وهم العولمة

محمد أمين وشن
MOHAMINE.OUCHEN@YAHOO.FR

2006 / 9 / 4

بعد قرن طغت فيه الأفكار الاشتراكية و الديمقراطية و مبادئ العدالة الاجتماعية تلوح الآن في الأفق حركة مضادة تقتلع كل ما حققته الطبقة العاملة و الوسطى من مكاسب ، فزيادة البطالة و انخفاض الأجور و تدهور مستوى العيش و ابتعاد الحكومة عن التدخل في النشاط الاقتصادي (ما يفرزه السوق صالح أما تدخل الدولة فهو طالح) و تفاقم توزيع الدخل و الثروة بين المواطنين ،كل هذه الأمور ليست كما يبدو إلا عودة إلى الأوضاع عينها التي ميزت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي إبان مرحلة الثورة الصناعية (1750_1850)وهي أمور سوف تزداد سوءا مع السرعة التي تتحرك بها عجلتها ،هذه الحركة هي ما اصطلح عليه بالعولمة. فما هي العولمة؟و ما هي انعكاساتها على المجتمع؟
منذ فوز المحافظين في بريطانيا سنة1979 (تاتشر) و في الولايات المتحدة الأمريكية (ريجن) نادى مستشاراهما (فريدريش فون هايك) و( ميلتون فريدمان) على التوالي حكومتيهما بالحفاظ على الإطار العام للنظام الرأسمالي مؤكدين انه كلما تمتعت المشروعات بحرية اكبر بشان استثماراتها و استخدامها للأيدي العاملة كان النمو أكبر و المستوى الاقتصادي أعلى و بناء على ذلك راحت الحكومات الليبرالية النزعة تبذل جهدها في تحرير رأس المال من القيود و تلغي تدخل الدولة و لم تكتف بذلك فحسب بل راحت تضغط أيضا على الشركاء الرافضين الأخذ بهذا التوجه مهددين إياهم بعقوبات تجارية ووسائل ضغط أخرى.
و بناء على هذا فإن العولمة من خلال السياسات الليبرالية الحديثة التي تعتمد عليها إنما ترسم لنا صورة المستقبل بالرجوع إلى الماضي السحيق للرأسمالية ،فالحكومات أصبحت مرغمة على تخفيض الضرائب و خوصصة المشروعات العامة بالرغم من رفض شعوبها ،وكل هذا يتم تحت ذريعة المصلحة العامة ،لكن الحقيقة أو الغطاء الذي يتم بموجبه ذلك هو تحرير السوق المالية و التي اجبر صندوق النقد الدولي مختلف دول العالم على تطبيقه و بالتالي فقد أضحت العناصر الثلاثة:الليبرالية_التحرير_الخوصصة.إيديولوجية صارمة يخضع لها الجميع.
و تحت تأثير الركض وراء الأرباح بدأت جميع القطاعات تتنافس من اجل خفض كلفة الإنتاج فكان التسابق خاصة في الوصول بالجور لأدنى مستوى ممكن لكن المثير للملاحظة هو أن الأمر لم يعد يقتصر على العمال ذوي الوزرات الزرقاء و التي حلت الآلات محلهم بل أصبح يطال أيضا أصحاب الوزرات البيضاء(الوظائف المتوسطة) حيث تولى استخدام أجهزة الكمبيوتر مهمة الاستغناء عن آلاف الوظائف و المهن التي يقوم بها هؤلاء فأضحى ملايين العمال قربانا للسوق العالمية و لعل ما زاد الطين بلة هو الضغط الذي أصبح يمارسه أصحاب رؤوس الأموال على الحكومات مهددين إياهم بتهريب رؤوس الأموال ما لم تستجب لمطالبهم خاصة تعديل التشريعات التي كانت تحقق مكاسب للطبقة العاملة و هنا نستحضر وصف كارل ماركس للرأسمالية حيث قال:"إن الإنتاج الرأسمالي لا يميل في العموم إلى رفع متوسط الأجور و إنما إلى الضغط على قيمة العمل إلى أدنى مستوى".
أما مشاكل البلدان النامية خاصة الدول الإفريقية فان الدول الغنية أصبحت تتجاهل على نحو خطير مشاكلها حيث أن المساعدات التنموية التي كانت تعطى لهذه الدول أصبحت في خبر كان خصوصا بعد انتهاء الحرب الباردة و موت حوار شمال_جنوب و دخول البلدان النامية النفق المسدود للمديونية.
ولعل ما يثير السخرية حقا هو ما يزعمه مروجو قيم العولمة في أن طرفاها (الديمقراطية_السوق)متلازمان لكن الأمر الأرجح للصواب هو التعارض التام بينهما حيث أن الديمقراطية التي يتم الحديث عنها من طرف هؤلاء هي تلك التي تدافع و تحمي مصالح الأثرياء و تضر بالعمال و الطبقة الوسطى و هو ما نراه في الدعوة إلى تخفيض الأجور المستمر و الزيادة في ساعات العمل و إبعاد الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية بحجة أن السوق ينظم نفسه بنفسه و لعل ما يؤيد ترجيحنا و يزكيه هو أن الديمقراطية الحق هي التي تمارس فقط حينما يكون الناس في مأمن ضد الفقر و المرض و البطالة وان الدولة التي تقوم على أسس ديمقراطية لا يوجد لديها مواطنون فائضون عن الحاجة
و خلاصة القول هو أن فوضى العولمة أدت إلى التضحية بالعدالة الاجتماعية و تدمير التماسك الاجتماعي و إحداث خلل في البيئة و نمو الجريمة و العنف و تأجيج النزعة الشوفينية و التظاهرات و الاحتجاجات الجماهيرية و ارتفاع نسبة العداء للأجانب و زيادة التفكك السياسي و انتشار المخدرات و..........................



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن