مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية _ الجزء الأول

الشرارة
acharara1917@hotmail.com

2019 / 8 / 26

لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية
أهمية سلاح النظرية في بناء الحزب البلشفي وقيادة الثورة الاشتراكية العظمى في روسيا
(سلسلة ملخصات و مقالات حول أهمية النصص اللينينية التي ساهمت في بناء الحزب الاشتراكي الديموقراطي العمالي البلشفي الروسي)
المرحلة الثانية : 1912 –1924

حول كتاب "مرض "اليسارية" الطفولي في الشيوعية"

المؤلف: فلاديمير إيليتش لينين.
في بتروغراد، شهر أبريل 1920
عن دار الدولة للطبع والنشر.

تقديم :
لقد وضع لينين هذا الكتاب في الفترة ما بين أبريل و ماي 1920، في ظروف كانت تعرف ولادة و نشوء أحزاب شيوعية جديدة، خاصة بعد تأسيس الأممية الشيوعية الثالثة سنة 1919، و كانت هذه الأحزاب تضم في صفوفها تصورات و مفاهيم خاطئة عن الثورة البلشفية، و عن المفاهيم النظرية و التنظيمية و أدوات الثورة عموما، مما جعل الدوغمائية و اليسراوية تتسيد في صفوفها، وكان هذا سببا دفع لينين إلى التصدي إلى هذه الانحرافات و معالجتها، فجاء كتابه "مرض "اليسارية" الطفولي في الشيوعية" شاملا من حيث عرضه لخبرات التجربة الثورية البلشفية في مجالات النظرية و التكتيك و أساليب العمل.
لقد بين لينين طبيعة الجمود العقائدي "اليساري" المتستر خلف عبارات ثورية كاذبة، فلم يكن في حقيقة أمره سوى تراجع عن النظرية الماركسية و تطبيقها، و الانزلاق نحو السنديكالية الفوضوية الرافضة لفكرة الحزب السياسي، و لأهمية القيادة الثورية، مما يسقط الأحزاب الشيوعية الناشئة في طريق مسدود يعزلها عن جماهير العمال و الكادحين. و قد أكد لينين على أهمية الأممية عندما طرح أن البلشفية قامت بعمل تطبيق غير مسبوق من حيث ثراء تجربة و اختلاف و تعدد أشكال الحركة الثورية، و بالتالي فإن التنكر لذلك يعد تراجعا عن الأممية و يفتح المجال أمام الانتهازية و التحريفية.
لقد عالج لينين أخطاء الأحزاب الشيوعية الجديدة، و أشار، مدعما بالتجربة البلشفية، إلى طرق تلافيها و إصلاحها. و قد أكد لينين على مبدإ أساسي يجب أن يحكم الأحزاب الشيوعية الثورية و هو :
"إن موقف الحزب السياسي من أخطائه هو أحد أهم و أفضل معايير جدية الحزب، و ما يؤديه من مسؤولية أمام طبقته، و أمام جماهير الكادحين" .
لقد أطلق لينين على كتابه اسم "تجربة حديث شائع حول الاستراتيجية الماركسية و التكتيك"، و يعتبر كتاب "مرض "اليسارية" الطفولي في الشيوعية" ذا قدرة على الجمع بين البساطة و التعميم من جهة، و بين أسلوب الإقناع الكبير في القضايا المتعلقة باستراتيجية و تكتيك الحزب الماركسي في نضاله الثوري، علما أن فترة صياغة الكتاب قد اقترنت ببرنامج الإعداد للمؤتمر الثاني للأممية الشيوعية الثالثة، ففي تلك الفترة، كانت الحركة العمالية الثورية العالمية تمر بمرحلة نهوض، و تم تشكيل أحزاب شيوعية في انجلترا و الولايات المتحدة الأمريكية و اسبانيا و يوغوسلافيا و بلغاريا و تركيا. و قد بلغ عدد الأقطار التي تم فيها عام 1920 تشكيل أحزاب و تكتلات شيوعية 41 قطرا. و قد أدى هذا النمو السريع إلى توسيع و تدعيم الجبهة الثورية، إلا أنه كانت هناك مخاطر تعود بالأساس إلى غياب النضج السياسي الكافي للحركة الشيوعية الجديدة، و قد دعم هذه المخاطر تسرب عناصر يمينية و يسارية من انتهازيي الحركة الاشتراكية الديموقراطية إلى صفوف هذه الأحزاب الشيوعية الجديدة، و كانت هذه التيارات تحمل عبارات ثورية براقة، هكذا صبح الخطر الرئيسي كامنا وراء الانتهازية "اليسارية". و لمواجهة ذلك أعار لينين أهمية بالغة للتربية الماركسية للحركة الشيوعية والعمالية العالمية، و للسلاح الفكري و التنظيمي للأحزاب الفتية في نضالها من أجل التأثير على الجماهير، و لذلك قام لينين بتعميم خبرة الحزب البلشفي عبر صياغة كتابه الكبير "مرض "اليسارية" الطفولي في الشيوعية". و قد تم توزيع هذا الكتاب على مندوبي المؤتمر الثاني للكومنترن، حيث ترك انطباعا كبيرا وسط المندوبين، و لأن اتجاها يخفي وراءه دائما اتجاها آخر كما قال ماو تسي تونغ، فإن لينين يعلم الشيوعيين كيفية النضال في آن واحد ضد الانتهازية اليمينية (الإصلاحية و التحريفية) و ضد الانتهازية اليسارية (التعصب الحلقي و الجمود العقائدي). و قد أظهر لينين طبيعة الجذور الطبقية و المصادر الفكرية لليسارية، حيث بين أن البيئة المغذية لهذه اليسارية هي البورجوازية الصغيرة في المدينة و الريف، و كذلك الفئات المتأخرة من العمال، أما الأساس الفكري للانتهازية "اليسارية" هو التخلف النظري، و عدم إعطاء الماركسية قيمتها الحقيقية، و ضعف الخبرة السياسية و الجمود العقائدي و انعدام الأسلوب العلمي لتحليل الأحداث و الظواهر، و عدم الاعتراف بالقوانين الطبيعية لتطور المجتمع، و انعدام الثقة بالقوة الثورية الخلاقة للشعب.
و من الناحية التاريخية تعود النزعة "اليسارية" للأحزاب الشيوعية الناشئة في أوروبا الغربية إلى ذلك الحقد الذي كان يكنه قسم معين من العمال على الأعمال الخيانية، التي ارتكبها قادة الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية و الزعماء الرجعيون في الحركة النقابية.
و استنادا إلى تجربة الثورات الروسية الثلاث (1905، فبراير 1917، أكتوبر 1917) لخص لينين الإرث الثوري للبلشفية في مجموعة من المميزات منها :
- الدور القيادي للحزب الشيوعي، سواء خلال حقبة الإعداد للثورة، أو بعد الاستيلاء على السلطة السياسية من قبل الطبقة العاملة.
- الأسس الأممية لاستراتيجية الثورة و تكتيكها.
- التحول الثوري للمجتمع من خلال دكتاتورية البروليتاريا.
- تضامن الطبقة العاملة في بلد الثورة مع عمال وكادحي الأقطار الأخرى.
و قد بين لينين أن المميزات العامة للثورة البروليتارية و البناء الاشتراكي و قوانينهما، لا يمكن، و لا يجب أن تنفي قيمة أشكال و أساليب بناء اشتراكية في كل بلد ما، لأنها ستكون مختلفة بالضرورة طبقا للظروف الاقتصادية و التاريخية القومية التي تخص تطور هذا البلد أو ذاك، و بعد التأكيد على هذا، و على الرغم من ذلك، فالخصائص الأممية العامة و الخصائص القومية، حسب لينين تخضع لديالكتيك واحد تكون فيه القوانين العامة هي الحاسمة، و لذلك حذر لينين من عدم السماح بترجيح المصالح القومية على المصالح الأممية و القيام بالفصل بينهما، مما يؤدي إلى خرق المبادئ الثورية الماركسية و الأممية البروليتارية، مما يؤدي إلى السقوط في التعصب القومي و الشوفينية و التحريفية.
و بناء عليه، فقد رأى لينين أن المبادئ الأساسية للشيوعية هي واحدة بالنسبة للحركة العمالية العالمية بأجمعها.
 
علي محمود
16-7-2019


ملخص كتاب " مرض "اليسارية" الطفولي في الشيوعية"

الجزء الأول
بقلم حمو خالد

1 - بأي معنى يمكن التحدث عن الأهمية العالمية للثورة الروسية؟
يجيب لينين قائلا:
"في الأشهر الأولى التي أعقبت ظفر البروليتاريا بالسلطة السياسية في روسيا (25 أكتوبر-7 نوفمبر سنة 1917)، كان ممكنا أن يبدو أن الفوارق الكبرى بين روسيا المتأخرة والبلدان المتقدمة في أوروبا الغربية ستجعل ثورة البروليتاريا في هذه البلدان الأخيرة غير مشابهة لثورتنا إلاّ قليلا للغاية. أمّا الآن فلدينا خبرة عالمية لا بأس بها تبين بأتم الوضوح أن بعض السمات الأساسية لثورتنا ليست ذات أهمية محلية ووطنية تميز روسيا فقط، بل ذات أهمية عالمية أيضا. وأني أتحدث هنا عن الأهمية العالمية لا بالمعنى الواسع للكلمة، أي مدى تأثيرها على جميع البلدان، بل أتحدث بالمعنى الضيق للكلمة، أي أن المقصود بالأهمية العالمية هو القيمة العالمية أو الحتمية التاريخية لتكرار ما يجري عندنا، في النطاق العالمي، وأنه لا بد من الإقرار بهذه الأهمية لبعض السمات الأساسية لثورتنا.
وبالطبع يكون من الخطإ الفادح أن نغالي في هذه الحقيقة، وأن نعممها على أكثر من بعض السمات الأساسية لثورتنا. ويكون من الخطأ كذلك إغفال حقيقة أنه سيحدث، أغلب الظن، بعد انتصار الثورة البروليتارية ولو في بلد واحد من البلدان المتقدمة، انعطاف حاد، بمعنى أن روسيا لن تبقى بعد ذلك بلداً نموذجياً بل سرعان ما تعود من جديد بلداً متأخراً (بالمعنى «السوفييتي» والاشتراكي للكلمة).
وخير دليل على هذه الأهمية العالمية للثورة الروسية هو ما كتبه وتبناه كارل كاو تسكي كمؤرخ، قبل أن يصبح مرتدا، في مقالة نشرت في الايسكرا، الجريدة الاشتراكية الروسية الديمقراطية الثورية سنة 1902 العدد 18 المؤرخ في 10 مارس".
2) أحد الشروط الأساسية لنجاح البلاشفة
لماذا نجح البلاشفة في ثورتهم؟
ويأتي جواب لينين قائلا:
"إن ديكتاتورية البروليتاريا هي عبارة عن حرب ضروس تخوضها بمنتهى التفاني الطبقة الجديدة ضد عدو يفوقها بأساً، ضد البرجوازية التي تضاعفت مقاومتها عشرة أضعاف لسبب اسقاطها (وان في بلد واحدة فقط)، والتي لا يكمن بأسها في قوة الرأسمال العالمي، وفي قوة ومتانة الروابط العالمية للبرجوازية وحسب، بل في قوة العادة أيضاً، وفي قوة الإنتاج الصغير. وذلك لأن الانتاج الصغير لا يزال موجوداً، مع الأسف، بمقدار كبير وكبير جدا في العالم، والحال أن الانتاج الصغير يلد الرأسمالية والبرجوازية باستمرار، في كل يوم وفي كل ساعة، وبصورة عفوية وعلى نطاق واسع. ولهذه الأسباب جميعا تغدو ديكتاتورية البروليتاريا ضرورية، والانتصار على البرجوازية مستحيل بدون حرب ضروس مديدة وعنيدة، حرب استماتة، حرب تقتضي رباطة الجأش والانضباط والصلابة والثبات ووحدة الإرادة".
ويضيف لينين:
"... يمكن التأكيد على أن أحد الشروط الأساسية للانتصار على البورجوازية هي المركزية المطلقة وانضباط البروليتاريا الصارم للغاية".
وفي أسباب عوامل هذا الانتصار المذكور أعلاه يطرح لينين الأسئلة التالية ويجيب عنها:
" بم يوطد انضباط حزب البروليتاريا الثوري؟ وبم يجري امتحانه؟ وبم يدعم؟
أولاً، بوعي الطليعة البروليتارية ووفائها للثورة وبثباتها ورباطة جأشها وبطولتها وروح التضحية بالذات عندها.
وثانيا، باستطاعتها الترابط والتقارب، وإذا شئتم الاندماج لحد ما، مع أوسع جماهير الكادحين، وفي المقام الأول مع جماهير البروليتاريا، وكذلك مع الجماهير الكادحة غير البروليتارية.
وثالثاً، بصواب القيادة السياسية التي تقوم بها هذه الطليعة، وبصحة استراتيجيتها وتكتيكها السياسيين، شرط أن تقتنع أوسع الجماهير الكادحة بهذه الصحة بتجربتها الخاصة.
وبدون هذه الشروط، لا يمكن تحقيق الانضباط في حزب ثوري كفء حقا ليكون حزب الطبقة المتقدمة المدعوة إلى إسقاط البرجوازية وتحويل المجتمع كله، وبدون هذه الشروط تتحول محاولات توفير الانضباط ولا مناص إلى هراء وطنطنة وهذر.
ومن جهة أخرى لا يمكن أن تنبثق هذه الشروط فجأة. فهي لا تحصل إلاّ بنتيجة كدح طويل وتجارب شاقة، ومما يسهل توفيرها هو النظرية الثورية الصحيحة، التي هي بدورها ليست عقيدة جامدة، ولا تتشكل نهائيا إلاّ بالترابط الوثيق مع نشاط حركة جماهيرية حقاً وثورية حقا.
3) المراحل الرئيسية في تاريخ البلشفية
حدد لينين مراحل التجربة البلشفية في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: سنوات إعداد الثورة (1903-1905)
في كل مكان كانت تلوح بوادر إعصار عظيم، جميع الطبقات في حركة وتأهب. صحف المهجر تطرح على الصعيد النظري جميع المسائل الأساسية للثورة. ممثلو الطبقات الأساسية الثلاث، التيارات السياسية الثلاثة :
-1- التيار البرجوازي الليبرالي
-2- التيار الديموقراطي البرجوازي الصغير (المغطى بيافطتي النزعتين «الاشتراكية-الديموقراطية» و«الاشتراكية-الثورية».
-3- التيار البروليتاري الثوري.
الكل يستبقون ويهيئون، في غمرة منازلة الآراء البرنامجية والتكتيكية، صراع الطبقات المكشوف القادم.
المرحلة الثانية: سنوات الثورة (1905-1907)
جميع الطبقات تنبري على المكشوف. وجميع الآراء البرنامجية والتكتيكية تجرب بمحك عمل الجماهير. والنضال الإضرابي واسع وحاد إلى حد لم يسبق له مثيل في العالم.
ومن أبرز المميزات:
-1- تحول الاضراب الاقتصادي بالتدريج إلى اضراب سياسي، ثم تحول الاضراب السياسي إلى انتفاضة، التحقق العملي من العلاقات بين البروليتاريا القائدة وبين الفلاحين المقودين المتأرجحين والمتذبذبين.
-2- انبثاق الشكل السوفييتي للتنظيم في غمرة التطور العفوي للنضال. ومجادلات ذلك العهد حول أهمية السوفييتات، هي باكورة نضال سنوات 1917-1920 العظيم. وتناوب الأشكال البرلمانية وغير البرلمانية والأشكال العلنية وغير العلنية للنضال، وكذلك أشكال الترابط والتفاعل بينها - كل ذلك يتميز بغنى المضمون لحد مدهش. إن كل شهر من هذا العهد يضارع، من حيث استيعاب أسس علم السياسة- من قبل الجماهير والزعماء والطبقات والأحزاب على حد سواء- سنة من التطور «السلمي» و«الدستوري». فلولا «التمرين العام» في سنة 1905، لاستحال انتصار ثورة أكتوبر سنة 1917.
المرحلة الثالثة: سنوات الرجعية (1907-1910)
انتصرت القيصرية، وتم تحطيم جميع الأحزاب الثورية والمعارضة، ومحل السياسة حل الانحطاط والتفسخ والانشقاق والتشوش والارتداد والخلاعة. واشتد الجنوح نحو المثالية الفلسفية، وانتشر التصوف بوصفه ثوبا للنزاعات المعادية للثورة. بيد أن الهزيمة الكبيرة بالذات تلقن في الوقت نفسه الأحزاب الثورية والطبقة الثورية درسا واقعيا من أنفع الدروس، درس الديالكتيك التاريخي، درس تفهم النضال السياسي والتضلع بفن خوضه. الصديق وقت الضيق، والجيوش المهزومة تتعلم دائما بهمة واجتهاد.
يجب على الأحزاب الثورية أن تكمل تحصيلها. فلقد تعلمت الهجوم، أمّا الآن فيتعين عليها أن تفهم أن من الضروري أن تتمم هذا العلم بعلم كيفية التراجع الصحيح. يتوجب عليها أن تفهم - والطبقة الثورية تتعلم فهم ذلك بتجربتها المرة-إنه يستحيل الانتصار بدون التضلع بالهجوم الصحيح والتراجع الصحيح.
ومن بين جميع الاحزاب المعارضة والثورية المنهزمة تراجع البلاشفة بأكبر نظام، وبأقل خسارة في"جيش" هم محتفظين بنواته لدرجة أكبر، وبأقل انشقاق في صفوفهم (من حيث العمق واستحالة العلاج)، وبأقل درجة من وهن العزيمة، وبأكبر قدرة على استئناف العمل على أوسع نطاق وبأقصى الصواب والنشاط. ولم يفلح البلاشفة في ذلك إلاّ بسبب أنهم فضحوا دون رحمة، وطردوا الثوريين المتشدقين الذين لم يريدوا أن يفهموا أنه لا بد من التراجع، وأنه لا بد من المهارة في التراجع، وأنه يجب إلزاما تعلم العمل العلني في أكثر البرلمانات رجعية وفيما هو الأكثر رجعية بين النقابات والمنظمات التعاونية ومنظمات التأمين وما شاكلها.
المرحلة الرابعة: سنوات النهوض (1910-1914)
يقول لينين عن هذه المرحلة:
" في البدء كان النهوض بطيئا للغاية، ومن تم بعد حوادث لينا في سنة 1912، أخذ يسير أسرع نوعا ما. وقد تمكن البلاشفة وهم يذللون صعوبات منقطعة النظير، من إزاحة المناشفة، الذين كانت البرجوازية كلها بعد سنة 1905 قد أدركت على أتم وجه دورهم كعملاء للبرجوازية في حركة العمال، والذين كانت البرجوازية كلها تؤيدهم لهذا السبب بألف وسيلة ووسيلة ضد البلاشفة. بيد أن البلاشفة ما كانوا توصلوا إلى ذلك، لو أنهم لم يمارسوا تكتيكاً صحيحا نعني الجمع بين العمل السري وبين الاستفادة إلزاما من «الإمكانيات العلنية». وقد كسب البلاشفة جميع مقاعد مرتبة العمال في الدوما الأشد إغراقا في الرجعية.
المرحلة الخامسة: الحرب الإمبريالية العالمية الأولى (1914-1917)
يلخص لينين هذه المرحلة قائلا:
إن البرلمانية العلنية، مع كون «البرلمان مغرقا في الرجعية تماماَ، تقدم أنفع خدمة لحزب البروليتاريا الثورية أي للبلاشفة. وسينفى النواب البلاشفة إلى سيبريا. وتنعكس في صحف المهجر انعكاسا تاماً جميع التلاوين من آراء الاشتراكية-الإمبريالية، والاشتراكية-الشوفينية، والاشتراكية-الوطنية، والأممية المتذبذبة والكاوتسكية حول خيانة البروليتاريا بذريعة الدفاع عن الوطن. ولئن استطاعت البلشفية أن تنتصر في سنوات 1917-1920، فإن أحد الأسباب الأساسية لهذا الانتصار هو أن البلشفية كانت حتى منذ أواخر 1914 تفضح دون رحمة خبث ودناءة وخسة الاشتراكية-الشوفينية و«الكاوتسكية» (التي تتفق واللونغيتية في فرنسا، وآراء زعماء حزب العمال المستقل والفابيين في إنجلترا، وتوراتي في إيطاليا والخ.)، ثم إن الجماهير قد اقتنعت فيما بعد بتجربتها الخاصة أكثر فأكثر بصحة آراء البلاشفة.
المرحلة السادسة: الثورة الثانية في روسيا (من فبراير حتى أكتوبر سنة 1917)
في تركيزه لمميزات هذه المرحلة يقول لينين:
"إن تقادم وشيخوخة القيصرية لحد فظيع قد أوجدا (بمساعدة ضربات وويلات الحرب المعذبة الطحون) قوة هدامة خارقة موجهة ضد القيصرية. ففي غضون بضعة أيام، تحولت روسيا إلى جمهورية برجوازية ديموقراطية، هي في ظروف الحرب أكثر حرية من أي بلد في العالم. لقد مزج التاريخ على نحو بحيث نشأت في روسيا في سنة 1905 السوفييتات، ثم شوهها خلال حقبة فبراير-أكتوبر سنة 1917 المناشفة، الذين فشلوا نتيجة عدم استطاعتهم فهم دورها وأهميتها، وبحيث انبثقت الآن في العالم أجمع فكرة السلطة السوفييتية وهي تنتشر بين بروليتاريا جميع البلدان بسرعة لم ير لها نظير، هذا مع العلم أن صناديد الأممية الثانية القدماء يفشلون في كل مكان لعدم استطاعتهم فهم دور وأهمية السوفييتات، على غرار مناشفتنا. لقد أثبتت التجربة أنه في عدد من المسائل الجذرية للثورة البروليتارية يتعين على جميع البلدان، ولا مناص، أن تحذو حذو روسيا".
"لقد بدأ البلاشفة نضالهم المظفر ضد الجمهورية البرلمانية، البورجوازية (في الواقع) وضد المناشفة باحتراس شديد، وهيؤوه ليس البتة بسبل مألوفة، خلافا للآراء التي غالبا ما نعثر عليها الآن في أوروبا وأمريكا. إننا لم ندع في مستهل الفترة المذكورة إلى قلب الحكومة، بل كنا نشرح عدم إمكانية قلبها بدون أن تسبقه تعديلات في قوام السوفييتات وميولها. إننا لم ندع إلى مقاطعة البرلمان البرجوازي أي الجمعية التأسيسية، بل كنا نقول رسميا باسم الحزب - منذ كونفرانس أبريل (عام 1917) لحزبنا-أن جمهورية برجوازية مع جمعية تأسيسية خير من نفس هذه الجمهورية بدون جمعية تأسيسية، وأن جمهورية «العمال والفلاحين»، أي الجمهورية السوفييتية، خير من أية جمهورية برجوازية ديموقراطية، برلمانية. ولولا هذا العمل التحضيري الذي جرى باحتراس ودقة وتبصر خلال مدة طويلة لما استطعنا أن نحرز الانتصار في أكتوبر سنة 1917 ولا أن نحتفظ بهذا الانتصار".
4) في النضال ضد أي من الأعداء داخل حركة العمال نمت البلشفية وصلب عودها وتمرست؟
عن هذا السؤال قدم لينين الجواب التالي:
"إن البلشفية قد نمت وتشكلت وتمرست في نضال مديد ضد "الثورية البرجوازية الصغيرة" التي تشبه الفوضوية أو تقتبس بعض الشيء منها، والتي تتخلى، في كل ما هو جوهري، عن شروط ومقتضيات النضال الطبقي البروليتاري الدؤوب. لقد تقرر تماماً عند الماركسيين على الصعيد النظري - كما تأكد تماماً من خبرة جميع الثورات والحركات الثورية في أوروبا- أن المالك الصغير (وهو العنصر الاجتماعي المتواجد في كثير من البلدان الأوروبية بنطاق واسع جداً، جماهيري)، إذ يعاني دائما في ظل الرأسمالية من الظلم، وغالبا من تردي معيشته بشدة وسرعة خارقتين ومن الخراب، ينتقل بسهولة إلى الثورة المتطرفة، إلاّ أنه غير قادر على أن يبدي المثابرة والصمود والانتظام والانضباط. وأن البرجوازي الصغير «المنزعج» من جراء فظائع الرأسمالية، هو كالفوضوية، ظاهرة اجتماعية ملازمة لجميع البلدان الرأسمالية. إن عدم ثبات هذه الثورية وعقمها، وقابليتها للتحول سريعا إلى اذعان، وخمول، وحتى إلى شغف «محموم» بهذا التيار البرجوازي أو ذاك الذي غدا «موضة»، قد أصبح معروف للجميع. ولكن الاعتراف النظري والمجرد بهذه الحقائق لا ينجي البتة الأحزاب الثورية من الأخطاء القديمة التي تظهر دائما في مناسبات غير متوقعة وبشكل جديد بعض الشيء، وفي حلل وملابسات لم تشهد سابقا، وفي ظروف خاصة، أصيلة إلى هذا الحد أو ذاك.
كثيرا ما كانت الفوضوية بمثابة عقاب على الخطايا الانتهازية لحركة العمال، وكلا هذين التشويشين مكمل لبعضهما".
"لقد تبنت البلشفية عند ظهورها في عام 1903 النضال ضد الحزب الذي كان يعبر أكثر من غيره عن نزاعات الثورية البرجوازية الصغيرة، أي ضد حزب «الاشتراكيين-الثوريين»، وذلك في نقاط رئيسية ثلاث:
أولاً، إن هذا الحزب، الذي كان ينفي الماركسية، ظل يأبى بعناد (أو بالأحرى لم يستطع) أن يدرك ضرورة المراعاة الموضوعية الدقيقة للقوى الطبقية وللعلاقة فيما بينها قبل مباشرة أي عمل سياسي.
ثانيا، أن هذا الحزب كان يرى «ثوريته» الخاصة أو «يساريته» في اعترافه بالإرهاب الفردي وممارسة الاغتيال، الأمر الذي رفضناه نحن الماركسيين رفضا باتاً.
ثالثا، كان «الاشتراكيون-الثوريون» يرون «اليسارية» في هزئهم بالأخطاء الانتهازية غير الكبيرة نسبيا لدى الاشتراكية-الديموقراطية الألمانية، وذلك إلى جانب حذوهم حذو الانتهازيين المتطرفين من نفس هذا الحزب، مثلا، في المسألة الزراعية أو في مسألة ديكتاتورية البروليتاريا....
إن نضال البلشفية ضد الانحرافات «إلى اليسار» في حزبها هي قد اتخذ مقاييس كبيرة على الأخص في حالتين: في سنة 1908 بصدد مسألة الاشتراك في «البرلمان» الرجعي للغاية، وفي جمعيات العمال العلنية التي استنت لها أشد القوانين رجعية، ثم في سنة 1918 (صلح بريست ليتوفسك) بصدد مسألة جواز هذه «المساومة» أو تلك.
في سنة 1908، فصل البلاشفة «اليساريون» من حزبنا لعنادهم في الامتناع عن فهم ضرورة الاشتراك في «البرلمان» الرجعي للغاية. وهؤلاء «اليساريون» - وفي عدادهم كان كثيرون من الثوريين البارعين الذين غدوا فيما بعد (ولا يزالون) أعضاء شرفاء في الحزب الشيوعي- كانوا يستندون بخاصة إلى تجربة المقاطعة الناجحة لانتخابات سنة 1905. فعندما أعلن القيصر في غشت سنة 1905، دعوة «البرلمان» الاستشاري، أعلن البلاشفة مقاطعته -على النقيض من جميع الأحزاب المعارضة ومن المناشفة- وبالفعل ثورة أكتوبر سنة 1905 كنسته. إن المقاطعة كانت آنذاك صحيحة لا لسبب أن عدم الاشتراك في البرلمانات الرجعية بوجه عام هو أمر صحيح، بل لصحة تشخيص الظروف الموضوعية التي كانت تؤدي إلى تحول الاضرابات الجماهيرية بسرعة إلى إضراب سياسي، ثم إلى إضراب ثوري، وبعد ذلك إلى انتفاضة. أمّا المقاطعة في سنتي 1907 و1908 والسنوات التي تلتهما، فقد كانت خطأ فاحشاً من العسير إصلاحه، حيث، من جهة، لم يكن ممكناً توقع صعود سريع جداً لموجة ثورية وصيرورتها إلى انتفاضة، وحيث، من جهة أخرى، كانت ضرورة الجمع بين النشاط العلني وغير العلني، تنجم عن كامل الوضوح التاريخي، وضع الملكية البرجوازية الجاري تجديدها. والآن، عندما نلقي نظرة إلى الوراء على الفترة التاريخية المنصرمة تماماً، والتي تجلت تماما صلتها بالفترات التالية لها، يغدو واضحاً جداً أن البلاشفة ما كانوا استطاعوا أن يحتفظوا (ناهيك عن أن يعززوا ويطوروا ويقووا) بالنواة الصلبة لحزب البروليتاريا الثوري في سنة 1908-1914، لو أنهم لم يذودوا في نضال حامي الوطيس عن إلزامية الجمع بين الأشكال العلنية وغير العلنية للنضال، مع إلزامية الاشتراك في البرلمان الرجعي للغاية وفي جملة من المؤسسات الأخرى التي استنت لها قوانين رجعية (كصناديق التأمين وما اليها)".
"لم يبلغ الأمر في سنة 1918 حد الانشقاق. فالشيوعيون «اليساريون» قد اكتفوا آنذاك بتشكيل جماعة خاصة أو «كتلة» في داخل حزبنا، ظلت موجودة مدة قصيرة. وفي سنة 1918 ذاتها اعترف أبرز ممثلي «الشيوعية اليسارية» كالرفيق رادك وبوخارين، بخطئهم أمام الملأ. فقد تراءى لهم أن صلح بريست هو مساومة مع الإمبرياليين غير جائزة مبدئياً ومضرة بحزب البروليتاريا الثورية. وقد كان ذلك في الواقع مساومة مع الإمبرياليين، لكنها كانت مساومة لا مناص منها في ذلك الظرف بالذات".
بعد هذاالتوضيح يؤكد لينين :
"أن هناك مساومات ومساومات، وينبغي التمكن من تحليل الموقف والظروف الملموسة عند كل مساومة وكل نوع من أنواع المساومة.
إن الحزب الذي عقد مساومة مع الإمبرياليين الألمان بتوقيعه صلح بريست، عمل على صقل أمميته في الواقع منذ نهاية سنة 1914. فهو لم يخف من أن ينادي بهزيمة الملكية القيصرية، وان يشجب شعار «الدفاع عن الوطن» في الحرب بين الضاريين الإمبرياليين. وقد فضل نواب هذا الحزب في البرلمان طريق النفي إلى سيبيريا على الطريق المؤدي إلى الكراسي الوزارية في الحكومة البرجوازية. والثورة التي أسقطت القيصرية وأقامت الجمهورية الديموقراطية قد جعلت هذا الحزب يواجه فحصاً جديداً وعظيماً: فهو لم يقدم على أي اتفاق مع إمبرياليي «بلاده»، بل وقد أعد لإسقاطهم وأسقطهم. وبعد أن أخذ الحزب السلطة السياسية، ألغى كلياً الملكية الإقطاعية والملكية الرأسمالية على السواء. وبعد أن نشر الحزب وفسخ اتفاقيات الإمبرياليين السرية، عرض السلام على جميع الشعوب، ولم يرضخ لقسر الكواسر في بريست إلاّ بعد أن أحبط الإمبرياليون الإنجليز والفرنسيون الصلح، وبعد أن بذل البلاشفة كل ما في وسع الطاقة الإنسانية للتعجيل بالثورة في ألمانيا، وفي أقطار أخرى. إن كامل صحة هذه المساومة التي عقدها هذا الحزب في مثل هذا الظرف يغدو يوماً بعد آخر أوضح وأجلى للجميع.
إن المناشفة والاشتراكيين-الثورييين في روسيا (مثل جميع زعماء الأممية الثانية في العالم كله في سنوات 1914-1920)، قد بدأوا من الخيانة بتبريرهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة شعار «الدفاع عن الوطن»، أي الدفاع عن برجوازيـتهم الناهبة. وقد مضوا في الخيانة بدخولهم في ائتلاف مع برجوازية بلادهم وبشن النضال سوية مع برجوازيتـهم ضد البروليتاريا الثورية في بلادهم. فقد كان تكتلهم بادئ الأمر مع كرينسكي1 والكاديت2 وفيما بعد مع كولتشاك3 ودينيكين4 في روسيا، شأنه شأن تكتل إخوانهم في الفكر في الخارج مع برجوازية بلدانـهم، انتقالاً إلى جانب البرجوازية ضد البروليتاريا. إن مساومتـهم مع قطاع الطرق الامبرياليين كانت من أولها إلى آخرها عبارة عن جعلهم أنفسهم شركاء في اللصوصية الإمبريالية.
5) الشيوعية «اليسارية» في ألمانيا. الزعماء – الحزب – الطبقة - الجماهير
إن أبرز علائم «مرض اليسارية الطفولي» في ألمانيا، كما يقول لينين، هي التي يعبر عنها ما يصفون أنفسهم بالمعارضة المبدئية داخل الحزب الشيوعي الألماني، من خلال كراس، بعنوان «انشقاق الحزب الشيوعي الألماني (اتحاد السبارتكيين)»، وأهم ما يعرضه، ما يلي:
«الحزب الشيوعي هو حزب النضال الطبقي الأشد عزما…»
«… إن هذه المرحلة الانتقالية» (بين الرأسمالية والاشتراكية) «هي، من الناحية السياسية، مرحلة ديكتاتورية البروليتاريا…»
ثم يضاف في هذا الكراس:
«لقد اختارت المعارضة طريقاً آخر. فهي ترى أن مسألة سيادة الحزب الشيوعي وديكتاتورية الحزب ليست سوى مسألة التكتيك. وعلى كل حال، إن سيادة الحزب الشيوعي هي آخر شكل لكل سيادة للحزب. ينبغي مبدئيا السعي إلى ديكتاتورية الطبقة البروليتارية، وكل تدابير الحزب ومنظماته وشكل نضاله واستراتيجيته وتكتيكه يجب أن تتفق وهذا الأمر. ونظرا لذلك يجب أن ترفض بكل حزم أية مساومة مع الأحزاب الأخرى، وأية عودة إلى أشكال النضال البرلمانية التي ولى عهدها تاريخيا وسياسيا، وأية سياسة للمناورة والتوفيق».
كما «يجب التنبيه بشدة إلى الأساليب البروليتارية الصرفة في النضال الثوري. ومن أجل اجتذاب أوسع الأوساط والفئات البروليتارية التي يجب أن تسير في النضال الثوري تحت قيادة الحزب الشيوعي، لا بد من إيجاد أشكال تنظيمية جديدة قائمة على أسس واسعة للغاية، وفي حدود واسعة للغاية. إن هذا المحل لحشد العناصر الثورية جميعا هو اتحاد العمال المبني على أساس من منظمات المصانع. وفيه يجب أن يتحد جميع العمال الذين يقتفون شعار: أخرجوا من النقابات! هنا تتشكل البروليتاريا المناضلة في أوسع صفوفها الكفاحية. ويكفي للدخول فيه الاعتراف بالنضال الطبقي والنظام السوفييتي والديكتاتورية. وكل ما يلي ذلك من تربية الجماهير المناضلة تربية سياسية والتوجيه السياسي في النضال هو مهمة الحزب الشيوعي الذي يبقى خارج اتحاد العمال…»
ويخلص أصحاب الكراس إلى ما يلي:
«…إذن، فإن هناك الآن حزبين شيوعيين يواجه أحدهما الآخر: أحدهما هو حزب الزعماء الذي ينزع لتنظيم النضال الثوري، وقيادته من أعلى، ويقدم على المساومات وعلى البرلمانية، وكذلك قصد إيجاد حالات تتيح لهؤلاء الزعماء الاشتراك في حكومة ائتلافية تكون الديكتاتورية في يدها.
والآخر هو حزب الجماهير الذي يتوقع نهوض النضال الثوري من أسفل، والذي يعرف ويطبق في هذا النضال أسلوبا واحداً فقط مؤدياً بشكل واضح إلى الهدف، ويرفض جميع الأساليب البرلمانية والانتهازية، وهذا الأسلوب الأوحد هو إسقاط البرجوازية دون قيد أو شرط، لكي تقام بعد ذلك ديكتاتورية الطبقة البروليتارية من أجل تحقيق الاشتراكية…»
بعد استعراض هذه الفقرات اليسراوية للشيوعيين الألمان يوضح لينين الموقف الثوري الحقيقي:
"إن كل الطبقات في العادة، وفي أغلبية الحالات، وعلى الأقل في البلدان المتمدنة المعاصرة، تقودها الأحزاب السياسية، وأن الأحزاب السياسية، كقاعدة عامة، تدار من قبل جماعات ثابتة نسبيا من الأشخاص الأكثر سمعة ونفوذاً وتجربة، ممن انتخبوا للمناصب الأكثر مسؤولية، ويدعون بالزعماء. تلك كلها بديهيات أبجدية، إن كل ذلك بسيط وواضح، فما الداعي إلى استبدال ذلك بمثل هذه الرطانة ولغة الفولابيوك الجديدة هذه؟
فمن جهة، حسبما يبدو، ارتبك هؤلاء، إذ أحرجهم تحول الحزب بسرعة من الوضع العلني إلى النشاط السري، بحيث تختل بذلك العلاقات العادية والمرتبة والبسيطة بين الزعماء والأحزاب والطبقات. لقد اعتادوا في ألمانيا، كما في سائر البلدان الأوروبية، اعتمادا يفوق الحد على النشاط العلني، وعلى انتخاب «الزعماء» انتخابا حراً وسليماً في مؤتمرات الحزب المنتظمة، وعلى الفحص المريع لتركيب الأحزاب الطبقي عن طريق الانتخابات البرلمانية والاجتماعات والصحافة وتتبع أمزجة النقابات وغيرها من الاتحادات الخ… وعندما اضطروا، بحكم سير الثورة وتطور الحرب الأهلية العاصفين، للانتقال من هذا الوضع المألوف، للانتقال بسرعة من الحالة العلنية إلى السرية وإلى الجمع بين الإثنين، إلى الطرق «غير المريحة» و«غير الديموقراطية» من أجل انتقاء أو تشكيل أو حفظ «جماعات الزعماء»، تحير هؤلاء، وأخدوا يلفقون تلفيقات خرقاء.
ومن جهة أخرى، يلاحظ استعمال الكلمات «الرائجة» في وقتنا الراهن بصدد «الجماهير» و«الزعماء» استعمالا طائشاً. لقد سمع الناس وحفظوا كثيرا من الهجمات على «الزعماء»، ومن الأقوال بخصوص معارضتهم «بالجماهير»، لكنهم لم يستطيعوا أن يفكروا في ماهية الأمر، وأن يأخذوا فكرة واضحة عنه.
إن الخلاف بين «الزعماء» و«الجماهير» قد تجلى بمنتهى الوضوح والشدة في أواخر الحرب الإمبريالية وعلى أثرها في جميع البلدان. وسبب هذه الظاهرة الأساسي، قد شرحه ماركس وإنجلس مراراً عديدة في سنوات 1852-1892 بمثال إنجلترا. فوضع إنجلترا الاحتكاري قد فرز من بين «الجماهير» «فئة الأرستوقراطية العمالية» وهي فئة انتهازية وتشبه البرجوازية الصغيرة. وكان زعماء هذه الأرستوقراطية العمالية ينتقلون على الدوام إلى جانب البرجوازية، وكانوا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يتقاضون منها الجرايات.
وبالتالي إن الوصول في المحاججات بهذا الصدد إلى حد مواجهة ديكتاتورية الجماهير، بشكل عام، بديكتاتورية الزعماء، هو بلادة وسخافة تدعوا للضحك.
إن النتيجة التي حصلت عند المعارضة هي انكار الحزبية والانضباط الحزبي. وهذا ما يعادل تجريد البروليتاريا من السلاح تجريداً تاماً لصالح البرجوازية. وهذا ما يعادل ذلك التشتت والتذبذب الملازمين للبرجوازية الصغيرة وعدم قدرتها على الصمود والاتحاد والأعمال المنسقة، مما لو قوبل بالتغاضي لأودى، لا محالة، بأية حركة ثورية بروليتارية. إن نفي الحزبية من وجهة نظر الشيوعية يعني القفز من عشية سقوط الرأسمالية (في ألمانيا)، لا إلى المرحلة الدنيا أو المتوسطة من الشيوعية، بل إلى مرحلتها العليا. نحن في روسيا (في السنة الثالثة بعد إسقاط البرجوازية) نخطو الخطوات الأولى في طريق الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية أي إلى الطور الأدنى للشيوعية. لقد بقيت الطبقات وهي ستبقى في كل مكان طوال سنوات بعد ظفر البروليتاريا بالسلطة.
إن القضاء على الطبقات لا يعني فقط طرد الملاكين العقاريين والرأسماليين، فهذا ما قمنا به نحن بسهولة نسبيا، إنه يعني كذلك القضاء على منتجي البضائع الصغار، وهؤلاء لا يمكن طردهم، ولا يمكن قمعهم، إنما يلزم أن نتعايش معهم، فمن الممكن (والواجب) إصلاحهم وتربيتهم على نمط جديد، وذلك فقط بواسطة عمل تنظيمي مديد يحقق ببطء واحتراس. فهؤلاء يحيطون بالبروليتاريا من جميع الجهات بروح البرجوازية الصغيرة، وهذه الروح تتسرب في البروليتاريا وتفسدها، وتسبب على الدوام في أوساط البروليتاريا انتعاش ما يلازم البرجوازية الصغيرة من ميوعة وتشتت وفردية وتأرجح بين الحماسة والخمود. فلا بد من أن تسود داخل حزب البروليتاريا السياسي المركزية والانضباط الشديدان للغاية لمكافحة ذلك، ولأداء دور البروليتاريا التنظيمي (الذي هو دورها الرئيسي) أداء صحيحا وموفقا ومظفرا. إن ديكتاتورية البروليتاريا هي عبارة عن نضال عنيد، دموي وغير دموي، قسري وسلمي، حزبي واقتصادي، تربوي وإداري، يشن ضد قوى وتقاليد المجتمع القديم. إن قوة العادة عند الملايين وعشرات الملايين من الناس لهي أرهب قوة.
وإلى جانب مسألة الزعماء والحزب والطبقة والجماهير ينبغي طرح مسألة النقابات «الرجعية».

حمو خالد
27 ــــ 7 ـــ 2019

موقع الشرارة الماركسي ــ اللينيني
http://acharara.hautetfort.com



http://www.ahewar.org/lc
مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار