أخر حوار مع الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط قبل وفاته بشهر.

عزيزة علي

2006 / 9 / 28

حاورته: عزيزة علي
E-azezaali@yahoo.com
أكد الفنان التشكيلي إسماعيل شموط وهو احد رواد حركة الفن التشكيلي في فلسطين والوطن العربي على أن "المبدع عندما يكون معنيّ بالتعبير عن قضية ما، كقضية فلسطين، يبذل كل جهده حتى يعبر عنها بأعلى مستوى يستطيعه من الفنّ"، وشموط هو صاحب أول معرض فني تشكيلي يقام بغزة في العام 1953، وشموط المولود في مدينة اللد- بفلسطين في العام 1930، درس فن الرسم والتصوير في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ثم في أكاديمية الفنون الجميلة بروما.
ويرى شموط أن "هناك أشياء كثيرة في الحياة تستحق ان ترسم ونعبر عنها ونقدمها بحلة جميلة للمتلقي، الحياة جميلة ويجب ان نعيشها ويجب ان نخلص من اجلها" وأنتخب اسماعيل أول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين في العام 1969، وأول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب في العام 1971. حول تجربته مع الفن التشكيلي كان الحوار التالي:

معرضك الأول كان في العام 1953، كيف تنظر لهذا المشوار ولهذا التاريخ العريق مع الفن التشكيلي في العام 2006؟
منذ طفولتي كنت عاشقا للرسم والألوان، وبدأت التعرف على اللوحة في مدينتي "اللد" وهي مسقط رأسي، لقد كنت ارسم بالألوان الزيتية، اما احترافي للفن فكان عندما هُجّرنا إلى قطاع غزة وتحديدا الإقامة في خان يونس، حيث عشت في مخيم للاجئين ثلاث سنوات، ثم سافرت إلى مصر لدراسات الرسم في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة. البداية كانت صعبة، لأنه لم يكن لدي أيّ دخل، ولم يكن مسموحا لدارسي الفنّ الحصول على منحة دراسية، لذلك عملت في مرسم للإعلانات، فكنت ادرس وأعمل في الوقت نفسه، ومن هناك كانت الانطلاقة.
عندما كنت أدرس في كلية الفنون الجميلة كان لرسم "الموديل" الذي يجلس أمامي، رجلاً كان أو امرأة أو طفل، يتحول على سطح لوحتي إلى موضوع فلسطيني، بمأساته وزيّه وتعبير وجهه، هذه الأشياء لفتت أنظار أساتذتي، فعندما سألون قلت لهم: أنني عشت أحداث النكبة الفلسطينية بكل أبعادها، لذلك سمحوا لي إن ارسم ما أشاء ولكن تحت إشرافهم.
أول معرض أقمت كان مدينة غزة في العام 1953، وعرضت فيه عدد كبير من اللوحات التي كنت قد أنجزتها في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وكان منها لوحة "إلى أين" و "جرعة ماء" و"بداية المأساة" وغيرها. فأقبل الناس عليه إقبالا كبيرة. وهذا المعرض هو أول معرض يقيمه فنان تشكيلي فلسطيني في فلسطين.
بعد هذا المعرض شعرت بالمسؤولية تجاه الفنّ وتجاه اللوحة الفنية القادرة على تحريك مشاعر الناس، فأهل غزة اتوا من أجل ان يشاهدوا معرضاً للوحات يقام في غزّة، فتفاعلوا معه بشكل ملفت للنظر، وهذا أثّر فيّ كثيرا وحدد مسار حياتي كلها.
بعد ذلك أقمت معرضي الثاني في القاهرة، الذي شاركتني فيه تمام الزميلة في ذلك الوقت وزوجتي الآن، ورعاه وافتتحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ثم سافرت إلى روما والتحقت بأكاديمية الفنون الجميلة لإكمال الدراسة، التي أنهيتها أوائل العام 1957.
بعد ذلك انتقلت للعيش في بيروت وعملت في مجال رسم أغلفة الكتب، والصحف والمجلات ما بين 1957-1964.
عندما يكون المبدع معنيّ بالتعبير عن قضية ما، كقضية فلسطين، يبذل كل جهده حتى يعبر عنها بأعلى مستوى يستطيعه من الفنّ، ليصبح فنـّّه هو الذي يحمل القضية، وليست القضية هي التي تحمل فنـّّه، فمن هنا كان يجب ان أظل على إطلاع دائم على مسارات الحركات الفنية في العالم ومثابرا على العمل والإنتاج لأبقى في مستوى فني يحمل القضية.
واعتبر ان "55" عاما من العطاء الفني الذي قدمناه انا وتمام، كنا عند حسن ظن الذين كانوا يتابعون هذا الإنتاج، وعند حسن ظن أنفسنا نحن، لان الفنان والمبدع يجب ان يكون هو أولاً راضٍ عن عمله قبل المتلقين. ورغم كل هذا عندما انتهى من أي لوحة انظر لها وأقول كان في الإمكان ان اعمل أفضل من ذلك.

لو لم تكن تحمل القضية الفلسطيني في رسوماتك، هل كان يمكن ان يكون المجال إمام لوحاتك أرحب من ذلك!!
ليس أكثر رحابة وليس أكثر حرية. فالعمل الفني هو عمل فني، سواء فيه قضية يعيشها الفنان أو فيه موضوعات أخرى. فالحياة مليئة بالموضوعات المتنوعة هناك من يرى ان إسماعيل شموط لا يرسم إلا عن فلسطين، وهناك من يعتقدون أنني لا ارسم إلا المآسي عن القضية الفلسطينية. ولكن الحقيقة أن أكثر من نصف لوحاتي تعبر عن "الفرح الفلسطيني" المنتظر أو الذي كان في الماضي. أيضا عندما أعجب بمنظر طبيعيّ اعبر عنه في لوحتي، باقة من الزهور، امرأة جميلة، شخصية طريفة، شخصية مهمة في التاريخ.
الالتزام لست التزام العمل الفني، بل الالتزام هو التزام الفنان أو المبدع لفكر معين، فعندما يكون هناك فنان مؤمن بقضاياه الكبير والصغيرة، أي شيء يرسمه ويعبر عنه يصبح عملا ملتزما" وأي عمل فنيّ جيد يكون ورآئه فنان ملتزم أو مبدع ملتزم.
منذ الصبا كانت تغريني حقول فلسطين المزدانة بالأزهار، ولا يمكن ان أنساها، وعبرت عنها في كثير من لوحاتي. وخاصة في لوحة "الجدارية" التي أنجزت عام 1997 واسمها "الربيع الذي كان"، هي ذكرياتي عن فلسطين الجميلة التي اذكرها صبيا، فهناك أشياء كثيرة في الحياة تستحق ان ترسم وان نعبر عنها ونقدمها بحلة جميلة للمتلقي، الحياة جميلة ويجب ان نعيشها ويجب ان نخلص من اجلها، فالشعب الفلسطيني الذي يناضل منذ سنين طويلة. من اجل ماذا يناضل؟ أليس هذا النضال هو تعبيرا عن حبّ للحياة، وعن حبّ وتمسّك بهذه الحياة بكل أشكالها، الجميلة والغير جميلة. الإنسان الفلسطيني تفوق على المعاناة التي يعيشها لأنه يحب الحياة، ونحن نحب الحياة، وهناك أشيئا كثير نحبها وتستحق ان نعيش من اجلها.
لا يمكني التخلى عن فلسطين، فلسطين المعاناة وفلسطين الفرح. طرح عليّ سوأل ذات يوم منذ سنوات قليلة:"ما هو مشروعك القادم؟ قلت: "إن اتخلص من الموضوع الفلسطيني" وليس المقصود بهذا ان أتخلى عن الموضوع الفلسطيني، فهو يعشش فيّ وفي كل جوارحي ووجداني، لكني قصدت أن تصبح المأساة الفلسطينية، بكل آلامها وتطلعات شعبها وفرحها مصدراً منفتحا على قضايا الإنسان في كل مكان، وأن أرسم الجمال في كل شيء، في فلسطين وفي اي مكان على وجه هذه البسيطة وفي سبيل الحياة بشكل عام.
كيف تتشكل اللوحة الفنية بين يدي الفنان إسماعيل شموط؟
لست ممن يصممون لوحاتهم على شكل اسكتشات أولاً، ثم ينفذون ما رسموا على قماش اللوحة بالألوان، زيتية أو مائية أو طباشيرية وغيرها.
بالنسبة لي تعيش في وجداني وفي مشاعري وأحاسيسي صورة موضوع ما، مبعثه شيء شاهدته أو قرأت عنه، أعيشه في يومي وليلي، وتبدأ ملامح أبرز ما سيكون في اللوحة يتشكل في مخيلتي، أقوم بعدئذ لألوّن، وأثناء العمل، الذي يمكن أن يستمر أسابيعاً أو شهورا، تتوالد الأفكار وتنمو الأحاسيس والمشاعر والأفكار لتصبح جزء من اللوحة.

ما هي حكاية "الكرسي" الذي يظهر في معظم رسوماتك؟
هو كرسي شعبي ويوجد مثله في سوريا ولبنان، ولكن هذا الكرسي الفلسطيني له شكل معين كنت أشاهده وأنا طفل في كل المقاهي الفلسطيني، ولذلك هو مطبوع في ذهني ودائما يظهر في اغلب لوحاتي، أول مرة ظهر كان في لوحة اسمها "هناك كان أبي" في العام 1957، أعبر فيها عن طفل كنت اعرف والده الذي استشهد أثناء احتلال قطاع غزة إبان العدوان الثلاثي عام 1956.

يقال إن فن التجريد في الغرب أفضل منه في العالم العربي، كيف ترد هذا الكلام؟
لقد تعلمت الرسم في مصر على أيدي أستاذة مصريين كبار، كانوا أول من درسوا الفن في الخارج وعادوا ليؤسسوا مدرسة الفنون، التي تعرف اليوم بكلية الفنون الجميلة، وكان أسلوبهم أسلوب أكاديمي، وعندما ذهبت إلى روما كان المجال اكبر أمامي للإطلاع على كل أساليب التجارب المعاصرة في التجريد وغيرها، وتعرفت هناك على مدارس عديدة، لم أتأثر بها، فأنا اعتبر نفسي انتمي إلى مدرسة فنية تختلط فيها الواقعية والتعبيرية والرمزية.

سيرة ذاتية لـ إسماعيل شموط
ولد الفنان إسماعيل شموط في مدينة اللد – فلسطين في العام 1930، وشردته النكبة 1948من مسقط رأسه إلى مخيم للاجئين في "خان يونس" بقطاع غزه .
درس فن الرسم والتصوير في كلية الفنون الجميلـة بالقاهرة في العام 1950- 1956 ثم في أكاديمية الفنون الجميلة بروما .
وأقام أول معرض للوحاته في مدينة غـزّة في العام 1953. وفي العام 1954، أقام معرضه الثاني في القاهرة، بمشاركة زميلته تمام الأكحل، وكان قد افتتحه الزعيم الرحال "جمال عبد الناصر".
ويعتبر الفنان إسماعيل شموط أحد أبرز رواد الفن التشكيلي الفلسطيني، فقد أسس قسم الفنون في منظمة التحرير الفلسطينية وشغل لسنوات طويلة موقع الأمين العام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين.ورأس أول اتحاد للفنانين التشكيليين العرب في عام 1971.
ويعتبر إسماعيل من المؤرخين للفن التشكيلي الفلسطيني، عن طريق تقديم مؤسسي ورواد الفن الفلسطيني، وتأليف عددٍ من الكتب.
وقد عاش شموط الهجرة والمعاناة وانقطع عن الفنّ ليؤمّن قوته بائعاً للحلوى في غزة، ثم عاد يحترف الفنّ باحثاً عن دروسه في القاهرة، وروما.
وقد استطاع هذا الفنان ان يصور النكبة بمآسيها والثورة الفلسطينية برموزها: البندقية والفدائيّ والكفاح من اجل الحرية. وقضى شمّوط سنوات إنتاجه الأساسية في بيروت، فكان في قلب الحدث الفلسطيني والعربي، وفي قلب الحركة الثقافية العربية الحديثة.
ولم يجنحْ إسماعيل في فنه نحو التجريد، بل بقى محافظاً على التيارات التشكيلية التي تهتمّ بالتعبير الذاتي وما تطرحه القضية من موضوعات وأحداث.
وقد أنتج شموط مئات اللوحات الجرافيكية باستخدام الكمبيوتر وعرض بعضها في بيروت.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن