سيد درويش

جهاد علاونه

2007 / 5 / 1


لو لم يظهر الشيخ سيد درويش قبل الحرب العالمية الأولى لظهر فنان آخر باسم آخر، ذلك أن الحياة العامة في مصر بدأت تتطور بعد ثورة عرابي 1882م وبدأت الناس تملأ الشوارع بكثرة، ولهذه الاسباب كان لا بد من وجود شخص يتحدث ويغني بلسان حال الجماهير مثل سيد درويش وقد هيأت ما قبل ثورة 1919م الظروف المناسبة حيث أصبحت للجماهير قدره عاليه على مقاومة القمع والإستبداد وفي أعقاب تلك الحياة القاسية التي تتسم بالجوع والفقر المدقع كان قد ولد سيد درويش في "كوم الدكة" بمدينة الإسكندرية سنة 1892م بعد فشل الثورة العرابية بعشر سنوات وتوفي في الإسكندرية سنة 1923م عن عمرٍ يناهز الـ (31سنة) قضاها في صراعٍ ليس مع الفقر والجوع فحسب بل أيضاً مع اللغة القديمة لغة الأغواة والأتراك ورجال القصور والطرق الفنية القديمة، وكان أبوه يعمل نجاراً وكان يحمل معه إبنه سيد درويش كل يوم: إلى ورشته( ) لذلك إختلطت أذنه بأصوات الباعة المتجولة والحرفيين والصناع، وكانت الحياة اليومية بالنسبة له خليطاً من أصوات الادوات المهنية وأفواه العمال وتأوهاتهم وأحزانهم لذلك قرر الشيخ سيد درويش أن تكون هذه الأصوات هي فقط من يُعبر عن الآلام الشعبية والأفراح الشعبية وليست لغة الأغوات والباشوات واشباه السلاطين والحكام، من هنا شعر الشيخ سيد درويش أن براءة إختراع النهضة العربية ستكون عما قريب للشعب وللجماهير بكافة تفاصيلها، ومن هذه الأصوات ما زالت الناس إلى هذه الساعة تحفظ لحن الصنايعية
صبح الصباح صبح يا عليم
والجيب ما فهيش ولا مليم
بس المزاج رايق وسليم
باب الأمل بابك يا كريم
ده الصبر طيب عال إيه غير الأحوال
يا إل معاك المال برضه الفقير له رب كريم
وقد تعلم سيد درويش إنشاد الأناشيد من معلمه الأول في الكتاب وهو في الخامسة من عمره على يد "سامي أفندي" واصبح في سن الـ (7 سنوات) معلماً للطلاب في نفس كتاب (سامي أفندي) وإنتقل الشيخ سيد درويش إلى محطة جديدة في حياته وهي: المعهد الديني لتجويد القرآن، في مسجد أبي العباس ومع هذا لم يستطع أحد أن يفصل دم وروح الشيخ سيد درويش عن الموسيقا، ولكثرة غيابه عن المعهد، فقد تم فصله منه لمخالفته أدنى قواعد السلوك الديني، وظل ملازماً للعمال والصنايعية في كوم الدكة وبالذات لعمال البناء يغني لهم ويكسر بصوته وألحانه ضوء الشمس الحارق، ولأنه تزوج أول مرة وهو في سن السادسة عشرة، فقد كان عليه أن يوفي، العائلة حق التكافل العائلي بالبحث عن مصدر رزق آخر له ولعائلته فإنضم إلى فرقة "كامل الأصلي" ولكنها لم ترض غرور ذلك العملاق الصغير لأنها كانت للتهريج والترفيه والتسلية التي تجعل من الفنان (مهرجاً أرجوازاً) يسلي الناس ويضحكهم فذهب إلى المقاهي ولكنه هجرها لأنها بيئة مخدرات وخلاعة (وكلاجيات) لأغراض الدعارة ولا ترضي حسه الفني المرهف وتخاصم يوماً مع صاحب القهوة الذي قال له (إنت لا تعمل شيء سوى يا ليل يا عين ولا أدفع عليها إلا 5 قروش فقال سيد إذا كانت يا ليل يا عين بـ 5 قروش (يفتح الله يا مزيكه).
وقد تنقل عبر عدة محطات حتى إنتهى به المقام في القاهرة سنة 1917م ومن أروع ما قدم في القاهرة:
زوروني كل سنة مره
حرام تنسوني بالمره.
وأول مسرحية لحنها هي "فيروز شاه" بأجر 20 جنيه، وقد سقطت بسبب الجمهور الذي لا يبحث إلا عن التسلية والترفيه، ويقدر النقاد عدد المسرحيات التي لحنها بـ عشرين مسرحية، ومن هنا بدأ فصلاً غنياً من حياته تعرف خلاله على: أمين صدقي وبيرم التونسي، وبديع خيري. ويعد سيد درويش أول فنان ومبدع ينظر إلى الشعب من خلال ورش البناء والطين والباعة المتجولة في الشوارع، وقدر له بعد ذلك أن يقبض خمسين جنيهاً عن كل مسرحية يلحنها وقال عن نفسه (أستطيع أن ألحن الجريدة) وهو أول من لحن قصيدة مصطفى كامل، من أجل إستقبال سعد زغلول ورفاقه بعد عودتهم من المنفى سنة 1923م ولكنه توفي قبل أن يؤديها أمامه عن عمر يناهز الـ (31عاماً) وكانت كلمات الأغنية إلى اليوم من أجمل الكلمات الوطنية.
بلادي بلادي بلادي
لك حبي وفؤادي( ) .... إلخ
وشيع جثمانه في الإسكندرية في الوقت الذي وصل به سعد زغلول ورفاقه الإسكندرية لقد عاش سيد درويش جيلاً واحداً من عمره كان به قد ملأ الدنيا وشغل الناس، وإن لم يكن سيد درويش أفظل موسيقار عربي فيكفيه أنه كان أروع أهل زمانه، لقد غنى للشعب وللعمال وللفقراء بنفس الوقت الذي كان به المتسلقون يغنون لأشباه السلاطين بكلمات مغشوشة وألحان مغشوشة، ويكفيه فخراً أنه مثل في غنائه وألحانه الشعب وناب عنه وكان مرآة واقعية صادقة بنفس الوقت الذي ما زال به أفضل الشعر والكلام أكذبه.
ويقال أنه فُصل من المعهد الديني بسبب الحالة الاجتماعية والديون التي تركها والده عليه بعد أن توفي وهو في السنة الأولى من الدراسة ولذلك فقد كان سبب تغيبه عن المعهد عائد بشكل رئيسي للبحث عن الخبز بعد وفاة والده، فبدأ العمل في الأثاث المستعمل مع قريب له ثم بائعاً للدقيق ثم "مناولاً" المونة لأحد معاليم البناء، ويقال أيضاً أن مشاكله النسائية جعلته يهرب من موقع إلى موقع وأن سبب شهرته هي بسبب القصص العجيبة والرائعة وراء كل لحن شعبي يؤديه، فأغنية زوروني كل سنة مره كانت بسبب إمرأة تحبه، قالت له هذه الكلمات بعفوية صادقة فلحنها أيضاً بعفوية صادقة وينسب له أيضاً أغنية: أنا هويته" وهي "دور" من مقام (الكرد)، ومن الموشحات: يا شادي الألحان" من مقام "النهاوند" وهكذا كانت وما زالت أغانيه الشعبية من أعظم ما يؤديه عشاق "الدور" والموشحات والطقطوقه وكانت الناس في بداية حياة سيد درويش، تغادر المسرح وهو يغني لإتهامهم إياه بالفوضى التجديدية التي تهدد اللغة الكلاسيكية العظيمة، بينما كانت الغلابية المثقفة المتنورة تعتبره امتزاجاً بين الشعب وبين لقمة العيش، لم يكن هنالك أصدق من سيد درويش حين غنى:
على شان نعلى ونعلى ونعلى
لازم نطاطي نطاطي نطاطي
وحين غنى: إستعجبوا يا إفندية
ليتر الكاز بروبية"
وفي أعقاب ثورة 1919م غنى:
قوم يا مصري مصر ديماً بتناديك
من كلمات الشاعر الشعبي"بديع خيري"
ولا ننسى القول أن الشاعر "أحمد رامي" ولد في نفس العام الذي ولد به سيد درويش وكأنهم على موعد وفي سنة وفاته عام 1923 كان قد توفي معه "أحمد باشا كمال" وهو من كبار علماء الآثار في العالم، وهو أول مصري يتخصص بدراسة الآثار المصرية، وكأن بداية الحداثة على موعد مع هذين العملاقين.
حول سيد درويش المغنى لسلاح شعبي وغنى للمصرية ذات الملاية السمراء، كان عصره نذير شؤمٍ على الأنظمة العربية القديمة كان أيضاً عصر قاسم أمين، الذي قال للمرأة والزوجة حقوق لقد كان من الخير لأصحاب القصور أن لا يولد سيد درويش، وقاسم أمين، وأحمد رامي، لقد حطم أولئك الاسطورة القائلة أن الثقافة من حق النخبة، لقد غنى أولئك وكتبوا للعمال والنجارين والحدادين ولمجتمع المساكين، الذين أصبح لهم دورٌ مهم بعد ثورة 1919م.
وغنى
يا عزيز عيني بدي أروح بلدي
بلدي يا بلدي والسلطة خذت ولدي
لقد أعطى ذلك الجيل للثورة أكثر مما اعطتهم الثورة وقد أخلصوا لقادة الثورة أكثر مما أخلص القادة لهم، وقد إندلعت الثورة في ضل أحداث عالمية شاملة كانت قد شملت ، الهند، الصين وإيرلندا، وبعض مناطق أمريكا، اللاتينية( ).
كانت قد إشتعلت الثورة بعد يوم واحد من إعتقال سعد زغلول ن وحمد الباسل، وإسماعيل صدقي ومحمد محمود، لم يكن سعد زغلول وإسماعيل صدقي، وحمد الباسل، هم قادة الثورة، بل كان الجوع والفقر المدقع بعد الأعوام الأربعة التي أعقبت الحرب العالمية الأولي 1914-1918-1919 -1920م لقد كانت تصادر أملاك الفلاحين من أجل الإنفاق على المجهود الحربي، وتم تجنيد (فرقة العمل المصري) لهذه الأسباب، وكانت الاسعار المرتفعة هي البطل العملاق الذي قاد الثورة حيث إرتفعت الاسعار 216 عام 1918 مقارنة بنسبة عام 1914، وإرتفع القمح 31% والسكر 149% والفول 114% والبترول 103% وهو الأمر الذي دفع سيد درويش للقول:
إستعجبوا يا أفندية
لتر الكاز بروبية.
وإرتفع سعر الفحم 9 أمثال( ) قياساً بعام 1914 وهذه الأسعار كانت بمثابة القوة الضاغطة على العمل في السكك ومصلحة البريد ومحطات الوقود، وأصبح جهد العامل العادي لا يكفيه واصبح الأمر يتطلب ساعات عمل إضافية، وهذه الأمور ملفتة جداً للإنتباه، إذ أن العمال كانوا يطالبون بتخفيف ساعات العمل، وكان الجوع والفقر يفتك بحياة الناس وأتحذت لذلك التدابير السريعة غير أن الحكومة لم تستطع ذلك فعملت على توزيع السكر والقمح وبعض المواد الغذائية بالمجان، ولأنها لم تصل إلى مستحقيها، فقد إندلعت الثورة ليس بإيعاز من محمد محمود واسماعيل صدقي، وسعد زغلول وحمد الباسل بل بإشارة من ضغوطات الحياة اليومية وغنى سيد درويش بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى:
سالمه ياسلامه رِحنا وجينا بالسلامه
ومن المؤسف للثورة أنها إنتهت عند الحدود الشكلية لها وحصل قادتها على إمتيازات دستورية وإستقلال بدائي سنة 1923 وقامت أول حكومة مصرية، سرعان مادب الخلاف بينها وبين كبار المثقفين ، من أمثال: عباس محمود العقاد.
وإنشق جماعة جديدة عرفت بإسم (الاحرار الدستوريين)( ) سنة 1922م.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن