الشاعر والقاص الكردي بير رستم :

حسين أحمد
hussin.ahmed.hussin60@gmail.com

2006 / 9 / 20

افي الحقيقة كان لا بد من الخوض في مسألة الإعلام الكردي بشكل أو بأخر, وكان من الضروري أيضا تسليط الأضواء عليه والنبش فيه ولاسيما في هذه المرحلة الحساسة بالذات من تاريخ والظروف التي يمر بها الشعب الكردي من خلال طرح مجموعة من الأسئلة على أصحاب الاختصاص ومن يهمه الأمر في هذا المجال لمناقشتها والتحدث فيها بغية الوصول إلى قواسم مشتركة في رؤى منطقية حول مفهوم الإعلام وأهميته الحضارية والثقافية والإنسانية و ما يترتب على ذلك النهوض بالشعوب في شتى مناحي الحياة وخاصة الشعب الكردي التواق إلى حرية الاعلام والصحافة . من هذا المنطلق كان لا بد من طرح هذه الأسئلة. قد تبدو هذه الأسئلة مقلقة للبعض إلى حد ما كما قال احد الإعلاميين الكرد البارزين, ولكن هي بالتأكيد محاولة جادة وصادقة في تحريك وتيرة التقدم ورقي في هذا المجال.
هل بإمكاننا القول أن هناك إعلاماً كوردياً بالمفهوم الحقيقي أي الحضاري والثقافي والمهني كما يجب أن يكون أم ما نقرؤه مجرد كتابات وأخبار وعناوين ودعايات لا أكثر ولا اقل ..؟!
* - بدايةً نود أن نقول: بأن مبادرتكم هذه حول الإعلام الكردي – بتفرعاته وأنواعه – وما له وما عليه وأيضاً وعلى الرغم من عموميته فإنه يعتبر بادرة جيدة وطيبة للبحث في هذا الموضوع والذي يعتبر شائكاً وإشكالياً وملحاً بنفس الوقت وعلى الأخص في هذه المرحلة الدقيقة والتاريخية من عمر المنطقة عموماً وعلى وجه الخصوص ما يتعلق منها بالمسألة الكردية وما يلعبه الإعلام من دور مركزي وحيوي كـ"بروباكندا" سياسية. فهو؛ أي البحث في الإعلام الكردي شائك وإشكالي لأسباب عدة: فمن جهة – وكما هو حال كل الإعلام العالمي – ذو تشعيبات وتفرعات عدة؛ من إعلام ورقي إلى مسموع ومقروء ومرئي وحالياً ما يعرف بالإعلام الأنترنيتي وهو شائكٌ أيضاً كون هذه البادرة تعتبر من البوادر الأولى للخوض في هذا المضمار. ومن الجهة الأخرى هو شائكٌُ وذلك نتيجة للواقع الجيوسياسي للمنطقة الكردستانية ولواقع الشعب الكردي المقسم والمجزأ بين مجموعة دول تغتصبه وأحزاباً سياسية تشتته. ويعتبر شائكً من جهة ثالثة كوننا نفتقر إلى مراكز الأبحاث والدراسات التخصصية في هذا المجال كما في غيره من المجالات.
أما بخصوص سؤالكم فنعتقد أنه يحمل في صيغته نوع من الارتباك والتشويش، حيث لم ندرك تماماً ما تقصدونه من عبارتكم التالية: "هل.. هناك إعلام كوردي بالمفهوم الحقيقي أي الحضاري والثقافي والمهني كما يجب أن يكون..". فإن كان المقصد من عبارتكم تلك: هل يمكن أن ندعي بأن الإعلام الكردي قد وصل إلى مصاف الإعلام العالمي من حيث المؤسساتية وما تحمل هذه من معاني ووقائع على الأرض؛ من حيث امتلاك الخبرات والكوادر المتخصصة وأيضاً الإمكانيات المادية من مباني واستوديوهات وأجهزة متطورة وبرامج أكاديمية حديثة وأيضاً الجو والمناخ السياسي الليبرالي الحر وبالتالي المنافسة القوية و"الشريفة" بين تلك المؤسسات لتقديم أفضل ما لديها لتكون قادرة على شد الجمهور إليه، كما هو الحال في كل المؤسسات العالمية.
فإن كان القصد والغاية من السؤال ما ذهبنا إليه وغيره العديد من العوامل والشروط الملزمة لنجاح أي مؤسسة إعلامية وبالتالي إيصال المادة الإعلامية إلى المتلقي، فإننا نؤكد معكم بأن الإعلام الكردي ليس إعلاماً حقيقياً فهو ما زال خاضعاً للذهنية القبلية – الحزبية من جهة، ومن الجهة الأخرى هو بعيد عن مفهوم المؤسسة ويعمل وفق الذهنية التراثية الأقرب إلى الشفهية منها إلى الوثائقية والتوثيقية في نقل الخبر؛ حيث قلنا قبل قليل وها نحن نؤكد هنا مرة أخرى على المهنية والمؤسساتية وأن الرغبات والتفاني في العمل وحب القضية لوحده لا يكفي لأن يكون لديك إعلام "حقيقي" أو غير حقيقي، وبالمناسبة ليس هناك شيء أسمه إعلام حقيقي أو غير حقيقي، فإما هناك إعلام أو لا إعلام.
أما إن كان "حقيقية الإعلام" عندكم يأتي من حيث المواضيع وما يتعلق بقضايا الكتابة والبروباكندا الإعلامية، فإننا على إطلاع بأن المادة الإعلامية هي "نفسها" في كل الإعلام العالمي؛ من مادة خبرية وأيضاً المقالة السياسية والمواضيع الاقتصادية والاجتماعية و.. الطبية والرياضية وكل ما يمكن أن يجذب المتلقي. أي وبما معناه؛ فإن "المادة الإعلامية" هي مواضيع مشتركة وهي ذاتها – وإن كانت لا تعد ولا تحصر – بين جميع المؤسسات الإعلامية، ولكن ما يجذب المتلقي إلى هذه المؤسسة دون غيرها من المؤسسات هو شكل وسرعة تقديم تلك المادة؛ فلا يعقل وكمثال من واقع الإعلام الكردي وتحديداً الحزبي، أن تأتي "جريدة" حزب سياسي كردي – أو بالأحرى النشرة الحزبية لها وبعد شهر من عمر خبر صحفي ونشره على كل الفضائيات – أن يأتي هذا الحزب وينشر الخبر نفسه (وبأقل مهنية وتشويق بالتأكيد) فهل عندها سيجد أحداً يقرأ ذاك النبأ وحتى من قبل رفاقه أنفسهم؛ ولذلك نجد بأن جل "نشراتنا" إن لم نقل كلها لا تقرأ، لا من قبل الجماهير ولا حتى من قبل "الرفاق" أنفسهم وهذا الموضوع؛ موضوع الإعلام الحزبي هو نفسه بحاجة إلى أسئلة عدة لتجاوز حالة العطالة التي تمر بها. ولكن.. وعلى الرغم من كل هذا وذاك نستطيع أن نقول أن هناك إعلام كردي.
برأيك هل استطاع الإعلام الكوردي أن يواكب المرحلة الراهنة, وخاصة في ظل الثورة المعلوماتية الهائلة وأجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية ..؟!
* - الإعلام هو قناة ونافذة الشعوب للإطلال من خلاله على العالم وحضارتها ومن ثم التلاقي والتحاور وأحياناً الصراع مع تلك الحضارات المختلفة، ولم يسمى عبثاً محطات البث الإذاعية والفضائية "بالقنوات"؛ فمن خلال الإعلام نتعرف على ثقافة وحضارة الآخر ونعرفه بثقافتنا وحضارتنا وهو في الحين ذاته؛ أي الإعلام جزء من الحالة الحضارية للأمة. بما معناه؛ لا يمكن الفصل بين المستوى المعرفي – الحضاري لشعب ما وبين درجة تطور إعلامه وهكذا يمكن أن نعتبر بأن الإعلام هو أحد مقاييس تطور شعب وحضارةً ما بحد ذاته.
فإذا اعتمدنا المقياس السابق وقسنا على أساسه الإعلام الكردي عموماً فمؤكدٌ إننا سوف نقول: إننا لا نملك إعلاماً كردياً يليق بالمرحلة التاريخية والتي نعيشها وذلك نتيجة لواقع الاحتلال والاغتصاب والذي يعيشه الشعب الكردي في عموم أجزاء كردستان وما أفرزته من واقعاً مأساوياً يعاني من الفقر والجهل والتخلف والأمراض الاجتماعية؛ حيث نستطيع أن نقول: بأن هذه الحكومات الغاصبة لكردستان وبطريقة منهجية عملت على الإبقاء على حالة التخلف لدى الكرد وكرسته بحيث أبقت المجتمعات الكردية عند حافة الحضارة ولم تسمح له أن تتجاوز المراحل الرعوية الزراعية والولوج إلى عصر المدينة والثورة الحضارية المعلوماتية والتي نعيشها.
ولكن وعلى الرغم من هذه المناخات الكارثية على المستوى الحضاري بالنسبة لأية أمة، ونتيجةً للثورة المعلوماتية والتي جعلت من العالم قرية كونية حقيقية وهجرة أعداد كبيرة من الكوادر والنخب الكردية إلى أوروبا واكتساب الخبرات هناك وغيرها من العوامل والشروط وأيضاً الإمكانيات والمناخ السياسي الديمقراطي الحر وغيرها من المسائل – وبالتأكيد لا نستطيع أن ننسى الدور والإمكانيات التي وفرتها بروز إقليم كردستان العراق ككيان جيوسياسي كردي – نعم.. فكل تلك الشروط ساهمت لأن يكون هناك إعلام كردي يحاول أن يواكب المرحلة الراهنة.
كيف يمكن للإعلام الكوردي الذي بات يترنح تحت وطأة الضربات المسمومة والقاتلة التي تشنها الأقلام المعادية وبطريقة إعلامية بحتة دون الوقوع في فخاخ تلك الأقلام التي غالبا ما تغادر ساحة الإعلام حيث لا يعلو صوت على صوت الحق والحقيقة ..؟!
* - إن كان الإعلام – وكما قلنا عند السؤال السابق – هو إحدى النوافذ التي نطل من خلاله على الآخر، فهو في الوقت نفسه أداة تعبيرية "نضالية"؛ تحاول من خلاله إيصال صوتك وقضيتك (مادتك الإعلامية) إلى الآخرين، وبالتالي ومن المؤكد فإنك سوف تحارب، بل وتقمع من الآخر المهيمن والمتسلط والمغتصب لثقافتك وتاريخك وجغرافيتك. فحال الإعلام الكردي من حال الشعب والقضية الكردية ونحن نعلم مدى حقد وضغينة بعض القومجيين والمتطرفين والسلفيين ونظرتهم تجاه المسائل والقضايا الكردية وما ينشرونه في الإعلام، فهؤلاء وبالتأكيد سوف يحاولون – وهذه مهمتهم ودورهم في الحياة – أن ينالوا من القضية الكردية والإعلام الكردي جزءٌ من تلك القضية.
فباعتقادنا وذلك على ضوء قراءتنا للمسائل والقضايا الجيوسياسية والحياتية عموماً، فإن الطرح الموضوعي للمسائل والصدقية في التعامل مع القضايا وأيضاً امتلاك الأداة المعرفية والكوادر المتخصصة والبرامج العلمية الحديثة و.. باختصار شديد؛ امتلاك المؤسسات الإعلامية "الحقيقية" سوف يكون رادعاً كفيلاً لتلك الأصوات وبالتالي نتجنب "الوقوع في فخاخ تلك الأقلام" والتي تحاول أن تجرنا إلى مهاترات ومواضيع هامشية، بل إلى صراع من نوع "صراع الديوك" ونحن بغنى عن هذه "المعارك الإصطبلاتية"؛ من إسطبل.. فلدينا ما تكفينا من المعارك ونحن بحاجة إلى كل طاقات أبنائنا لتكون لنا نافذة إعلامية "حقيقية" على الآخر.
لعل من أكبر أسباب نجاح الإعلام في الدول المتحضرة على المستوى الإنساني والتقني هي الحيز الكبير الذي يتمتع به صانعو الإعلام من الديمقراطية والحرية والمناورة.....
إذاً فكيف يمكن للإعلامي الكوردي أن يمارس مهنته كصحفي وكإعلامي بكامل الاستقلالية في ظل الظروف الصعبة وغير العادية بنجاح ..؟؟!
* - بكل تأكيد يعتبر الحرية شرط ضروري للحياة، ليس للإعلامي وحده بل لكل بني البشر، فبدون أجواء ومناخات سياسية حقيقية تتوفر فيها الحرية؛ حرية العمل وإبداء الرأي والكتابة الحرة والغير المشروطة والمقننة حسب التقاليد والأعراف والقيم الأخلاقية والدينية وأخيراً وليس آخراً ما أبدع بصدد "الخصوصية الديموقراطية".. نعم، بدون تلك الأجواء يصعب – إن لم نقل يستحيل –العمل؛ أي عمل وخاصةً السياسي ومن ضمنه الإعلامي. وهكذا وفي ظل هذه الشروط والمناخات السياسية والتي تتصف بقمع الحريات العامة وتكبيل الإعلام وإخضاعها لجير وجبروت "السلطان" وعلى امتداد رقعة جغرافية الشرق المبتلي بـ"ثقافة العنف" ونفي وإقصاء الآخر، فإن العمل الإعلامي يعتبر نوع من العمل الانتحاري؛ إن لم يكن مادياً فهو معنوياً ممارس بكل تأكيد.
فإذا أضفنا إلى هذه الشروط والأجواء ما هو خاص بالشعب والجغرافية الكردية؛ من واقع احتلال واغتصاب فسوف نتأكد بأن العمل السياسي الكردي والإعلامي على وجه التحديد منه هو حقيقةً يعتبر عمل بطولي ونضالي وهكذا يمكن اعتبار هؤلاء الذين يعملون في هذا الحقل "شهداء" مؤجلون ومنهم من يصبحون حتى "جنود مجهولين" ولولا عدالة القضية (أي قضية) – القضية والإعلام الكردي نموذجاً ومثالاً – و"إيمان" أبناءها بها، لما وجدنا اليوم هؤلاء "الجنود" والذين كرسوا ويكرسون جل طاقاتهم وحياتهم لتحقيق هذه المعادلة الصعبة؛ بأن تؤسس لإعلام حقيقي في ظل ظروف ومناخات تنسف كل ما تبنيه في سنوات بأمر من "سلطانٍ" جائرٍ مستبد وطاغيةٍ لا تجد في قاموسها السياسي غير كلمة "نعم".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جندريس-2006





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن