي يمكن أن يجر إلى تطور علم من العلوم الماركسية، القائمة على بناء علم ماركسي جديد، ينضاف إلى العلوم الماركسية القائمة.

والفلسفة الماركسية، كذلك، تتطور، بناء على التطور الذي تعرفه العلوم الكيميائية، والفيزيائية، والطبيعية، والرياضية، التي تؤثر في واقعها، من العمل العقلي، الذي يبحث باستمرار عن الأجوبة على الأسئلة، التي تطرحها الفلسفة، خاصة، وأن العلم، عندما يعجز أمام ظاهرة معينة، يأتي دور الفلسفة، التي تمهد لعمله، في التعامل مع الظاهرة، عن طريق طرح الأسئلة، التي تستوجب البحث العلمي، للوصول إلى القوانين التي تتحكم في الظاهرة، والوصول إلى صياغة القوانين التي تتحكم في الظاهرة، إعلان عن تطور حاصل في علم ماركسي معين، أو عن استنتاج علم جديد، يجعلنا نرتبط بالواقع الجديد، الذي لم نكن نفكر فيه من قبل.

والفلسفة الماركسية، كذلك، تستفيد من التطور الذي تعرفه التقنيات، والتقنيات الحديثة، التي يمكن أن تقوم، بدور أساسي، في التسريع بتحول الواقع المادي، والمعنوي: الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي؛ لأن عملية التسريع في التغيير، يقتضي تدخل الفلسفة الماركسية، من أجل مواكبة التغيير السريع، وطرح الأسئلة التي تستلزم البحث، من أجل أن يصير التغيير في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، لا أن يكون تغييرا لصالح تطور، وتطوير وسائل الإنتاج، التي لا تفيد إلا مالكيها، الذين يوظفونها للزيادة في أرباحهم المادية، والمعنوية، التي تجعلهم يتمكنون من كل شيء، بما في ذلك فرض حرمان العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، من كل الحقوق الإنسانية، ومن حقوق العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

فتطور التقنيات، والتقنيات الحديثة، أو الدقيقة، يستوجب الاحتكاك بالمجال الفلسفي، الماركسي، بحثا عن طرح الأسئلة الفلسفية، التي تستوجب، كذلك، البحث عن تطور، وتطوير التقنيات، والتقنيات الحديثة، أو الدقيقة، من أجل الوصول إلى طرح الأسئلة الفلسفية الجديدة، نظرا للعلاقة الجدلية، بين التقنيات، والتقنيات الحديثة، أو الدقيقة.

و إذا كانت الفلسفة الماركسية المتفاعلة، مع الواقع، تتطور، كذلك، بتطور الآداب، والعلوم، والتقنيات، والتقنيات الحديثة، أو الدقيقة؛ فإن الآداب، والعلوم، والتقنيات، والتقنيات الحديثة، أو الدقيقة، تتطور، كذلك، بتطور الفلسفة، نظرا للعلاقة الجدلية القائمة بينهما.

2) أن الماركسية كعلم، لا بد أن يتفاعل الجانب الفلسفي، مع الجانب العلمي فيها، وأي تطور يحصل في الفلسفة الماركسية، لا بد أن يحصل في العلم الماركسي، بحكم التفاعل بينهما، والذي لا يكون إلا إيجابيا، بالنسبة للفلسفة الماركسية، وبالنسبة للعلم الماركسي، الذي يتفاعل مع جميع الفلسفات القائمة في الواقع، مستفيدا من التطور الذي تعرفه الفلسفات الأخرى، حتى وإن اختلفت منطلقاتها عن منطلقات الفلسفة الماركسية، والعلم الماركسي، ما دام العلم الماركسي يتفاعل مع الواقع، الذي يعتبر من كل مكوناته مختلف الفلسفات، التي ينتجها الفلاسفة، بمنطلقات غيبية، حتى وإن كانت تسعى لتحقيق أهداف تتناسب مع منطلقاتها، إلا أن ذلك، لا ينفي التفاعل معها، ولاستفادة العلم الماركسي من إيجابياتها. وما يفيد العلم الماركسي في تطوره، يبقى لتلك الفلسفات، التي تختلف منطلقاتها عن منطلقات الفلسفة الماركسية، والعلم الماركسي.

وكما يستفيد العلم الماركسي، من التفاعل مع الفلسفة الماركسية، ومع باقي الفلسفات الأخرى، فإن العلم الماركسي، يتفاعل، كذلك، مع التطور الذي تعرفه الآداب المختلفة، وخاصة تلك المختصة بالخيال العلمي، التي تسبق وقتها، وتتنبأ بما يمكن أن تحققه البشرية على مستوى التطور العلمي، خاصة وأن الإبداعات الأدبية، سواء كانت ماركسية، أو غير ماركسية، يمكن أن تحمل، في طياتها، رؤيا علمية للواقع، وعن الواقع. وهو ما يمكن أن يتفاعل معه العلم الماركسي، الذي يحرص على الاستفادة من كل شيء، من أجل إنضاج شروط تطوره، حتى يستطيع مواكبة العصر، والفعل فيه، ومن أجل أن يساهم العلم الماركسي، بشكل فعال، في تصور الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.

وبالإضافة إلى استفادة العلم الماركسي، من الآداب، وما يحصل فيها من تطور، فإن العلم الماركسي يتفاعل، كذلك، مع التطور الحاصل في العلوم الكيميائية، والفيزيائية، والطبيعية، والرياضية، إلى جانب تفاعلها مع التقنيات، والتقنيات الحديثة، أو الدقيقة، سعيا إلى الاستفادة من ذلك التطور، من أجل التطور والتطوير الذي يعرفه العلم الماركسي، في تعدده، حتى يقف وراء تطور المجتمع، وتطور الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والسياسة، وفي تطور كل مناحي الحياة في المجتمع الماركسي.

والعلم الماركسي، لا يكتفي بالتفاعل مع ما تعرفه الفلسفة من تطور، سواء كانت ماركسية، أو غير ماركسية، وبالتفاعل مع التطور، الذي تعرفه الآداب المختلفة: ماركسية، وغير ماركسية، وبالتفاعل مع التطور الذي تعرفه العلوم، والآداب المختلفة: ماركسية، وغير ماركسية، وبالتفاعل مع التطور الذي تعرفه العلوم، والتقنيات، والتقنيات الحديثة، أو الدقيقة، سواء كانت ماركسية، أو غير ماركسية، فإنها تتفاعل، كذلك، وباستمرار، مع المنهج العلمي الماركسي، بقوانينه: المادية الجدلية، والمادية التاريخية، التي تتفاعل، باستمرار، مع مختلف العلوم، ومع مختلف المناهج العلمية، حتى يصير المنهج العلمي الماركسي، أكثر فعالية، في تطور العلم الماركسين وتطويره، الذي يجب أن يضاهي كل العلوم، على المستوى العالمي، ومن أجل أن يقف وراء تطور، وتطوير الإنتاج الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، حتى تصير الدولة الاشتراكية الماركسية، أقدر على مواجهة الدولة الرأسمالية العظمى، التي تحرص على تخلف المجتمع: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا.

3) أن الماركسية كمنهج، لا بد أن يجد نفسه مضطرا إلى التفاعل مع الفلسفة، ومع المناهج الفلسفية، ماركسية كانت، وغير ماركسية، ومع الآداب، ومع المناهج الأدبية، ماركسية كانت، وغير ماركسية، ومع العلوم، والتقنيات، والتقنيات الحديثة، أو الدقيقة، ماركسية كانت، وغير ماركسية، حتى يعرف تطورا، يمكنه من التفاعل الإيجابي، مع ما يجري في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، حتى يقوم بدوره كاملا، غير منقوص، في عملية التحليل الملموس، للواقع الملموس، الذي يمكننا من استنتاج نظرية عن الواقع المادي، تمكننا من عملية التغيير، التي تنشدها الماركسية.

فتفاعل المنهج العلمي الماركسي: (المادية الجدلية، والمادية التاريخية)، مع الفلسفة، ومع المناهج الفلسفية، أنى تعددت، سواء كانت ماركسية، أو غير ماركسية، تمكن المنهج العلمي الماركسي، من جعل الفلسفة تقبل على طرح السؤال الفلسفي المنتج، وعلى التطور، والتطوير، تبعا لنوعية الأسئلة التي تطرحها الفلسفة، والتي تستجيب لمتطلبات البحث الفلسفي، والعلمي، والمنهجي، في نفس الوقت؛ لأن التطور، والتطوير، عمليتان معقدتان، تعبران عن التحول الذي يحصل في الواقع، الذي يفرض تحولا فلسفيا، ومنهجيا فلسفيا، كنتيجة لتفاعل الفلسفة، والمناهج الفلسفية، مع الواقع، من أجل تحريك الواقع الآسن، حتى يتجدد، ويتطور، تبعا للتجدد، والتطور القسريين، ومن أجل أن تواكب المناهج الفلسفية، ما يصير عليه الواقع، وما يجب أن تصير عليه الفلسفة، حتى تتطور، استجابة للتطور الذي يجب أن يحصل في المنهج الماركسي، خاصة، وأن الغاية من تفاعل المنهج الماركسي، مع الفلسفة ومع المناهج الفلسفية، هو إتاحة الفرصة أمام إمكانية تطور المنهج الماركسي، حتى يصير أكثر نجاعة، في عملية التحليل الملموس، للواقع الملموس، التي تعتمدها الحركات الماركسية، والتي أنتجت لنا العديد من الثورات، التي جعلت الواقع في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، في ظل قيام الدولة الاشتراكية المتحققة، في مكان ما، وفي زمن ما.

وتفاعل المنهج العلمي الماركسي، يقف وراء تطور، وتطوير الأداب، والمناهج الأدبية، التي قد تكون واقعية نقدية، أو واقعية اشتراكية، تهدف إلى جعل الآداب، والمناهج الأدبية المتفاعلة، مع المنهج الاشتراكي العلمي، الماركسي، متطورة، وفي نفس الوقت، مطورة للمنهج الاشتراكي العلمي، الذي يستعين بالأدب الواقعي النقدي، والواقعي الاشتراكي، في عملية التعمق في فهم الواقع، والعمل على تفكيكه، وإعادة تركيبه، وصولا إلى امتلاك نظرية عنه، تجعله قابلا للتغيير، انطلاقا من النظرية التي صارت ممتلكة، سعيا إلى التحرير، بدل العبودية، وإلى الديمقراطية، بدل الاستبداد، وإلى الاشتراكية، بدل الاستغلال.

وتفاعل المنهج العلمي الماركسي، مع العلوم الفيزيائية، والكيميائية، والطبيعية، ومع المناهج العلمية المختلفة، يجعل المنهج العلمي الماركسي مستفيدا من التطور الحاصل في هذه العلوم، وفي مناهجها المختلفة، سواء كانت ماركسية، أو غير ماركسية، الأمر الذي يترتب عنه: تمكين المنهج الماركسي، من تطوير قوانينه: المادية الجدلية، والمادية التاريخية، ليصير المنهج العلمي الماركسي، أكثر فعالية، في التحليل الملموس، للواقع الملموس، وأكثر قدرة على جعل الواقع مفهوما أكثر، من قبل الدارسين، الذين يسعون إلى امتلاك نظرية عنه، تمكن من تغييره، تغييرا جذريا، في أفق إيجاد دولة اشتراكية، يتحقق في إطاره التحرر، والديمقراطية، والاشتراكية.

وهكذا، نجد أن المنهج العلمي الماركسي، لا يختلف، في تفاعله، عن الماركسية كفلسفة، وعن الماركسية كعلم، مع الفلسفة، والمناهج الفلسفية، ومع الآداب، والمناهج الأدبية، ومع العلم، والمناهج العلمية، حتى يتمكن من التطور، والتطوير، وحتى يمتلك القدرة على عمق التحليل، الذي يمكن المحلل من إدراك القوانين، التي تتحكم في الواقع، من استنتاج القوانين النقيضة، التي تمكن من عملية التحويل، ثم التغيير، الذي يقف وراء جعل الواقع، في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بعد تحقيق التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية.

وانطلاقا مما سبق، فإن تغيير الواقع، لا يتم إلا بناء على إيجاد نظرية علمية دقيقة، بناء على تفاعل الماركسية كفلسفة، والماركسية كعلم، والماركسية كمنهج علمي، مع واقع معين، من أجل تفكيكه، وإعادة تركيبه، وصولا إلى إدراك القوانين، التي تتحكم فيه، والقوانين التي يجب اعتمادها، وتفعيلها، من أجل تعطيل تلك القوانين، والشروع في عملية التغيير الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي؛ لأن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، تقوم بمهمة أساسية، وهي كنس الخرافة، والفكر الغيبي، والمثالي، من ذهنية الإنسان، مهما كان مستواه المعرفي، والعلمي، ومن أجل أن يكون العقل المعتمد في التعامل مع الواقع، عقلا ماديا صرفا، حتى تستطيع الماركسية الفعل فيه، والعمل على تغييره تغييرا جذريا، من أجل قيام مجتمع متحرر، وديمقراطي، واشتراكي، برعاية دولة اشتراكية، تحرص على تحقيق التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، ليصير أفراد تلك الدولة، مطمئنين على مستقبلهم.

تطور الماركسية بفعل تطور الواقع:

إن الماركسية ليست جامدة أبدا، فهي متطورة باستمرار، وهي عندما وجدت، وجدت لتتطور، بتفاعلها المستمر مع الواقع المادي، والمعنوي، ومع الآداب، والفلسفة، والعلوم، والمناهج العلمية.

والذين يفرضون جمود الماركسية، وعدم تطورها، إنما يفرضون ذلك، باسم الماركسية، بعد وصولهم إلى الحكم، وبعد انتشار العديد من الأديان المحرفة، التي تفرض ذلك الجمود العقائدي، الذي يفرض وقوف الماركسية، عند نمط معين من المقولات، التي تجعل الماركسية متخلفة عن العصر، الذي تعيش فيه، لتصير الآداب، والفلسفة، والعلوم، والمناهج، التي تتفاعل معها الماركسية، في خدمة التطور الرأسمالي، الذي لا يتوقف أبدا، على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وكأن الرأسمالية هي نهاية التاريخ، كما نظر لذلك فوكو ياما، الذي استغل النظام الرأسمالي العالمي، بصدور كتابه مع نهاية القرن العشرين، والذي يحمل عنوان: (نهاية التاريخ)، الذي جاء بعد كتاب: (الغلانزوست)، الذي أصدره غورباتشوف، الذي وقف وراء تفكيك الاتحاد السوفياتي السابق، والذي نال عن ذلك جائزة نوبل للسلام. وتفكيك الاتحاد السوفياتي السابق إلى دويلات، وجدت نفسها مباشرة وراء اعتماد النظام الرأسمالي، بما في ذلك روسيا، ولكنه النظام الرأسمالي الذي لم ينخرط في عملية استغلال العالم، عن طريق إغراق دوله بالديون الخارجية، عن طريق صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمؤسسات المالية الدولية الأخرى، لتقع تحت طائلة خدمة الدين الخارجي، الذي لا تستطيع التخلص منه بسهولة؛ لأن الدين الخارجي، هو الكماشة التي يمسك بها النظام الرأسمالي العالمي، كل الدول التابعة، والغارقة في الديون الخارجية.

فالجمود العقائدي، إذن، هو المقدمة التي تؤدي بالضرورة إلى فقدان البوصلة الماركسية، لتصبح الماركسية، بذلك، مطية لممارسة بيروقراطية الحزب الماركسي، الذي لا يستطيع فهم الواقع، ولا يستطيع التفاعل معه؛ لأن الماركسية بمعناها الصحيح، لم تعد قائمة في روسيا، حتى وإن استمرت في الصين، أو في كوريا الشمالية، أو في كوبا، أو في منغوليا؛ لأن هذه الدول الاشتراكية، هي دول لا تختلف خصوصياتها، كما تختلف طرق الوصول إلى الاشتراكية فيه، على أساس القول، والفعل البيروقراطيين، ومن منطلق تحويل الماركسية إلى مجموعة من المقولات، التي يرددها الماركسيون في الاتحاد السوفياتي السابق، وكل من رأى الماركسية خارج تلك المقولات الجاهزة، والتي أصبحت بمثابة كتاب مقدس، يردده الماركسيون، كما يردده المنتمون إلى مختلف المعتقدات السماوية، مع فارق واحد، وهو أن ماركسيي الاتحاد السوفياتي السابق، يرددون تلك المقولات الجاهزة، من أجل الالتزام بتطبيقها. وإلا، فإن الممتنع عن تطبيقها، يصبح تحريفيا، يجب التخلص منه، مما جعل العديد من الماركسيين، الذين لهم رأي مخالف، يلجأون إلى الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، التي تغدق العطاء على مثل هؤلاء، وتحتضنهم، وتدفعهم إلى ممارسة الصراع السياسي، ضد الدولة التي يتم التشهير بها، على أنها دولة مستبدة، وغير ديمقراطية، وغير اشتراكية، وإنما هي دولة رأسمالية، ورأسماليته تتجسد في الدولة القائمة في الاتحاد السوفياتي السابق، مما جعل تكريس القول: بأن الاشتراكية غير قائمة أصلا، في العالم، مع أن دولة الاتحاد السوفياتي السابق، دولة اشتراكية، تحولت فيها الماركسية إلى مقولات جاهزة، فرضت القول بما يسمى بالجمود العقائدي، الذي أدى إلى مركزة كل شيء في يد الدولة البيروقراطية، التي لا تسمح، أبدا، بالأخذ بالديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي تحرص على التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية.

والماركسية، ومنذ ظهورها، وهي تواجه التحريف، والتحريفيين، الذين تتعدد مشاربهم، وتوجهاتهم، التي لا حدود لها، وغايتهم الواحدة، والوحيدة، هي جعل الماركسية عاجزة عن القيام بأي دور لصالح العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، في الوقت الذي تواجه فيه الدولة الاشتراكية العظمى، المتمثلة في الاتحاد السوفياتي السابق، كل الدول الرأسمالية، وخاصة الدولة الرأسمالية العظمى: الولايات المتحدة الأمريكية.

فالتحريفية ليست واحدة، فقد واجهها ماركس، وأنجلز في حياتهما، وواجهها لينين، وواجهها ماوتسي تونك، وواجهها كل من تمكن من استيعاب الفهم الصحيح للماركسية، في تطوره، وفي استيعابه لكل المستجدات الطارئة، والتي تقتضيها شروط معينة، في الزمان، والمكان.

وكل من يدعي أنه ماركسي، ولا يستوعب من الماركسية إلا مقولات معينة، يرددها، ولا يدرك أبدا أهمية الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج، وأن الماركسية، في مجملها، تتطور باستمرار. والذي لا يدرك ذلك، كجوهر للماركسية، ليس ماركسيا أبدا. ومن ليس ماركسيا لا يمكنه أن يمارس إلا التحريف. والتحريف لا يخدم إلا مصالح المحرفين، والرجعيي،ن والرأسماليين، والدولة الرأسمالية، والبورجوازية الصغرى، التي لم تنتحر طبقيا.

وانطلاقا من هذا المعطى، فإن الماركسية المتطورة، باستمرار، برز منها ثلاثة أوجه: الوجه الفلسفي، والوجه العلمي، والوجه المنهجي، وهذه الأوجه الثلاثة، يصعب الفصل بينها، في عملية التطور، التي لا تكون إلا شمولية.

ومع ذلك، ومن أجل العمل على استيعاب عملية التطور، فإننا نعمل على إعمال التدقيق الذي عملنا عليه، منذ بداية معالجتنا لهذا الموضوع، حتى نتمكن من الوقوف على أن عملية التطور، محصنة في الماركسية كفلسفة، وفي الماركسية كعلم، وفي الماركسية كمنهج علمي.

فالماركسية كفلسفة، بمنطلق مادي تتفاعل مع الواقع في شموليته، وفي كونيته، وفي تحوله باستمرار، من أجل الاستفادة مما حصل فيه من تطور، حتى تعده للقراءة الفلسفية، ومن أجل أن تتمكن من طرح الأسئلة، التي يقتضيها التطور الحاصل في الواقع، في شموليته، وفي كونيته. وتلك القراءة الفلسفية، هي التي تمكن من امتلاك الرؤيا الفلسفية المتطورة عن الواقع، والتي تصير منطلقا لطرح الأسئلة الفلسفية، المنسجمة مع الرؤيا المتطورة، التي تصير محفزة على البحث الفلسفي المعمق، الهادف إلى إنتاج خلاصات مهمة، تنضاف إلى ما تحقق حتى الآن، من معارف علمية، تمكن من العودة إلى الفلسفة الماركسية، التي تتعمق في البحث، من أجل الوصول إلى خلاصات جديدة، تضاف إلى الخلاصات السابقة، من أجل إيجاد علم ماركسي معين، وهكذا...

والفلسفة الماركسية، عندما تتطور انطلاقا من شمولية الواقع، فإنها تتفاعل أولا، مع تحولات الواقع، ومع الكيان البشري في تطوره، ومع ما يحصل في المعارف الفلسفية المختلفة من تطور، ومع التطور الملازم لمختلف العلوم، سواء كانت إنسانية، أو كيميائية، أو فيزيائية، أو طبيعية، أو رياضية، أو تقنية، أو تقنية حديثة، أو دقيقة.

وإذا كان الإنسان، في جوهره، فلسفيا بالطبع، فإن الماركسية، تعبر عن هذه الفلسفة، بجعل المنطلق المادي في التفكير، هو الأساس. وإذا كان التطور ملازما للإنسان، في مسيرته التاريخية، فإن هذا التطور ملازم كذلك للماركسية، في مسيرتها التاريخية. وإذا كانت جميع الفلسفات التي تنتمي إلى مدارس مختلفة تتطور، تبعا لتطور رؤاها المثالية، التي تسبح في الخيال الواقعي، وغير الواقعي، فإن الفلسفة الماركسية تتطور، ولكن من منطلق ما يعرفه الواقع، في شموليته، وفي كونيته من تطور، وصولا إلى طرح أسئلة يفرضها الواقع المتطور، والتي لا تكون هي أيضا إلا متطورة، تفضي إلى إغناء مختلف العلوم القائمة في الماركسية كعلم.

وتبعا للتطور الذي تعرفه الماركسية كفلسفة، فإن الماركسية كعلم، تستفيد كثيرا، في تطورها، على تطور الماركسية كفلسفة، في الوقت الذي تتفاعل فيه الماركسية كعلم، مع الواقع، لتحقيق هدفين أساسيين:

الهدف الأول: إثبات صحة العلم الماركسي، المفعل في واقع معين، وفي أي مجال من مجالات الحياة الطبيعية، والبشرية المتعطشة لتفعيل العلم الصحيح، الذي يمكنها من إشباع حاجياتها المختلفة، حتى يتأتى لها الإحالة على الفلسفة، التي تعتبر وحدها، وبعد البحث الفلسفي المعمق، قادرة على طرح السؤال الفلسفي النوعي، الهادف إلى إيجاد جواب علمي دقيق، عن قدرة العلم على فهم ما يجري، أو عن عجزه عن التفعيل، انطلاقا من الاستفادة من تطور الماركسية كفلسفة، ومن تطور تحولات الواقع، في نفس الوقت.

الهدف الثاني: التفاعل مع الواقع، الذي يغني العلم الماركسي، ومع كل ما يجري فيه، سعيا إلى جعل العلم الماركسي مفيدا، ومستفيدا من الماركسية كفلسفة متطورة، ومتجددة باستمرار، ومن كل العلوم القائمة في الواقع، فيزيائية كانت، أو كيميائية، أو رياضية، ومن التقنيات المتطورة في جميع قطاعات الحياة، ومن التقنيات الحديثة، أو الدقيقة.

فالماركسية كعلم، إذن، هي المدخل لمعرفة الواقع، وهي الوسيلة لفهم الواقع فهما معينا دقيقا، وهي المحفزة على العمل على إيجاد وسيلة للتغيير، المتمثلة في بناء نظرية عن الواقع، انطلاقا من خصوصيته، وهي المستوجبة لقيام حزب ثوري، يقود عملية التغيير في الاتجاه الصحيح، حتى وإن كان ذلك الاتجاه، يقتضي الحرص على النضال الديمقراطي، بمعناه الصحيح، وهي التي تجعل أي ماركسي مخلص في النضال، من أجل العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وحريصا على جعل الواقع في خدمتهم، اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا.

وبالإضافة إلى ما ذكرنا، فالماركسية كعلم، تساهم بشكل كبير، في تطور، وفي تطوير العلوم، والتقنيات، والتقنيات الحديثة، أو الدقيقة، حتى تجعل من كل ذلك، وسيلة مثلى، لجعل الواقع متطورا، في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، في أفق الوصول إلى قيام الدولة الاشتراكية، التي تعرف فيها الماركسية كعلم، تطورا من نوع جديد، في أفق تحقيق المجتمع الشيوعي، الذي لا يعني إلا تحقيق العدالة المطلقة، كآخر ما تنشده البشرية على وجه الأرض، والتي تعرف الالتزام بالشعار الشيوعي: (على كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته).

ونظرا لأن العلم الماركسي، لا بد فيه من منهج علمي، ومن قوانين علمية، تحول دون السقوط في مهوى التحريف، فإن الماركسية كمنهج، هي التي تقوم بهذا الدور، من خلال توظيف قوانين المادية الجدلية: (الدياليكتيكية)، والمادية التاريخية؛ لأن ذلك التوظيف، في حد ذاته، هو الذي يطور الماركسية، وهو الذي، في نفس الوقت، يجعل الماركسية كفلسفة تتطور ،والماركسية كعلم تتطور أيضا؛ لأن تلك القوانين، وحدها، تمكننا من التحليل الملموس، للواقع الملموس، الذي يمكننا من المعرفة العلمية للواقع، الذي نتحرك فيه، كما يمكننا من إدراك القوانين التي تتحكم فيه، وما يجب عمله من أجل تغييره، ولكن لصالح العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، انطلاقا من خصوصية المكان، والزمان، وسعيا إلى جعل العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، يمتلكون وعيهم بالذات، وبالواقع، في تجلياته الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ومدركين لموقعهم في علاقات الإنتاج، حتى يقوموا بدورهم كاملا، من خلال حزبهم الثوري، الذي لا يمكن أن يكون إلا حزب الطبقة العاملة، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وليس حزب البورجوازية الصغرى، الذي لا يتجاوز أن يكون حزبا، يجعل أفقه قيام القيادات الحزبية، بتحقيق تطلعاتها الطبقية، من أجل أن تتخلص من قواعدها، وتلتحق بالبورجوازية الكبرى.

والمنهج الماركسي، الذي يتطور، بتطور الماركسية كفلسفة، والماركسية كعلم، يتطور، أيضا، تبعا لما يحصل من تطور، في مختلف المناهج الأدبية، والفلسفية، والعلمية، سواء كانت ماركسية، أو غير ماركسية؛ لأن المنهج الماركسي، لا يستفيد من تلك المناهج، إلا ما يجعله يتطور في الاتجاه الصحيح، دون التخلي عن منطلقه المادي، في بناء المنهج العلمي المتطور، الذي لا يتوقف تطوره، في فكر، وفي ممارسة أي حركة ماركسية، في أي بلد، وفي أية قارة، انطلاقا ن خصوصية الزمان، والمكان، وسعيا إلى تحقيق التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، كما ذهب إلى ذلك الشهيد عمر بنجلون، في تقديمه للتقرير الأيديولوجي، في المؤتمر الاستثنائي، المنعقد في يناير 1975.

فالذي يتطور من الماركسية، إذن، هو الماركسية كفلسفة، والماركسية كعلم، والماركسية كمنهج علمي. وهذا التطور، لا يتوقف عند حدود معينة. فهو مستمر، مادامت الحياة مستمرة، وما دام التفاعل قائما في الواقع، بين الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، وبين كل ما يجري في الواقع الطبيعي، والمجتمعي، وفي الواقع الأدبي، والعلمي، والمعرفي، والإنساني، ليضمن التطور المستمر للماركسية بصفة شمولية، وأملا في أن تصير الماركسية، كأيديولوجية للكادحين، حاضرة في اهتمام جميع أفراد المجتمع، الذين يجعلون من الماركسية وسيلة لتغيير الواقع، في أفق جعله في خدمة الكادحين، مهما كانت طبيعة الكدح الذي يمارسونه في واقعهم، الذي يعيشون فيه.

بناء نظرية التغيير في واقع معين:

وبعد وقوفنا على أن التطور يستهدف الماركسية كفلسفة، والماركسية كعلم، والماركسية كمنهج علمي، بصفة شمولية، من خلال التفاعل مع الطبيعة، ومع المجتمع، ومع الفلسفة، ومع العلوم، ومع المناهج العلمية، ومع التقنيات بصفة عامة، ومع التقنيات الحديثة، أو الدقيقة، بصفة خاصة، من أجل الارتقاء بالماركسية، إلى مستوى تطوير خدمة الإنسان بصفة عامة، وخدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين بصفة خاصة، ننتقل إلى العمل على بناء نظرية التغيير، التي يمكن اعتمادها أساسا، من قبل حركة ثورية معينة، لتغيير واقع معين: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا.

وإذا كانت أية حركة ثورية، لا يمكن أن تفعل في واقع معين، إلا بامتلاك نظرية ثورية معينة، فإننا نستطيع أن نعمل، في إطار الحركة الثورية، على بناء نظرية معينة، لتغيير واقع معين، تغييرا قويا، وبالطريقة المناسبة، التي ترى الحركة: أنها تمكن من عملية التغيير المنشود.

ومنذ ظهرت الماركسية، قال الثوريون العظام، الذين قادوا أول ثورة ماركسية اشتراكية: (لا حركة ثورية، بدون نظرية ثورية). ونحن نضيف: بناء على بساطة رؤيانا: (لا تفعل النظرية الثورية، إلا الحركة الثورية)، حتى نقطع الطريق أمام المدعين، وأمام التحريفيين، وأمام المتمركسين، وأمام من يصف العمل الرجعي المتخلف، والإرهابي، بالعمل الثوري.

فما الذي يمكن اعتماده في بناء النظرية الثورية، المنسجمة مع واقع معين، بخصوصية معينة، في مكان ما، وفي زمن ما؟

هل يمكن اعتماد الفلسفة الماركسية؟

هل يمكن اعتماد العلم الماركسي؟

هل يمكن اعتماد المنهج الماركسي؟

إن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، لا يمكن إلا أن تكون معتمدة، في تفكيك واقع معين، وإعادة تركيبه، من أجل إدراك القوانين المتحكمة فيه: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، وبإدراك القوانين المتحكمة في ذلك الواقع، نستطيع وضع قوانين التغيير، التي يجب اعتمادها من قبل الحركة، حتى تستطيع الفعل في الواقع، في أفق تغييره، تغييرا شموليا، يستهدف الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والسياسة.

فالفلسفة الماركسية، مهمتها طرح الأسئلة الفلسفية المساعدة على البحث في الواقع، بحثا فلسفيا، يمهد الطريق، أمام إمكانية طرح أسئلة تقود إلى البحث العلمي في الواقع، من أجل إيجاد أجوبة علمية، تقود إلى إدراك الواقع، إدراكا علميا، يمكننا من معرفة القوانين المتحكمة في الواقع، والتي ننطلق منها، لاستنتاج قوانين التغيير، التي تحيلنا من جديد على الفلسفة الماركسية، التي تحيلنا بدورها على عملية طرح الأسئلة المناسبة، من أجل العمل على التدقيق في قوانين التغيير، على المستوى العلمي الماركسي، حتى تصير فعاليته ناجحة، ومسرعة، بعملية التغيير، في أفق تحقيق أهداف معينة، تجعل الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، في خدمة المجتمع ككل، وفي خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، الذين يسعون إلى التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، كأهداف ماركسية، وبناء الدولة الاشتراكية.

وعندما تنتهي الفلسفة الماركسية، التي لا تنتهي أبدا، في مواكبتها للواقع، في تحولاته المختلفة في الزمان، والمكان، وطرح الأسئلة الفلسفية اللازمة، يأتي دور الماركسية، كعلم يلم بقوانين الواقع، في تحولاته الطبيعية، والفيزيائية، والكيميائية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. ذلك الإلمام الدقيق، الذي يصير شرطا لمساهمة الماركسية كعلم، في بناء نظرية التغيير، التي تنطلق من خصوصية الواقع. والتي تفتقر إليها، كل الحركات الماركسية، عبر العالم، حتى تقطع الطريق أمام استيراد النظريات، التي التي تناسب خصوصيات أخرى، في الزمان، وفي المكان، لتطبيقها في واقع مختلف، في الزمان، وفي المكان، مما يؤدي، بالضرورة، إلى فشلها؛ لأن المسألة، ليست مسألة استيراد النظريات، بل إن تلك النظريات المستوردة، إذا كانت مناسبة لمكان، وزمان معينين، بخصوصية معينة، لا يمكن تطبقها، تعسفا، في واقع مختلف.

والواقع المختلف، ليس محتاجا إلى استيراد النظريات، كالماركسية اللينينية، أو الماوية، على سبيل المثال، بل في حاجة إلى بناء نظرية ثورية مناسبة له، تمكن من العمل على تغييره، تغييرا شاملا، اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، انطلاقا من النظرية الثورية المناسبة، والمتناسبة، مع خصوصية الواقع، في المكان، وفي الزمان.

فالماركسية كعلم، عندما تعتمد في بناء نظرية التغيير، فإنها تضمن التدقيق في عملية البناء، الذي يصير قادرا على تحدي كل الصعوبات، التي تقف في وجه تفعيل النظرية الماركسية، على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، سعيا إلى إنجاز عملية التغيير، في مستوياتها المختلفة، من أجل إنجاز واقع مختلف، متماسك، وفعال، يقف وراء تطور، وتطوير الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي؛ لأن التغيير الشمولي، يصح فيه كل شيء، لا علاقة له بالمجتمع المتطور، فاعلا، ومتفاعلا مع الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، ومطورا للماركسية، في أبعادها المختلفة، ومتطورا بها.

ولذلك، فالعلم الماركسي، بقدر ما يتفاعل مع الواقع، بقدر ما يفعل في،ه وبقدر ما يتفاعل معه الواقع، بقدر ما يفعل فيه، ومن منطلق التفاعل بين الجانبين، والفعل في كل من الجانبين، تولد حركة منسجمة، ولكنها، في نفس الوقت، منتجة للفكر، الذي يوجه الممارسة التي تثبت صحة الفكر، أو عدم صحته، ما دامت الماركسية، في حركتها، وفي تطورها، تستهدف الإنسان، وما دام الإنسان من مكونات الواقع، الذي يتشكل وفق الفكر، الذي ينتجه الإنسان الممارس له في الواقع، ليتأكد من صحته، أو من عدمها.

والماركسية كعلم، لا يمكن أن تكون صحيحة، ما لم يتم انتشارها، وفق ما تقتضيه الماركسية كمنهج علمي.

والماركسية كمنهج علمي، هي عبارة عن تفعيل مجموع القوانين العلمية، التي تندرج ضمن المادية الجدلية، والمادية التاريخية، بتوطئتها الفلسفية: المادية الجدلية، والمادية التاريخية.

ودور المنهج الماركسي، هو تأطير الإنتاج الفلسفي الماركسي، وتأطير إنتاج العلم الماركسي، والحضور المكثف في فلسفة البناء الماركسي، من أجل إحضار أهمية التزام البناء النظري، بالمنهج الماركسي، الذي يقتضي أن يعمل على تقويم ذلك البناء، حتى يصير في مستوى مواكبة التحولات، في الواقع الطبيعي، والمجتمعي، والمعرفي، والفلسفي، والعلمي، والتقني الدقيق، وفي مستوى المساهمة في عملية التغيير، التي تستهدف الفكر، والممارسة، باعتبارهما متفاعلين باستمرار.

فالمنهج الماركسي، هو منهج علمي، والمنهج العلمي، لا يكون، كذلك، إلا بضوابطه القانونية المتطورة باستمرار، تبعا لتصور هذه القوانين العلمية، التي تندرج ضمن المادية الجدلية، والمادية التاريخية. وهو ما يعني: أن أي شخص يطمح إلى أن يصير ماركسيا، فإن عليه أن يكون مستوعبا للمنهج العلمي الماركسي. واستيعاب المنهج العلمي الماركسي، لا معنى له، إلا باستيعاب قوانين المادية الجدلية، والمادية التاريخية، إلى درجة التمثل، باعتبار تلك القوانين: أدوات للتحليل الملموس، للواقع الملموس، باعتبارها وسائل، لتحصين المناضل الماركسي، ولتحصين الحركة الماركسية، ولضبط الاتجاه الذي يكون محكوما بالتطور، حتى يتأتى العمل على نهج متطور، ومتفاعل، وفاعل في واقع معين.

وإذا كان في إمكان المنهج الماركسي، أن يفكك الواقع، وأن يعيد تركيبه، وأن يسعى إلى نهج الطريق الصحيح، في جعل الواقع يتغير إلى الأرقى، حتى لا ييأس من التطور، وحتى لا تغلب في واقع معين، عوامل كبح التحول، التي تحول دون تغيير الواقع، في الاتجاه الصحيح؛ لأنه بقدر ما يتم إعمال قوانين المنهج العلمي الماركسي، بقدر ما يتبين ما يجب عمله، من أجل تغيير الواقع إلى الأعلى، والأحسن، في نفس الوقت، وبقدر ما نعمل على كبح تفعيل تلك القوانين، بقدر ما نتعامل مع واقع، نجهل هويته. وجهل الهوية: لا يعني إلا العجز عن تفعيل القوانين العلمية، في التحليل الملموس، للواقع الملموس. والعجز، لا يعبر إلا عن الجهل بأدبيات الماركسية، كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي. والجهل بالأدبيات الماركسية، يجعل الباب مفتوحا أمام قيام أي شيء، في صفوف اليسار، إلا أن يكون اليسار ماركسيا، قلبا، وقالبا، إلا أن يكون الماركسيون، مستوعبين للماركسية، كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي.

والسؤال الذي يصبح ملحا الآن، وأكثر من أي وقت مضى:

ما هو اليسار، ومن هم اليساريون؟

هل الحركة التي لا تعتنق الاشتراكية العلمية، يمكن أن تحسب على اليسار؟

وهل اليساريون الذين لا يستوعبون الماركسية، كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، يمكن أن يكونوا يساريين؟

وإذا اعتبرنا مسبقا، أن كل من يدعي أنه ينتمي إلى اليسار، بدون هوية ماركسية، أنه يساري، وأن الحركة، التي ينتمي إليها، يسارية:

فما هو الأفق الذي يعمل من أجله هؤلاء الماركسيون، بدون هوية ماركسية، وهذه الحركة أيضا، التي لا هوية ماركسية لها؟

إن حركة بدون هوية ماركسية، لا يمكن أن تكون يسارية، واليساريون بدون هوية ماركسية، لا يمكن أن يكونوا يساريين، والأفق الذي يعملون من أجله، هو مجرد أفق بورجوازي صغير، ليس إلا، لتصير البورجوازية الصغرى، ممارسة للسطو على النقابات، وعلى الجمعيات، وعلى الأحزاب اليسارية، التي تم، ويتم إفراغها من محتواها الماركسي، خدمة للبورجوازية التابعة، وللتحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف.

ألا يجب أن نتوقف قليلا، من أجل الإجابة على السؤال:

هل الأحزاب التي ننتمي إليها يسارية؟

وهل نحن يساريون؟

وللإجابة على هذين السؤالين، لا بد أن نسجل: أن الحركة اليسارية، إذا لم تأخذ بالماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، لا يمكن أن تكون يسارية، وأن اليساريين إذا لم يستوعبوا الماركسية، كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، لا يمكن أن يكونوا يساريين؛ لأن أي حركة تدعي اليسارية، ولا تأخذ بالماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، هي مجرد حركة بورجوازية صغرى، تضم بين صفوفها ثلة من الانتهازيين، الذين يبعثون باستمرار، من أجل تحقيق تطلعاتهم الطبقية. والمنتمون إلى الحركة التي تدعي أنها يسارية، هم مجرد بورجوازيين صغارا، يبحثون عن تحقيق نطلعاتهم الطبقية، بأي وسيلة كانت، بما فيها: ادعاء الانتماء إلى اليسار، وهم لا يستوعبون الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي.

فاليسار الحقيقي، إذن، هو اليسار الاشتراكي العلمي، الذي يستوعب الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي.

واليساريون الحقيقيون، إذن، هم اليساريون المقتنعون بالاشتراكية العلمية، كوسيلة، وكهدف، كما عبر عنها الشهيد عمر بنجلون، في تقديمه للتقرير الأيديولوجي، في المؤتمر الاستثنائي، المنعقد في يناير 1975، قبل أن يستشهد على يد الظلاميين، سنة 1975، ويستوعبون الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي.

المفيد في إنجاز عملية التغيير:

إننا عندما نعتبر أن الماركسية كفلسفة متطورة، وكعلم متطور، وكمنهج علمي متطور، باستمرار، هي المبتدأ، وهي المنتهى، في الانتماء إلى اليسار، وأن أية حركة، لا يمكن أن تعتبر يسارية، إلا إذا اقتنعت بالاشتراكية العلمية، وأن اليساريين، لا يمكن أن يكونوا كذلك، إذا لم يكونوا اشتراكيين علميين. وهو ما يطرح علينا السؤال:

ما المفيد في عملية التغيير، التي تنشدها الماركسية كفلسفة، والماركسية كعلم والماركسي كمنهج علمي، في العلاقة مع الواقع المستهدف بالتغيير؟

هل المفيد هو الماركسية كفلسفة؟

هل المفيد هو الماركسية كعلم؟

هل المفيد هو الماركسية كمنهج علمي؟

إن الماركسية، عندما تفعل في واقع معين، فإنها لا تجزأ في عملية التفعيل، مهما كانت مجحفة بالنسبة لواقع معين. فالماركسية واحدة، سواء كانت فلسفة، أو علما، أو منهجا علميا.

ونحن في إعمالنا للماركسية في الواقع، كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، لا نستطيع أن نمييز في إعمالنا للماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي؛ لأننا نطرح السؤال الفلسفي، ونوظف العلم الماركسي، في إيجاد الجواب المناسب، ونمنهج عملنا في الواقع، وفق المنهج العلمي الماركسي، من أجل معرفة الأفيد من الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي.

ونحن، في تعاملنا، مع الواقع، نجد أن الفلسفة الماركسية، هي الأفيد في طرح السؤال، وأن العلم الماركسي، هو الأفيد في إيجاد الجواب العلمي، المتناسب مع السؤال الفلسفي المطروح، وأن المنهج العلمي الماركسي، هو الأفيد في عملية التحليل الملموس، للواقع الملموس. وهو ما يعني: أن الماركسية، في شموليتها، هي الأفيد في عملية تغيير الواقع.

غير أن عملية الفصل بين الفلسفة الماركسية، والعلم الماركسي، والمنهج العلمي الماركسي، تساعدنا على الوقوف على التفصيل القائم في الواقع، على مستوى الجوانب التي تفيد فيها الفلسفة الماركسية، والجوانب التي يفيد فيها العلم الماركسي، والجوانب التي يفيد فيها المنهج العلمي الماركسي، من أجل الوصول إلى أن الماركسية ككل، مفيدة في تغيير الواقع.

فالماركسية كفلسفة، تجعلنا نتدبر الواقع، ونتأمل تحولاته التي نفهمها، والتي لا نفهمها، من أجل طرح الأسئلة المفعلة في الواقع، والمحفزة على إعمال العقل فيه، والسعي إلى البحث عن الجواب المناسب، لكل سؤال جزئي، والعمل على تركيب الجواب العلمي المناسب، لمجمل الأسئلة الجزئية المطروحة، والذي لا يكون إلا علميا، خبيرا بالواقع، الفارز للأسئلة المطروحة على المستوى الفلسفي، الذي يتفاعل مع نتائج العلم الماركسي، من أجل طرح المزيد من الأسئلة التي تستهدف تحولات الواقع المادي، والمعنوي. وما يحصل فيه من تطور اقتصادي، واجتماعي، وثقافي، وسياسي، من أجل إعمال العلم من جديد، في أفق إيجاد أجوبة علمية جزئية، يمكن اعتمادها لإيجاد جواب علمي مركب. وهكذا...

والماركسية كعلم، تفيدنا في إعمال العقل العلمي في الواقع، من أجل ترتيبه، أو إعادة ترتيبه، ترتيبا علميا، في أفق جعل الواقع الطبيعي، والاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي، والسياسي، خاضعا للخطوات العلمية الدقيقة، التي تجعل منه واقعا منتجا، لصالح العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، باعتبار تلك الخدمة، هي الهدف الأسمى للعلم الماركسي، الذي وجد، في الأصل، لخدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

وانطلاقا من هذا الهدف الواقعي، الذي يسعى العلم الماركسي إلى تحقيقه، فإن العلم الماركسي، الذي يفهم الواقع فهما علميا، يجد نفسه، وجها لوجه، أمام ما يترتب عن تحولات الواقع، فهما علميا، يجد نفسه، وجها لوجه، أمام ما يترتب عن تحولات الواقع، في مختلف المجالات، مما يجعله يخضع، كل جديد، للممارسة العلمية، من أجل معرفة القوانين العلمية، التي تضبطه، حتى تصير جزءا لا يتجزأ من العلم الماركسي، المعتمد في تطوير الواقع، وجعله يتطور، تبعا لما يقتضيه الواقع المتحول، حتى يصير العلم الماركسي أفيد.

وإذا كانت الماركسية كعلم، أكثر فائدة في عملية التغيير، التي يخضع لها الواقع، فإن هذه الماركسية كعلم، لا يمكن أن تكون، كذلك، لولا الماركسية كمنهج، يمكن اعتماده في التحليل الملموس، للواقع الملموس، مما يفيد كثيرا في تعمق الماركسية كعلم في الواقع، الأمر الذي يترتب عنه: أن تفعيل قوالب العلم الماركسي، في تحليل الواقع المادي، وجعل الماركسية كعلم، تتعمق فيه، يؤدي، بالضرورة، إلى قيام تفاعل بين الماركسية كعلم، والماركسية كمنهج علمي، وهو ما يؤدي إلى تطورهما معا، وتطور فعلهما في عملية تغيير الواقع، في الاتجاه الصحيح، الذي يحول الواقع من خدمة الرأسمالية التبعية، بكل ذيولها، إلى خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وفي إطار تحقيق التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، كوسيلة، وكهدف.

والماركسية كمنهج، تحضر في تفعيل الماركسية كفلسفة، والماركسية كعلم، من أجل تطوير، وتطور الماركسية كفلسفة، والماركسية كعلم، والماركسية كمنهج، من أجل الوصول إلى تحقيق التحول النوعي في الفلسفة الماركسية، في مساءلة الواقع، بالإضافة إلى التحول النوعي في العلم الماركسي، الذي يبقى المنهج الماركسي، بدون إنتاج علمي دقيق، يستطيع أن ينفذ إلى الواقع، وأن يغيره تغييرا علميا دقيقا، يمكنه من عملية التحول في الاتجاه الصحيح، ليأتي دور الفلسفة الماركسية، في تفاعلها مع المنهج الماركسي، من خلال طرح السؤال المنهجي الواقعي، العلمي، والذي يستوقفنا، من أجل أن نتعمق في الواقع، وأن نعمل العقل في كل صغيرة، وكبيرة فيه، وصولا إلى استنتاج الأجوبة السليمة، والعلمية، عن تحولات الواقع، وعن إمكانية تغييره، حسب ما يقتضيه العلم الماركسي المتطور.

وبناء على ما رأينا، فإننا نجد: أن الماركسية كفلسفة، والماركسية كعلم، والماركسية كمنهج علمي، أكثر فائدة في عملية التغيير المادي، والمعنوي، من أجل جعله أكثر إنتاجا، وأكثر استجابة لحاجيات المجتمع، وأكثر خدمة للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وأكثر قدرة على إنتاج واقع مختلف، يضمن التحرير، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، بين جميع أفراد المجتمع، في أفق تحقيق الاشتراكية، كنظام سياسي، يشرف على عملية التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، بين جميع أفراد المجتمع، الذين يتساوون رجالا، ونساء، وأمام الدول،ة وأمام القانون، وأمام القضاء، وعلى أساس الفصل بين السلطة السياسية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، في إطار الدولة الاشتراكية، التي تقطع، بصفة نهائية، مع الاستعباد، ومع الاستبداد، ومع الاستغلال، في أفق التحرر، والديمقراطية، والاشتراكية، وسعيا إلى الاستمرار في عملية التحويل، لصالح الكادحين، اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، لإثبات أن الماركسية، في شموليتها، هي الأصلح في عملية تغيير الواقع.

صلاحية الماركسية لكل زمان ومكان:

يقول فقهاء الظلام: ((إن ما جاء في الكتاب والسنة، صالح لكل زمان، ومكان)). ونحن نقول: إن الماركسية صالحة لكل زمان، ومكان، سواء كانت فلسفة، أو علما، أو منهجا علميا.

والفرق بين الصلاحية، والصلاحية، واضح؛ لأن صلاحية الكتاب، والسنة، ليست من صلاحية الماركسية كفلسفة، أو كعلم، أو كمنهج علمي.

فصلاحية الكتاب، والسنة، ورغم الأبحاث، التي لا حدود لها، لا في الزمان، ولا في المكان. فإن هذه الصلاحية، لا تتجاوز أن تكون تطبيقا للأحكام، الواردة في الكتاب: (القرءان)، وفي السنة: (الحديث)، ودون تغيير، لا في المفهوم، ولا في المنطوق.

فقد جاء في القرءان، فيما يخص الإرث: (للذكر مثل حظ الأنثيين)، ليصير ما يرثه الرجل، ضعف ما ترثه الأنثى، لا على سبيل الاستحقاق، ولكن؛ لأن القرءان يفضل الرجل على المرأة، كما جاء في أية أخرى: (وللرجال عليهن درجة). وقطع يد السارق، هي نفسها، لم تتغير غير الشروط المتغيرة، التي أصبحت حاضرة، على ما ورد، في كل مكان، وفي كل زمن، دون أن يتغير قطع يد السارق: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله)، وتطبيق حكم الزاني، والزانية، هو، هو، في كل زمان، وفي كل مكان. فلا فرق بين الزاني، والزانية، ساعة نزول القرءان، في تطبيق الحكم، وبين أي زمان، في أي مكان. وهكذا...

بينما نجد: أن صلاحية الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، مختلفة؛ لأن الماركسية كفلسفة، مهمتها هي إعمال العقل في الواقع المادي، والمعنوي، وصولا إلى العمل، على إيجاد أجوبة دقيقة، تهدف إلى جعل الواقع، في مستوى صيرورته في خدمة الكادحين، خاصة وأن إعمال العقل في الواقع، لا يمكن أن يكون إلا فلسفيا / معرفيا / فكريا، وصولا إلى طرح السؤال الضروري، للبحث عن الإجابة العلمية. وهو أمر كان قديما، في مدارس فلسفية أخرى، أنتجت ركاما فلسفيا مفيدا، منذ أفلاطون، وأرسطو طاليس، واستمرت خلال القرون الماضية، وصولا إلى ماركس، الذي قلب فلسفة هيكل رأسا على عقب، وجعل دياليكتيكيته تمشي على رجليها، بعد أن كانت تمشي على رأسها، الأمر الذي أثبت: أن الغاية من الفلسفة الماركسية، هي معرفة الواقع، معرفة دقيقة، بالإجابة على أسئلة الفلسفة الماركسية، التي تعتمد قوانين الجدل، في مساءلة الواقع المادي، والمعنوي، مما يجعل الماركسية كفلسفة، تنكب على مساءلة أي خصوصية، من أجل فهمها، ومن أجل إدراك قوانينها، ومن أجل العمل على تغيير تلك القوانين، حتى تصير القوانين الجديدة مغيرة للواقع، تغييرا علميا، في الاتجاه الصحيح.

وإذا كان الكتاب، والسنة، لا يعرفان إلا الثبات، وعدم تجاوز المقولات، فإن الماركسية متطورة باستمرار، ومطورة للواقع المادي، في شموليته: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، ومتغيرة، تبعا لتغير الواقع، مع الحفاظ على المنطلقات، وعلى السعي المستمر إلى التغيير المادي، والمعنوي، سعيا إلى تحقيق التحرير، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، وسعيا إلى جعل الواقع في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين. الأمر الذي يترتب عنه: أن الكتاب، والسنة، ثبات، وتطبيق مستمر، إلى ما لا نهاية، وأن الماركسية تحول، وتطور مستمرين، وأن صلاحية الكتاب، والسنة، لكل زمان، ومكان، آتية من فرض التطبيق بالقوة، على واقع معين، حتى وإن تعارض تطبيق ما جاء في الكتاب، والسنة، مع الواقع، الذي يصير ضحية له. أما صلاحية الماركسية، لكل زمان، ولكل مكان، فآتية من كون الماركسية:

أولا: تتفاعل مع الواقع، تفاعلا فلسفيا، وعلميا، ومنهجيا، مما يجعل الواقع يتطور، تطور الأحياء، التي لا تتوقف عن النمو، مهما كانت الشروط؛ لأن الأولوية، في الماركسية، للحياة، وليس للتفكير في الموت، وفي عذاب القبور.

ثانيا: تنمي في مكونات الواقع المادية، والمعنوية، التفاعل المنتج فيما بينها، مما يؤدي، بالضرورة، إلى التجدد المستمر، في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.

ثالثا: أن الماركسية، في بنيتها، تحمل عوامل وعي الإنسان المادي، والمعنوي، مما يجعل هذا الإنسان كفرد، وكطبقة، يعي بالذات، وبالوضع الموضوعي، وبالموقع من علاقات الإنتاج، وبقيمة الإنتاج، وبضرورة توزيع جزء من تلك القيمة كأجور على العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وبمصير الفائض من الأجور، وبالرأسمال الثابت، والذي يصير جزءا لا يتجزأ من رأسمال المستغل، الذي يوظفه في إيجاد المزيد من وسائل الاستغلال المادي، والمعنوي.

رابعا: أن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، تعمل على تغيير الواقع، تغييرا جذريا، بالقضاء على العبودية، مهما كان مصدرها، وعلى الاستبداد، مهما كانت طبيعة النظام المستبد، وعلى الاستغلال الرأسمالي، والإقطاعي، وعلى أشكال الاستغلال الأخرى، مهما كان مصدرها، والعمل على إطلاق عملية تحرير الإنسان، والأرض، وتحقيق الديمقراطية، بمضامينها: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، في أفق بناء الدولة الاشتراكية، على أسس التحرير، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، في أفق الاشتراكية.

خامسا: إن الماركسية المتطورة باستمرار، تعمل على جعل الواقع، يتطور كذلك باستمرار، مما يؤدي، بالضرورة، إلى تطور الفكر، وتطور الممارسة، وتطور العلم، وتطور الأدب، وتطور الفلسفة، وتطور مختلف المناهج، وتطور اللغة، وتطور الصناعة، وتطور نوعية الإنتاج المادي، والمعنوي، وتطور الزراعة، وتربية المواشي، وتطور استفادة الإنسان من الواقع، مهما كان هذا الواقع، وكيفما كان، في الوقت الذي نجد فيه: أن تطبيق مضامين الكتاب، والسنة، تجمد الواقع، بل ترجع به إلى الوراء.

والعيب ليس في الكتاب، والسنة، إذا استمرا كمصدر للمعتقدات الفردية، في ممارسة المؤمن الفرد، بالكتاب، والسنة، أثناء ممارسته للتعبد الشخصي، بل العيب في استغلال إيمان الناس بالكتاب، والسنة، من قبل الدولة المؤدلجة للدين الإسلامي، التي تعتبر: أن تطبيق ما ورد في الكتاب، والسنة، على المؤمنين بهما، في إطار الدين الإسلامي، واجب (شرعي). والواجب (الشرعي)، يحول دون التقدم، والتطور، ودون إعمال الفكر في الواقع، ودون احترام الإنسان، الذي تختلف معه الدولة المؤدلجة للدين الإسلامي، التي لا ترى الدين الإسلامي إلا في جمود الواقع، وتخلفه، ولا ترى في الدين الإسلامي، إلا عدوا للعقل، والفكر، والممارسة المتقدمة، والمتطورة، وعدوا للماركسية، والماركسيين، ليتحول الصراع في المجتمع، من صراع طبقي، إلى صراع ضد العلم، وضد المعرفة العلمية للواقع، وضد العقل، وضد إعمال العقل في الواقع. وهو ما يترتب عنه القول: إن الصراع بين السماء، والأرض، ليس واردا في عصرنا هذا، ولكنه هو المسيطر، وإن الكتاب والسنة، يعملان السيوف في الرقاب منذ اربعة عشر قرنا، من أجل تطويع الفكر، وتطويع الممارسة، لصالح ما يسعى إليه مؤدلجو الكتاب، والسنة، الذين يسعون إلى السيطرة على الحكم، في كل زمان، وفي كل مكان، وأن هذا الصراع يتجدد باستمرار، وكأن الكتاب، والسنة، لم يوجدا إلا في مرحلة توجه فكري، أو علمي، أو سياسي، يتعارض ما يسعى إليه، مع ما يصر على تحقيقه مؤدلجو الكتاب، والسنة، ومن هذا المنطلق، نجد أن الكتاب، والسنة، دخلا في صراع مع ماركس، والماركسية، وكأن الكتاب، والسنة، لم يوجدا، إلا مع ظهور ماركس، والماركسية، في القرن التاسع عشر الميلادي.

فهل صلاحية الكتاب، والسنة، لكل زمان، ولكل مكان، هو الذي يدفع مؤدلجي الكتاب، والسنة، إلى معاداة كل ما هو جديد، في الزمان، والمكان، عبر الكرة الأرضية؟

أم أن ما هو جديد، يدفع في اتجاه الانزياح، عن تحقيق طموحات البشرية، في التحرر، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية؟

إن المقياس الذي يجب أن يعتمد، في صلاحية توجه معين، لكل زمان، ولكل مكان، يتمثل في السعي إلى التحرير، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، في أفق تحقيق الاشتراكية.

والماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، تسعى إلى تحقيق تحرير الإنسان، والأرض، وإلى تحقيق الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، هي الصالحة لكل زمان، ولكل مكان، وإلى تحقيق العدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، في أفق تحقيق الاشتراكية، هي التي تكون صالحة لكل زمان، ولكل مكان؛ لأنها تتلاءم مع الخصوصيات المختلفة. وفلسفتها يمكن أن تتعاطى مع كل واقع مختلف وعلمها يمكن أن يصير في خدمة كل واقع مختلف. ومنهجها العلمي، يمكن أن يعتمد في التحليل الملموس، للواقع الملموس، في كل زمان، وفي كل مكان، وصولا إلى تحقيق طموحات الجماهير الشعبية الكادحة، في التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، في كل زمان، وفي كل مكان.

وما نذهب إليه، في صلاحية الماركسية، لكل زمان، ولكل مكان، هو:

أولا: أن الماركسية تتجدد باستمرار، فلسفة، وعلما، ومنهجا.

ثانيا: أن الدول الرجعية، تعاديها، وأن الرأسمالية الرثة، تحاربها، وأن البورجوازية الصغرى، تعمل على تحريفها، وأن الكادحين في كل مكان، من الكرة الأرضية، يحنون إلى ما قد تحققه الماركسية، والماركسيون، لصالحهم، في كل زمان، وفي كل مكان، وما حصل مؤخرا في العراق، وسوريا، هو الدليل القاطع على أن اعتماد مؤدلجي الكتاب، والسنة، على القوة، وعلى الصهيونية، وعلى الرجعية، وعلى الرأسمالية، والسيطرة، واسترجاع التخلف، من الماضي السخيف، هو الدليل على عدم الصلاحية.

تغيير الواقع بفعل الماركسية:

عندما وجدت الماركسية في القرن التاسع عشر، وجدت لتصارع، ولم توجد لشيء آخر غير الصراع، إلا إذا كان الماركسيون في اتجاه الحرص على التبرجز، وتخلوا عن ماركسيتهم، وكثير ما هم، إذا سكنت جماجمهم عقلية البورجوازية الصغرى، المريضة بالتطلعات الطبقية.

والصراع في فكر، وفي ممارسة الماركسية، والماركسيين، هو صراع أيديولوجي، وسياسي، وتنظيمي، واقتصادي، واجتماعي. فالماركسي المخلص للماركسية، عندما يصارع أيديولوجيا، يصارع، في نفس الوقت، تنظيميا، ويصارع سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، بهدف جعل الماركسية شائعة في المجتمع، ومتغلغلة في فكر، وفي ممارسة الأفراد، والجماعات، وفي صفوف الشعب، أي شعب، من أجل أن تصير الماركسية هوية له، حتى يتغير واقعه الأيديولوجي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.

فالصراع الأيديولوجي، هو صراع ضد أيديولوجية الحكم، كيفما كان هذا الحكم، ملكيا، أو جمهوريا، ما لم يكن ماركسيا، وضد أيديولوجية الأحزاب البورجوازية، وأحزاب التحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف، وضد الأحزاب الإقطاعية، والبورجوازية الصغرى، والمتوسطة، وضد أيديولوجية كل حزب رجعي متخلف، بما في ذلك الأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي، أو مؤدلجة لأي دين، باعتبار هذه الأحزاب، تحرف مختلف الأديان، من أجل تحقيق أهداف اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، بتحويل الدين، أي دين، من كونه شأنا فرديا، إلى كونه شأنا جماعيا، يوظف في كل شيء، أيديولوجيا، وسياسيا، حتى لا يجعل المؤمن به، يتحلى بالقيم النبيلة لأي دين، بما في ذلك الدين الإسلامي، الذي يعتبر الإيمان به شأنا فرديا.

وقيام الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، بممارسة الصراع الأيديولوجي، ضد مؤدلجي الدين، أي دين.

وهذا النوع من الصراع، هو صراع ضد الدين، كما يذهب إلى ذلك مؤدلجو الدين الإسلامي، بل إن الماركسية لا تصارع الدين، بقدر ما تصارع أدلجة الدين، لأي دين؛ لأن الدين شأن فردي، والشأن الفردي، ليس عاما، وليس وسيلة لممارسة الصراع الأيديولوجي، مهما كانت متغلغلة في صفوف الشعب، أي شعب؛ لأنه مهما كثر الأفراد المؤمنون بالدين، في ممارسة طقوسه، المتلائمة مع المعتقد، الذي يؤمن به.

وبالتالي، فإن الماركسية لا شأن لها بما يؤمن به كل فرد، ولا بالطقوس التي يمارسها كفرد، أو في إطار الجماعة، كما يحصل في البيع، وفي الكنائس، وفي المساجد، في إطار ديانة موسى، أو في إطار ديانة عيسى، أو في إطار دين الإسلام، ولكن عندما يتم تحريف أي دين، من أجل أن يصير مؤدلجا، وتتأسس، بناء على أدلجته، أحزاب سياسية، لا تكون إلا معادية للماركسية؛ فإن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، تجد نفسها، وجها لوجه، مع أدلجة أي دين، سواء كان يهوديا، أو مسيحيا، أو إسلاميا؛ لأن الهدف من أدلجة الدين، أي دين، هو جعل المؤمنين به يتجيشون وراء مؤدلجيه، الذين تصبح لهم أحزاب، وتوجهات مؤدلجة للدين، أي دين، تقوم بقيادة الصراع الديني المؤدلج، ضد الماركسية، والماركسيين. ولذلك، نجد أن الماركسية، تجد نفسها، وجها لوجه، في صراع أيديولوجي / تناحري، ضد مؤدلجي الدين، أي دين. والمشكلة القائمة هنا أن:

ـ أدلجة الدين، أي دين، ليست هي الدين الذي جاء به موسى، أو جاء به عيسى، أو جاء به محمد؛ لأن أدلجة الدين، ليست وحيا منزلا، بل هي من اختراع مؤدلجي الدين، من أجل إيجاد الأساس الأيديولوجي، الذي يعتمده المؤدلجون، في إيجاد أحزاب، وتوجهات أيدولوجية، تعتبر نفسها دينية، تعطي لنفسها الحق في تكفير المقتنعين بالماركسية، ودعوة العامة إلى قتلهم، باعتبارهم كفارا، وملحدين.

ـ الماركسية، والماركسيين، لا يميزون في صراعهم بين الدين، وأدلجة الدين، الأمر الذي يترتب عنه الاعتقاد: أن الماركسية ضد الدين، ولو صارت الماركسية تميز بين الدين، وبين أدلجة الدين، لاحترمت كل المعتقدات الدينية، مهما كانت، فإذا تأدلجت، فإن على الماركسية أن تصارع أدلجة الدين، وأن تحافظ على احترام كافة المعتقدات، باعتبارها شأنا فرديا (شخصيا).

أما الصراع ضد الأيديولوجيات الإقطاعية، والبورجوازية، والتحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف، والبورجوازية الصغرى، بالإضافة إلى أيديولوجيات الأحزاب، التي تدعي أنها دينية، مع أن اي دين، لا يمكن أن يكون إلا شأنا فرديا، وليس شأنا حزبيا، خاصة، وأن الأحزاب المؤدلجة للدين، أي دين، لا تكفر لا الماركسية، ولا الماركسيين، ولا تلحدهم.

ومعلوم: أن واقعا معينا، عندما تسود فيه الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، يتغير فيه الفكر، وتتغير فيه الممارسة، وتتغير فيه التنظيمات الأيديولوجية، والسياسية، ويتغير الأمل في المستقبل، ويصير فيه العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، ساعين إلى تحقيق التحرير من كل أشكال العبودية، والديمقراطية: بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والعدالة الاجتماعية: بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، وما يسعى إليه العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين. هو طموح كل المجتمعات الإنسانية، التواقة لتحقيق الكرامة الإنسانية؛ لأنه، لا كرامة بدون تحرير، ولا كرامة بدون ديمقراطية، ولا كرامة بدون عدالة اجتماعية، كما هو حاصل الآن، في معظم مجتمعات الأنظمة التابعة للأنظمة الرأسمالية، التي تغرق في خدمة الدين الخارجي، من أخمص قدميها، إلى هاماتها، لتدخل في نفق من شظف العيش، لا تخرج منه أبدا، إلا بالوعي بالذات، وبالأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والنضال من أجل تغيير الأوضاع المختلفة، انطلاقا من العمل على تعميق الوعي، ورفع مستوى الوعي، الذي لا يكون إلا بمنطلق مادي، وبفكر ماركسي، ومنهج علمي، في التحليل الملموس، للواقع الملموس.

وبناء على قيام الماركسية بتغيير الفكر السائد في المجتمع، من فكر غيبي، يعتمد المنطلقات الغيبية: المثالية، أو الدينية، أو الخرافية، إلى فكر واقعي، بمنطلقات مادية / واقعية، تهدف إلى نقض كل ما هو غيبي، وما يبنى عليه من أفكار، والشروع في بناء منظومة فكرية / واقعية، بمنطلق مادي، تعتمد في العمل على إعداد الواقع المادي، من أجل الوعي بالهوية وبمعرفة القوانين المتحكمة فيه، والعمل على تغيير تلك القوانين، في أفق تغيير الواقع، من واقع تفتقد فيه الحرية، إلى واقع يتمتع فيه جميع أفراد المجتمع بحرياتهم المختلفة، ومن واقع تفتقد فيه الديمقراطية، إلى واقع تتحقق فيه الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، بعيدا عن ديمقراطية الدولة التابعة، في أي بلد من البلدان التي كانت محتلة سابقا، التي صارت تسمى بديمقراطية الواجهة، ومن واقع يسود فيه الاستغلال المادي، والمعنوي الهمجي، لكل فرد من أفراد المجتمع، وبالبشاعة التي يصعب تصور نتائجها، على جميع أفراد المجتمع، وبالبشاعة، التي يصعب تصور نتائجها، على جميع أفراد المجتمع، وبالبشاعة التي يصعب تصور نتائجها، على جميع أفراد المجتمع، إلى واقع تتحقق فيه العدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة: المادية، والمعنوية، في أفق تحقيق الاشتراكية، وبناء الدولة الاشتراكية.

ومن أهم ما تقوم به الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، والعمل على تغيير المنظومات الفكرية، من منظومات تعتمد الفكر الغيبي، أو الديني، أو الخرافي، لإنتاج المزيد من الفكر الغيبي، ومن الفكر المؤدلج للدين، ومن الفكر الخرافي، الذي يدخل الناس في متاهة التخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، الذي يعتاش منه المستغلون، والمرتشون، وناهبو الثروات المادية، ومخوصصو الثروات المعنوية، والعاملون على تفقير غالبية جميع أفراد المجتمع، من أجل أن يختزنوا الملايير، التي يتم تهريبها إلى الأبناك الخارجية، ليحرم منها الشعب، في كل بلد رأسمالي تابع، يحرم أفراده من حقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، إلى منظومات تعتمد الواقع المادي، لإغلاق أبواب الغيب، والدين، والخرافة، كمنطلقات لبناء الفكر، لتصير المنظومات الفكرية، المؤسسة على اعتماد الواقع المادي، وسيلة لجعل العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، يمتلكون وعيهم بالذات، وبالواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، من أجل العمل على جعله في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، عن طريق تحرير المجتمع، وتحرير العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، من العبودية المهينة، التي لا زلنا نعيشها في القرن الواحد والعشرين، وعن طريق فرض اعتماد الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى يتمتع المجتمع برمته، وبتمتيع العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بالديمقراطية، وبالحقوق التي تضمنها كلها: العوامل الجديدة، التي يقتضيها التحليل الملموس، للواقع الملموس، وعن طريق فرض العدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، في أفق تحقيق الدولة الاشتراكية، لحماية المجتمع المتحرر، والديمقراطي، والعادل.

سعي الماركسية في الواقع العيني:

إن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، عندما تسود في واقع معين، لا تسود فيه كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، بل من أجل أن يتغير الواقع:
1) من واقع له منطلقات غيبية / خرافية، لبناء منظومته الفكرية، التي تحكم ممارسته، إلى واقع يعتمد المنطلقات المادية، في بناء منظومته الفكرية، التي تحكم ممارسته المتقدمة، والمتطورة.

2) أن المنطلقات الغيبية، والدينية، والخرافية، تعيد إنتاج نفس الواقع الغيبي، وبنفس العقلية الدينية المؤدلجة للدين، وبنفس الواقع الخرافي، سواء كانت التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية: عبودية، أو إقطاعية، أو رأسمالية، تعج بالأفكار المثالية، المعتمدة على الغيب، أو على أدلجة الدين، أو على الخرافة، مما يجعل هذا الواقع يعيش الاستبداد المتخلف، وتنعدم فيه الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية. بينما نجد أن المنطلقات المادية، تعمل على إنتاج واقع مادي جديد، لا وجود فيه لشيء اسمه العبودية، أو الاستبداد، أو الاستغلال، ليسود فيه التحرر، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، ويسعى إلى التغير المستمر، المعبر عن تحوله، الذي لا يتوقف، وعن تطوره الذي لا نهاية له.

3) وإذا كان الإنسان يسعى إلى الحفاظ على ما هو قائم، على أساس المنطلقات الغيبية، أو الدينية، أو الخرافية، فإن هذا الحفاظ، لا يعني إلا الجمود. والجمود تراجع إلى الوراء، والتراجع إلى الوراء، ممارسة تهدف إلى إغراق الواقع في التخلف، باسم المحافظة على الأصالة، وعلى التراث، وعلى الدين، وعلى الفكر الماضوي / الخرافي، وعلى أساطير الأولين، التي وقفت وراء التخلف، الذي عرفته البشرية، منذ ظهور التشكيلة العبودية، ثم الإقطاعية، ثم الرأسمالية. وأي تطور يظهر في هذه التشكيلة، لا يتجاوز أن يكون في خدمة الطبقة المتمكنة من ملكية وسائل الإنتاج، في المرحلة العبودية (العبيد)، أو في المرحلة الإقطاعية (الأرض وعبيد الأرض)، أو في المرحلة الرأسمالية (البضائع)، التي تشغل العمال لإنتاجها، والتي تنتج فائض القيمة، وفي جميع هذه المراحل، يتصنف المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين: في المرحلة العبودية (الأسياد والعبيد، وفي المرحلة الإقطاعية (الإقطاعيون وعبيد الأرض)، وفي المرحلة الرأسمالية البورجوازية والعمال)، وبين الطبقتين الرئيسيتين: هناك طبقة وسطى، هي التي تسعى إلى الانحياز للطبقة السائدة، المتحكمة في وسائل الإنتاج، وخاصة عندما تكون الغلبة للطبقة السائدة أما عندما تصير الغلبة، في المجتمع الطبقي، للطبقة النقيضة للطبقة السائدة، فإن الطبقة الوسطى، تهرول في اتجاهها، لا من أجل دعمها، بل من أجل ادعاء قيادتها في الصراع، حتى يصير ذلك الصراع في خدمتها، لا في خدمة العبيد، أو عبيد الأرض، أو العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين في المجتمع، ليقدر، بذلك، الإنسان إنسانيته، التي هي الأصل، وفقدانها هو الاستثناء.

أما إذا كان الإنسان يسعى إلى التغيير، بمفهومه الصحيح، فإنه يحرص على أن يصير المجتمع متحررا اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، وحريصا على جعل كادحي المجتمع: عمالا أجراء، وفلاحين فقراء، ومعدمين، يمتلكون وعيهم بالذات، وبالأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ومدركين لموقعهم في علاقات الإنتاج، واعين إلى تطوير الواقع، عن طريق التحرر، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، في أفق الاشتراكية، ومساهما في عملية التغيير، عن طريق الانخراط في النقابات، والجمعيات الحقوقية، والثقافية، والتربوية، والتنموية، أو عن طريق الانخراط في الأحزاب اليسارية، الساعية إلى التغيير. وخاصة إذا كان هذا اليسار حزبا للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، سعيا إلى إحلال التحرر محل العبودية المباشرة، وغير المباشرة، وإحلال الديمقراطية محل الاستبداد، وإحلال الاشتراكية محل الاستغلال الرأسمالي، من أجل إتاحة الفرصة أمام التطور المنشود، في العلاقة مع الأرض، ومع المجتمع، ومع الوطن؛ لأن الانتماء إلى وطن معين، في مرحلة معينة، وفي تاريخ معين، يفرض الحرص على سلامة المجتمع من العبودية، والاستبداد، والاستغلال، سيترجم مستقبلا إلى الحرص على تحرر المجتمع، وديمقراطيته، واشتراكيته.

وهذا الحرص المتنوع، والمتطور، هو الذي ينقلنا من وضعية التخلف، والجمود الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، إلى وضعية التقدم، والتطور، في جميع المجالات، مما يجعلنا نتساءل:

أي شكل من أشكال التغيير، التي نسعى إليها؟

وأي دولة تسعى الماركسية إلى إقامتها على أرض الواقع؟

وأي مجتمع يجب أن تسعى الدولة الماركسية الاشتراكية إلى إيجاده؟

وما مصير التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية القائمة، بفعل التصور الماركسي؟

وما نوع التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية التي تحل محلها؟

وهل هي تشكيلة نهائية؟

أم أنها مجرد مرحلة لإيجاد تشكيلة جديدة نهائية؟

إننا عندما نطرح مثل هذه الأسئلة، وأمثالها، نجد أنفسنا مستغرقين في القول: بأن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، هي الوسيلة المثلى لتغيير واقع معين، وأن شكل هذا التغيير، يبتدئ من الأواليات، أو المنطلقات، التي تتغير، من كونها منطلقات مثالية / غيبية، أو دينية / خرافية، تقود إلى المحافظة على الواقع كما هو. والمحافظة، في حد ذاتها، تقود إلى جمود الواقع، وإلى عدم تطوره، والحيلولة دون تطويره؛ بل تقف وراء تراجعه قرونا إلى الوراء، كما تفعل ذلك دول الخليج، بقيادة السعودية، باعتبارها دولا محافظة، تحكم على مجتمعاتها بالتخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، إلى منطلقات مادية، تسعى إلى جعل الإنسان متحررا اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا.

ولذلك نجد أن التغيير في الماركسية، يستهدف المنطلقات، ويستهدف البنيات القائمة، والعمل على تغييرها ببنيات نقيضة، بعد تحطيمها بالوسائل المتاحة، أمام الماركسية، بما فيها: الوسيلة الديمقراطية، التي تسهم فيها الجماهير الشعبية الكادحة، بشكل فعال، والتي تجمع كل الحجج التاريخية، والواقعية، الأساس في أي تغيير يحصل في الواقع.

وأفق الماركسية، هو التحرر، والديمقراطية، والاشتراكية. إلا أن هذا الشكل من التغيير، يحتاج إلى مؤسسة تحميه، وتحرص على الالتزام بتفعيله اقتصاديا، بجعل هذا الاقتصاد خاضعا للتوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، بين أفراد المجتمع، ضمن خطة معينة، محكمة، ومدروسة، ودقيقة، وممأسسة. وهذه المؤسسة، هي الدولة الاشتراكية، باعتبارها دولة ديمقراطية، ودولة للحق والقانون، ودولة علمانية، تتساوى أمامها جميع المعتقدات، التي أبدعتها البشرية، أو آمنت بها.

وبالإضافة إلى أن الدولة الاشتراكية، تحرص على التوزيع العادل للثروة الماديةن والمعنوية. فهي، كذلك، تحرص على أن تعطي للديمقراطية مفهوما منسجما مع طبيعة الاشتراكية، ومع طبيعة المجتمع الاشتراكي، ولا تكون خاضعة لنمط معين من الديمقراطيات الليبرالية، أو الرأسمالية، أو ديمقراطية الواجهة، التي يعرفها الحكام، الذين يدعون أنهم ديمقراطيون، بالمعنى السلبي للديمقراطية، كما تحرص على تحرير جميع أفراد المجتمع، مهما كانوا، وكيفما كانوا؛ لأن الاشتراكية، والديمقراطية، والتحرر في الماركسية، متلازمة مع بعضها البعض، كما ذهب إلى ذلك الشهيد عمر بنجلون، في تقديمه للتقرير الأيديولوجي، في المؤتمر الاستثنائين المنعقد في يناير 1975. وتدخل فيما بينها علاقات معينة، وهذه العلاقات، هي علاقة جدلية، باعتبار كل منها وسيل،ة وهدف. فلا توزيع عادلا للثروة، ما لم تكن هناك ديمقراطية، وتحرير، ولا ديمقراطية، بدون توزيع عادل للثروة، وتحرير، ولا تحرير بدون ديمقراطية، وتوزيع عادل للثروة المادية، والمعنوية.

فالدولة التي تسعى الماركسية إلى إقامتها، هي دولة ديمقراطية / اشتراكية / تحررية، أو دولة اشتراكية / ديمقراطية / تحررية، أو دولة تحررية / ديمقراطية / اشتراكية. وما دام هناك تحرير، وديمقراطية، واشتراكية، فهي دولة الحق، والقانون. وما دام هناك رؤيا ماركسية إلى مختلف المعتقدات، على أساس المساواة فيما بينها، على أساس اعتبارها شأنا فرديا. فهي دولة علمانية، مما يجعلنا نقر بالملموس، أن الدولة الماركسية: دولة ديمقراطية / تحررية / اشتراكية / علمانية. لا وجود فيها لشيء اسمه الاستناد إلى الدين، أي دين، في إقامة الدولة الماركسية، التي تعتمد في منطلقاتها: المنطلق المادي، الذي يمكن اعتباره منطلقا علميا، أو سياسيا، لبناء العلم الماركسي، ولصياغة المنهج المادي الجدلي، والمادي التاريخي، اللذين نحتاجهما في عملية التحليل الملموس، للواقع الملموس.

وبما أن الدولة التي تسعى الماركسية إلى تحقيقها، هي الدولة الديمقراطية / التحررية / الاشتراكية / العلمانية، باعتبارها دولة للحق، والقانون. فالماركسية تسعى إلى إيجاد مجتمع متحرر، وديمقراطي، واشتراكي، ويتمتع أفراده بالحق في الاعتقاد، أو عدمه، باعتبار ذلك الاعتقاد شأنا فرديا. (فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر)؛ لأن الإيمان، أو الكفر، شأن فردي. والشأن الفردي، يتمحور حول اختيار أي معتقد، من أجل الإيمان به، أو الكفر بكل المعتقدات. ولا شأن لأي كان به، ليبقى الإيمان بمختلف المعتقدات، أو عدم الإيمان بها، شأنا فرديا، ولا يحق للمجتمع، أي مجتمع اشتراكي، مهما كان هذا المجتمع الاشتراكي، باعتباره متحررا، وديمقراطيا، أن يسيد أي معتقد، بصفة قسرية، على جميع أفراد المجتمع؛ لأن عملية التسييد، مهمة يقوم بها المؤدلجون لأي دين، ولا يد للمجتمع الاشتراكي بها. والمؤدلجون يصيرون متمكنين، بتأييد هذا النظام الرأسمالي، أو ذاك، وهذا النظام الرجعي، أو ذاك، ويسعون بحكم أدلجتهم للدين، أي دين، وخاصة الدين الإسلامي، إلى تخريب المجتمع الديمقراطي الاشتراكي، التحرري، باعتباره متناقضا، مع ما يسعون إليه، في ظل الدعم المطلق، للنظام الرأسمالي، للأنظمة الرجعية، في جميع بلدان العالم، التي تدعم أدلجة الدين، وتشكل بوابة لتسرب الرأسمالية، والرجعية، على يدهم، إلى المجتمع الاشتراكي.

وعندما تختار الماركسية، إيجاد مجتمع متحرر وديمقراطي، واشتراكي، في ظل الدولة الديمقراطية / الاشتراكية / التحررية القائمة؛ فلأنها تسعى، في نفس الوقت، إلى إيجاد مجتمع محتضن للفلسفة الماركسية، وللعلم الماركسي، وللمنهج العلمي الماركسي، وينبذ أي فكر مثالي، أو ديني مؤدلج، أو خرافي، باعتباره منطلقات، تهدف إلى التمسك بقيام المجتمعات الرجعية، والرأسمالية، ومن منطلق مادي صرف، باعتبار الماركسية معتمدة له.
وتسعى الماركسية إلى نشر الوعي، بخصوص عودة الرجعية، والرأسمالية، إلى المجتمع الذي عرف تحقق الاشتراكية المتطورة، في أفق قيام الشيوعية، التي هي الملاذ الإنساني الأكبر، في كل بلدان الكرة الأرضية، التي هي الملاذ الأول، والأخير، للنظام الشيوعي العالمي، الذي تنتفي فيه الملكية الفردية، وتسود فيه الملكية الجماعية، وتحل السلطة الشعبية محل أي نظام رأسمالي، أو رجعي، أو حتى نظام اشتراكي مرحلي.

ومعلوم أن الأنظمة الاستغلالية، التي عرفتها البشرية، قامت في ظل التشكيلة العبودية، وفي ظل التشكيلة الإقطاعية، وفي ظل التشكيلة الرأسمالية، التي عاشت البشرية في ظل سيطرتها، عل أساس أن الاستغلال العبودي، والإقطاعي، والرأسمالي، سيدوم إلى مالا نهاية. إلا أن مجيء الماركسية، بين بالوضوح الكامل، أن أي تشكيلة اقتصادية، واجتماعية، هي مجرد مرحلة تفضي إلى مرحلة أعلى منها. وهو ما يعني: أن الحتمية التي بناها الفكر الماركسي، تقضي بزوال كل التشكيلات الاستغلالية، بما فيها التشكيلة الاشتراكية، باعتبارها مرحلة ما قبل الشيوعية، التي ينتفي فيها الاستغلال، وتسود فيها السلطة الشعبية، التي تحل محل سلطة الدولة الاشتراكية، لتسود المقولة التي تعتبر أن (على كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته). فزوال جميع التشكيلات الاقتصادية / الاجتماعية، التي يسود فيها الاستغلال، بجميع أنواعه، يكون بفعل الماركسية. وتحقيق التشكيلة الاشتراكية المرحلية، هو بفعل الماركسية. والوصول إلى تحقيق التشكيلة الشيوعية، هو بفضل الماركسية.

الخلاصة العامة:

وما يمكن أن نصل إليه، بعد هذا الإسهاب، الذي قادنا إلى ما يمكن أن نطلق عليه: (التحليل الملموس للواقع الملموس)، في موضوع: (هل الماركسية لا زالت صالحة في عصرنا؟)، أن الماركسية كفلسفة متطورة، ومستوعبة للمستجدات، التي تصل هنا، أو هناك، في هذا الزمن، أو ذاك، وكعلم متطور، ومتجدد باستمرار، ومستوى علميا يتجدد باستمرار، في مختلف المجالات العلمية، والمعرفية، في مختلف الحقب، بما في ذلك آخر مستجدات العلم، والمعرفة، وكمنهج علمي، مصنف في إطار المادية الجدلية، والمادية التاريخية، بقوانينهما المتطورة باستمرار، تبعا لتطور العلوم، والتقنيات الحديثة، هي الفلسفة، وهي العلم، وهي المنهج العلمي، الذي لا بديل له. فالماركسية بهذا المفهوم، وبهذه الرؤيا العلمية، تبقى الأصلح لكل زمان، ولكل مكان، بفلسفتها، وبعلمها، وبمنهجها العلمي الماركسي، لاستطاعتها تجاوز الحدود، ولامتلاكها للمنهج العلمي، الذي لم يكن قائما في أي تشكيلة اقتصادية / اجتماعية، في التاريخ البشري، على وجه الأرض، وصولا إلى التشكيلة الرأسمالية، التي أفرزت نقيضها في الفكر، وفي الممارسة، وفي الفلسفة، وفي العلم، وفي المنهج العلمي، مما صار يصطلح على تسميته بالماركسية، نسبة إلى ماركس، كمؤسس للماركسية، التي دخلت في صيرورة التفاعل مع أي زمان، وأي مكان، بهدف العمل على توجيه تحولات الواقع، في أفق تغييرها اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، في أفق التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، التي تصير مهمتها حماية مكتسبات التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، في أفق الانتقال بالمجتمع إلى المرحلة الشيوعية، التي تبرز فيها سلطة الشعب، التي تحل محل سلطة الدولة، التي تكون محكومة بمقولة: (على كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته).

وللوصول إلى هذه الخلاصة المركزة، تناولنا في موضوعنا: (هل الماركسية لا زالت صالحة في عصرنا هذا؟) أولا:

بماذا نميز الماركسية عن غيرها؟

وتبين لنا من خلال إعمال النظر في السؤال:

1) أن منطلقات الماركسية، مختلفة عن المنطلقات التي كانت معتمدة، حتى ظهور الماركسية، التي اعتمدت المنطلقات المادية، بدل المنطلقات المثالية، أو المنطلقات الدينية، أو المنطلقات الخرافية، التي لا تقود إلا لعبادة الفرد: السيد، أو الإقطاعي، أو الرأسمالي، خلال التشكيلات: العبودية، والإقطاعية، والرأسمالية، التي لا زالت قائمة في عصرنا هذا.

2) أن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي، بينت على مر السنين، والعقود، بعد ظهور الماركسية، أن الفلسفة المعتمدة قبل ظهور الماركسية، هي فلسفة مثالية صرفة، لا تسائل، ولا تكون علمية الواقع، ولا تسعى إلى تطويره، لا من قريب، ولا من بعيد، في الوقت الذي نجد فيه، أن الفلسفة الماركسية، ترتبط بالواقع، وتسائله باستمرار، وتدفع إلى إعمال الفكر فيه، من أجل الخروج بخلاصات، لا تكون إلا علمية. وما هو علمي، مستنتج عن مساءلة الماركسية للواقع، الذي يختلف عن السباحة في خيال، يصعب أن ينتج العلم، إلا بمشقة قل نظيرها؛ لأن العلوم التي توصل إليها الإنسان، منذ القدم، وإلى يومنا هذا، في التشكيلات العبودية، أو الإقطاعية، أو الرأسمالية، التي لا زالت مستمرة في عصرنا هذا، وإلى حين، جاءت نتيجة مبادرات فردية، لباحثين متخصصين، في مجالات معينة، دون أن يترتب ذلك عن المساءلة الفلسفية للواقع، حتى جاءت الماركسية، التي أبدعت لنا الفلسفة الواقعية، التي تسائل الواقع، مساءلة في أفق الوصول إلى إنتاج علمي معين.

3) أن الماركسية كعلم، تتفاعل مع الواقع في اتجاهين:

ا ـ اتجاه الإحالة على الفلسفة الماركسية، من أجل طرح السؤال المناسب، لإنتاج معرفة علمية متطورة، من أجل الدفع بالعلم الماركسي إلى الأمام.

ب ـ اتجاه تفاعل العلم الماركسي مع الواقع المادي، الذي يجعل العلم الماركسي يتطور تطورا ذاتيا، في أفق التميز عن العلم في التشكيلة الرأسمالية، الذي لا ينتجه إلا الأفراد، في الوقت الذي نجد فيه أن العلم الماركسي، هو منتوج جماعي، كل يساهم فيه بنصيبه.

وهذان الاتجاهان معا، لا يمكن أن يعملا إلا على تطوير الماركسية، وتطوير العلم الماركسي، في مختلف الاتجاهات العلمية، التي لها علاقة بالكون، وبالإنسان، وبالطبيعة.

4) إن الماركسية كمنهج علمي ماركسي، محكوم بقوانين المادية الجدلية، والمادية التاريخية، يسعى إلى جعل العلم، أو الإنتاج العلمي، قائما في الواقع، على أساس التحليل الملموس، للواقع الملموس، في أفق فهمه، وإعادة تركيبه، واستنتاج ما يجب استنتاجه، في أفق التغيير الذي تنشده الماركسية.

ومعلوم أن أية نتيجة في الماركسية، لا يمكن أن تكون إلا نتيجة مادية، والنتيجة المادية، حتى وإن كانت علمية، تتحول، تلقائيا، إلى منطلق مادي جديد، يعتمد في المنهج العلمي الماركسي، من أجل تعميق البحث في علم معين، حتى يساهم المنهج الماركسي، لا في التحليل الملموس للواقع الملموس فقط، بل من أجل تطوير العلم الماركسي، الذي لا يعرف تطوره نهاية محددة.

فالماركسية، إذن، كفلسفة ماركسية وكعلم ماركسي، وكمنهج علمي ماركسي، تسعى، باستمرار، إلى الارتباط بالواقع، وامتلاك الخبرة به، والعمل على تغييره اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، حتى يأخذ مجراه في التطور، ... مما يوضح: أن الماركسية هي البديل، الذي لا مفر منه.

وبعد وقوفنا على ما يميز الماركسية، عن غيرها من التوجهات السابقة عليها، نتساءل أيضا:

ما نوع الماركسية التي نريد؟

وفي هذه الخلاصة، لا بد أن نشير إلى أن الماركسية التي نبحث عنها، ليست هي ماركسية ماركس وأنجلز، وليست هي ماركسية لينين، ولا ماركسية ماو، ولا أي ماركسية أخرى، إنها ماركسية الفلسفة المتطورة باستمرار، وماركسية العلم المتطور باستمرار، وماركسية المنهج العلمي المتطور باستمرار، تبعا للتطور الذي يعرفه الواقع، في كل المجالات الفلسفية، والعلمية، والمعرفية، والمنهجية، وخاصة في العلوم الدقيقة، والتقنيات، والتقنيات الحديثة. إنها الاشتراكية العلمية، بقوانينها المادية الجدلية، والمادية التاريخية، والصالحة للتفعيل في أية خصوصية، كيفما كان نوعها، وفي أي مكان من الكرة الأرضية، وفي أي زمان من الأزمنة التاريخية الراهنة، أو المقبلة، خاصة، وأن الماركسية في تطورها، تنفرد بأنها مستقبلية، دون سواها من المعارف الإنتاجية، وخاصة، تلك التي ينتجها الذين يدعون أنهم مستقبليون، دون اعتماد الاشتراكية العلمية، كوسيلة للتحليل الملموس، للواقع الملموس، باعتباره تحليلا يحيلنا على الواقع، ولكن، في نفس الوقت، على تحولات الواقع المستقبلية، التي يسميها العلم الماركسي: (التنبؤ العلمي)، أي ما يمكن أن يصير عليه الواقع في المستقبل. هذه هي الماركسية التي نريد، وليست ماركسية ماركس، التي أصبحت تاريخية، أو ماركسية لينين، كتطبيق تاريخي للماركسية، أو ماركسية ماو كتطبيق تاريخي للماركسية، أيضا، في واقع مختلف، وهكذا...

والماركسيون، سواء اعتبروا أنفسهم فلاسفة ماركسيين، أو علماء ماركسيين، أو منهجيين ماركسيين، لا يكونون ماركسيين قولا، وعملا، إلا بالالتزام بتفعيل الاشتراكية العلمية، في الواقع المرتبط بخصوصية معينة؛ لأنه بدون تفعيل المنهج الاشتراكي العلمي، تنتفي الماركسية، وتسقط في التجارب الماركسية المستوردة، من أجل تطبيقها، في واقع مختلف.

ومعلوم أن الماركسية، بهذا الفهم، الذي وضحناه هنا، هي الأفيد للواقع، سواء كانت فلسفة ماركسية، أو علما ماركسيا، أو منهجا اشتراكيا علميا ماركسيا؛ لأنه لا تغيير في الواقع، بدون تغيير الماركسية، والفرق كبير، وواضح، بين الماركسية كوسيلة لتغيير واقع معين، وبين الماركسية، وبين إعادة إنتاج ذلك الواقع، بصيغة مختلفة، وبأدوات غير ماركسية، يسمونها تغييرا؛ لأن التغيير الحقيقي، لا يكون إلا ماركسيا.

والماركسية تتطور باستمرار، وفي تطورها تجددها، وفي تجددها ازدياد قدرتها على إحداث تغيير ما، في الزمان، والمكان، باعتبارها الأفيد للواقع.

وبما أن الماركسية هي الأفيد للواقع، مهما اختلفت خصوصيات هذا الواقع، فإنها، هي أيضا، القادرة على تغير الواقع، كفلسفة ماركسية، وكعلم ماركسي، وكمنهج علمي ماركسي؛ لأنه بدون الماركسية، لا يمكن الحديث إلا عن إعادة إنتاج الواقع، على مستوى الشكل، ويبقى الجوهر كما هو. وما يحصل في العالم، قبل ظهور الماركسية، وحتى بعد ظهورها، لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج الشكل، مع المحافظة على الجوهر؛ لأن التغيير غير الماركسي، لا يكون إلا كذلك. أما التغيير الماركسي، فيقضي على العبودية، والاستبداد، والاستغلال، ويحرر المجتمع، ويحقق الديمقراطية، ويبني الاشتراكية.

وبما أن الماركسية تتفاعل باستمرار، مع أي واقع مختلف، مهما كانت خصوصيته، فإن ذلك التفاعل، لا بد أن يؤدي إلى تطبيق الماركسية، كفلسفة ماركسية، وكعلم ماركسي، وكمنهج علمي ماركسي؛ لأن التفاعل مع الواقع، يستهدف عمق الواقع، وتنوعه، ولا يتوقف عند حدود محددة، كما يستهدف عمق الماركسية، كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي. وهذا الاستهداف المتبادل، يترتب عنه تطور نوعي في الواقع، وفي الماركسية، في نفس الوقت.

والماركسية عندما تتطور، في شموليتها، تتحدد، كذلك، في شموليتها، مما يجعل تأثيرها في الواقع المادي، نوعيا، والتأثير في الواقع المادي، يترتب عنه التأثير في الماركسية، ليصير التفاعل مستمرا، إلى ما لا نهاية، والنتيجة: الانتقال من وضعية التخلف، إلى وضعية التقدم اللا متناهي، ومن نظام رأسمالي، إلى نظام اشتراكي، إلى نظام شيوعي، في مرحلة معينة، تنتقل فيها كل السلطات إلى الشعب.

وهذا التطور، يقود إلى بناء نظرية للتغيير، لها سماتها، ولها مراحلها، ولها أفقها، وهذا البناء، تلعب فيه الماركسية كفلسفة ماركسية، وكعلم ماركسي، وكمنهج علمي ماركسي، خاصة، وأن البناء الماركسي للنظرية، لا يكون إلا علميا، وممنهجا، وقادرا على تغيير الواقع: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، في إطار الانتقال من التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية، إلى التشكيلة الاقتصادية الاجتماعيىة الاشتراكية، التي تكون مفتوحة على التغيير في المستقبل، إذا نضجت شروط التغيير في الاتجاه الصحيح، والسليم.

والذي يفيدنا في عملية التغيير، بطبيعة الحال، هو الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي؛ لأنه بدون الماركسية، في مستوياتها المختلفة، لا نمتلك الوعي بالذات، وبالواقع، ولا ننتظم كطبقة، من أجل أن نسعى إلى تغيير الواقع، تغييرا علميا، طبقا للنظرية المبنية على الواقع. وهو ما يترتب عنه: أن ما سوى الماركسية، لا يؤدي إلا إلى الرجوع إلى الوراء، وهو ما يعني التخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، الأمر الذي يترتب عنه ضرورة التمسك بالماركسية، كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، من أجل تجنب الرجوع إلى الوراء، وتجنب الردة، وتجنب التحريف في الماركسية، وفي اليسار؛ لأن محاربة الردة، والتحريف، من مهام الماركسية، التي يجب أن لا تتخلى عنها.

أما ما يصلح من الماركسية، لكل زمان، ولكل مكان، هو الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي، أي أن الماركسية ككل، في تطورها، وتجذرها، وتمكنها، من الواقع في كل زمان، وفي كل مكان، وتفاعلها مع مختلف المستجدات المعرفية، والفلسفية، والعلمية، والمنهجية، واستفادتها، واستفادتها من تلك المستجدات، لصالح قدرتها على الفعل، بدل أن يصير عصيا على الفعل في الواقع، مهما كان هذا الواقع عصيا على الفعل الماركسي، بعد مساهمة الماركسية كفلسفة في مساءلة الواقع، وكعلم في معرفة الواقع، وكمنهج علمي في التحليل الملموس، للواقع الملموس، من أجل بناء نظرية عن الواقع، والتحكم فيه، من أجل تغييره تغييرا جذريا، عندما تنضج شروط ذلك التغيير، الذي يعتبر مدخلا للقول: بأن الماركسية، هي الأصلح للتفعيل، من أجل التغيير، الذي تطمح إليه النظرية، وما تطمح إليه البشرية، لا يمكن أن يكون إلا حلما إنسانيا. والحلم الإنساني، يحال على الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، في تطورها، وفي تفاعلها، مع أي واقع مختلف، هي الجديرة بتحقيق الحلم الإنساني.

وتغيير الوقع بفعل الماركسية، يتم أولا على مستوى الفكر، وعلى مستوى الممارسة؛ لأنه بتفاعل الفكر الماركسي، مع الممارسة اليومية، تتجذر الماركسية في الواقع، قبل الشروع في تحطيم الهياكل القائمة، والشروع في بناء البديل، وفق ما يقتضيه التصدي الماركسي، حتى يصير في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، ووفق طموحات الجماهير الشعبية الكادحة، في كل مكان من العالم؛ لأن بناء الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، لا يكون من أجل الماركسية، بل من أجل العمال، وباقي الأجراء، وسائر كادحي الشعوب المقهورة.

والدولة التي تسعى الماركسية إلى إقامتها، لا يمكن أن تكون إلا دولة متجددة، وجديدة، وهادفة إلى التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية. فهي دولة ديمقراطية متحررة، ووطنية، واشتراكية، وعلمانية، تهدف إلى جعل الواقع موضوعا للصراع، بين من يستغل الواقع استغلالا همجيا، وبين العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، الذين يعانون جميعا من الاستغلال الهمجي.

فالدولة الديمقراطية الوطنية الاشتراكية العلمانية، مهمتها حماية الكادحين، ووضع حد لممارسة الاستغلال عليهم، في أفق جعل التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، سمات مميزة لواقع الدولة، التي تطمح إليها الماركسية.

أما المجتمع الذي تسعى إليه الماركسية، وتعمل الدولة الماركسية، على إعادة تشكيله، فهو المجتمع المتحرر، والديمقراطي، والاشتراكي، والعلماني، الذي ليس مريضا بالوثوقيات، وليس متعصبا لمعتقد معين، ويعتبر الاعتقاد شأن فرديا، ولا دخل للجماعة فيه، فهو مجتمع الإنسان، بكامل حقوقه الإنسانية، كما تراها الاشتراكية، ولا يقبل المساس بتحرره، وبديمقراطيته، وباشتراكيته، التي تتطور باستمرار، وصولا إلى القول: بأن الدولة الماركسية / الاشتراكية، والمجتمع الماركسي / الاشتراكي، متطابقان. والتطابق يفرض احترام الإنسان، مهما كان هذا الإنسان، الذي لا يهم الماركسية لا معتقده، ولا لغته، ولا لونه، بقدر ما يهمها إنسانيته.

ونحن، عندما نصل إلى مرحلة بناء التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية الاشتراكية، التي تنتشر عبر العالم، فإن التشكيلات السابقة عليها، تصبح في ذمة التاريخ، لتبقى التشكيلة الشيوعية، تشكيلة مستقبلية.

وبالتالي، فإن التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية الاشتراكية، ليست هي التشكيلة النهائية؛ بل هي مجرد مرحلة ما قبل التشكيلة الشيوعية، التي تسود فيها سلطة الشعوب، وتنتفي منها سلطة الدول، التي أذاقت البشرية الويلات، في المرحلة العبودية، والمرحلة الإقطاعية، والمرحلة الرأسمالية، التي لا زالت مستمرة في عصرنا. وهذه الخلاصة العامة، التي أتينا عليها في نهاية موضوع:

هل الماركسية لا زالت صالحة في عصرنا؟

نجد أنفسنا مضطرين إلى القول: بأن مرحلة الأسياد، والعبيد، عانت فيها الإنسانية من الويلات، وأن مرحلة الإقطاع، وعبيد الأرض، عرفت التي تلك الويلات، وازدادت تعمقا، وأن المرحلة الرأسمالية، التي يجري فيها الصراع بين الرأسماليين كطبقة مستغلة، وبين العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، كطبقة يمارس عليها الاستغلال المادي، والمعنوي، تختلف جميعها عن المرحلة الاشتراكية، التي تتسم بالتوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، باعتبارها مرحلة ما قبل التشكيلة الشيوعية.

ولذلك نجد: أن عداء الأسياد، والإقطاعيين، والرأسماليين للماركسية، لم يأت هكذا، بل جاء نتيجة للدور الذي تلعبه الماركسية، في انتزاع الذين يمارس عليهم الاستغلال، من بين فكي الممارسين للاستغلال، من أجل انعتاقهم من العبودية، والاستبداد، والاستغلال.

وماذا بعد؟

إن الماركسية أصبحت قائمة على أرض الواقع، وفي التاريخ، وفي الجغرافية، وفي المستقبل كذلك، لا ينكرها إلا جاحد.

والجاحد لا يمكن أن ينتج إلا التخلف.

أما الماركسية، فتنتج التقدم، والتطور، وما ينتج التقدم، والتطور في الذات الماركسية: هو فلسفة، وعلم، ومنهج علمي؛ لأن الواقع في المستقبل، يملك صلاحية الوجود، والاستمرار، وما لا ينتج إلا التخلف، لا يملك صلاحية الوجود والاستمرار، ومهما كانت الشروط القائمة، ومهما استمر القمع، والاستبداد، والاستغلال، لإدامة عمر التشكيلات الاقتصادية / الاجتماعية العبودية، التي لا زالت بقاياها قائمة، والإقطاعية التي لا زالت عقليتها متمكنة من الواقع، والرأسمالية لا زالت تتظاهر، وكأنها نهاية التاريخ، كما ذهب إلى ذلك فوكو ياما، في مرحلة تاريخية معينة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، بعد ظهور كتاب (الغلانزوست)، أو إعادة البناء، الذي ألفه رئيس الاتحاد السوفياتي السابق، المدعو غورباتشوف.

ومهما قام المحرفون البورجوازيون الصغار، بتحريف أسس، ومنطلقات، وفلسفة، وعلم، ومنهج الماركسية، ومهما أصرت بعض الإطارات على استيراد تجارب قامت على أساس التحليل الملموس، للواقع الملموس، من أجل تطبيقها على واقع مختلف، ومهما تعمدت التوجهات، التي تدعي الماركسية، وهذا الادعاء لا يعبر أبدا عن اقتناعها بالاشتراكية العلمية، ولا تعمل على بقاء أيديولوجيتها، على أساس هذا الاقتناع، فإن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، في تطورها، وتفاعلها مع مختلف الخصوصيات، هي البديل لكل هذا الخليط الهجين، من التوجهات، ومن التحريفات، التي لا حدود لها، والتي ظهرت، منذ ظهور ماركس، وأنجلز، في القرن التاسع عشر، والتي استمرت إلى يومنا هذا، والتي واجهها، ويواجهها الماركسيون المخلصون للماركسية، كما قدمناها للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، والذين يحرصون على التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية. وهو ما يعني: أن المستقبل للتشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية الاشتراكية العلمانية، كبديل للتشكيلات السابقة عليها، كمرحلة ما قبل تحقيق التشكيلة الشيوعية.

فهل نكون قد وقفنا، من خلال موضوعنا، على نوع الماركسية التي نريد؟

وهل يمكن اعتبار الماركسيين، غير المقتنعين بالاشتراكية العلمية، ماركسيين؟

ألا يمكن القول: بأنه لولا مساهمة الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، في تغيير الواقع، لا اختفت من الوجود؟

ألا نعترف بأن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، تلعب دورا كبيرا، في تغيير الواقع إلى الأحسن؟

ألا نسجل: أن ما يفيدنا في عملية التغيير، هو الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي؟

ألا نعتبر: أن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، وبسبب قدرتها على التعامل مع الخصوصيات المختلفة في الزمان، وفي المكان، بأنها صالحة، دون غيرها، لكل زمان، ولكل مكان؟

ألا نسجل: أن التغيير الشكلي، والجوهري، في نفس الوقت، لأي واقع مختلف، في الزمان، وفي المكان، هو بفعل الماركسية، كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي؟

ألا نسجل: أن الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، لا تسعى إلا إلى التحرير، والديمقراطية، وبناء الدولة الاشتراكية العلمية، التي تشرف على التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، في المجتمع الذي تحكمه أي دولة اشتراكية؟

أليس المصير الذي تعرفه التشكيلات ما قبل قيام التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية الاشتراكية العلمانية، هو النفي من الواقع، نفيا مطلقا؟

أليس مصير التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية الاشتراكية، هو الإعداد لمرحلة ما بعد التشكيلة الاشتراكية، الذي لا يتجاوز أن يكون المرحلة الشيوعية، التي تنتقل فيها جميع السلط إلى الشعوب، في جميع أرجاء الكرة الأرضية؟

أليست المرحلة الشيوعية، هي المرحلة التي تطمئن فيها الشعوب على مستقبلها، وعلى مستقبل أبنائها، بانتفاء الاستغلال الطبقي، وبانتفاء العبودية، والاستبداد، وبتمتع البشرية، كل البشرية، بحقوقها الإنسانية، كما تراها الشيوعية، التي لا تعرف إلا بتطبيق مبدأ: (على كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته؟).

إن هذه الأسئلة، التي ذيلنا بها موضوع:

هل الماركسية لا زالت حاضرة في عصرنا هذا؟

تهدف إلى تركيز ما تم بسطه أثناء كتابتنا للموضوع، وما تم تركيزه على مستوى الخلاصة العامة، بدون جعل الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي، حاضرة في فكرنا، وفي ممارستنا، لا تغيب عنا، ومن أجل أن نستحضر شهداء الماركسية، وضحاياها، في سبيل النضال، من أجل التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، ومن أجل أن نستحضر كذلك أن الماركسية ليست قوالب جاهزة، لا وجود لها إلا عند مؤدلجي الدين، وفي أيديولوجية الأسياد، والإقطاعيين، والبورجوازيين، والبورجوازية الصغرى، والمتوسطة.

أما الماركسية، فمتغيرة باستمرار، تبعا لتغير الواقعن الذي تتفاعل معه، ومتطورة باستمرار، تبعا لتطور الواقع الإنساني، الذي يتطور باستمرار، في جميع مجالات الحياة المعرفية، والفلسفية، والفكرية، والعلمية، والمنهجية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي تتفاعل معها الماركسية جميعا.

ونحن عندما نطرح هذا الموضوع للنقاش، انطلاقا من ملامستنا للماركسية، كما نفهمها، والتي تقتضي منا القول بالضرورة: بأن:

ــ الماركسي الحقيقي، ليس مرددا لما جاء به ماركس، على أساس أن ماركس مقدس.

ــ الماركسي الحقيقي، هو الذي يدرك أهمية صلاحية الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، لخصوصية واقعه.

ــ الماركسي الحقيقي، ليس هو الذي يستورد النظرية، التي تم إنتاجها، على أساس التحليل الملموس، للواقع الملموس، في واقع مختلف، في الزمان، وفي المكان، بل هو الذي يفعل الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي، من أجل بناء نظرية علمية، عن واقع معين، بخصوصية مختلفة، عن طريق توظيف الماركسية كفلسفة، وكعلم، وكمنهج علمي ماركسي.

الماركسي الحقيقي، هو الذي ينحاز دائما إلى العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وليس إلى البورجوازية الصغرى، المريضة بالتطلعات الطبقية، والتي تستعد باستمرار لتغيير مواقعها.

الماركسي الحقيقي، هو الذي يقرن النظرية بالممارسة، وليس هو الذي يقول ما لا يفعل.

الماركسي الحقيقي، هو الذي لا يتوقف عنده الحلم بحق الإنسان بكامل كرامته؛ بل هو الذي يعمل على أن يصير الحلم في متناول الجميع، ومنتشرا بين الناس، حتى يتمتع الجميع بالحق في الكرامة الإنسانية.

الماركسي الحقيقي، هو الذي يعمل على رفع حدة الصراع الطبقي، بعد أن يعمل على رفع وعي العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين بالذات، وبالواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، مما يجعلهم ينخرطون في الصراع، ومن بابه الواسع.

الماركسي الحقيقي، هو الذي يسعى باستمرار: إلى التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، ويقاوم كل ما تناقض مع ذلك.

وبذلك نكون قد وضحنا رأينا في الموضوع، دونما حاجة إلى أنبياء الماركسية، الذين ينزل عليهم الوحي الماركسي.

ابن جرير في 24 / 07 / 2019



http://www.ahewar.org/lc
مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار