حول أنماط تدبير لحظات الانتقال الديمقراطي بدول المغرب العربي

أبواللوز عبد الحكيم
aboullouz41@yahoo.fr

2007 / 3 / 19

(تونس- الجزائر- المغرب)

إن الغاية من الرجوع إلى لحظات بداية الانتقال الديمقراطي دول المغرب العربي الثلاث (المغرب، الجزائر ، تونس ) هي محاولة الإجابة على التساؤل التالي:
لماذا حدث هذا الاختلاف الكبير في تجارب هذه البلدان وهي تحاول أن تؤسس لعهد جديد من الانفتاح والديمقراطية والتعددية ؟
لفسير هذا التفاوت فإننا نضع الفرضية التالة:
إن نجاح الانتقال الديمقراطي رهين بشرطين أساسيين أثنين هما:
- انخراط الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية الممهدة للانتقال الديمقراطي في إطار سياسية دستورية ترمي بالفعل إلى مواكبة ما يشهده النسق السياسي والاجتماعي من تفاعلات، أي أن تكون المبادرات بالإصلاح الدستوري مبنية على خلفيات تاريخية وشروط اجتماعية، تروم تكييف الدساتير باعتبارها منظمة للمؤسسات مع التطور المسجل في المجتمع إن على مستوى التغييرات البنيوية أو التطلعات المستقبلية.
- حصول حد أدنى من التوافق بين الفاعلين على شكل الإصلاح ومراميه، وهذا ما يفترض انخراطهم في مفاوضات قبلية ترمي إلى توحيد الإستراتيجيات الكبرى حسب موقع كل فاعل في ميزان القوى، مع بقاء المواجهة قائمة على مستوى التكتيكات المتبعة لتحقيق تلك الإستراتيجيات.
بمراعاة هذين المحددين، فإننا نبني فرضيتنا على كون الشرطين تحققا في حدود معية في المغرب، لذلك شهد مسلسل الانتقال نجاحا نسبيا تمثل في تأسيس حكومة التناوب، في حين لم تستغرق لحظة الانتقال سوى فترات قصيرة في كل من الجزائر وتونس، بدون أن تترك أثرا ملموسا في الحياة العامة، مما جعل مسار الانتقال ينتهي بتكريس الأزمة السياسية.
لاختبار هذه الفرضية، سنتتبع في جانب أول الإصلاحات الدستورية التي أريد لها أن تؤسس للانتقال الديمقراطي في بلدان المغرب العربي ، فتتبع هذه الإصلاحات سيمكن من معرفة ما إذا كانت نابعة بالضرورة من رغبة أكيدة للتأسيس للانتقال الديمقراطي، أم مجرد سلوك لتسهيل انتقال السلطة أو لتجاوز أزمات ظرفية.
كما سنفحص –في جانب ثاني- في طرق تعامل الفاعلين مع هذه الإصلاحات، بفرز ما هو استراتيجي وما هو تكتيكي في هذا التعامل. بهدف للتعرف على الطرق التي اتبعها مختلف الفاعلين لتدبير الانتقال الديموقراطي على مستوى السلوك السياسي ، فالمقصود إذن اكتشاف ما كان الفاعلون يعلقونه على هذه الفترة من آمال على المستويين الدستوري والسياسي، والاستراجيات التي اتبعوها ليكون هذا الانتقال مستجيبا لتصوراتهم السياسية الخاصة.

المبحث الأول : الإصلاح الدستوري كمدخل للانتقال الديمقراطي.
استنادا إلى ما خلقته من دينامية سياسية، يمكن تقسيم الإصلاحات الدستورية التي مهدت لفترة انتقال ديمقراطي في دول المغرب العربي إلى ثلاث إصلاحات أساسية:
- الإصلاح الدستوري لعام 1988 في تونس.
- الإصلاحات الدستوري لعام 1989 في الجزائر.
- الإصلاحين الدستوري لعام 1996 في المغرب.

تونس : الانقلاب الدستوري كمدخل للانتقال.
لقد ساعدت الأجواء الهادئة التي حدث فيها تحول 7 نوفمبر1987، واحترامه للمقتضيات القانونية لانتقال السلطة القانونية على خلق انفراج ملموس في الحياة السياسية التونسية. فمباشرة بعد هذا التحول، أصدر النظام الجديد ميثاقا وطنيا شاركت في إعداده أغلب القوى السياسية، وقد نص ضرورة تجاوز نظام الحزب الواحد، ووضع حد لتهميش المؤسسات وشخصنة الحكم والانفراد بالسلطة وإعادة الاعتبار للنظام الجمهوري .
لقد كانت مقتضيات الميثاق بمثابة فلسفة سياسية استند إليها فيما بعد أثناء مباشرة التعديل الدستوري لعام1988 ، فقد أعاد التعديل التأكيد على النظام الجمهوري بحصر مدة الرئاسة في ولايتين حصريتين ،وأقر التعددية الحزبية دون قيد أو شرط ، وألزم الدولة بضمان حريات وحقوق المواطنين ، وتعهد بتنظيم انتخابات شاملة نزيهة وشفافة..إلى غير ذلك من التعديلات التي كانت مؤشرا على بداية فترة انتقال ديمقراطي خصوصا وأنها حظيت بمباركة القوى الحزبية والحقوقية التي وافقت على مقتضيات الميثاق وعلى مضامين التعديل الدستوري.
لكنه بمقارنة نص الميثاق مع طبيعة الإصلاحات الدستورية، تبين أن ثمة مفارقة في تصورات النظام الجديد بشأن نمط تدبير لحظة الانتقال الديمقراطي على المستوى الدستوري والمؤسسي. فرغم أن خطاب السلطة حمل موقفا صريحا من الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإن نوعية التعديلات الدستورية لم تهذب في اتجاه معالجة الشاملة للأزمة حسب اعتراف السلطة، بل اختصرها في واحد من مظاهرها المتعددة، وهو النزاع على السلطة والصراع حول الخلافة.
لذلك، جاءت أهم التعديلات الدستورية منحصرة في هذه النقطة، بالمحافظة على المكانة الدستورية لرئيس الدولة ودوره السياسي المحوري داخل النظام السياسي، حيث تمكن القول انه إذا كان الرئيس القديم يتمتع بصلاحيات دستورية قوية، فإن الرئيس الجديد يتوفر أيضا على هذه الصلاحيات ولكن بمحددات مختلفة .
أما بالنسبة للفاعلين الآخرين، فقد التغيير بالنسبة لها فرصة للتأكيد هويتها بعيدا عن الحزب الحاكم،ذلك أن العلاقات التي كانت تربط الأحزاب السياسية المعترف بها بالحزب الحاكم كانت تشكك في إمكانية تصنيفها في إطار معارضة سياسية منظمة ومهيكلة بطريقة موازية للسلطة ذات برنامج مغاير للخطاب الرسمي ، فصلا عن كونها لم تتمكن من كسب هوية مستقلة وإشعاع قاعدي. لذلك، لم تركز هذه الأحزاب على تفاصيل التعديلات الدستورية، بقدر ما باركت التغيير واعتبرته مؤسسا للحظة الانتقال الديمقراطي.
لذلك يمكن القول أن مبادرة الإصلاح الدستوري لعام 1988 لم يكن يستجيب للدينامية السياسية والاجتماعية المسجلة في تونس طيلة عقد الثمانينيات، بقدر ما هدف السلطة من خلالها إلى ضمان التأييد لفائدة تغيير1987 ، لذلك لم تنتج عنها انتقال ديمقراطي بدليل قصر مدة انفتاح النظام التي دامت خمس سنوات لا غير.

الجزائر:انتقال في خضم الأزمة
بالرغم من أن الإصلاح الدستوري لعام1989 جاء في هيئة تعديل للدستور السابق، إلا أن الظرفية التاريخية التي جاء فيها والرهانات التي أدار يجيب عليها جعلته منه سياسية دستورية جديدة تقطع مع المرحلة السباقة، وتحاول للتأسيس لمرحلة انتقال ديمقراطي.
لقد تميزت فترة ما قبل التعديل بمأسسة النزوع السلطوي للنظام، وتجسيد ما كانت تسميه الأدبيات الثورية آنذاك بالخطوة الثورية، الشيء الذي جسدته دستور 1976 الذي حاول التوفيق أو الجمع بين مبادئ الديمقراطيات الشعبية والبرلمانية والرئاسية للدستور الفرنسي، فكانت النتيجة نقل الشرعية إلى شخص الرئيس الذي أصبح يجسد الدولة .
أما الفترة المزامنة للتعديل، فقد اتسمت بوصول بحدة الأزمة الاجتماعية التي وصلت إلى أوجها، فقد ظهر بالملموس ضخامة التغييرات التي مست النسيج الاجتماعي في الجزائر وآثاره على المستوى السياسي، حيث قادت الأحداث إلى إعادة تركيب المشهد السياسي بظهور نخب جديدة تجمدت لديها الإحالات إلى اللحظة الكولونيالية كمكون في الهوية، لصالح محددات أخرى كانت نقطة انطلاق مجمل المظاهرات كالمحدد الأمازيغي والإسلامي.
لذلك، كانت الإصلاحات الدستورية محاولة للإجابة على هذه الدينامية الاجتماعية، فقد أعلن الدستور الجديد عن نهاية نظام الحزب الوحيد، وفتح باب التعددية السياسية، وأقر حرية الصحافة،ووسع من صلاحيات المجلس الوطني، وجعل الدولة ضامنة لحريات وحقوق المواطنين، كما تعهد النظام بإجراء انتخابات عامة وشاملة سابقة لأوانها وتسودها النزاهة والشفافية..
وبعد فترة من الانفراج السياسي التي أحدثيها هذه التعديلات، سرعان ما بدأت مؤشرات التقاطب تظهر من جديد بين الفاعلين بعد بداية الموجة الثانية من الاضطرابات، بإعلان الإضراب العام الشامل في 23 ماي، فإزاء هذا التطور ظهر التعارض بين خطاب الرئيس الداعم الاستمرار في الإصلاح الدستوري والانفتاح السياسي رغم استمرار المظاهرات، وبين خطاب السلطة الفعلية المكونة من العسكريين المشددين المتحكمين في دواليب الدولة الذين كانوا ينظرون بريبة إلى ما قد يترتب عن الإصلاحات من آثار غير متحكم في مجراها، ومن أهمها وظهور أطراف جديدة ذات قدرات ضخمة على التعبئة الأيديولوجية واكتساح المجال السياسي.
انطلاقا من هذه المعطيات، يمكن القول أنه رغم الانفتاح السياسي القوي الذي عرفته الجزائر انطلاقا من التعديل الدستوري لعام 1989، فإنه لم يؤسس لفترة انتقال ديمقراطي بسبب كون هذا الانفتاح لم يعبر عن إرادة مختلف الفاعلين السياسيين، بل كان مجرد سلوك إصلاحي فردي قررته رئاسة الدولة لتجاوز أزمة اجتماعية خانقة بطرح تعديلات على المستوى القانوني، بدليل الرجوع إلى حالة التقاطب بمجرد استالقة رئيس الدولة، واختناق الأزمة من جديد.

المغرب: توافق الإرادات بشأن التعديل الدستوري
بعد التعديلات التي طرأت على الدستور المغربي والظروف التي جاءت في إطارها، خصوصا تعديل 1992 ،تبين أن مرحلة جديدة دشنت في طرق تعامل الفاعلين السياسيين مع بعضهم البعض، فعلى عكس التجربتين السابقتين، لم تكن إعلان الرغبة في إحداث انتقال ديمقراطي وليد التعديلات الدستورية الأخيرة، بل سبقته مؤشرات عديدة إبان عنها الفاعلين الرئيسيين وهما الملك والمعارضة المتمثلة في أحزاب الكتلة.
فمن ناحية، أبانت المؤسسة الملكية عن رغبتها في مسايرة التحولات السياسية التي شهدها المغرب في بداية عقد التسعينيات، كما أن قوة الضغوط الدولية فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان دفعت النظام إلى بداية تصفية هذا الملف، وفي هذا الإطار اندرجت مجمل الإصلاحات التي تمت خلال هذه الفترة ونذكر منها على سبيل المثال إنشاء المجالس التالية:
- المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان 1990
- المحاكم الإدارية 1993
- المجلس الدستوري 1994
- المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان 1994
أما من جهة المعارضة، فقد أبانت من خلال مبادرتها بطلب التحكيم الملكي في بداية عام 1992 حول إنشاء لجنة تختص بمراقبة الانتخابات عن سلوك سياسي جديد إزاء المؤسسة الملكية، حيث اعترفت من خلاله بالدور التأسيسي للملكية ،ومختلف الصلاحيات التي يحيل عليها الفصل19 . كما أن اكتفاء أغلبها بعدم التصويت على دستور 1992 وعدم دعوتها إلى رفضه كان بمثابة رغبة في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة في انتظار نضج التصورات بشأن المرحلة المقبلة.
ويمكن اعتبار التأييد الواضح الذي حظي به الإصلاح الدستوري لعام 1996 هو ثمرة المؤشرات التي أطلقها الفاعلون فيما بعد، فالتراكم الذي حدث مند بداية التسعينيات جعلت هذه المرحلة يمثل نقطة انطلاق انتقال ديمقراطي حقيقي، وإذا كان من المبكر تقييم حصيلة التطورات الناجمة بعد انطلاق هذا المسلسل المستمر لحد اليوم، فإن مجرد امتداده في الزمان وإسفاره عن حكومة التناوب يبين نجاحه بالنظر إلى مآلاه في باقي بلدان المغرب العربي.
وبعد أن تعرفنا الأنماط التي اتبعها الفاعلون لتدبير لحظات الانتقال الديمقراطي على المستوى الدستوري والمؤسساتي، وتأثيرها على هذه اللحظة، يجدر بنا أن نفحص أنماطا أخرى تنتمي إلى السلوك السياسي.

المبحث الثاني:الانتقال الديمقراطي بين الإستراتيجيا والتكتيك
في هذا الجانب نروم تناول لحظات الانتقال الديمقراطي في ضوء ذلك المسار المعقد والمتشابك من تقابل الارادات الإستراتيجية والتكتيكية، لنرى هل توافرت لدى الأطراف مصالح مشتركة دفعتها الالتقاء حول استراتيجية واحدة وهي إنجاح الانتقال الديمقراطي؟أم أن الذي يبدو تحولا في الظاهر لا يعدو أن يكون تكتيكا من الأطراف لم يحصل في دوافعه وفي رسم أهدافه أي التقاء مصالح؟

تونس: عودة السلطوية
مباشرة بعد إجراء الانتخابات التشريعية لعام1991 ،بدأت أجواء التقاطب تسيطر من جديد على الحقل السياسي التونسي، فعلى عكس أجواء التوافق التي سادت فيما قبل، وبفعل حصول حركة النهضة الإسلامية بالمرتبة الثانية بعد حزب الرئيس، وأصبحت العلاقة بين هذه الأخيرة وباقي القوى السياسية تحتد شيئا فشيئا، بل وحتى قبل إجراء الانتخابات، وخلف الإعلانات المرحبة بتغيير 7 نوفمبر كانت هناك حرب بين هذه الاتجاهات.
فبالنسبة لأحزاب اليسار،كانت دائما تشكك في نوايا النهضة، وتجتهد في إخراج تناقضات خطاب قيادتها بشأن المرحلة، فالقبول بالتعددية وشعارات المصالحة التي أطلقتها الحركة لم تكن بالنسبة لهذه الأحزاب سوى نوايا تكتيكية، فاليسار كان دائما ينظر إلى الإسلاميين ليس فقط كخطاب معارض، وإنما كقوة يمكن أن تحصد نتائج سنوات كثيرة من النضال خاضها اليسار ضد السلطوية البورقيبية، وهو الشيء الذي ترجمه عمليا تراجعه أمام الإسلاميين في الجامعات والنقابات .
أما بالنسبة للسلطة، رفضت الاعتراف بالنهضة كحزب سياسي بحجة أن زعمائها لا زالوا تحت طائلة الأحكام التي أصدرتها في حقهم محكمة أمن الدولة في عام 1987، وبحجة خلو مشروعهم من أي توضيح بشأن العديد من المسائل الأساسية الواردة في الميثاق، وعدم تعهدهم باحترام مساواة المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات … .
وباستناده إلى هذه المبررات لرفض طلب الترخيص القانوني الذي تقدمت به حركة النهضة، يكون النظام قد اقتنع بمخاوف كلا الاتجاهين الليبرالي واليساري، ليظهر فيما بعد ان إعلان النظام فتح باب التعددية لم يكن توجها استراتيجيا راغبا في خلق منافسة سياسية حقيقية،وتدشين انتقال الديمقراطي، فانفتاح النظام لا يمكن اعتباره إلا تكتيكا يقوم على القبول الشكلي بتواجد أطراف جديدة في الساحة السياسية وليس في السلطة، مع ما يطلبه ذك من إقصاء أي خصم قادر على المنافسة الإيديولوجية والانتشار التعبوي .
أما بالنسبة للحركة، فالبرغم من أن بياناتها كانت تشدد على التوافق كخيار يندرج في إطار رد إيجابي على مبادرات النظام بالسماح بالتعددية، إلا أن رفض الترخيص لها بالعمل القانوني تسبب في تبنيها لخيار القطيعة النهائية مع النظام، لترفع استراتيجية أخرى وهي التوافق مع النخب غير المتورطة في السلطة وتكريس عزلة النخب الحاكمة .
وبدا بعد كل أشكال التنازلات وأشكال التكيف السياسي على مدى عقد الثمانينيات، أن النسق السياسي عاجز على خلق قاعدة من الإجماع على استراتيجية موحدة بين الفاعلين، فظل الفارق محسوسا بين خطاب سياسي منفتح نسبيا، وبين هياكل النظام السياسي الذي استمر في تبني النموذج الاحتكاري للحكم، مما يدل على أن ساعة الانتقال الديمقراطي لم تحن بعد .

الجزائر:إعادة إنتاج الأزمة
لقد كان رد فعل النظام الجزائري على مظاهرات 1988 مثيرا للإعجاب، فعوض اللجوء إلى الأساليب القديمة، حسم لصالح الإصلاح الدستوري، وخلال الفترة الممتدة بين أواسط 1989 و 1991، كانت الجزائر لربما الدولة الأكثر تحررا في العالم العربي.
إن أول امتحان حقيقي للنظام الجزائري في سعيه للانفتاح كانت بمناسبة تنظيم الانتخابات التشريعية لتشكيل المجلس الوطني في ديسمبر 1991 ، فقد أبان قانون الانتخابات الصادر آنذاك مخاوف السلطات من تأكيد نتائج الانتخابات المحلية، وكانت هذه الأخيرة قد أفرزت فوز جبهة الإنقاذ الجزائرية بتسيير أغلب المدن المهمة. فلتقليص هذه السيطرة، لجأت السلطة إلى وضع قانون انتخابي يعطي تمثيلية أكبر للمناطق القروية حيث كان نفوذ جبهة الإنقاذ ضعيفا .
بالمقابل بدأت جبهة الإنقاذ بالمطالبة الفورية بإجراء انتخابات رئاسية، ومن ذات الوقت تحتج على الخروقات الانتخابية. فدعت لتنظيم إضراب عام لكي تعطل إجراء الانتخابات التي كانت على الأبواب.وبين هذين التكتيكين كانت الأمور تسير لصالح طرف ثالث هي المؤسسة العسكرية، التي لم تكن راضية عن الإصلاح الحكومي ولربما كانت ترحب برؤية جبهة الإنقاذ تجتاح الشارع الجزائري. وبضعف موقف الجهاز الحكومي، وبالفعل فقد كانت حكومة حمروش أول ضحايا هذا الإضراب، وسقط بالتالي تكتيكها الانتخابي.
تبنت الحكومة الجديدة للسيد أحمد غزالي موقفا جديدا التزمت من خلاله بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة، أجريت بالفعل في ديسمبر 1991، وأسفرت عن فوز جبهة الإنقاذ الجزائرية مستفيدة من انهيار مكانة جبهة التحرير الوطنية في الساحة السياسية، وتذهب العديد من التحاليل إلى اعتبار سياسية الحكومة في هذه المرحلة مجرد تكتيكات مبنية على معرفة مسبقة برفض الجيش وصول جبهة الإنقاذ إلى السلطة ، وبالفعل تدخل الجيش دون إذن لمنع الدور الثاني من الانتخابات، تاركين جبهة الإنقاذ ومختلف القوى السياسية في وضع دفاعي بينما خلع الرئيس الشاذلي بن جديد.
وعلاوة على ما سببه تدخل الجيش من حرب أهلية شاملة، فإنها تسببت أيضا في تقاطب الإستراتيجيات داخل التيار الواحد. فبالنسبة للإسلاميين، اختار البعض تصعيد المواجهة مع النظام بتكوين مجموعة راديكالية متمثلة في الجماعة الإسلامية، في حين فضلت بعض الأجنحة الأخرى الانخراط في المجال السياسي في هيكلته الجديدة. كما اختلفت الرؤى السياسية داخل للمؤسسة العسكرية بين مؤيد للاستمرار في طرح المواجهة حتى القضاء على جميع الإسلاميين مع تأجيل الانخراط في أي إصلاح حتى يتحقق هذا الهدف، ويبن مساند للحوار مع العناصر المعتدلة وذات الوزن داخل جبهة الإنقاذ بغرض تهدئة العناصر الأخرى لما لهؤلاء من مكانة رمزية .
وقد بدا بعد فشل هذه المفاوضات أن النظام لا يتوفر على استراتيجية للخروج من الأزمة السياسية المندلعة منذ توقيف المسلسل الانتخابي في1991 ، ما عدا الدعوة مرة أخرى إلى إجراء انتخابات رئاسية في أواخر1995، وكانت الانتخابات ستمنح مبدئيا انفراجا سياسيا، إلى أن النظام عجز مرة أخرى عن إقناع أحزاب المعارضة الرئيسية لكي تشارك في الانتخابات. لذلك،وبالرغم من إجراء الانتخابات وفوز زروال، فقد استمرت أحزاب المعارضة في المقاطعة، كما استمر مسلسل العنف الذي تقوده الجماعة المسلحة.
نفس التكتيك الانتخابي لجأت إليه السلطة سنة 1999، لكن الجديد هنا هو توقف المعارضة عن سياسية المقاطعة، ونهجها تكتيك التكتل في مواجهتها للنظام بموجب اتفاق رما ، والسعي إلى تغيره عن طريق خوض المعركة الانتخابية، خصوصا أمام الضمانات التي قدمتها السلطة، وأهمها سماحها بمراقبة نزاهة العملية عن طريق ملاحظين دوليين. لكن هذه الأحزاب سرعان ما انسحبت من العملية عشية الاقتراع بحجة الخروقات التي كانت تستهدف ترجيح كفة مرشح جبهة التحرير الوطني عبد العزيز بوتفليقة.
ومن خلال التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة السياسية في الجزائر، نلاحظ تغيرا في طبيعة المبادرات التي اتخذها النظام لمواجهة الأزمة السياسية، فعكس اللجوء إلى إعلان انتخابات سابقة لأوانها، وضع النظام مبادرتين اثنين أولاهما هو مشروع الوفاق الوطني، الذي التزمت فيه الدولة بالعفو عن العناصر المسلحة مقابل وقفها لعملياتها الدامية واستسلام القائمين بها، وثانيهما هو الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة وطنية بغية وقف الاحتجاجات المستندة إلى الهوية الأمازيغية، وتبقى التطورات المستقبلية هي الكفيلة بتوضيح ما إذا كانت هذه المبادرات تعبيرا عن اعتراف النظام بالعمق الاجتماعي والثقافي للأزمة الداخلية، ومؤشرا عن وجود استراتيجية جديدة لمواجهتها، أم أنها لا تعدوا أن تكون تكتيكا جديدا يقطع من حيث الشكل مع التكتيك الانتخابي السابق، لكنه يندرج في نفس الأفق الاستراتيجي القابل بكل الحلول شريطة ألا تأتي على حساب شرعية النظام نفسه.

المغرب:توافق الإستراتيجيات واختلاف التكتيكات.
بعكس التجارب السابقة، حصل توافق بين الفاعل السياسيين في المغرب على استراتيجية موحدة تمثلت في أساس حكومة التناوب على أساس انتخابي ، حيث أعلن الملك في خطابه بتاريخ 20 غشت 1995 عن إجراء انتخابات سابقة لأوانها، متجاوبا بذلك مع مطالب الكتلة بتناوب تفرزه صناديق الاقتراع.
لقد جرت العادة في المغرب على اختلاف استراتيجية الحكم عن استراتبجبة المعارضة،ومن تم يكون الاختلاف والمواجهة بين الطرفين على ارض الواقع،إلا انه في الحالة الجديدة التي تطابقت الاستراتيجيتان، وبالتالي فأن التساؤل الذي يطرح هو كالتالي: مع من ستتقارع الاستراتيجيتان؟
بالنظر إلى التطورات التي واكبت فترة تأسيس حكومة التناوب، يتبين انه رغم الاتقاء على المستوى الاستراتيجي ، فإن ذلك لم يمنع اسمرار المجابهة على مستوى التكتيك، والذي يبرره سعي كل طرف إلى فرض تصوراته حول المرحلة المقبلة، وموقعة نفسه في موقع متقدم بالنظر إلى الأطراف الأخرى عند التفاوض على تفاصيل المرحلة المقبلة .
أما من جهة الكتلة، فقد لجأت إلى استعمال تكتيكين، يتمثل الأول في شعار النزاهة والشفافية،الذي رفع مرارا في هذه الفترة مثل تصريح الكاتب الأول للحزب الاتحاد الاشتراكي أمام اللجنة المركزية قال فيه" إن المفتاح الذهبي الذي لم يستعمل لحد الآن لفتح التناوب الديمقراطي هو إنجاز انتخابات نزيهة وشفافة ومراقبة" ، وقد استعمل هذا التكتيك على مرحلتين، حيث استهدف إخراج قوى الظلام "الحزب السري"أي الجهاز الإداري في مرحلة التفاوض على الصيغة التناوب المقترحة في1993، قبل أن يوظف في مرحلة التالية بهدف موقعة الكتلة في موقع متقدم على باقي الأطراف عند الانكباب على القوانين الانتخابية سواء في مجلس النواب أو الأعلام أو التفاوض على قوانين معينة.
أما التكتيك الثاني فيتمثل في التراضي، وقد استهدفت الكتلة من خلاله الحيلولة دون عرض القوانين المنظمة للانتخابات على مجلس النواب وإخراجها إلى مجال التراضي، وبالتالي الالتفاف على آلية العددية لمجلس النواب التي هي في صالح أحزاب الحكومة.مع إمكانية العودة إلى المجلس لا كمتنافسين بل كمتضامنين .
نجد هذا التكتيك نفسه مستعملا من طرف النظام، فقد تحدث الملك باستمرار عن التراضي منذ خطاب20 غشت 1997، مستهدفا من خلاله فصل الكتلة عن أهدافها السابقة المتمثلة في أولوية الإصلاح الدستوري، وبالتالي جرها إلى مجال التوافق باعتباره المجال الوحيد الذي من خلاله يمكنها تحقيق البعض مطالبها.
كذلك يمكن اعتبار الترخيص لتيار إسلامي بالعمل السياسي تكتيكا آخر هدف إلى تنويع أطراف الساحة السياسية وخلق منافس حقيقي لأحزاب الكتلة خصوصا بعد أن طرأت تغييرات مهمة في علاقات هذا التيار بمحيطه السياسي، فهذه المبادرة هي مجرد خطوة تكتيكية وليست هدفا استراتيجيا بدليل فانخراط هذا التيار مع الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الذي تعرف زعيمها بالولاء للملكية، وسيطرة هذا الأخير على التنظيم من خلال اختصاصاته التي يحددها القانون الداخلي، لبتر أي نتوء عن المسار العام المحدد في برنامج الحركة الشعبية الدستورية.
وبغض النظر عن درجه نجاح مختلف هذه التكتيكات في خدمة تصورات الأطراف حول المرحلة المقبلة،فمن المؤكد أن توافق الإستراتيجيات حد بشكل كبير من درجة المواجهة بدليل السرعة التي تجسد فيها هذا التوافق عبر محطات كانت تعتبر إلى أمد قريب نقاط توثر دائمة مثل: -التقطيع الانتخابي -اللوائح الانتخابية -أسلوب الاقتراع..
خاتمة:
من خلال تتبعنا للأنماط التي سلكها الفاعلون لتدبير الانتقال الديمقراطي بدول المغرب العربي الثلاث يمكن استنتاج ثلاث خلاصات أساسية:
- الارتباط الوثيق بين الانتقال الديمقراطي والتعاقد السياسي، فالحالة المغربية تبين أنه ما كان لمرحلة الانتقال أن تستمر دون وجود تعاقد سياسي بين الملك والمعارضة المتكثلة في أحزاب الكتلة، وقد ابتدأ في التفاوض حول هذا التعاقد منذ اقتراح الملك بتأسيس حكومة أقلية من المعارضة السابقة عام 1993، وانتهى بتأسيس حكومة التناوب التوافقي عام1997.
- غياب هذا التعاقد هو الذي يبرر فشل محاولات الانتقال الديمقراطي في كل من الجزائر وتونس، حيث لم يستطع العمل السياسي للفاعلين أن يضع تصورا محددا حول المرحلة المقبلة. لذلك، بقيت مبادراتهم عبارة عن تكتيكات في خدمة استراتيجيات متقاطبة لا ترى إمكانية للانتقال إلا بعد التخلص من الخصوم القادرين على المنافسة الحقيقية.
- في كل التجارب الثلاث، لعبت الحركات الإسلامية أدوارا مهمة في لحظات الانتقال الديمقراطي، فرغم أنها لم تكن من العوامل التي دفعت بالأنظمة إلى تدشين هذه اللحظات، فإنها نزلت بثقلها في الحياة السياسية بعد ذلك،بحيث كانت الطرف الأساسي في الصراع السياسي الدائر في الجزائر وتونس، في حين وظفت كفاعل في المغرب لخلق توازنات سياسية في ضوء التطورات التي سيشهدها الحقل السياسي مستقبلا.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن