انتحار معلن

حيدر عوض الله
haider_awwad@yahoo.com

2007 / 5 / 22

إذا تجاوزنا المعايير والتوصيفات الأخلاقية لما يحدث في قطاع غزة وانتقلنا من باب التقييم العاطفي لظاهرة إقتتال " الأخوة " وسفك الدماء الفلسطينية بأيدي فلسطينية في صلب المعركة الفلسطينية ضد الاحتلال ومتطلباتها، وانتقلنا إلى إعمال علم السياسة والاجتماع في فهم ما يحدث، عندئذ سينزل هذا الصراع من يوتوبيا الأخلاق إلى ديناميات السياسة و آليات الصراع على السيطرة الاجتماعية ثم على السلطة باعتبارها هدف النزاع السياسي والاجتماعي. ولا يفيد الصراع السياسي على " السلطة " التوقف كثيراً عند مستوى هذه السلطة وصلاحياتها ومحدودية قدرتها على السيطرة في ظل الاحتلال فهذه الأسئلة مقتصرة على الشرائح التي تدور مصالحها المباشرة خارج فلك تلك السلطة والسيطرة عليها. إن السلطة، الملموسة والعينية بما لها وعليها هي غاية الصراع السياسي الضاري الآن، وأية محاولة لإخراج الصراع عن هدفه الرئيسي لا يفعل في الحقيقة سوى ذر الرماد في العيون وتحييد كتل وقوى اجتماعية كبيرة ومؤثره من هذا الصراع ونتائجه. وهو مكر القوتين الرئيستين المتنازعتين على السلطة لكسب التعاطف أو تحييد القوى المناوئة أو على الأقل تشويه الصراع وإخفائه ومنع الفرز والاصطفاف النهائي وراء القوى المتصارعة أو على نقيضها.
ومن المؤسف أن تتخفى معظم القوى السياسية الأخرى، أي الموجودة خارج دائرة الصدام المباشر بين القوتين الرئيسيتين تحت شعارات " الحيادية " والحفاظ على مسافة واحدة بين القوتين وكأن هذا الصراع لا يعنيها إلا من زاوية " أخلاقية " فقط أو من زاوية مفهوم " الوحدة الوطنية " الضروري لانجاز مرحلة التحرر الوطني. وإذا كانت الزاوية الأخلاقية للحياد هي سلوك ضميري ومثالي إلا أنه في هذه الحالة يتدرج في إطار ما يسمى بالانتهازية السياسية التي تقنع بالعيش على فتات السلطة أو القوى المتصارعة عليها، وهي بالتأكيد قوى غير طامحة للتحول إلى قوة بديلة. وعندما نطالبها بأن تحدد موقعها في هذه المعركة السياسية التي من المفروض ولو نظرياً أن تطال هدف وجودها كقوة سياسية أي الوصول إلى السلطة فإننا نفترض نشاطاً ملموساً في هذا النزاع يحدد نفسه بطريقتين، الأولى دعم احد القوتين في هذا الصراع لاقترابها أو بعدها من برنامج هذه القوى أو التحول إلى قوة ثالثة بديلة للقوتين. ومثل هذا الطموح لا تغذيه الحيادية التي جاءت تاريخياً بقوى فاشية ومهلكة إلى السلطة. وحتى لا نفهم خطأ فان الاشتراك في الصراع لا يعني استخدام ذات الأدوات العنيفة والقاتلة بل باستنفار قواعدها الاجتماعية ورصيدها الشعبي ومواردها الكفاحية الأخرى وتوجيهها في هذا الصراع تبعاً للموقف الذي تتخذه من هذا الصراع.
أما الحيادية من زاوية مفهوم " الوحدة الوطنية " فقد كان هذا متأتياً وقابلاً للحياة في إطار وجود قوة سياسية مركزية تفرض إطارها ومفهومها وبرنامجها للوحدة الوطنية، ولو وجدت قوتين مركزيتين متعادلتين في الحجم والتأثير لما كان لشعار " الوحدة الوطنية " أن يكون جزءاً من الأدب السياسي الفلسطيني، أما اليوم وقد لحقت بحركة فتح قوة منافسة في الحجم والطموح لقيادة الشعب الفلسطيني . فان الحديث عن " الوحدة الوطنية " هو حديث شاعري إن لم يكن جزءاً من ديماغوجيا "الحياد "، وهو حديث شلل، ولنأخذ تجربة الثورة الجزائرية وتجارب حركات التحرر الوطني العالمية والتي لم يكن لها أن تتطور وتتنصر بدون حسم ازدواجية السلطة وازدواجية البرنامج السياسي.
ومن المؤسف أن آليات الحسم في معركة التحرر الوطني، أي في ظل غياب الدولة ومؤسستها وهشاشة النظام السياسي الدولاتي وحداثته وغياب الثقافة الديمقراطية وركيزتها المجتمع المدني لا يأخذ طابعاً سلمياً في الكثير من الأحيان.
ومع ذلك وفي ظل الوضع الفلسطيني السياسي بينهما، واستحالة حسم الصراع بالوسائل العسكرية والعنيفة للتعادل النسبي بين القوتين، فان الصراع سيبقى مفتوحاً ومتواصلاً وينتقل من وتيرة إلى أخرى تبعاً لحسابات القوتين الرئيسيتين. ومن المؤسف، ولكن الطبيعي في نفس الوقت، إن استمرار هذا الصراع مدة طويلة سيؤدي إلى تفكك مضطرد للنظام السياسي ومؤسساته، وسيرتد المجتمع الفلسطيني السائر نحو التفكك والتشظي إلى البحث عن آليات جديدة وبدائية للحماية وستضطر كل وحدة اجتماعية على اختلاف حجمها ووظيفتها الاجتماعية للبحث عن سبل الحماية والبقاء خارج إطار النظام السياسي والاجتماعي الذي سيتداعى بالضرورة تحت وقع الصدام والشلل العام، وفي هذه الأجواء من انهيار المناعة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية للمجتمع ستنتعش حثالة المجتمع وتزدهر العصابات المتنوعة الأهداف والوظائف، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن اللاعب الإسرائيلي الأساسي الذي بدأت استراتيجية تؤتي ثمارها وتأتي بنتائج تتجاوز حتى أحسن توقعاته!
عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن