موضوعات حول المسألة القومية في عصر العولمة

عواد احمد صالح
awad_ahmed08@yahoo.com

2007 / 10 / 24

-1-
ان التحولات الكبرى التي حدثت في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط المجموعة السوفييتية افضت الى ان تمارس الدولة-الأمة الأمريكية ، القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم ، هيمنة اقتصادية وسياسية وعسكرية على العالم وخصوصا بلدان المحيط الراسمالي .ونتيجة ضغوط وتدخلات الامبريالية فقد حدثت حروب وصراعات قومية واثنية ودينية وابادات جماعية في يوغسلافيا والبلقان والعراق والسودان وغيرها من الدول وتمت تجزئة هذه البلدان وتحويلها الى "امم" وقوميات صغيرة او اثنيات وطوائف دينية متصارعة ، وبفعل سياسة العولمة الرأسمالية وسيطرتها على اسواق جميع البلدان وتدميرها للنسيج الأقتصادي – الثقافي للأمم الصغيرة والضعيفة فقد ادى ذلك الى نفخ الروح في مختلف الوان التعصب القومي والاقليمي والعرقي ونمو النزعات الخصوصية العشائرية والدينية . لقد اججت العولمة المتوحشة عنانَ النزعات الخصوصية وكره الأجانب ، ان طغيان العولمة الرأسمالية وهيمنة الولايات المتحدة عالميا ينمي بشكل مضطرد نزعة محلية نكوصية تقوم على العودة الى الماضي والتعلق الأعمى بالهويات والخصوصيات المحلية .
-2-
تستخدم النزعة القومية اليوم في المرحلة التاريخية الراهنة بمختلف منوعاتها للتعبير عن نزعة رجعية وانعزالية متعصبة تقف بالضد من شعارات الحرية ومساواة البشر في الحقوق ، اصبح مفهوم الامة يعني ضمنا الدين – الامة او الطائفة – الأمة او العرق - الأمة . فقد بينت تجارب الحروب الاهلية في البلقان مثلا ان النزعة القومية كانت اداة لبث القطيعة بين البشر بعد عقود من التعايش والتآخي وقد استخدمت لخلق العداوات والتعصب وتقطيع اوصال الأتحاد الطبقي للعمال وتضليل وعيهم السياسي واغراقهم في اتون صراعات جانبية اثنية وعرقية ودينية . ان النزعة القومية المتعصبة تستخدم اليوم لكبح مسار التحرر والتقدم الأنساني وتأخذ في مختلف البلدان " أشكالا غير متسامحة وعدوانية وتسلطية فقد تميز العقد الأخير من القرن العشرين بمذابح متبادلة بين الطوائف وحروب قومية/دينية وعمليات " تطهير عرقية" وحتى إبادات جماعية " .
-3-
لم تعد " الدولة القومية " الأطار السياسي للسوق القومي الذي هو ضرورة اقتصادية ، فليس هناك برجوازية ديمقراطية تقدمية في أي بلد فقد اخضع الرأسمال جميع الأمم والدول لقوانينه وقواعدة وتجاوزت الرأسمالية المعولمة كل اطر القومية لتضع العالم او اجزاء منه تحت سيطرتها المباشرة او غير المباشرة .. ووفقا لهذا المنظور فقد اصبحت الدولة – القومية في المحيط الراسمالي كما يقول ميخائيل لووي : (( ما عدا الاستثناء ، تشتغل كقناة توصيل لفائدة نظام السيطرة الإمبريالية ، وتخضع دون تردد لمتطلبات الرأسمال المالي و لأوامر صندوق النقد الدولي ، وتضع أداء الديون الخارجية على رأس أولويات الميزانية ،وتطبق بحماس سياسات التقويم الهيكلي النيوليبرالية. )) .
ان معظم الطبقات السائدة فيما كان يسمى العالم الثالث تقوم بدور مزدوج تخدم من جهة متطلبات العولمة او تتكيف مع ضغوطها بهذا القدر او ذاك لخدمة مصالحها الأقتصادية وتقوم في ذات الوقت بممارسات سياسية قمعية تجاه شعوبها مبنية على تكريس الفقر والغلاء والتفاوت الاجتماعي والطبقي .
-4-
لقد استخدم لينين والبلاشفة – كما يقول منصور حكمت – صيغة (حق الأمم في تقرير مصيرها) لمواجهة واقع تاريخي مرير ومعقد في عصرهم ومن اجل تخفيف غلواء الظلم والتعصب القومي وبدرجة اساسية من اجل تسهيل الاتحاد الطبقي للعمال ومن اجل الحيلولة دون تفشي التعصب القومي داخل صفوف الحركة العمالية .
ولقد كان لصيغة (حق الأمم في تقرير مصيرها) يوما ما كما اكد منصور حكمت ذلك الأستخدام البناء بالنسبة للحركة الشيوعية اما اليوم وكما يقول فأن هذا الشعار ينطوي على كثير من الأيهام والتناقض . وقد يفضي عند التطبيق الى نتائج سيئة ومضامين رجعية . ان مسألة قومية معينة عندما تتحول الى معضلة عصية على الحل فلابد من الدعوة الى حق الانفصال وتكوين دولة . ان شعار حق الامم في تقرير المصير لايوجد له غير تفسير واحد كما يقول لينين "تقرير المصير السياسي أي الحق في الانفصال لتشكيل دولة مستقلة " .. ويظل التاكيد على اولوية الوحدة الطبقية للعمال وعلى التعايش الأنساني لتجاوز الميول والنزعات القومية .
-5-
لقد تجاوز التطور التاريخي وخصوصا المراحل التي مرت بها الرأسمالية والحروب وانهيار تجربة الكتلة السوفييتية الطابع التقدمي لحركة التحرر القومي في العالم ، فقد غدت الحركة القومية ذات مضامين رجعية وعدوانية احيانا – طبعا هذا التصور لاينفي مشروعية وعدالة النضالات القومية لآي شعب مازال مضطهدا وقضيته تشكل معضلة معقدة فالقضية الفلسطينية وقضية الاكراد في تركيا وايران والعراق وقضية الصحراء الغربية على سبيل المثال تقع ضمن اطار القضايا العادلة والمشروعة .
ان الحركات والاحزاب القومية في العالم العربي تواجه مأزقا صعبا بعد فشل مشاريع الحداثة والوحدة وبعد سقوط او انكفاء الانظمة التي كانت تمثل التيار القومي العربي وخاصة بعد بروز احزاب الاسلام السياسي ودخولها الميدان السياسي فقد تبنى عدد من الاحزاب القومية الايديولوجيا الدينية بهدف ركوب الموجة الدينية التي تعم الشارع العربي في غياب وجود فاعل لبدائل اليسار التقدمي .
-6-
ان ظهور وانبعاث قوى الأسلام السياسي بجميع اتجاهاتها المعتدلة والمتطرفة ودخولها الساحة السياسية ومحاولاتها المستميتة الوصول الى سدة الحكم وتشكيل ((إمارات)) إسلامية او رغبتها في اعادة دولة الخلافة الاسلامية هو محاولة للعودة الى مرحلة ماقبل الدولة القومية . ويلعب الاسلام السياسي اليوم دورا بالغا في كبح جماح الحركة التحررية للجماهير المتمدنة والأجهاز على المكتسبات العصرية التي تحققت في عصر الأيديولوجيا القومية التقدمية من خلال فرض القيم والعادات البالية التي لم تعد متلائمة مع معطيات التمدن والحضارة وحقوق الأنسان ومساواة البشر في الحقوق ، يجري ذلك بالتزامن والتوافق مع صعود نظام العولمة وهو يمثل واحدا من ردود الأفعال والتصورات التي تحملها الجماعات والاحزاب الدينية بأن مظاهر العولمة والانفتاح الأفتصادي والأجتماعي والسياسي تهدد الدين والأخلاق والتراث الحضاري للامم الإسلامية !!
ان قوى الاسلام السياسي تتصارع وتتنابذ على اساس الأنتماءات المذهبية والطائفية وتساهم في تقويض اركان الدولة القومية الحديثة باستبدالها أمة القومية بأمة الدين او الطائفة وبسلوكياتها الانعزالية المتعصبة والتدميرية.
-7-
ان الولايات المتحدة الامريكية بعد تحولها الى قطب اوحد في العالم يملك قوة اقتصادية وعسكرية هائلة تتدخل في القرار السياسي في مختلف دول العالم وهي مستعدة دائما لفرض الوصاية او ايقاع العقاب على تلك الدول التي تخل بما يسمى " النظام الدولي " وفق المفهوم الأمريكي او تلك التي ترى الولايات المتحدة ان سياساتها تتقاطع مع مصالحها واستراتيجيتها .. ولذا فأن مفاهيم مثل "الاستقلال" او "الاستقلال القومي او الاقتصادي " اصبحت تعبيرات سياسية نسبية وغير واقعية كما كان في عصرالقوميات . وان معظم الدول كما اشرنا أصبحت قنوات لتمرير سياسات نظام العولمة . ان هذا الواقع يفرض على القوى المناهضة للعولمة وقوى اليسار الثوري اجتراح عولمة مضادة أي تنسيق النضلات التقدمية على مستوى القارات في اطار اممية عمالية جديدة لكي تتمكن من النجاح وتحقيق الأهداف .
-8-
ان التناقضات والصراعات الحالية والحروب خصوصا في سياق ما يسمى الحرب على الإرهاب وتنامي النزعات الخصوصية المحلية القومية والدينية هو نتاج لتراجع الحركة الأشتراكية والديمقراطية والعلمانية المساواتية والانسانية وهو يأتي ضمن المسعى الرأسمالي الأمريكي والغربي للسيطرة المعممة على العالم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ، وتغليب التناقضات الثانوية العرقية القومية الدينية تحت ستار " النسبوية الثقافية " لغرض تعميق الهوة الأقتصادية والاجتماعية بين المركز الرأسمالي المتقدم والمحيط المتخلف او مايسمى بلدان الشمال والجنوب وفي ذات الوقت التغطية على الازمات البنيوية للرأسمالية والتناقض بين العمل المأجور ورأس المال ومن اجل تأبيد تحكم النظام الرأسمالي بمصائر الشعوب والطبقات المستغلة على ظهر كوكب الارض .
-9-
لقد وضعت الماركسية منذ زمن بعيد مجموعة من القواعد المبدأية الثابتة والشاملة وغير القابلة للنقض وخارج اطار الزمان والمكان للمسالة القومية تلك القواعد الصالحة لحل المسائل القومية المعقدة على اساس المنهج الطبقي والديمقراطي والانساني والتي يمكن اجمالها كما يلي :
ليس للعمال وطن ولا يمكن بالتالي سلبهم ما لايملكون ، البرجوازية هي التي شادت مفهوم وصرح الوطن عندما قامت بدورها التاريخي بتطوير قوى الأنتاج وازالة الأقطاعية كان من نتائج ذلك بناء صرح الوطن القومي ( الذي هو ضرورة اقتصادية ) وهي الآن قد تجاوزت منذ امد بعيد الوطن القومي الى البعد الأممي " البرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبَّعت الإنتاج و الإستهلاك، في جميع البلدان، بطابع كوسموبوليتي، و انتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية رغم سخط الرجعيين الشديد." 0( ... ) " و بما أنه ينبغي على البروليتاريا أن تستولي، أولا، على السلطة السياسية، و أن تنصّب نفسها طبقة قومية، و أن تتجسد كأمّة، فإنّها بهذا المعنى وطنية ، لكن ليس قطعا بالمعنى البرجوازي للكلمة ". ( البيان الشيوعي )
-10-
ينبغي دائما طرح المسألة القومية على صعيد تاريخي وعيني كما كان يفعل لينين .. تقف الحركة القومية التي هي تعبير عن نزعة برجوازية رجعية بالتعارض التام مع حركة الطبقة العاملة الأممية وتؤدي في المحصلة الى عزلة الحركة العاملة وانكفائها ضمن اطار كل (أمة ) طبقا للمبدأ القائل " الباقي لا يعنيني " .
ان الماركسيين هم دعاة وحدة البروليتاريا غير المقيدة بأي شرط قومي او ديني او أي شرط آخر جغرافي !! من جميع الامم ناهيك عن تلك الوحدة الأوثق ضمن الوطن الواحد المتعدد الهويات القومية .
ان الأستقلال القومي ليس مرتبطا بالمصالح الطبقية لنضال البروليناريا بل على العكس انه قد يؤدي الى الاضرار بتلك المصالح وتشرذمها .
ان السمة العامة التي تطبع عصرنا الحالي انه عصر الصراعات والحروب الرجعية الشرسة والتوتر الشديد بين المجموعات الدينية والمذهبية والعرقية وصعود الحركات الدينية في ظل هيمنة نظام العولمة المتوحشة .
ان عصر الحركات القومية التقدمية قد انتهى منذ الربع الأخير من القرن العشرين تقريبا مع وجود بعض الاستثناءات التي اشرنا اليها سابقا : القضيتان الكردية والفلسطينية . هاتان القضيتان خارج اطار كل تحديد زمني او عيني هما قضيتان عادلتان ومشروعتان . ينبغي ان ينال الأكراد في الدول الثلاث التي يتوزعون فيها والفلسطينيون حق تقرير المصير الكامل .
ان احد اهداف الثورة الشيوعية للطبقة العاملة كما اشار منصور حكمت هو " محو الحدود القومية والغاء الهوية القومية ، المجتمع الشيوعي هو مجتمع خال من الفصل القومي بين البشر " ذلك ان التمييز القائم على اساس انتماء البشر الى قوميات متمايزة ومتصارعة هو احد المظاهر البارزة لأنعدام المساواة بين البشر في المجتمع الطبقي .



http://www.ahewar.org/lc
مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار